يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله

1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5

Page 13 of 32

  1. روَى جُنادةُ بنُ أبي أُميّة، عن عُبادةَ بنِ الصامت، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقومُ في الجنازة حتى تُوضَعَ في اللَّحد، فمرَّ حَبْرٌ من أحبارِ اليهود، فقال: هكذا نفعَلُ. فجلَس النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقال: "اجلِسُوا وخالِفُوهم" . ذكَره أبو داودَ بإسنادِه (١) .

    vol. 15, p. 205
  2. وروى الثوريُّ، عن ليثِ بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عن عليِّ بنِ أبي طالب، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يتشبَّهُ بأهل الكتاب فيما لم يَنزِلْ فيه وحيٌ، وكان يقومُ للجِنازة، فلما نُهيَ انتهَى (٢) .

  3. ورواه ابنُ عُيينة، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عبدِ الله بنِ سَخْبَرةَ الأزديِّ قال: كانوا عندَ عليِّ بنِ أبي طالب، فمرَّت بهم جِنازةٌ فقاموا لها، فقال

    vol. 15, p. 206عليٌّ: ما هذا؟ فقالوا: أمرُ أبي موسى الأشعريِّ. فقال: إنّما قامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مرّةً (١) واحدةً ثم لم يَعُدْ (٢) .

  4. واختلَف العلماءُ في هذا الباب، فممَّن رُوِيَ عنه أنه قال بالأحاديثِ التي زعَمْنا أنها منسوخةٌ واستعمَلها ولم يرَها منسوخةً، وقالوا: لا يَجلِسُ مَن اتَّبعَ الجِنازةَ حتى تُوضَعَ من أعناقِ الرِّجال: الحسنُ بنُ عليٍّ، وأبو هُريرة، والمِسْورُ بنُ مَخرَمة، وابنُ عُمر، وابنُ الزُّبير، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ، وأبو موسى الأشعريُّ، والنَّخَعيُّ، والشَّعبيُّ، وابنُ سيرين (٣) .

  5. وذهَب إلى ذلك الأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق. وبه قال محمدُ بنُ الحسن (٤) . وحُجَّتُهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شيَّعتُم جِنازةً فلا تجلِسوا حتى تُوضَعَ" (٥) .

  6. ورُوِيَ عن أبي مسعودٍ البدريِّ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وقيسِ بنِ سَعْد، وسَهْلِ بنِ حُنَيف، وسالم، أنهم كانوا يقومون للجِنازةِ إذا مرَّت بهم (٦) .

    vol. 15, p. 207وقال أحمدُ، وإسحاق (١) : مَن قام لها لم أعِبْه، ومَن قعَد فغيرُ آثم. وحجةُ هؤلاء قوله: "إذا رأيتم الجِنازةَ فقوموا؛ فإن الموتَ فَزَعٌ" (٢) .

  7. وروَى عليُّ بنُ أبي طالب، وعبدُ الله بنُ عباس: أن القيامَ في الجِنازةِ كان قبلَ الأمرِ بالجلوس. فبانَ بذلك أنهما عَلِما الناسخَ في ذلك من المنسُوخ، وليس على مَن لم يقف على ذلك نقيصةٌ في تمادِيه على ما علم، بل هو الواجبُ عليه حتى يعلَمَ أنّ ذلك قد رُفِع حُكمُه ونُسِخ. وقد زَعَم بعضُ العلماءِ أن عِلْمَ الناسخ منَ المنسوخ في الحديث أشدُّ تعذُّرًا من علم ناسخ القرآنِ ومنسُوخِه، ولذلك قال ابنُ شهاب، واللهُ أعلم: أعيا الفقهاءَ أن يعرِفوا ناسخَ حديثِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من منسوخِه (٣) .

    قال أبو عُمر: لأنَّ ذلك لا يصحُّ إلا بعلم الآخرِ من الأولِ في غيرِ بابِ الإباحة، وذلك إنما يُوقَفُ عليه بنصٍّ أو تاريخ.

  8. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن محمد: أنَّ جِنازةً مرَّت بعبدِ الله بنِ عباس والحَسَنِ بنِ عليٍّ، فقعَد ابنُ عباسٍ وقام الحسنُ، فقال الحسنُ: أليس قد قامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لجنازةِ يهوديٍّ؟ فقال ابنُ عباس: بلى، وجلَس بعدُ (٤) .

    vol. 15, p. 208قال أبو عُمر: الصوابُ في هذا الباب المصيرُ إلى ما قال عليٌّ وابنُ عباس، فقد حفِظَا الوجهَين جميعًا، وعرَّفا الناسَ أنَّ الجلوسَ كان من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ القيام، فوجَب امتثالُ ذلك من سنَّته، فالآخِرُ منهما ناسخٌ. وهو أمرٌ واضح. وإلى هذا ذهَب سعيدُ بنُ المسيِّب (١) ، وعُروةُ بنُ الزبير (٢) ، ومالكٌ (٣) ، والشافعيُّ. وقال الشافعيُّ: القيامُ لها مَنْسوخٌ (٤) .

  9. وذكَر عبدُ الرزاق (٥) ، عن مَعْمَر، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه: أنه كان يَعيبُ مَن قام للجِنازةِ ويُنكرُ ذلك عليه.

  10. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ وأحمدُ بنُ زهير، قالا: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٦) : حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، عن واقدِ بنِ عَمْرو، عن نافع بنِ جُبير، عن مسعودِ بنِ الحكم، عن عليِّ بن أبي طالب قال: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قام مرةً واحدةً ثم لم يَعُدْ.

  11. حدَّثنا عبدُ الوارث (٧) ، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٨) : حدَّثنا

    vol. 15, p. 209مالكُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا زهير، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، قال: أخبرني واقدُ بنُ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ معاذ قال: بينما أنا واقفٌ أنتظِرُ جِنازةً تُوضَعُ، فلمّا وُضِعَتْ جلَستُ إلى نافع بنِ جبيرِ بنِ مُطعِم، فقال لي نافعٌ: كأنك نظَرت هذه الجِنازةَ أن تُوضَعَ؟ قلت: أجل. قال نافعٌ (١) : حدَّثني مسعودُ بنُ الحكم الأنصاريُّ، أنه سمع عليَّ بنَ أبي طالب يقول: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قام ثم قعَد.

    قال أبو عُمر: اتفق مالكٌ وابنُ عُيينةَ وزهيرٌ على واقدِ بنِ عَمْرو، فدلَّ ذلك على أن قولَ محمدِ بنِ عَمْرو: واقدُ بنُ عُمر، خطأ، هذا إن صحَّ عن محمدِ بنِ عَمْرو.

  12. وأما روايةُ يحيى وقوله: "واقدُ بنُ سَعْد" فجائزٌ أن يُنسبَ المرءُ إلى جدِّه، والذي عند جمهورِ الرواة لـ "الموطأ" : واقدُ بنُ عَمْرِو بنِ سَعْد (٢) .

  13. وقد روَى هذا الحديثَ عن مسعودِ بنِ الحكم ابنُه قيسُ بنُ مسعود.

  14. ذكَر عبدُ الرزاق (٣) ، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني موسى بنُ عقبة، عن قيسِ بنِ مسعود، عن أبيه، أنه شهِد جِنازةً مع عليِّ بنِ أبي طالب بالكوفة، فرأى

    vol. 15, p. 210الناسَ قيامًا يَنتظرون الجِنازةَ أن تُوضَعَ، فأشار إليهم أن اجلِسُوا، فإنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد جلَس بعدَ ما كان يقوم.

  15. ورواه أيضًا عن مسعودِ بنِ الحكم محمدُ بنُ المنكدر.

  16. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى المقرئ (١) ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله (٢) بنُ محمدِ بنِ حَبابةَ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز البغويُّ، قال (٣) : حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا وَكيعٌ. قال البغويُّ: وحدَّثنا خلّادٌ، قال: أخبرنا النضرُ بنُ شُميل. قال البغويُّ: وحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكير. قال البغويُّ: وحدَّثنا عليُّ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا أبو داود (٤) . قال البغويُّ: وحدَّثنا عباسٌ، قال: حدَّثنا قُرادٌ؛ قالوا كلُّهم: حدَّثنا شُعبةُ، عن محمدِ بنِ المُنكدر، عن مسعودِ بنِ الحكم، عن عليِّ بنِ أبي طالب قال: قام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - للجِنازةِ فقُمْنا، ثم جلَس فجلَسنا. وهذا لفظُ حديثِ وَكيع.

  17. واختُلِف أيضًا في القيام على القبرِ بعد أن تُوضَعَ الجِنازةُ في اللَّحْد، فكَرِة ذلك قومٌ وعَمِلَ به آخرون.

  18. ذكَر مالكٌ (١) ، عن أبي بكرِ بنِ عثمانَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف، أنه سَمِع أبا أمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف يقول: كنّا نشهَدُ الجنائزَ، فما يَجلِسُ آخرُ الناس حتى يُؤذَنوا. وهذا عندي لم يدخلْ في المَنْسوخ؛ لأنَّ النسخَ إنما جاء في القيام للجِنازةِ عند رؤيتِها إذا شُيِّعت حتى تُوضَعَ، وقد كان من أهل العلم جماعةٌ يذهَبون إلى نسْخِ القيام على القبرِ وغيرِه في الجنائز. وأظنُّهم ذهَبوا إلى أن القيامَ كلَّه في الجنائز منسوخٌ؛ لقول عليٍّ: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقومُ في الجنائز، ثم قعَد بعْدُ. ومن ها هنا، واللهُ أعلم، قال أبو قلابة: قيامُ الرجلِ على القبرِ حتى يُوضَعَ الميتُ في اللَّحدِ بدعةٌ (٢) . وقد جاء عن عليٍّ، وهو راوي حديثِ النّسخ، ما يدُلُّ على أنَّ القيامَ على اللَّحدِ لم يدخلْ في النَّسْخ.

    vol. 15, p. 211
  19. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم (٣) ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو مروانَ عبدُ الملك بنُ حبيبٍ المِصِّيصيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك (٤) ، عن قيسِ بنِ سُلَيم (٥) ، عن عُميرِ بنِ سعيد (٦) : أنَّ عليًّا قام على قبرِ ابنِ المُكَفَّف، فقيل له: ألا تجلِسُ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: قليلٌ لأخينا قيامُنا على قبرِه (٧) .

    vol. 15, p. 212قال ابنُ وَضّاح (١) : وحدَّثنا يزيدُ بنُ مَوْهَب، عن يحيى بن زكريا بنِ أبي زائدة، عن مالكِ بنِ مِغْوَل، عن عُميرِ بنِ سعيد (٢) ، عن عليٍّ (٣) مثلَه.

    قال ابنُ وَضّاح: وحدَّثنا موسى (٤) ، حدَّثنا وَكيعٌ، عن سُفيانَ، عن قيس، عن عُميرِ بنِ سعيد، عن عليٍّ قال: ليَلِ أحدُكم القيامَ على قبرِ أخيه حتى يَدفِنَه (٥) .

    قال: وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَيْفور، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ شقيق، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ واقد، عن فرقَدٍ السَّبَخيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: رأيتُ ابنَ عُمرَ قام على قبرٍ قائمًا حين وُضِع في القبرِ وقال: يُستحبُّ إذا أُنِسَ من الرّجُلِ الخيرُ أن يُفعلَ به ذلك (٦) .

    قال: وحدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ (٧) ، عن أبي المَليح (٨) ، عن ميمونِ بنِ مِهْران،

    vol. 15, p. 213أنه وقَف على قبر، فقيل له: أواجبٌ هذا؟ قال: لا، ولكنَّ هؤلاء أهلُ بيت، هذا لهم منِّي قليل.

  20. وقد رُوِيَ في هذا المعنى حديثٌ حسنٌ مرفوع.

  21. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم (١) ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو خيثمةَ مُصعَبُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَلَمة، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباس: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قام على قبرٍ حتى دُفِنَ (٢) .

  22. وذكر يعقوبُ بنُ شيبة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ الأُسْواريُّ وإسحاقُ بنُ أبي إسرائيل، قالا: حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ الصَّنعانيُّ، عن عبدِ الله بنِ بَحِير، وأثنَى عليه خيرًا، أنه سمِع هانئًا مولى عثمانَ بنِ عفانَ يذكرُ عن عثمان،

    vol. 15, p. 214قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا فرَغ من دفنِ الرَّجل وقَف عليه فقال: "استغفِروا لأخيكم وسَلوا له التَّثَبتَ، فإنه الآن يُسألُ" (١) .

  23. وبهذا الإسنادِ عن هانئ مولى عثمانَ قال: كان عثمانُ إذا وقَف على قبرٍ بكَى حتى يَبُلَّ لحيتَه، فقيل له: تذكُرُ الجنةَ والنارَ فلا تَبكي، وتبكي من هذا؟ قال: فإن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ القبرَ أولُ منازلِ الآخرة، فإن نجا منه، فما بعدَه أيسرُ منه، وإن لم يَنْجُ منه، فما بعدَه أشدُّ منه" . وقال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما رأيتُ منظرًا إلا والقبرُ أفظعُ منه" (٢) ، وبالله التوفيق (٣) .

  24. يحيى عن عُبادة بن الوليد حديثٌ موفي ثلاثين ليَحيى بنِ سعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، قال: أخبرني عُبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن أبيه، عن جدِّه قال: بايَعْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على السَّمْع والطاعة؛ في العُسرِ واليُسر، والمَنشطِ والمَكره، وألّا نُنازعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقول، أو نقوم، بالحقِّ حيثُما كنّا، لا نخافُ في الله لومةَ لائم.

    vol. 15, p. 215
  25. هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالك بهذا الإسنادِ جمهورُ رواتِه (٢) ، وهو الصحيح، وما خالفه عن مالك فليس بشيء.

  26. وقد اختُلف فيه على يحيى بن سعيد؛ فرواه بعضُهم عنه، عن عُبادةَ بنِ الوليد، عن أبيه قال: بايعنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. الحديث (٣) ، لم يَذكرْ عُبادةَ بنَ الصامت، وزعَم أنَّ البيعةَ المذكورةَ في هذا الحديث ليست بيعةَ العقبة، وأنَّ الوليدَ بنَ عبادةَ له صحبةٌ، وأنه ممكن أن يُشاهدَ هذه البيعة؛ لأنها كانت على الحرب، وذلك بالمدينة.

  27. ورواه سُفيانُ بنُ عُيينة، عن يحيى بنِ سعيد، عن عُبادةَ بنِ الوليد، عن جدِّه عُبادةَ بنِ الصّامت، لم يذكرِ الوليدَ بنَ عُبادة. هكذا رواه الحُميديُّ (١) ، عن ابنِ عُيَيْنة.

    vol. 15, p. 216
  28. ورواه أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن يحيى بنِ سعيد، عن الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن أبيه. لم يذكرْ عُبادةَ بنَ الوليد، وهذا عندي غلَط، واللهُ أعلم، والصحيحُ فيه إن شاء الله: يحيى بنُ سعيد، عن عبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن أبيه، عن جدِّه.

  29. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاق، قال: حدَّثني عُبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن أبيه الوليد، عن أبيه عُبادةَ بنِ الصّامت، وكان أحدَ النُّقباء، قال: بايعْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بيعةَ الحرب، وكان عُبادةُ من الاثنَي عشرَ الذين بايَعُوا في العقبة الأولى، على السمع والطاعةِ في عُسْرِنا ويُسرِنا، ومَنشطِنا ومَكرَهِنا، وألّا نُنارعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقولَ بالحقِّ حيثُما كنّا، لا نخافُ في الله لومةَ لائم.

    vol. 15, p. 217قال أبو عُمر: كان عُبادةُ بنُ الصّامتِ قد شهِد العقبةَ الأولى والثانية، وشهِد بدرًا والحُدَيبية والمشاهدَ كلَّها، وبايع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مرارًا، وقد ذكَرْنا من خبرِه في كتاب "الصحابة" (١) ما فيه كفايةٌ.

  30. حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ سلمانَ بنِ الحسنِ النجّادُ الفقيهُ ببغداد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٢) : حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَعْد، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ إسحاق، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حبيب، عن مَرْثدِ بنِ عبدِ الله اليَزَنيِّ، عن أبي عبدِ الله عبدِ الرحمنِ بنِ عُسَيلَةَ الصُّنابحيِّ، عن عُبادةَ بنِ الصّامتِ قال: كنتُ فيمن حضَر العقبةَ الأولى، وكنا اثني عشرَ رجلًا، فبايعْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعةِ النِّساء، وذلك قبلَ أن يُفترضَ عليهم الحربُ، على ألّا نُشركَ بالله شيئًا، ولا نسرقَ ولا نَزني، ولا نقتُلَ أولادَنا، ولا نأتي ببُهتانٍ نفتَريه بين أيدينا وأرجلِنا، ولا نَعصيَه في معروف، "فإن وفَّيتُم فلكُمُ الجنةُ، وإن غَشيتُم من ذلك شيئًا فأمرُكم إلى الله؛ إن شاء عذَّب، وإن شاء غفَر" .

    قال أحمدُ بنُ حنبل (٣) : وحدَّثنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، قال: حدَّثني

    vol. 15, p. 218أبي ومجالد، عن عامرٍ الشعبيِّ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قال: انطلَق النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - معه العباسُ عمُّه إلى السبعين من الأنصار عندَ العقبةِ تحتَ الشجرة، فقال: ليتكلَّم متكلِّمُكم، ولا يُطيلُ الخطبة؛ فإنَّ عليكم من المشركين عَيْنًا، وإن يعلَموا بكم يَفضَحوكم. قال قائلُهم، وهو أبو أمامة: سلْ يا محمدُ لربِّك ما شئتَ، وسلْ لنفسِك ولأصحابِك ما شئتَ، ثم أخبرْنا بما لنا من الثواب على الله إذا فعَلْنا ذلك. قال: "أسألُكم لربِّي أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأسألُكم لنفسي ولأصحابي أن تُؤوونا وتَنصُرونا وتَمنعُونا مما مَنَعتُم منه أنفسَكم" . قالوا: فما لنا إذا فعَلْنا ذلك؟ قال: "لكم الجنةُ" . قالوا: فلك ذلك. قال الشعبيُّ: وكان أبو مسعودٍ أصغرَهم.

    قال أحمدُ بنُ حنبل (١) : وحدَّثني يحيى بن زكريا، قال: حدَّثني إسماعيلُ بنُ أبي خالد، قال: سمِعتُ الشعبيَّ يقول: ما سمع الشِّيبُ ولا الشُّبّانُ خطبةً مثلَها.

    قال أبو عُمر: هذه البيعةُ التي انفرَد بها الأنصارُ بهذا اللفظ وهذا المعنى، وسائرُ البيعاتِ التي ذكَر عُبادةُ وغيرُه هي بيعاتٌ كمبايَعاتِ الناس؛ قريشٍ والأنصارِ وسائرِ أفْناء (٢) العرب ممّن دخَل في الإسلام، والله أعلم.

    vol. 15, p. 219قال أحمدُ بنُ حنبل (١) : سمِعتُ سُفيانَ بنَ عُيينةَ وقيل له: تُسمِّي النُّقباء؟ فقال: نعم؛ سَعْدُ بنُ عبادة، وأسعدُ بنُ زُرارة، وسَعْدُ بنُ الربيع، وسَعْدُ بنُ خَيْثمة، وعبدُ الله بنُ رَوَاحة، والمنذرُ بنُ عَمْرو، وأبو الهيثم بنُ التَّيِّهان، والبَرَاءُ بنُ مَعْرور، وأُسيدُ بنُ حُضير، وعبدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ حَرام أبو جابر، وعُبادةُ بنُ الصّامت، ورافع بنُ مالك من بني زُريق. قال سُفيان: عبادةُ عَقَبيٌّ بدْرِيٌّ أُحُديٌّ شَجَريٌّ نَقيبٌ.

    قال أبو عُمر: ما ذكَره سُفيانُ في النُّقباءِ خلافُ ما ذكَره ابنُ إسحاقَ فيهم في السِّير، فاللهُ أعلم، ولم يَختلِفوا أنهم اثنا عشرَ رجلًا (٢) ، وهم الذين بايَعُوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في العقبةِ الأولى؛ وكان بينَها وبينَ العقبةِ الثانيةِ عامٌ أو نحوُه، وكانوا في بيعةِ العقبةِ الثانيةِ ثلاثًا وسبعين رجلًا - فيما ذكَر ابنُ إسحاقَ - وامرأتين، وكانت العقبةُ الثانيةُ قبلَ الهجرةِ بأشهُرٍ يسيرة.

  31. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سلمان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا حجّاجُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثنا عُقيلٌ، عن ابنِ شهاب، أنه كان بينَ ليلةِ العقبةِ وبينَ مهاجَرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةُ أشهرٍ أو نحوُها. قال: وكانت بيعةُ الأنصارِ ليلةَ العَقَبةِ في ذي الحجة، وقدِم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ في ربيع الأول (٤) .

  32. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سيّار ويحيى بنِ سعيد، أنهما سمِعا عُبادةَ بنَ الوليدِ يُحدِّثُ، عن أبيه. قال سيارٌ: عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقال يحيى بن سعيد: عن أبيه، عن جدِّه قال: بايعْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على أن نقومَ بالحقِّ حيثُما كان (٢) .

    vol. 15, p. 220
  33. فهذا شُعبةُ قد جوَّده، ففرَّق بينَ روايةِ سيّارٍ وروايةِ يحيى بن سعيد، فدلَّ ذلك على صحّةِ مَن جَعَلَ حديثِ يحيى بنِ سعيد، عن عبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادة، عن أبيه، عن جدِّه.

  34. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوردِ وعبدُ الرحمن بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: حدَّثنا مالكٌ والليثُ بنُ سَعْد، عن يحيى بنِ سعيد، قال: حدَّثني عُبادةُ بنُ الوليدِ بنِ عُبادة، قال: أخبرني أبي، عن عُبادةَ بنِ الصّامت، قال: بايعتُ

    vol. 15, p. 221رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على العُسرِ واليُسر، والمَكرهِ والمَنشَط، وألّا نُنازعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقومَ، أو نقولَ، بالحقِّ حيثُما كُنّا، لا نخافُ في الله لومةَ لائم (١) .

  35. وهذا هو الصحيحُ في إسنادِ هذا الحديثِ إن شاء الله.

  36. وأما قوله فيه: "بايعْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة" فقولٌ مجمَلٌ، يفسِّرُه حديثُ مالك (٢) ، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن ابنِ عُمرَ، قال: كنّا إذا بايعْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعةِ يقول لنا: "فيما استطعْتُم" . وكذلك كان أخْذُه على النِّساءِ في البيعة، كان يقولُ لهنَّ: "فيما استَطَعتُنَّ وأطَقْتُنَّ" (٣) . وهذا كلُّه يتضمَّنُه قولُ الله عزَّ وجلَّ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦] . ولا يلزَمُ من طاعةِ الخليفةِ المبايَع إلّا ما كان في المعروف؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكنْ يأمرُ إلّا بالمعروف، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الطاعةُ في المعروف" (٤) . وأجمع العلماءُ على أنَّ من أمَر بمنكرٍ لا تَلزَمُ طاعتُه، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: ٢] .

  37. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عَمار، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم،

    vol. 15, p. 222قال: حدَّثنا ابنُ ثَوْبان، قال: حدَّثني عُميرُ بنُ هانئ، قال: حدَّثني جُنادةُ بنُ أبي أُمية، قال: حدَّثني عُبادةُ بنُ الصّامت قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "عليك بالسمع والطاعة؛ في عُسرِك ويسرِك، ومنشَطِك ومكرهِك، وأثَرَةٍ عليك، وألّا تُنازِعَ الأمرَ أهلَه، إلّا أن يأمُروك بأمرٍ عندَك تأويلُه من الكتاب" . قال عُميرٌ: وحدَّثني خُضيرٌ السُّلميُّ (١) ، أنه سَمِع عُبادةَ بنَ الصامتِ يُحدِّثُ به عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. قال خُضيرٌ: فقلت لعبادة: أفرأيتَ إن أنا أطَعْتُه؟ قال: يُؤخَذُ بقوائمِك فتُلْقَى في النارِ ولْيجئ هذا فيُنقِذَك (٢) .

  38. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا الحوطيُّ، قال: حدَّثنا بقيّةُ بنُ الوليد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثني ربيعةُ بنُ يزيد، قال: قعَدتُ إلى الشعبيِّ بدمشقَ في خلافةِ عبدِ الملك، فحدَّث رجلٌ من التابعين عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اعبُدُوا ربَّكم ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأقيموا الصلاةَ، وآتوا الزكاةَ، وأطيعُوا الأمراءَ، فإن كان خيرًا فلَكُم، وإن كان شرًّا فعلَيهم، وأنتُم منه بَراءٌ" . قال الشعبيُّ: كذَبتَ، لا طاعةَ في معصية، إنما الطاعةُ في المعروف (٣) .

  39. وأما قوله: "في العُسْرِ واليُسْر، والمَنشَطِ والمَكْرهِ" فمعناه: فيما نَقدِرُ عليه، وإن شقَّ علينا أو يَسَر بنا، وفيما نُحِبُّه ونَنشَطُ له، وفيما نكرَهُه ويثقُلُ علينا. وعلى هذا المعنى جاء حديثُ ابن عُمرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.

    vol. 15, p. 223
  40. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم ومحمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا ليثُ بنُ سَعْد، عن عُبيدِ الله بنِ عُمر، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "على المرءِ المُسلم السمعُ والطاعةُ فيما أحبَّ أو كرِهَ" (١) .