يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5
Page 14 of 32
- vol. 15, p. 223
وروَى عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، عن سُفيانَ الثوريِّ، عن محمدِ بنِ المُنكَدِر قال: قال ابنُ عُمرَ حينَ بُويعَ يزيدُ بنُ مُعاوية: إن كان خيرًا رضينا، وإن كان بلاءً صبَرْنا (٢) .
-
وأما قوله: "وألّا نُنازعَ الأمرَ أهلَه" فاختلَف الناسُ في ذلك؛ فقال قائلون: أهلُه أهلُ العدلِ والإحسانِ والفضلِ والدين، فهؤلاء لا يُنازَعُون لأنّهم أهلُه،
vol. 15, p. 224وأما أهلُ الجَورِ والفسقِ والظُّلم فليسُوا له بأهل، ألا ترَى إلى قولِ الله عزَّ وجلَّ لإبراهيمَ عليه السلام، قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: ١٢٤] .
-
وإلى منازعةِ الظالم الجائرِ ذهَبت طوائفُ من المعتزلةِ وعامةُ الخوارج، وأما أهلُ الحقِّ، وهم أهلُ السُّنة، فقالوا: هذا هو الاختيارُ أن يكونَ الإمامُ فاضلًا عدْلًا مُحسِنًا، فإن لم يكنْ فالصبرُ على طاعةِ الجائرِ من الأئمَّةِ أوْلى من الخروج عليه؛ لأنَّ في منازعتِه والخروجِ عليه استبدالَ الأمنِ بالخوف (١) ، ولأنّ ذلك يَحمِلُ على هِراقةِ الدِّماء وشنِّ الغاراتِ والفسادِ في الأرض، وذلك أعظمُ من الصَّبرِ على جَوْره وفِسْقِه، والأصولُ تشهَدُ والعقلُ والدِّينُ: أنَّ أعظمَ المكروهَيْنِ أولاهُما بالترك، وكلُّ إمام يُقيمُ الجمُعةَ والعيدَ، ويُجاهِدُ العدوَّ، ويُقيمُ الحُدودَ على أهل العَداء، ويُنصفُ الناسَ من مظالمِهم بعضِهم لبعض، وتَسكُنُ له الدَّهْماء، وتأمَنُ به السُّبلُ، فواجبٌ طاعتُه في كلِّ ما يأمُرُ به من الصَّلاح أو منَ المُباح.
-
حدّثني خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُليمانَ ومحمدُ بنُ عُمر، قالا: حدَّثنا أبو زيدِ عبدُ الرحمن بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، عن الأعمش، عن زيد بنِ وَهْب، عن عبدِ الرحمن بنِ عبدِ ربِّ الكعبة، عن عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص، قال: كنّا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فنزَلْنا منزلًا، فمِنّا من يَنتَضِلُ، ومنّا مَن يُصلِحُ خِباءَه، ومنّا مَن هو في جَشَرِه، إذ نادَى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الصلاةَ جامعةً. فانتهَيتُ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: "إنه لم يكنْ نبيٌّ قبْلي إلا كان لله عليه حقًّا أن يدُلُّ أُمَّتَه على الذي هو خيرٌ لهم، ويُنذرَهم الذي هو شرٌّ لهم، وإنَّ هذه الأمةَ جُعِلت عافيتُها في أوَّلها، وسيُصيبُ
vol. 15, p. 225آخرَها بلاءٌ وأمورٌ يُنكِرونَها، وفتنٌ يَدْفِقُ (١) بعضُها بعضًا، تجيءُ الفتنةُ فيقولُ المؤمن: هذه مُهلِكَتي، ثم تنكَشِفُ. ثم تجيءُ أخرى فيقول: هذِه هذِه، ثم تنكَشِفُ. فمَن أحبَّ أن يُزَحْزَحَ عن النارِ ويُدخَلَ الجنة، فلتُدْرِكْه منيَّتُه وهو يُؤمنُ بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناسِ ما يُحبُّ أن يُؤتى إليه، ومَن بايَع إمامًا فأعطاه صفْقةَ يمينِه وثمرةَ قلبه، فليُطِعْه ما استطاع، فإن جاء أحدٌ يُنازِعُه فاضرِبُوا عُنقَ الآخَر".
قال عبدُ الرحمن: ففرَّجتُ في الناسِ فقلت: أنتَ سمِعتَ هذا من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: سمِعَتْهُ أُذنايَ ووعاه قلبي. قلت: إنّ هذا ابنَ عمِّك مُعاويةَ يأمرُنا أن نأكُلَ أموالَنا بينَنا بالباطل، ونقتُلَ أنفُسَنا، واللهُ يقول: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: ١٨٨، النساء: ٢٩] . {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: ٢٩] . قال: فضرَب بيدِه على جبهتِه وأكبَّ طويلًا، ثم قال: أطِعْه فيما أطاع الله، واعْصِه فيما عصىَ الله (٢) .
vol. 15, p. 226قال أبو عُمر: قوله في هذا الحديث: "ومنّا من يَنتَضِلُ" فإنه يريدُ الرميَ إلى الأغراض.
-
وقوله: "ومنّا من هو في جَشَرِه" يريدُ أنه خرَج في إبلِه يرعاها.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ فتح وعبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ إسحاقُ بنُ بُنانِ بنِ مَعْنٍ الأنماطيُّ البغداديُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تَعِسَ عبدُ الدِّينار، وعبدُ الدرهم، وعبدُ القطيفة، وعبدُ الخَميصَة؛ إن أُعطيَ رضي، وإن لم يُعْطَ لم يَفِ" (١) .
-
وأما قوله: "وأن نقوم، أو نقول، بالحقِّ" فالشكُّ من المحدِّث، إمّا يحيى بنُ سعيد، وإما مالكٌ، فإنه لم يُختلَفْ عن مالكٍ في ذلك، وفي ذلك دليلٌ على الإتيانِ بالألفاظِ ومُراعاتها، وقد بيَّنّا هذا المعنى في كتاب "العلم" (٢) .
-
وأما قوله: "لا نخافُ في الله لومةَ لائم" فقد أجمَع المسلمون أن المنكَرَ واجبٌ تغييرُه على كلِّ مَن قدَر عليه، وإنه إذا لم يَلحَقْه في تغييرِه إلا اللومُ الذي لا يَتعدَّى إلى الأذى، فإن ذلك لا يَجبُ أن يَمنعَه من تغييرِه بيدِه، فإن لم يَقدِرْ فبلسانِه، فإن لم يَقدِرْ فبقلبِه، ليس عليه أكثرُ من ذلك، وإذا أنكَره بقلبه فقد أدَّى ما عليه إذا لم يَستَطِعْ سوى ذلك، والأحاديثُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تأكيدِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي
vol. 15, p. 227عن المُنكَرِ كثيرةٌ جدًّا، ولكنَّها كلَّها مقيَّدةٌ بالاستطاعة. قال أبو ذرٍّ: أوْصاني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقولَ الحقَّ وإن كان مُرًّا، وألّا أخافَ في الله لومةَ لائم (١) . وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وجوهٍ أنه قال: "أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ ذي سلطان" (٢) .
وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: ٧٨] . ولما وجَبَتْ مجاهدةُ الكفارِ حتى يَظهرَ دينُ الله، فكذلك كلُّ مَن عانَد الحقَّ من أهلِ الباطل، واجبٌ مجاهدتُه على من قدَر عليه حتى يَظهرَ الحقُّ.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن، عن سُفيان، عن زُبيد (٤) ، عن الشعبيِّ، عن أبي جُحَيفةَ قال: قال عليٌّ: الجهادُ بثلاثةٍ؛ باليدِ واللِّسانِ والقَلْب، فأولُها اليدُ، ثم اللسانُ، ثم القلبُ، فإذا كان لا يَعرِفُ معروفًا ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، نُكِّس فجُعِل أعلاه أسفلَه (٥) .
- vol. 15, p. 228
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن مُعاويةَ بنِ إسحاق، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباس: آمُرُ بالمعروفِ وأنهى عن المنكر؟ قال: إن خَشِيتَ أن يُقتُلَكَ فلا (١) .
-
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى بنِ جميل، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ (٢) ، قال: أخبرنا الأصمعيُّ، عن أبي الأشهب، عن الحسن، قال: إنما يُكلَّمُ مؤمنٌ يُرجَى، أو جاهلٌ يُعَلَّمُ، فأما مَن وضَع سيفَه أو سَوْطَه، وقال لك: اتَّقِني اتَّقِني. فما لكَ وله.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أيوب (٣) ، عن مُطرِّفِ بنِ الشِّخِّير، أنه كان يقول: لئن لم يكنْ لي دينٌ حتى أقومَ إلى رجُل معه مئةُ ألفِ سيفٍ أرْمي إليه كلمةً فيَقتُلَني، إنَّ ديني إذن لضيِّقٌ.
- vol. 15, p. 229
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا ابنُ بشار، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن، قال: حدَّثنا سُفيان. وحدَّثنا أحمدُ (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، جميعًا عن قيسِ بنِ مُسلم، عن طارقِ بنِ شهاب، قال: جاء عِتْريسُ بنُ عُرقوب إلى عبدِ الله فقال: هَلَك مَن لم يأمُرْ بالمعروفِ وَينْهَ عن المنكر. فقال عبدُ الله: بل هَلَك مَن لم يَعرِفِ المعروفَ بقلبِه، ويُنكِرِ المنكرَ بقلبِه (٢) .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عمير، قال: سمِعتُ ربيعَ بنَ عُمَيْلةَ قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقول: حَسْبُ المؤمنِ إذا رأى منكرًا لا يَستطيعُ تغييرَه أن يَعلمَ اللهُ من قلبِه أنه له (٣) كارهٌ (٤) .
- vol. 15, p. 230
حدَّثنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي حَسّان، عن ابنِ لَهِيعة، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَحِلُّ لمؤمنٍ أن يُذِلَّ نفسَه" . قالوا: يا رسولَ الله، وما إذلالُه نفسَه؟ قال: "يَتعرَّضُ من البلاءِ لما لا يقومُ له" (٢) .
-
وقد زِدْنا هذا المعنى بيانًا بالآثارِ في بابِ بلاغ مالكٍ عن أمِّ سَلَمةَ قولهَا: يا رسولَ الله، أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ وأشْبَعْناه هناك (٣) ، والحمدُ لله، وبه التوفيق.
- vol. 15, p. 231
يحيى عن محمد بن يحيى بن حَبّان أربعة أحاديث (١) حديثٌ حادي وثلاثون ليَحيى بن سعيدٍ
مالكٌ (٢) ، عن يَحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، أنّ زيدَ بنَ خالدٍ الجُهَنيَّ قال: توفّي رجلٌ يومَ خيبر، وأنّهم ذكَروا ذلك لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فزَعَم أنه قال: "صلُّوا على صاحبكُم" فتغيَّرتْ وُجوهُ الناس لذلك، فزعَمَ زيدٌ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّ صاحِبَكُم قد غَلَّ في سبيلِ الله" قال: ففتَحْنا متاعَهُ، فوجَدْنا خَرَزاتٍ من خَرَزِ يهودَ ما تُساوِينَ دِرهَمين.
-
هكذا في كتاب يَحيى وروايتِه: عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، أنّ زيدَ بنَ خالد. لم يقل: عن أبي عَمْرة، ولا عن ابنِ أبي عَمْرة. وهو غلطٌ منه، وسقَطَ من كتابه ذِكْرُ أبي عَمْرة.
-
واختلف أصحابُ مالكٍ في أبي عَمْرة، أو ابنِ أبي عَمْرةَ في هذا الحديث أيضًا: فقال القَعنبيُّ (٣) ، وابنُ القاسم (٤) ، ومعنُ بنُ عيسى، وأبو المُصعَب (٥) ، وسعيدُ بنُ عُفير، وأكثر النسخ عن ابن بُكَير، كلُّهم قالوا في هذا الحديث: عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن ابنِ أبي عَمْرةَ، أنّ زيدَ بنَ خالدٍ الجُهنيِّ قال: توفِّي رجل؛ فذكَروا الحديث.
- vol. 15, p. 232
وقال ابنُ وَهْب (١) ، ومصعبٌ الزُّبيري (٢) ، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن أبي عَمْرةَ، عن زيدِ بنِ خالد.
-
وابنُ وَهْب يقول في حديث: ألا أُخبرُكم بخيرِ الشُّهداء: مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكر، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ عثمان، عن ابنِ أبي عَمْرة. وسمّاهُ عبدُ الرحمن (٣) ؛ واختلافُ أصحابِ مالكٍ عن مالكٍ في إسناد حديثِ عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ هذا، أكثرُ من اختلافهم عنه في إسنادِ يحيى بنِ سعيدٍ هذا، وقد ذكرْنا ذلك في باب عبدِ الله بنِ أبي بكر.
-
وروى ابنُ جُريج (٤) ، وحَمّادُ بنُ زيد (٥) ، وابنُ عُيينة (٦) ، عن يحيى بنِ سعيد، هذا الحديث، فقالوا فيه: عن محمدِ بنِ يحيى، عن أبي عَمْرة، كما قال ابنُ وَهْب، ومُصعب.
vol. 15, p. 233وقالت فيه طائفة: عن ابنِ أبي عَمْرة، وكان عند أكثر شُيوخِنا في الموطأ عن يحيى في هذا الحديث: توفِّي رجلٌ يومَ حُنين. وهو وهمٌ، وإنّما هو يومُ خيبر. وعلى ذلك جماعةُ الرُّواة، وهو الصَّحيحُ، والدّليلُ على صحّتِه قوله: "فوَجَدْنا خَرَزاتٍ من خرَزاتِ يهودَ" ولم يكن بحُنينٍ يهودُ، واللهُ أعلم.
-
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "صلُّوا على صاحِبكُم" فإنّ ذلك كان كالتّشديدِ بغير الميِّتِ من أجل أنّ الميِّتَ قد غَلَّ لينتهيَ الناسُ عن الغُلولِ لِمَا رأوا من ترْكِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ على مَن غَلَّ، وكانت صلاتُه على مَن صلَّى عليه رحمةً، فلهذا لم يُصَلِّ عليه عقوبةً له وتشديدًا لغيرِه، واللهُ أعلم.
-
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلُّوا على صاحِبكُم" دليل على أنّ الذُّنوبَ لا تُخرِجُ المُذنِبَ عن الإيمان، لأنه لو كفرَ بغُلولِه - كما زعمَتِ الخوارجُ - لم يكن ليأمُرَ بالصَّلاة عليه، فإنّ الكافرَ والمشركَ لا يصلِّي عليه المسلمون؛ لا أهلُ الفَضْل ولا غيرُهم، ويجوزُ أن يكونَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَلِمَ أنّ ذلك الميِّتَ قد كان غَلَّ بوَحْيٍ من الله، ويجوزُ بغير ذلك، واللهُ أعلم.
-
وقد ذكَرْنا أحكامَ الغُلول وعُقوبةَ الغالِّ وما للعُلماء في ذلك كلّه مُمهّدًا في باب ثوْرِ بنِ زيد (١) من هذا الكتاب، والحمدُ لله، وبه التوفيق.
- vol. 15, p. 234
حديثٌ ثانٍ وثلاثون ليَحيى بنِ سعيدٍ (١)
-
مالكٌ (٢) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبّان، عن ابنِ مُحَيريز، أنَّ رجلًا من كِنانةَ يُدعى المُخْدَجيَّ سمِعَ رجلًا بالشام يُكنى أبا محمدٍ يقول: إنَّ الوِتْرَ واجبٌ. قال المُخْدَجيُّ: فرُحتُ إلى عُبادةَ بنِ الصّامت، فاعترَضتُ له وهو رائحٌ إلى المسجد، فأخبَرتُه بالذي قال أبو محمد، قال عُبادةُ: كذَب أبو محمد، سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمسُ صلواتٍ كتبَهُنَّ اللهُ عزَّ وجلَّ على العباد، فمَن جاءَ بهنَّ لم يُضيِّعْ منهنَّ شيئًا استِخْفافًا بحَقِّهِنَّ، كان له عندَ الله عهدٌ أن يُدخِلَه الجنّة. ومَن لم يأتِ بهِنَّ فليس له عندَ الله عهدٌ، إن شاءَ عذَّبه، وإن شاءَ أدخَلَه الجنَة" .
-
لم يُختلَف عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث (٣) ، فهو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ،
vol. 15, p. 235رواه عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّانَ جماعةٌ؛ منهم: يحيى بنُ سعيد (١) ، وعبدُ ربِّه بنُ سعيد (٢) ، ومحمدُ بنُ إسحاق (٣) ، وعُقَيلُ بنُ خالد، ومحمدُ بنُ عَجْلان، وغيرُهم بهذا الإسنادِ ومعناه سواءً، إلا أن ابنَ عَجْلانَ وعُقَيْلًا لم يَذْكُرا المُخْدَجيَّ في إسنادِه، فيما روَى الليثُ عنهما (٤) .
-
ورواه الليثُ أيضًا عن يحيى بنِ سعيدٍ كما رواه مالكٌ سواءً (٥) .
-
وإنما قلنا: إنه حديثٌ ثابتٌ؛ لأنه رُوِيَ عن عُبادةَ من طرقٍ ثابتةٍ صحاحٍ من غير طريقِ المُخْدَجيِّ بمثل روايةِ المُخْدَجيِّ.
-
فأمّا ابنُ مُحَيريز: فهو عبدُ الله بنُ مُحَيريز (٦) ، وهو من جِلَّةِ التابعين، وهو معدودٌ في الشاميين، يروي عن مُعاذِ بنِ جَبَل، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، ومُعاوية، وأبي مَحْذورة، وغيرهم، توفِّي في خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ الملك.
-
وأمّا المُخْدَجيُّ فإنه لا يُعرَفُ بغيرِ هذا الحديث، وقال مالك: المُخْدَجيُّ لقبٌ وليس بنسَبٍ في شيءٍ من قبائل العرب. وقيل: إنَّ المُخْدَجيَّ اسمُه رُفَيْعٌ. ذُكِر ذلك عن يحيى بن معين.
- vol. 15, p. 236
وأما أبو محمدٍ فيقال: إنه مسعودُ بنُ أوسٍ الأنصاريُّ. ويقال: سَعْدُ بنُ أوس. ويقال: إنه بَدْرِيٌّ. وقد ذكَرناه في الصحابة (١) .
-
وفي هذا الحديثِ من الفقه دليلٌ على ما كان القومُ عليه من البحثِ عن العلم، والاجتهادِ في الوقوفِ على الصِّحة منه، وطلبِ الحُجّة، وتَرْكِ التقليدِ المؤدِّي إلى ذهابِ العلم.
-
وفيه دليلٌ على أنّ السلَفِ مَن قال بوُجوب الوِتْر. وهو مذهبُ أبي حنيفة، وقد ذكَرنا وجهَ قوله، والحُجّةَ عليه في غير موضع من كتابنا هذا (٢) ، والحمدُ لله.
-
وقد روَى أبو عِصْمةَ نوحُ بنُ أبي مريم، عن أبانِ بنِ أبي عياش، عن عِكْرمة، عن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الوِتْرُ عليَّ فريضةٌ وهو لكم تطوُّعٌ، والأضحَى عليَّ فريضةٌ وهو لكم تطوُّعٌ، والغُسْلُ يومَ الجمعةِ عليَّ فريضةٌ وهو لكم تطوُّعٌ" (٣) . وهذا حديثٌ منكرٌ لا أصلَ له، ونوحُ بنُ أبي مريمَ ضعيفٌ متروك، ويقال: اسمُ أبيه أبي مريمَ يزيدُ بنُ جَعْوَنة (٤) ، وكان أبو عصمةَ هذا قاضي مَرْوٍ، مجتمَعٌ على ضعفِه، وكذلك أبانُ بنُ أبي عياشٍ مجتمَعٌ على ضعفِه وترْكِ حديثه.
-
وفيه أن الصلَواتِ المكتوباتِ المفتَرضاتِ خمسٌ لا غيرُ، وهذا محفوظٌ في غيرِ ما حديث.
-
وفيه دليلٌ على أن مَن لم يُصلِّ من المُسلمين في مشيئةِ الله، إذا كان موحِّدًا مؤمِنًا بما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - مصدِّقًا مقرًّا وإن لم يعمل، وهذا يَردُّ قولَ المعتزلةِ
vol. 15, p. 237والخوارج بأسرِها. ألا تَرى أن المقرَّ بالإسلام في حينِ دخولِه فيه يكونُ مسلمًا قبل الدُّخولِ في عمل الصلاةِ وصوم رمضان، بإقرارِه واعتقادِه وعُقْدَةِ نيَّتِه؟ فمِن جهةِ النظرِ لا يجبُ أن يكونَ كافرًا إلا بدَفْع ما كان به مسلمًا، وهو الجُحودُ لما كان قد أقرَّ به واعتقَده، واللهُ أعلم.
-
وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في قتْل مَنْ أبى من عملِ الصلاةِ إذا كان بها مُقِرًّا، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب (١) ، والحمدُ لله.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ عَجْلان، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن عبدِ الله بنِ مُحَيريز، عن المُخْدَجيِّ، قال: قيل لعُبادةَ بنِ الصّامت: إن أبا محمدٍ يقول: الوترُ واجبٌ. قال: وكان أبو محمدٍ رجلًا من الأنصار. فقال عُبادة: كَذَبَ أبو محمد، سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمسُ صلواتٍ كتَبهن اللهُ على العبادِ في اليوم والليلة، مَن أتى بهنَّ لم ينتقِصْ من حقِّهنَّ شيئًا استخفافًا بهنَّ كان حقًّا على الله أن يُدْخِلَه الجنة، ومَن لم يأتِ بهنَّ فليس له عندَ الله عهدٌ، إن شاء غفَر له، وإن شاء عذَّبه" .