يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5
Page 16 of 32
- vol. 15, p. 258
ورواه يزيدُ بنُ هارون، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حبّان، أنه أخبَره، أن غلامًا لعمِّه يقال له: فيل، أسود، سرَق وَدِيًّا لرجل، فأُتيَ به مروانُ بنُ الحكَم، فأراد أن يقطَعَه، فقال له رافع: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" . فأرسَله مروانُ، فباعه أو نفاه (١) .
-
وأخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطيس، قال: أخبرنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا مسدَّدُ بنُ مُسَرْهَد، قال: حدَّثنا أبو عَوَانة، قال: كنتُ عندَ أبي حنيفة، فأتاه رسولُ صاحبِ الشرطةِ (٢) فقال: أرسَلني إليك فلانٌ - يعني صاحبَ الشُّرطة - أُتيَ برجُلٍ سرَق وَدِيًّا من أرضِ قوم. فقال: إن كان قيمةُ الودِيِّ عَشَرةَ دراهمَ فاقطَعْه. فقلت له: يا أبا حنيفة، حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، عن رافع بنِ خَديج، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" . قال: ما تقول؟ قلت: نعم، أرسِلْ في إثْرِ الرسول؛ فإنّي أخافُ أن يُقطَعَ الرجل. فقال: قد مضَى الحكمُ. فقُطِع الرجلُ (٣) .
قال أبو عُمر: هذا لا يصحُّ عن أبي حنيفة؛ لأنَّ مذهبَه المشهورَ عنه أنه لا قطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ، ولا في أصلِ شجرةٍ يُقلَعُ، ولا في كلِّ ما يبقَى من الطعام ويُخشَى فسادُه؛ لأنه عندَهم في معنى الثَّمرِ المُعلَّق (٤) .
- vol. 15, p. 259
واختلَف الفقهاءُ في هذا الباب؛ فقال مالكٌ: لا قطعَ في كَثَرٍ، والكَثَرُ الجُمّارُ، ولا قطعَ في النَّخْلةِ الصغيرةِ ولا الكبيرة، ومن قلَع نخلةً أو قطَعها من حائطٍ فليس فيها قطعٌ. قال: ولا قطعَ في ثمرِ الأشجار، ولا في الزرع، ولا في الماشية، فإذا أوَى الجَرينُ الزرعَ أو الثمرَ، وأوَى المُراحُ الغَنَمَ، فعلى مَن سرَق من ذلك قيمةَ رُبُع دينار، القطعُ (١) .
قال ابنُ الموّاز: مَن سرَق نخلةً أو ثمرةً في دارِ رجلٍ قُطِع، بخلافِ ثمرِ شجرِ الحائطِ والجِنان.
قال أبو عُمر: لم يختلِفْ مالكٌ وأصحابُه أنَّ القَطْعَ واجبٌ على مَن سرَق رُطَبًا أو فاكهةً رَطْبةً إذا بلَغت قيمتُها ثلاثةَ دراهم، وسُرِقت من حرزٍ -وهو قولُ الشافعيِّ (٢) - لحديثِ عثمان، أنه قطَع سارقًا لمرَق أُترُجَّةً قُوِّمت بثلاثةِ دراهم (٣) . قال مالكٌ: وهي الأُترُجَّةُ التي يأكلُها الناسُ.
قال أبو عُمر: وهذا يدلُّ على أنَّ القَطْعَ واجبٌ في الثمرِ الرَّطْب، صَلَحَ أن يَيبَسَ أو لم يَصْلُح؛ لأنَّ الأترُجَّ لا يَيبَسُ.
وقال أشهبُ (٤) : يُقطَعُ سارقُ النخلةِ المطروحةِ في الجنانِ المحروسة. وقال ابنُ القاسم: لا يُقطَعُ (٥) .
vol. 15, p. 260وقال الثوريُّ: إذا كانت الثمرةُ في رؤوسِ النخلِ أو في شجرِها فليس فيه قطعٌ، ولكن يُعزَّرُ.
وقال عطاءٌ (١) : يُعزَّرُ ويُغرَّمُ، ولا قطعَ عليه إلا فيما أحرَز الجَرين.
وقال الشافعيُّ (٢) : الحوائطُ ليست بحرزٍ للنخلِ ولا للثمر؛ لأنَّ أكثرَها مُباحٌ، يدخُلُ من جوانبِ الحائطِ حيثُ شاء، فمَن سرَق من حائطٍ شيئًا، من شجرةٍ أو ثَمَرٍ معلَّق، لم يُقطَعْ، فإذا أواه الجرينُ قُطِع.
قال الشافعيُّ (٣) : وذلك الذي تعرِفُه العامةُ عندَنا، أنَّ الجَرِينَ حرزٌ للثمر، والحائطَ ليس بحرز.
-
وقال أبو حنيفةَ وأصحابه (٤) في الثمرِ يُسرَقُ من رؤوس النخلِ والشجر، أو السنبل من قبلَ أن يُحصَدَ: فلا قطعَ في شيءٍ من ذلك، وسواءٌ كان الحائطُ قد استُوثِق منه وحُظر أو لم يكن؛ لأنه بلَغنا أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا قطعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" .
قالوا: وكذلك النخلةُ تُسرَقُ بأصلِها، والشجرةُ تُسرَقُ بأصلِها، لا قطعَ في شيءٍ من ذلك.
وقال أبو ثَوْر (٥) : إذا سرَق ثمرَ نخلٍ أو شجر، أو عنبَ كرم، وذلك الثمرُ قائمٌ في أصلِه، وكان محروزًا، فبلَغ قيمةُ المسروقِ من ذلك ما تُقطَعُ فيه اليدُ،
vol. 15, p. 261قُطِعَت يدُه، وذلك أن هذا كلَّه ملكٌ لمالكِه لا يحلُّ أخذُه، وعلى مَن استهلَكه قيمتُه في قولِ جماعةِ أهلِ العلم، لا أعلمُهم اختلَفوا في ذلك، فلذلك رأينا على مَن سرَق من ذلك ما يوجِبُ القطعَ، القطعَ.
قال أبو عُمر: لأهلِ العلم في تأويلِ حديثِ هذا الباب قولان:
أحدُهما: أنَّ المعنى المقصودَ إليه بهذا الحديثِ جنسُ الثَّمر والكَثَر من غير مراعاةِ حِرْز، فمَن ذهَب إلى هذا المذهب لم يرَ القطعَ على سارقٍ سرَق من الثمرِ كلِّه، وأجناسِ الفواكِه، والطعام الذي لا يبقَى ولا يُؤمَنُ فسادُه، كثيرًا كانت السرقةُ من ذلك كلِّه أو قليلًا، من حِرْزٍ كانت أو من غيرِ حِرْز. قالوا: وهذا معنى حديثِ هذا الباب؛ لأنه لو أراد ما لم يكُنْ مَحْروزًا ما كان لذكرِ الثَّمَرِ وتخصيصِه فائدةٌ. هذا كلُّه قولُ أبي حنيفةَ وأصحابه.
-
والقولُ الآخر: أنَّ المعنى المقصودَ بهذا الحديثِ الحِرْزُ، وفيه بيانُ أنَّ الحوائطَ ليست بحِرْزٍ للثمارِ حتى يأويها الجَرينُ، وما لم تكُنْ في الجرينِ فليست محروزة. وقد قيل: إنَّ الحديثَ إنما قُصِد به حوائطُ المدينةِ خاصّة؛ لأنها حوائطُ لا حيطانَ لها، وما كان لها حيطانٌ منها فهيَ حيطانٌ لا تمنَعُ -لقِصَرِها- مَن أراد الوصولَ إلى ما داخلَها.
-
فهذا ما في هذا الحديث من المذاهبِ لمَن استعمَله ولم يدفَعْه، وقد دفَعتْهُ فرقةٌ ولم تَقُلْ به.
قال أبو عُمر: قد ثبَت عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من حديثِ البَرَاءِ بنِ عازبٍ أنه قَضَى بأنَّ على أهلِ الحوائطِ حِفْظَها وحِرْزَها بالنهار (١) ، وقَضَى بأن لا قَطْعَ في ثمر،
vol. 15, p. 262فخرَج ما في الحيطانِ والأجنّةِ من الثمارِ بذلك من حُكْم الحِرْزِ في سُقوطِ القَطْع، كما خرَج المقدارُ المُعتبَرُ في المسروقِ بالسُّنّة عن جُملةِ وُجوبِ القَطْع على عُموم الآيةِ في السُّرّاقِ والسرقات، واللهُ أعلم.
-
وذكَر عُمرُ (١) بنُ الحسين الخِرَقيُّ الحنبليُّ في "مختصَرِه" (٢) على مذهبِ أحمدَ بنِ حنبل، قال: وإذا سرَق السارقُ رُبُعَ دينارٍ من الذهب، أو ثلاثةَ دراهمَ من الوَرق، أو قيمةَ ثلاثةِ دراهمَ من العُروضِ كلِّها، طعامًا كان أو غيرَه، وأخرَجه من الحِرْز، فعليه القطعُ ما لم يكنْ ثَمَرًا ولا كَثَرًا.
-
وذكَر إسحاقُ بنُ منصور، قال (٣) : سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول القَطْع فيما أوى الجَرينُ أو المُراحُ - قال: والمراحُ للغنم، والجرينُ للثمار- قال: وقال إسحاقُ -يعني ابنَ راهُوية- كما قال أحمدُ.
قال أبو عُمر: ذكَر ابنُ خُوَيْزمَنْداد أنَّ أحمدَ بنَ حنبل وأهلَ الظاهرِ وطائفةً من أهلِ الحديثِ لا يعتبرون الحِرْزَ في السرقة، ويقولون: إن كلَّ سارقٍ سرَق ما يجبُ فيه القَطْعُ قُطِع، من حِرْزٍ أو من غير حِرْز.
قال أبو عُمر: هذا غيرُ صحيح عن أحمدَ بنِ حنبل، والصحيحُ ما ذكَرنا عنه في هذا الباب مما ذكَره الخِرَقيُّ وإسحاقُ بنُ منصورٍ على ما ذكَرنا.
وقال الأثرم: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يذهبُ إلى حديثِ عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فيمن سَرق الثمرَ المعلَّقَ أنه لا قَطْعَ فيه حتى
vol. 15, p. 263يُؤوَيه الجَرينُ، وأنَّ عليه غرامةَ مثلَيْه. واحتجَّ أيضًا بحديثِ عُمرَ في ناقةِ المُزَنيِّ (١) .
قال أبو عُمر: حديثُ عَمْرِو بنِ شُعيبٍ أصلٌ عندَ جمهورِ أهلِ العلم في مراعاةِ الحرزِ واعتبارِه في القطع:
حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، حدَّثنا الليثُ، عن ابن عَجلانَ، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنه سُئِل عن الثمرِ المعلَّق، قال: "ما أصابَ منه من ذي حاجةٍ غيرَ مُتَّخذٍ خُبْنةً (٤) ،
vol. 15, p. 264فلا شيءَ عليه، ومَن خرَج بشيءٍ منه، فعليه غرامةُ مِثْلَيه والعقوبة، ومَن سرَق منه شيئًا بعد أن يُؤويَه الجَرينُ، فبلَغ ثَمنَ المِجَنِّ، فعليه القطعُ ".
قال أبو عُبيد (١) : الثمرُ المعلَّقُ: هو الذي في رُؤوس النخل لم يُجَذَّ ولم يُحرَزْ في الجَرين.
قال أبو عُمر: وكذلك سائرُ ما في رؤوسِ الأشجارِ من سائرِ الثمار. قال أبو عُبيد (٢) : والجَرينُ يسمِّيه أهلُ العراقِ البَيْدَر، ويسمِّيه أهلُ الشام الأندَرَ، ويُسمَّى بالبصرةِ الجَوخان، ويقال بالحجاز: المِرْبَد. قال أبو عُبيد (٣) : والوَدِيُّ: النخلُ الصغارُ، والكَثَرُ: جُمّارُ النخل في كلام العرب.
قال أبو عُمر: أما داودُ وأهلُ الظاهر (٤) ، فذهَبوا إلى قطع كلِّ سارقٍ تلزَمُه الحدود، إذا سرَق ما يجبُ فيه القطْعُ، من حِرْزٍ ومن غيرِ حِرْزٍ، على عُموم قولِ الله عزَّ وجلَّ وظاهرِه في السارقِ والسارقة، وظاهرِ قولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: القطْعُ في رُبُع دينارٍ فصاعدًا" (٥) . ولم يذكُرِ الحِرْزَ، وضعَّف داودُ حديثَ عَمْرِو بنِ شُعيب، وحديثَ رافع بنِ خَديج، وشذَّ في ذلك عن جمهورِ الفقهاء، كما شذَّ أهلُ البِدَع في قطع كلِّ سارقٍ سرَق قليلًا أو كثيرًا، من حِرْزٍ ومن غيرِه.
-
والذي عليه جمهورُ العلماءِ القولُ بهذين الحديثَيْن، على ما ذكَرنا عنهم.
- vol. 15, p. 265
وكذلك لا أعلمُ أحدًا قال بتضعيفِ القيمةِ غيرَ أحمدَ بنِ حنبل، وسائرُ العلماءِ يقولون بالقيمةِ أو المِثْل، على حسَب ما ذكَرنا في باب نافع من هذا الكتاب (١) .
قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديث: "فعليه غرامةُ مِثْلَيْه" منسوخٌ بالقرآنِ والسُّنة؛ فالقرآنُ قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: ١٢٦] . ولم يقل: بمثْلَي ما عُوقبتم به. وقضَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فيمَنْ أعتَق شِقْصًا له في عبد، بقيمتِه قيمةِ عَدْل (٢) . ولم يقل: بمثلَي قيمتِه. ولا بتضعيفِ قيمتِه، وقضَى في الصحفةِ بمثلِها لا بمثْلَيها، وقد ذكَرنا خبرَ الصحْفةِ في باب نافع (٣) .
-
وأجمَع فقهاءُ الأمصارِ على أن لا تضعيفَ في شيءٍ من الغرامات، وأجمَعوا على إيجابِ المِثْلِ على مُستهلكِ المَكيلاتِ والمَوْزونات، واختلَفوا في العُرُوض، على ما قد ذكَرناه في باب نافع من هذا الكتاب (٤) ، والحمدُ لله، وبه التوفيق.
- vol. 15, p. 266
يحيى عن محمدِ بنِ إبراهيمَ أربعةُ أحاديث حديثٌ خامسٌ وثلاثونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيْميِّ، عن أبي حازم التمَّار، عن البياضيِّ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- خرَج على الناس وهم يُصلُّون، وقد علَتْ أصواتُهم بالقراءة فقال: "إنّ المُصلِّي يُناجي ربَّه، فلْينظُرْ بما يُناجيه به (٢) ، ولا يَجهرْ بعضُكم على بعض بالقرآن" .
-
محمدُ (٣) بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ هذا، هو أحدُ ثقاتِ أهلِ المدينةِ ومحدِّثيهم. معدودٌ في التابعينَ. رُوِيَ عنه أنه قال: رأيتُ سَعْدَ بنَ أبي وَقّاص وعبدَ الله بنَ عُمرَ يأخُذانِ برُمّانةِ المنبر، ثم ينصَرِفان. ويُكْنَى أبا عبدِ الله، وهو محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ بنِ خالدِ بنِ صَخْرِ بنِ عامرِ بنِ كعبِ بنِ سَعْدِ بنِ تَيْم بنِ مُرّة.
قال الواقديُّ: كان جدُّه الحارثُ بنُ خالدٍ من المهاجرينَ الأولين. وتوفّي محمدُ بنُ إبراهيمَ سنةَ عشرين ومئةٍ في خلافة هشام.
-
وأبو حازم التمّارُ (٤) يقال: اسمُه دينارٌ، مولى الأنصار، ويقال: مولى أبي رُهْم الأنصاريِّ. وذكر حبيبٌ عن مالكٍ أنَّ اسمَ أبي حازم التمّارِ يسارٌ مولى قيسِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبادة.
-
وأما البياضيُّ (٥) فيقولون: اسمُه فروةُ بنُ عَمْرِو بن ودقة بنِ عُبيدِ بنِ عامرِ بنِ بَياضة، فخِذٌ من الخزرج.
- vol. 15, p. 267
وهذا الحديثُ معناه في صلاةِ النافلة، إذا كان كلُّ أحدٍ يُصلِّي لنفسِه. وأما صلاةُ الفريضة، فقد أحكَمت السُّنةُ سرَّها وجَهْرَها، وأنها خلفَ إمام للجماعةِ أبدًا، هذه سُنّتُها، وكان أصلُ هذا الحديث في صلاةِ رمضان؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يجمعُهم لها إلا على ما قد مضَى في بابِ ابنِ شهاب (١) ، عن عُروة، من أنه صلَّى بهم ليلةً وثانيةً وثالثةً، ثم امتَنع من الخروج إليهم خشيةَ أن يُفرضَ عليهم.
-
وقد روَى هذا الحديثَ حَمّادُ بنُ زيد، عن يحيى بنِ سعيد، فقال فيه: إن ذلك في رمضان.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي حازم مولى الأنصار، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان مُعتكِفًا في رمضانَ في قُبّةٍ على بابها حَصِيرٌ. قال: وكان الناسُ يصلُّون عُصَبًا عُصَبًا. قال: فلمّا كان ذاتَ ليلةٍ رفَع بابَ القُبةِ فأطلَع رأسَه، فلمّا رآه الناسُ أنصَتُوا، فقال: "إن المُصلِّي يُناجي ربَّه، فلْينظرْ أحدُكم ما يُناجي به ربَّه، ولا يجهر بعضُكم على بعضٍ بالقرآن" (٢) .
-
هكذا قال حَمّادُ بنُ زيدٍ في هذا الباب، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمد، عن أبي حازم، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مُرسلًا، لم يذكُرِ البياضيَّ، كذلك رواه كلُّ مَن رواه عن حَمّادِ بنِ زيد.
- vol. 15, p. 268
وقد روَى هذا الحديثَ يزيدُ بنُ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي حازم، عن البياضيِّ، وعن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عطاءِ بنِ يسار، عن البياضيِّ؛ حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الحجاج الطبرانيُّ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ محمدٍ المدينيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بكير، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثنا ابنُ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عطاءِ بنِ يسار، عن رجلٍ من بني بياضةَ من الأنصار، أنه سمِع رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ وهو مجاورٌ في المسجدِ يومًا، فوعَظ الناسَ وحذَّرهم ورغَّبهم، ثم قال: "ليس مُصَلٍّ يُصلِّي إلا وهو يُناجي ربَّه، فلا يجهرْ بعضُكم على بعضٍ بالقرآن" (١) .
قال الليثُ: وحدَّثنا ابنُ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن أبي حازم مولى الغِفاريِّين، أنه حدَّثهم هذا الحديثَ البياضيُّ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- (٢)
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل (٣) وعبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي مريم، قال:
vol. 15, p. 269أخبرنا يحيى بنُ أيوب (١) وابنُ لهيعة، قالا: حدَّثنا ابنُ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عطاءِ بنِ يسار، عن رجلٍ من بني بياضة، أنه سمِع رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. فذكَره سواءً إلى آخرِه.
-
وقد روَى هذا الحديثَ أبو سعيدٍ الخدريُّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق (٤) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن إسماعيلَ بنِ أمية، عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيدٍ، قال: اعتكَف رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، فسمِعهم يجهَرون بالقراءة، فكشَف السِّترَ وقال: "ألا إنَّ كلَّكم مُناج ربَّه، فلا يؤذِينّ بعضُكم بعضًا، ولا يرفعْ بعضُكم على بعض في القراءة" . أو قال: "في الصلاة" . لم يذكرْ أبو داودَ حديثَ البياضيِّ، وذكَر حديثَ أبي سعيدٍ هذا.
-
وقد روَى خالدٌ الطحان، عن مُطرِّف، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ قال: نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يرفعَ الرجلُ صوتَه بالقراءةِ قبلَ العشاءِ وبعدَها،
vol. 15, p. 270يغلِّطُ أصحابَه وهم يصلُّون (١) . وهذا تفرَّد به خالدٌ الطحانُ وهو ضعيفٌ، وإسنادُه كلُّه ليس مما يُحتجُّ به (٢) .
-
وحديثُ البياضيِّ وحديثُ أبي سعيدٍ ثابتان صحيحان، واللهُ أعلم، والحمدُ لله، وليس فيهما معنًى يُشكِلُ يحتاجُ إلى القولِ فيه إن شاء الله. وإذا لم يَجُزْ للتالي المصلِّي رفعُ صوتِه لئلا يُغلِّطَ ويخلِّطَ على مُصَلٍّ إلى جَنْبِه، فالحديثُ في المسجدِ مما يُخلِّطُ على المصلِّي أوْلى بذلك وألزمُ وأمنَعُ وأحرَمُ، واللهُ أعلم.
-
وإذا نُهِيَ المسلمُ عن أذى أخيه المسلم في عمَلِ البِرِّ وتلاوةِ الكتاب، فأذاه في غير ذلك أشدُّ تحريمًا، وقد نظَر عبدُ الله بنُ عُمرَ إلى الكعبةِ فقال: والله إنَّ لكِ لحُرمةً، ولكنَّ المؤمنَ عندَ الله أعظمُ حرمةً منك؛ حَرُم منه عِرْضُه، ودمُه، ومالُه، وألّا يُظَنَّ به إلا خيرٌ (٣) . وحسبُك بالنهي عن أذى المسلم في المعنَى الواردِ في هذا الحديث، فكيف بما هو أشدُّ من ذلك، واللهُ المستعان.
- vol. 15, p. 271
حديثٌ سادسٌ وثلاثونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيميِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يخرُجُ فيكُم قومٌ تحقِرونَ صلاتَكُم معَ صلاتهم، وصيامَكُم معَ صيامِهم، وأعمالَكُم مع أعمالِهم، يقرؤونَ القرآنَ لا يُجاوزُ حناجِرَهُم، يَمرُقونَ منَ الدِّينِ كما يمْرُقُ السَّهمُ منَ الرَّميّة؛ تنظُرُ في النَّصْل فلا تَرى شيئًا، وتنظُر في القِدْح فلا ترى شيئًا، وتنظُرُ في الرِّيشِ فلا تَرى شيئًا، وتتَمارى في الفُوق" .
-
هذا حديثُ صحيحُ الإسناد ثابتٌ، وقد رُوِيَ معناهُ من وجوهٍ كثيرةٍ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ولم يُختلَفْ عن مالكٍ فيما علِمْتُ في إسنادِ هذا الحديث (٢) .
-
ورواه القَعْنبيُّ عن الدّراوَرْديِّ عن يَحيى بنِ سعيد، أنَّ محمدَ بنَ إبراهيمَ أخبرَه، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن وعطاءِ بنِ يسار، أنهما سألا أبا سعيدٍ الخُدريَّ عن الحَروريّة، فقالا: هل سمِعتَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرُها؟ فقال: لا أدري ما الحروريّة، ولكني سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يخرجُ في هذه الأمة - ولم يقل: منها - قومٌ تحقِرون صلاتَكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ حُلُوقَهم - أو قال: حناجِرَهم- يمرُقون من الدِّينِ مُروقَ السَّهْم من الرَّميّة، فينظرُ الرامي إلى سَهْمِه، ثم إلى نَصْلِه، ثم إلى رصافِه، فيتمارَى في الفُوقَة؛ هل علِقَ بها من الدَّم شيءٌ؟ " .
-
ذكَره يعقوبُ بنُ شيبة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسلمةَ بنِ قَعْنَب، قال: حدَّثنا
vol. 15, p. 272عبدُ العزيز الدراورديُّ، عن يحيى بنِ سعيد. فذكَره بإسنادِه إلى آخرِه كما ذكرناه (١) .
-
فأما قوله: "يخرجُ فيكم" فمن هذه اللفظةِ سُمِّيت الخوارجُ خوارجَ ومعنى قوله: "يخرجُ فيكم" ؛ يريد: فيكم أنفُسِكم، يعني أصحابَه، أي يخرجُ عليكم؛ وكذلك خرَجتِ الخوارج، ومرقَتِ المارقةُ في زمن الصحابةِ رضيَ الله عنهم، وأولُ مَن سمّاهم حَرُوريةً عليٌّ رضي الله عنه؛ إذ خرَجوا مخالفينَ للمسلمين، ناصبينَ لرايةِ الخلافِ والخروج؛ وأما تسميةُ الناس لهم بالمارقةِ وبالخوارج، فمن أصلِ ذلك هذا الحديث، وهي أسماءٌ مشهورةٌ لهم في الأشعارِ والأخبار.
قال عبدُ الله بنُ قيسِ الرُّقَيّات (٢) :
ألَا طرَقتْ من آلِ بُثنةَ (٣) طارقَهْ ... على أنها معشُوقَةُ الدَّلِّ عاشِقَهْ
تَبِيتُ وأرضُ السُّوسِ بيني وبينها ... وسُولافُ رستاقٌ حمَتْه الأزارِقَهْ (٤)
إذا نحن شِئنا فارقَتْنا (٥) عصابةٌ ... حروريةٌ أضحَت (٦) من الدِّين مارِقَهْ (٧)
- vol. 15, p. 273
والمعنى في هذا الحديث ومثلِه مما جاء عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في ذلك عندَ جماعةِ أهلِ العلم، المرادُ به عندَهم القومُ الذين خرَجوا على عليِّ بنِ أبي طالب يومَ النهروان، فهم أصلُ الخوارج وأولُ خارجةٍ خرَجت، إلا أن منهم طائفةً كانت ممّن قصَد المدينةَ يومَ الدار في قتلِ عثمانَ رحمه الله.
قال أبو عُمر: كان للخوارج مع خروجِهم تأويلاتٌ في القرآن ومذاهبُ سوء؛ مفارقةٌ لسلَفِ هذه الأمّةِ من الصحابةِ والتابعين لهم باحسان، الذين أخذوا الكتابَ والسُّنةَ عنهم، وتفقَّهوا منهم، فخالفوا في تأويلِهم ومذاهبِهم الصحابةَ والتابعينَ وكفَّروهم، وأوجَبوا على الحائض الصلاة، ودفَعوا رجْمَ المُحصَنِ الزاني، ومنهم من دفَع الظُّهرَ والعصر؛ وكفَّروا المسلمين بالمعاصي، واستحلُّوا بالذُّنوب دماءَهم، وكان خروجُهم، فيما زعَموا، تغييرًا للمنكرِ وردًّا للباطل، فكان ما جاؤوا به أعظمَ المُنكَر، وأشدَّ الباطل، إلى قبيح مذاهبِهم، ممّا قد وقَفنا على أكثرِها، وليس هذا، والحمدُ لله، موضعَ ذكرِها.
-
فهذا أصلُ أمرِ الخوارج، وأولُ خروجِهم كان على عليٍّ رضي الله عنه، فقتَلهم بالنَّهْروان، ثم بقِيت منهم بقايا من أبنائهم ومن غيرِ أنسابهم على مذاهبهم، يتناسَلُون ويعتقِدون مذاهبَهم، وهم، بحمدِ الله، مع الجماعةِ مُستَترون بسوءِ مذهبهم، غيرُ مظهرينَ لذلك ولا ظاهرينَ به، والحمدُ لله.
-
وكان للقوم صلاةٌ بالليل والنهار وصيام، يحتقِرُ الناسُ أعمالَهم عندَها؛ وكانوا يتْلُون القرآنَ آناءَ الليلِ والنهار، ولم يكنْ يتجاوزُ حناجرَهم ولا تراقيَهم؛ لأنهم كانوا يتأوَّلُونَه بغيرِ علم بالسُّنةِ المبيِّنةِ له، فكانوا قد حُرِموا فهمَه والأجرَ على تلاوتِه، فهذا، واللهُ أعلم، معنى قوله: "لا يُجاوِزُ حناجِرَهم" . يقول: لا ينتفعُون بقراءتِه، كما لا ينتفعُ الآكلُ والشاربُ من المأكولِ والمشروب بما لا يُجاوزُ حَنجرَتَه.
- vol. 15, p. 274
وقد قيل: إنَّ معنى ذلك أنهم كانوا يتلُونه بألسنَتِهم، ولا تعتقدُه قلوبُهم. وهذا إنّما هو في المنافقين، وروَى ابنُ وَهْبٍ عن سُفيانَ بنِ عُيينة، عن عُبيدِ الله بن أبي يزيد، قال: ذكرتُ الخوارجَ واجتهادَهم عندَ ابنِ عباس وأنا عندَه، فسمِعتُه يقول: ليسوا بأشدَّ اجتهادًا من اليهودِ والنَّصارى، وهم يَضِلُّون؛ حدَّثناه خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمر بنِ إسحاقَ الجَوْهريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قال: حدَّثنا خالي أبو الربيع، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب (١) ، فذكره.
قال أحمدُ: وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، وعبدُ الرحمن بنُ يعقوب، وسعيدُ بنُ دَيْسَم، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن عبيدِ الله بنِ أبي يزيد، فذكره (٢) .
-
وكانوا لتكفيرِهم الناسَ لا يقبلُون خبرَ أحدٍ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فلم يعرِفوا لذلك شيئًا من سُنَّتِه وأحكامِه المُبيِّنةِ لمُجملِ كتابِ الله، والمُخْبرةِ عن مرادِ الله من خطابِه في تنزيلِه بما أرادَ اللهُ من عبادِه في شرائعِه التي تعبَّدهم بها؛ وكتابُ الله عربيٌّ، وألفاظُه محتملةٌ للمعاني، فلا سبيلَ إلى مرادِ الله منها إلا ببيانِ رسوله؛ ألا ترى إلى قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] . وألا ترى أنّ الصلاةَ والزكاةَ والحجَّ والصيامَ وسائرَ الأحكام إنما جاء ذكرُها وفرضُها في القرآنِ مجُمَلًا، ثم بيَّن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أحكامَها؟ فمَن لم يقبلْ أخبارَ العُدولِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بذلك ضلَّ وصار في عمياءَ، فلمّا لم يقبل القومُ أخبارَ الأُمّة عن نبيِّها، ولم يكنْ عندهم فيهم عدلٌ ولا مؤمنٌ، وكفَّروا عليًّا وأصحابَه فمَن دونَهم، ضلُّوا وأضلُّوا، ومرَقُوا من الدِّين، وخالفوا سبيلَ المؤمنين، عافانا اللهُ وعصَمنا من الضلالِ كلِّه برحمتِه وفَضْلِه؛ فإنه القادرُ على ذلك لا شريكَ له.
- vol. 15, p. 275
ذكر عبدُ الرزاق، عن مَعْمر، عن أيوب، عن نافع، قال: قيل لابن عُمر: إنَّ نَجْدةَ يقول: إنك كافرٌ. وأراد قتْلَ مولاك إذ لم يقل: إنك كافرٌ. فقال عبدُ الله: كذَب والله، ما كفرتُ منذ أسلمتُ. قال نافع: وكان ابنُ عُمرَ حين خرَج نَجْدةُ يَرى قتالَه.
قال عبدُ الرزاق (١) : وأخبرنا مَعْمرٌ، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، أنه كان يُحرِّضُ الناسَ على قتالِ زريقٍ الحَرُوريِّ.
-
فأما قوله: "يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ حناجرَهم" فالحناجرُ جمعُ حَنْجرَةٍ، وهي آخِرُ الحَلْقِ مما يلي الفم؛ ومنه قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: ١٠] . وقيل: الحنجرةُ أعلى الصدرِ عندَ طرفِ الحُلقوم.
-
وأما قوله: "يمرُقون من الدِّين" فالمُرُوق: الخروجُ السريع، "كما يمرُقُ السهمُ من الرَّمية" . والرَّميةُ: الطريدةُ من الصيد، المرميّةُ (٢) .
-
وهي فعيلةٌ من الرَّمي؛ لأنَّ كلَّ فاعل يُبنى على فِعْله فالاسمُ منه فاعل، والمفعولُ منه مفعول؛ كقولك: ضرَب. فهو ضاربٌ، والمفعولُ مضروبٌ، والأنثى مضروبةٌ؛ فإذا بنَيْتَ الفعلَ من بناتِ الياء، قلت: رمَى، فهو رام، والمفعولُ مَرميٌّ، وكان أصلُه "مَرْمُويٌ" ، حتى يكون على وزن مفعول، فاستثقَلتِ العربُ ياءً قبلَها ضمّة، فقَلبتِ الواوَ ياءً، ثم أدغَمَتْها في الياءِ التي بعدَها، فصار "مَرْميٌّ" ، فإذا أنَّثتَه قلت: مَرْميّةٌ. وإذا أدخلتَ عليها الألفَ واللامَ قلت: المَرْميّةُ والرَّمِيّةُ. مثلَ المقتولةِ والقتيلة.
vol. 15, p. 276قال الشاعر:
والنفسُ موقوفةٌ والموتُ غايتُها ... نَصْبَ الرَّمِيَّةِ للأحداثِ تَرْمِيها
قال أبو عُبيد (١) : في قوله: "كما يخرجُ السهمُ من الرميّة" . قال: يقول: خَرَج السهمُ ولم يتمسَّكْ بشيء، كما خرَج هؤلاء من الإسلام ولم يتمسَّكوا بشيء.
وقال غيرُه: "تتمارى في الفُوق" ؛ أي: تَشُكُّ، والتماري: الشَّكُّ، وذلك يوجبُ ألّا يُقطَعَ على الخوارج ولا على غيرِهم من أهل البِدَع بالخروج من الإسلام، وأن يُشَكَّ في أمرهم، وكلُّ شيءٍ يُشَكُّ فيه، فسبيلُه التوقفُ عنه دونَ القطع عليه.
وقال الأخفشُ: شبَّهه برميةِ الرامي الشديدِ الساعدِ إذا رمَى فأنفذَ سهمَه في جَنْبِ الرميَّة، فخرَج السّهْمُ من الجانبِ الآخَرِ من شدَّةِ رميِه وسُرعةِ خروج سهْمِه، فلم يتعلَّقْ بالسهم دمٌ ولا فَرْثٌ؛ فكأن الراميَ أخذَ ذلك السهمَ فنظَر في النَّصْل -وهو الحديدةُ التي في السّهْم- فلم يرَ شيئًا، يريدُ من فَرْثٍ ولا دم، ثم نظَر في القِدْح - والقِدْح: عُودُ السهم نفسُه- فلم يرَ شيئًا، ونظَر في الرِّيش فلم يرَ شيئًا.