يزيد بن الهاد
102 paragraphs · vol. 14, p. 399
Page 3 of 3
- vol. 14, p. 432
ومن حديثِ أبي ذَرٍّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "هي في كلِّ رَمَضان" (٤) .
-
وعن مَعْمَر، عن أيوب، عن أبي قِلابة، قال: ليلةُ القدرِ تنتقلُ في العَشْرِ الأواخرِ في كلِّ وترٍ (٥) .
قال أبو عُمر: هذا أصحُّ؛ لأنَّ ابنَ عُمرَ روَى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
vol. 14, p. 433"التمِسوها في العَشْرِ الأواخرِ في كلِّ وتر" (١) ، و "في التِّسْع الأواخر" (٢) . و "في السَّبْع الأواخرِ في كلِّ وتر" (٣) .
-
وقد رُوي من حديثِ عمرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عبدِ الخالق، قال (٤) : حدَّثنا يعقوبُ بنُ
vol. 14, p. 434إبراهيمَ بنِ كثير، حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريس، عن عاصمِ بنِ كُليب، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عُمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذكَر ليلةَ القدر فقال: "التمِسُوها في العَشْرِ الأواخرِ في وِتْرٍ منها" .
-
ورُوِيَ مثلُ ذلك من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدرِي وغيرِه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وقد روَى الدراوَرْديُّ حديثَ أبي سعيد، عن يزيدَ بنِ الهادِ بإسنادِه، وساقَه سياقةً حسنة، وذكَر فيه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرِفُ إذا اعتكَف العَشْرَ الوُسَطَ (١) ليلةَ إحدى وعشرين. وهذا يدُلُّ على أنَّ ذلك كان ليلًا، وهذا يرُدُّ روايةَ مَن روَى عن مالك في هذا الحديث: "وهي الليلةُ التي كان يخرُجُ من صُبْحتِها من اعتكافِه" ويُصحِّحُ روايةَ مَن روى: "وهي الليلةُ التي كان يخرُجُ فيها من اعتكافِه" .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد، قراءةً منِّي عليه، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحُسَيْنيَّ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفر الطحاويُّ، قال (٢) : حدَّثنا المُزَنيُّ،
vol. 14, p. 435قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (١) : حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجاورُ في رمضانَ العشرَ التي وَسَطَ الشهر، فإذا كان يُمسي من عشرين ليلةً تمضي وتَسْتَقْبِل إحدى وعشرين يرجعُ إلى مسكنِه، ويرجعُ مَن كان يجاورُ معه، ثم أقام في شهرٍ جاور فيه تلك الليلةَ التي كان يرجعُ فيها، فخطَب الناسَ، وأمرَهم بما شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ، فقال: "إنِّي كنتُ أجاورُ هذه العَشْرَ، ثم بدا لي أن أجاورَ هذه العَشْرَ الأواخر، فمَن كان اعتكَف معي، فليثْبُتْ في معتكفِه، وقد رأيتُ هذه الليلةَ ثم أُنْسِيتُها، فابتَغُوها في العَشْرِ الأواخر، وابتَغُوها في كلِّ وِتْرٍ، وقد رأيتُني صَبيحَتِها أسجُدُ في طِينٍ وماءٍ" .
قال أبو سعيد: فاشتَملتِ السّماءُ في تلك اللّيلةِ فأمطَرَتْ، فوَكَفَ المسجدُ في مُصلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليلةَ إحدى وعشرين، بَصَرُ عَيْني، نظَرْتُ إليه انصرَفَ من صلاةِ الصُّبْح وجِبيْنُه ممتَلئٌ طِينًا وماءً.
- vol. 14, p. 436
حديثٌ ثالثٌ ليزيدَ بنِ الهادِ
مالكٌ (١) ، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن أبي مُرّةَ مولى أُمِّ هانئ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو بنِ العاص، أنَّه دخلَ على أبيه عَمْرو بنِ العاص، فوَجدَه يأكلُ، قال: فدَعاني، قال: فقلت له: إنِّي صائمٌ، فقال: هذه الأيامُ التي نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن صِيامِهنَّ، وأمرَنا بفِطْرِهِنَّ. قال مالك: وهي أيامُ التّشريق (٢) .
- vol. 14, p. 437
هكذا يقول يزيدُ في هذا الحديث: عن أبي مرَّة مولى أمِّ هانئ. وأكثرُهم يقولون: مولى عَقِيلِ بنِ أبي طالب. واسمُه يزيدُ بنُ مرَّة.
وقال القَعْنَبِيُّ في هذا الحديث عن مالك: عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن أبي مرَّةَ مولى أم هانئ، أنه دخَل مع عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص على أبيه عَمْرِو بنِ العاص (١) . وكذلك قال روحُ بنُ عُبادةَ عن مالك (٢) .
-
وكذلك قال الليث: عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن أبي مرَّةَ مولى عَقِيل، أنه دخَل هو وعبدُ الله بنُ عَمْرو بنِ العاص على عَمْرِو بنِ العاص. وذكَر مثلَ حديثِ مالك (٣) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجهْم السِّمَّريُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، عن مالك، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن أبي مرَّةَ مولى أم هانئ، أنه دخَل مع عبدِ الله بنِ عَمْرٍو على أبيه عَمْرو بنِ العاص، فقرَّب إليهما طعامًا، قال: كل. قال: إني صائم. فقال عَمْرو: كُلْ؛ فهذه الأيامُ التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرُنا بفطرِها، ويَنْهَى عن صيامِها. قال مالك: وهي أيامُ التشريق (٤) .
-
وقد رُوِي هذا الحديثُ عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وإنما هو عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٥) ، وأحسنُ أسانيدِ حديثِ
vol. 14, p. 438عَمْرِو بنِ العاص هذا، إسنادُ حديث مالك هذا، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن أبي مرَّة، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن أبيه.
-
وقد روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن صيام أيام التشريقِ جماعةٌ من الصحابة؛ منهم: عليُّ بنُ أبي طالب (١) ، وعبدُ الله بنُ حذافة (٢) ، وبشرُ بنُ سُحَيم (٣) ، وعَمْرُو بنُ العاص (٤) ، وعقبةُ بنُ عامر.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٥) ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ علي، قالة حدَّثنا وَهْبٌ (٦) ، قال:
vol. 14, p. 439حدَّثنا موسى بنُ عُلَيٍّ، وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا وكيع، عن موسى بن عُلَيٍّ - والإخبارُ في حديثِ وَهْب (٢) - قال: سمِعتُ أبي، أنه سمِع عقبةَ بنَ عامر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يومُ عرفة، ويومُ النحر، وأيامُ التشريق، عيدُنا أهلَ الإسلام، وهي أيامُ أكلٍ وشرب" .
-
لا يوجدُ ذِكْرُ يوم عرفةَ في غيرِ هذا الحديث؛ وقد مضَى القولُ في ذلك في غير هذا الباب من هذا الكتاب، منها بابُ ابنِ شهاب، وبابُ أبي النَّضْر، ومضَى هنالك كثير من معاني هذا الباب، والحمدُ للّه.
-
واختلف الفقهاءُ في صيام أيام التشريق للمُتمتِّع إذا لم يجدِ الهَدْيَ ولم يصُمْ قبلَ يوم النحر، ولمَن نذرَ صومَها أو صوْمَ بعضِها؛ فذكَر ابنُ عبدِ الحكم عن مالك (٣) ، قال: لا بأسَ بصيام الدّهْر إذا أفطرَ يومَ الفطر، ويومَ النحر، وأيامَ التشريق؛ لنَهْي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامِها.
وقال في موضع آخر: ولا يَتطوَّعُ أحد بصيام أيام منًى (٤) .
-
وروَى ابنُ وَهْب عن مالك، قال: لا يصامُ يومُ الفطر، ويومُ النحر، وأيامُ التَّشْريق (٥) .
- vol. 14, p. 440
وروَى ابنُ القاسم (١) عن مالك، قال: لا يصومُ أحدٌ يومَ الفِطْرِ ولا يومَ النَّحْرِ بحالٍ من الأحوال، ولا ينبغي لأحدٍ أن يصومَ أيامَ الذَّبح الثلاثة.
قال: وأما اليومان اللذان بعدَ يوم النَّحْر، فلا يصومُهما أحدٌ متطوعًا، ولا يقضي فيهما صيامًا واجبًا من نذرٍ ولا رمضان، ولا يصومُهما إلّا المتمتعُ الذي لم يصُمْ في الحجِّ ولم يجدِ الهدي.
قال: وأما آخرُ أيام التشريق فيصامُ إن نذَره رجلٌ، أو نذَر صيامَ ذي الحجة، فأما قضاءُ رمضانَ أو غيرِه فلا يفعلُ، إلّا أن يكونَ قد صام قبلَ ذلك صيامًا متتابعًا فمرِض ثم صحَّ وقويَ على الصيام في هذا اليوم، فيَبْني على الصيام الذي كان صامه في الظِّهار أو قَتْلِ النَّفْس، وأمّا رمضانُ خاصةً فإنه لا يصومُه عنه (٢) .
وقال الشافعيُّ في رواية الرَّبيع والمُزني (٣) : ولا يصامُ يومُ الفطر، ولا يومُ النحر، ولا أيامُ منًى، فرضًا ولا تطوعًا، ولو صامها متمتعٌ لم يجدْ هديًا لم يُجزِئ عنه بحال. قال المُزنيُّ: وقد قال مرة: يُجزِئ عنه. ثم رجَع عنه. وأصحابُ الشافعيِّ على القولين جميعًا.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه وابنُ عُليّة: لا يصوم يوم الفطرِ ولا يومُ النحرِ ولا أيامُ التشريقِ على حال، ومَن نذَر صيامَها لم يَجُزْ له، وقضاها، ولا يصومُها المتمتعُ ولا غيرُه (٤) .
وقال الليثُ: لا يصومُ أحدٌ أيامَ منًى، متمتعٌ ولا غيرُه. والحجةُ لمذهبِ الليثِ ومَن قال كقوله، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر مناديَه فنادَى في أيام التشريق: "إنها أيامُ
vol. 14, p. 441أكلٍ وشرب". ونَهَى عن صيامِها، وقد عُلِمَ أنّ في أصحابه من المُتمتِّعينَ مَن يمكنُ أن يكونَ لا يجدُ هدْيًا، وحقيقةُ النَّهْي حملُه على العُموم، إلا أن يُتَّفقَ على أنه أُريد به الخُصوص. وقد رُوِيَ عن عُمرَ (١) وابنِ عبّاس (٢) أنهما نَهَيا المتمتعَ عن صيامِ أيام منًى، وقد أجمعوا على أن النهيَ عن صيامِ يومِ النحرِ ويومِ الفطرِ نَهْيُ عُموم، فكذلك نهيُه عن صيامِ أيامِ منًى. هذه جملةُ ما احتَجَّ به الكوفيُّونَ ومَن قال بقولهم في ذلك.
-
ومن حجةِ مَن أجاز صيامَ أيامِ التشريقِ للمتمتع إذا لم يجدِ الهَدْي، عُمومُ قولِ الله عزَّ وجلَّ في المتمتع: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٦] . ومعلومٌ أنها من أيام الحجِّ؛ لما فيها من عمَلِه، فبهذا قلنا: إن النهيَ خرَج على التطوُّع بها، كنَهْيِه عن الصلاةِ بعد العصرِ والصُّبح، على ما قد ذكَرناه، والحمدُ للّه.
قال أبو عُمر: تحصيلُ مذهبِ مالكٍ في صيامِ المُتَمتِّع إذا لم يجدِ الهَدْيَ ولم يصُم الثلاثةَ الأيام في الحجِّ أنه يصومُ أيامَ التشريق (٣) . وهو قولُ ابنِ عُمرَ (٤) وعائشة (٥) ، وهو أحدُ قولي الشافعيّ.
قال مالكٌ (٦) : فإن فاته صيامُ أيامِ الشريقِ صام العشَرةَ كلَّها إذا رجَع إلى بلادِه وأجزَأه، وإن وجَد هديًا بعدَ رجوعِه أهدَى ولم يَصُمْ.
vol. 14, p. 442قال أبو عُمر: رُوِيَ عن ابنِ عُمر، والزُّبير، وأبي طَلْحة، والأسودِ بنِ يزيد، أنهم كانوا يصومون أيامَ التشريقِ تطوعًا (١) . وليس ذلك بصحيح عنهم، ولو صحَّ كانت الحُجّةُ فيما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا فيما جاء عنهم، وجماعةُ العلماءِ والفقهاءِ على كراهيةِ صيام أيام التشريق تطوعًا، وباللّه التوفيق.
-
وأيامُ التَّشْريق هي أيامُ منًى وأيامُ الذَّبْح بعدَ يومِ النَّحْرِ عندَ جماعةٍ من أهلِ العلم. وقد اختلف العلماءُ في أيام الذَّبْح للأضْحى، وقد ذكَرْنا اختلافَهُم في ذلك في باب يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسارٍ من هذا الكتاب (٢) ، والحمدُ للّه.
-
وفي اشتقاقِ أيام التَّشْريق لأهل اللُّغة قولان:
أحدُهما: أنّها سُمِّيت بذلكَ لأنَّ الذَّبْحَ فيها يجبُ بعدَ شُروق الشَّمس.
-
والآخر: إنَّما سُمِّيت بذلك، لأنّهم كانوا يُشَرِّقون فيها لُحومَ الأضاحي إذا قُدِّدَت، قاله قتادة (٣) .
-
وقولٌ ثالثٌ: إنّما سُمِّيتْ أيامَ التَّشْريق، لأنّهم كانوا يُشرِّقُونَ للشَّمْسِ في غيرِ بُيوتٍ ولا أبنيةٍ للحجِّ. هذا قولُ أبي جعفر محمدِ بنِ عليٍّ (٤) ، والثاني قول قتادة.