يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله
1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5
Page 17 of 32
- vol. 15, p. 276
وقوله: "تتمارَى في الفُوق" ، والفُوقُ: هو الشقُّ الذي يدخلُ فيه الوَتَرُ، أي: يشكُّ إن كان أصابَ الدمُ الفُوقَ. يقول: فكما خرَج السهمُ خاليًا نقيًّا من الفَرْثِ والدم لم يتعلقْ منها بشيء، فكذلك خروجُ هؤلاء من الدِّين، يعني الخوارج.
-
وفي غير حديثِ مالكٍ ذُكِر الرُّعْظُ: وهو مدخلُ السَّهم في الزُّجِّ، والرِّصافُ: وهو العَقَبُ الذي يُشَدُّ عليه. والقُذَذُ: وهو الريش، واحدتُها قُذّةٌ.
-
أخبرنا خَلَفٌ (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ
vol. 15, p. 277الحجّاج، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: النَّصْلُ: الحديدةُ، والرِّصافُ: العَقَبُ، والقُذَذُ: الريشُ، والنَّضِيُّ: السهْمُ كلُّه إلى الريش.
قال أبو عُمر: قد قال فيهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يخرجُ قومٌ من أُمَّتي" (١) . إن صحَّت هذه اللفظةُ فقد جعَلهم من أُمَّتِه، وقد قال قوم: معناه: من أُمَّتي بدَعْواهم.
-
ذكر الحُميديُّ (٢) ، عن ابن عُيينة، عن ابنِ جُدْعان، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى تَقْتَتلَ فئتانِ عظيمتان، دَعْواهُما واحدةٌ، فبينما هم كذلك، إذ مرَقَتْ مارِقةٌ كما يمرُقُ السهْمُ منَ الرميّة، تقتلُها أولى الطائفتَين بالحقِّ" .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ عليٍّ الرافقيُّ بأنطاكيةَ سنةَ ثلاثٍ وعشرين وثلاثِ مئةٍ (٤) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي الحناجر، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا مباركُ بنُ فَضالة، عن عليِّ بنِ زيد، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "تلتقي من أمَّتي فئتانِ عظيمتان، دعواهُما واحدةٌ، فبينا هم كذلك، إذ مرقَتْ بينَهما مارِقةٌ تقتلُهم أوْلى الطائفتَين بالحقِّ" (٥) .
- vol. 15, p. 278
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاوية، قال: حدَّثنا أبو يعلى محمدُ بنُ زهير الأُبُلِّيُّ القاضي بالأُبُلَّة، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ زيادٍ القُلُوسيُّ، قال: حدَّثنا بشيرُ بنُ عبادٍ الساعديُّ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أبو نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "تمرُقُ مارقةٌ عندَ فُرقةٍ من الناس، تقتلُها أولى الطائفتين بالحقِّ" (١) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا مُجالدٌ، قال: حدَّثنا أبو الوَدّاك، قال: سمِعتُ أبا سعيدٍ الخُدريَّ يقول: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يخرجُ قومٌ من أُمّتي بعدَ فرقةٍ من الناس، أو عندَ اختلافٍ من الناس؛ قومٌ يقرؤون القرآنَ كأحسنِ ما يقرؤُه الناسُ، ويرعَوْنَه كأحسن ما يرْعاهُ الناسُ، يمْرُقونَ من الدِّينِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميّة، يرمي الرجلُ الصيدَ، فينفُذُ الفرثَ والدمَ، فيأخذُ السهمَ، فيتمارى أصابَه شيءٌ أم لا، هم شرارُ الخَلْق والخليقة، يقتلُهم أوْلى الطائفتين بالله، أو أقربُ الطائفتين إلى الله" (٣) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
vol. 15, p. 279وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا عليُّ بنُ مُسهر، عن الشيبانيِّ، يعني أبا إسحاق، عن يُسَيْرِ بنِ عَمْرو، قال: سألتُ سَهْلَ بنَ حُنَيف: هل سمِعتَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرُ هؤلاء الخوارج؟ قال: سمِعتُه، وأشار بيَدِه نحوَ المشرق، يقول: "يخرجُ منه قومٌ يقرؤون القرآنَ بألسنتِهم لا يعْدُو تراقِيَهم، يمرُقونَ من الدِّينِ كما يمْرُقُ السهمُ من الرميَّة" .
-
وروى ابنُ وَهْب، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شهاب، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: بينا نحنُ عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يَقسِمُ قَسْمًا، أتاه ذو الخُويْصِرَة، وهو رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسولَ الله، اعدِلْ. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ويْلَكَ، ومَن يعْدِلُ إن لم أعدِلْ؟! لقد خِبتُ وخسِرتُ إن لم أعْدِلْ" . فقال عُمر: يا رسولَ الله، ائذنْ لي فيه فأضربَ عنقَه. فقال: "دَعْهُ؛ فإن له أصحابًا يحْقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامِهم، يقرؤونَ القرآنَ لا يُجاوزُ تراقِيَهم، يمرُقونَ من الإسلام كما يمرُقُ السهمُ من الرميّة، ينظُرُ إلى نَصْلِه فلا يُوجدُ فيه شيءٌ، ثم ينظُرُ إلى رِصَافِه فلا يوجدُ فيه شيءٌ, ثم ينظُرُ إلى نَضِيِّه فلا يُوجدُ فيه شيءٌ -وهو القِدْحُ- ثم ينظُرُ إلى قُذَذِه فلا يوجدُ فيه شيءٌ؛ سبقَ الفَرْثُ والدم، آيتُهم رجلٌ أسود، إحدى عَضُدَيْه مثلُ ثَدْي المرأة، أو مثلُ البَضْعَةِ (٢) تدَرْدَرُ (٣) ؛ يخرُجون على حين فُرقةٍ من الناس" .
vol. 15, p. 280قال أبو سعيد: فأشهدُ أنّي سمِعتُ هذا من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأشهدُ أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب قاتَلَهُم وأنا معه، فأمَر بذلك الرجُلِ فالتُمِس فوُجِدَ، فأُتيَ به حتى نظرتُ إليه على نَعْتِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- الذي نَعَتَ (١) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال (٣) : حدَّثنا يحيى بنُ آدم، عن سَعِيد (٤) بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ راشد، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن والضحاكِ بنِ قيس (٥) ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: بينا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يقسِمُ
vol. 15, p. 281مغنمًا يومَ حنين، أتاه رجلٌ من بني تميم يقالُ له: ذو الخُوَيْصِرَة. فقال: يا رسولَ الله، اعدِلْ. قال: "لقد خِبتُ وخسِرتُ إن لم أعدِلْ" . فقال عُمر: يا رسولَ الله، دعني أقتُلْه. قال: "لا، إن لهذا أصحابًا يخرجون عندَ اختلافٍ بينَ الناس، يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ تراقِيَهم أو حناجرَهم، يمرُقون من الدِّين كما يمرُقُ السهمُ من الرميّة؛ آيتُهم رجلٌ منهم كأن يدَه ثديُ المرأة، أو كأنها بَضْعَةٌ تَدَرْدَرُ" . فقال أبو سعيد: سمِعتْ أُذُني من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يومَ حنين، وبَصُرَتْ عيني مع عليِّ بنِ أبي طالب حينَ قتلَهم فنظرتُ إليه.
-
وذكَر الضحاكَ في هذا الحديثِ طائفةٌ عن يونس (١) ، وعن الأوزاعيِّ (٢) ، عن الزُّهريِّ، وطائفةٌ تقول فيه: الضحاكُ المشرَقيُّ. وطائفةٌ تقول: الضحاكُ بنُ مزاحم. ولم يذكره معمرٌ (٣) .
- vol. 15, p. 282
وروى ابنُ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن بُكَيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، عن بُسْرِ بنِ سعيد، عن عُبيدِ الله بنِ أبي رافع مولى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، أنَّ الحرُوريةَ لمّا خرَجت، وهو مع عليٍّ بنِ أبي طالب، فقالوا: لا حُكْمَ إلا لله. فقال عليٌّ: كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطلٌ؛ إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وصَف أُناسًا، إني لأعرِفُ صِفَتَهم في هؤلاء؛ يقولون الحقَّ بألسِنَتهم، لا يُجاوزُ هذا منهم -وأشار إلى حَلْقِه- من أبغضِ خَلْقِ الله إليه، منهم أسودُ، إحدى يدَيه كطُبْيِ شاةٍ (١) أو حَلَمَةِ ثَدْي. فلمّا قتَلهم عليُّ بنُ أبي طالب، قال: انظُروا، فنَظروا. فلم يجدُوا شيئًا، فقال: ارجعُوا، فوالله ما كذبتُ ولا كُذبتُ. مرتين أو ثلاثًا، ثم وجَدُوه في خَرِبة، فأتوا به حتى وضَعُوه بين يدَيْه، فقال عبيدُ الله: أنا حاضرٌ ذلك من أمرِهم وقولَ عليٍّ فيهم.
قال بُكيرُ بنُ الأشجّ: وحدَّثني رجلٌ، عن إبراهيمَ بن حُنَين، أنه قال: رأيتُ ذلك الأسود (٢) .
قال أبو عُمر: قوله: "يخرجُ" . وقوله: "إن لهذا أصحابًا يخرجُون عندَ اختلافٍ من الناس" . يدُلُّ على أنهم لم يكونوا خرَجوا بعدُ، وأنهم يخرُجونَ فيهم، وقد استدلَّ بنحو هذا الاستدلالِ مَن زعَم أن ذا الخُوَيْصِرَةِ ليس ذا الثُّدَيَّة، واللهُ أعلم.
-
ويحتمِل قولُه: "إن لهذا أصحابًا" ، يريدُ على مذهَبه، وإن لم يكونوا ممّن صحِبَه، كما يقالُ لأتباع الشافعيِّ، وأتباع مالك، وأتباع أبي حنيفة، وغيرِهم من الفقهاءِ فيمن تبِعَهم على مذاهبهم: هؤلاء أصحابُ فلان، وهذا من أصحابِ فلان، واللهُ أعلم.
- vol. 15, p. 283
ويقال: إن ذا الخُوَيْصِرَةِ اسمُه حُرْقُوصٌ. ورُوِيَ عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرظيِّ أنه قال: حُرقوصُ بنُ زُهَيرٍ هو ذو الثُّدَيّة، وهو الذي قال للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ما عدَلتَ (١) .
-
وذكر المدائنيُّ عن نُعيم بنِ حَكِيم، عن أبي مَرْيم، قصةَ ذي الثُّدَيَّةِ بتمامِها وطولِها، وقال: يقال له: نافعٌ ذو الثُّديَّة.
-
وذكر عبد الرزاق (٢) ، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: بينا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقسِمُ قَسْمًا، إذ جاء ابنُ أبي الخُوَيْصِرَة، فقال: اعدِلْ يا محمدُ. فقال: "ويلَك، إذا لم أعدِلْ فمَن يعدلُ؟! " . قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ له أصحابًا يمرُقُونَ من الدِّينِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميّة، فيهم رجلٌ، إحدى يدَيْه، أو على يدَيْه، مثلُ ثَدْي المرأة، أو مثلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يخرجُونَ على حينِ فترَةٍ من الناس" . قال: فنزَلت فيهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: ٥٨] .
قال أبو سعيد: أشهدُ أني سمِعتُ هذا الحديثَ من رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأشهدُ أن عليًّا قتَلهم، وأنا حينَ قتَلهم معه، حتى أُتىَ بالرَّجُل على النعْتِ الذي قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.
-
أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا سُفيانُ. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعد، قال: حدَّثنا زهيرٌ، جميعًا عن الأعمش، عن خيثمة، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلة، عن عليِّ بنِ أبي طالب، قال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:
vol. 15, p. 284"يكونُ قومٌ في آخرِ الزمان، سفهاءُ الأحلام، يقرؤون القرآنَ لا يُجاوزُ تراقِيَهم، يَمْرُقون من الدِّين كما يَمرُقُ السّهْمُ من الرَّميّة، فأينما لقِيتَهم فاقتُلْهم؛ فإنَّ قتْلَهم أجرٌ لمَن قتلَهُم" (١) .
-
وروَى يحيى بنُ آدم، عن إسرائيل، عن محمدِ بنِ قيس (٢) ، عن مالك بنِ الحارث (٣) ، قال: شهِدتُ مع عليٍّ النَّهْروان، فلمّا فرغَ منهم قال: اطْلُبوه، اطْلُبوه. فطلَبُوه فلم يقدِرُوا على شيء؛ فأخذَه الكرْبُ، فرأيتُ جبينَه يتحدَّرُ منه العَرَقُ، ثم وجَدَه، فخرَّ ساجدًا وقال: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ (٤) .
- vol. 15, p. 285
وروينا عن [أبي] (١) خليفةَ الطائيِّ، قال: لمّا رجَعنا من النَّهْروان، لقينا العَيْزارَ الطائيَّ قبل أن ينتهيَ إلى المدائن، فقال لعديِّ بنِ حاتم: يا أبا طَريف، أغانِمٌ سالمٌ، أم ظالمٌ آثمٌ؟ قال: بل غانمٌ سالمٌ، إن شاء الله. قال: فالحُكْمُ والأمرُ إذن إليك؟ فقال الأسودُ بنُ يزيدَ والأسودُ بنُ قيسٍ المُراديّان: ما أخرَج هذا الكلامَ منك إلا شرٌّ، وإنّا لنعرفُك برأي القوم. فأتيا به عليًّا فقالا: إن هذا يرَى رأيَ الخوارج، وقد قال كذا وكذا. قال: فما أصنعُ به؟ قالا: تقتُلُه. قال: لا أقتلُ مَن لا يخرُجُ عليَّ. قالا: فتحبِسُه. قال: ولا أحبِسُ مَن ليست له جِنايةٌ، خَلِّيا سبيلَ الرجل (٢) .
-
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكير، قال: حدَّثني ابنُ لهِيعة، قال: حدَّثني بكيرُ بنُ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، أنه سأل نافعًا: كيف كان
vol. 15, p. 286رأيُ ابنِ عُمرَ في الخوارج؟ فقال: كان يقول: هم شرارُ الخَلْق، انطلَقوا إلى آياتٍ أُنزلت في الكُفّار فجعَلُوها على المؤمنين (١) .
-
وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ إسحاق، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجّاج، قال: حدَّثني خالي أبو الربيع وأحمدُ بنُ عَمْرو وأحمدُ بنُ صالح، قالوا: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال (٢) : أخبرني عَمْرُو بنُ الحارث أن بكيرَ بنَ الأشجِّ حدَّثه أنه سأل نافعًا: كيف كان رأيُ ابنِ عُمرَ في الحَروريّة؟ قال: يراهُم شِرارَ خلقِ الله، قال: إنهم انطلَقوا إلى آياتٍ في الكُفّار فجعَلُوها على المؤمنين.
-
ورَوَى حَكِيمُ بنُ جابر (٣) ، وطارقُ بنُ شهاب (٤) ، والحَسَنُ (٥) ، وغيرُهم، عن عليٍّ بمعنًى واحد، أنه سُئل عن أهل النَّهْروان، أكفارٌ هم؟ قال: من الكُفْر فرُّوا. قيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون اللهَ إلا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: قومٌ أصابتهم فتنةٌ فعَمُوا فيها وصمُّوا وبَغَوْا علينا، وحارَبُونا وقاتَلُونا فقتَلْناهُم. ورُوِيَ عنه أنَّ هذا القولَ كان منه في أصحابِ الجَمَل (٦) ، واللهُ أعلم.
- vol. 15, p. 287
وأخبارُ الخوارج بالنَّهْروان، وقتلُهم للرِّجال والوِلْدان، وتكفيرُهم الناسَ، واستحلالُهم الدماءَ والأموالَ، مشهورٌ معروفٌ، ولأبي زيدٍ عُمرَ بنِ شَبّةَ في أخبارِ النَّهْروانِ وأخبارِ صِفِّينَ ديوانٌ كبير، مَن تأمَّله اشتفَى من تلك الأخبار، ولغيرِه في ذلك كتبٌ حِسانٌ، واللهُ المستعان.
-
وروَى إسرائيلُ، عن مُسلم بنِ عُبيد، عن أبي الطُّفيل، عن عليٍّ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} الآية [الكهف: ١٠٣] . قال: هم أهلُ النهر (١) .
-
وروَى الثوريُّ، عن قيسِ بنِ مُسلم، عن طارقِ بنِ شهاب: أن عِتريسَ بنَ عُرقُوبٍ أتى عبدَ الله بنَ مسعودٍ فقال: يا أبا عبدِ الرحمن، هلَك مَن لم يأمرْ بالمعروفِ ولم ينهَ عن المنكر. فقال عبدُ الله بنُ مسعود: هلَك من لم ينكرِ المنكرَ بقلبِه، ولم يعرفِ المعروفَ بقلبه (٢) .
- vol. 15, p. 288
أخبرنا أحمدُ بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ سَهْل، قال: حدَّثنا نعيمُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن مِسْعَر، عن عامرِ بنِ شقيق، عن أبي وائل، عن عليٍّ، قال: لم نُقاتلْ أهلَ النهرِ على الشِّرْك (٢) .
-
حدَّثنا نعيمٌ (٣) ، حدَّثنا وَكيعٌ، عن ابنِ أبي خالد، عن حكيم بنِ جابر، عن عليٍّ مثلَه (٤) .
-
حدَّثنا نعيمٌ, قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدِ بنِ كثير، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ يحيى الغسانيُّ، عن أبيه، أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب إليه في الخوارج: إن كان من رأي القوم أن يسيحُوا في الأرض من غيرِ فسادٍ على الأئمّة، ولا على أحدٍ من أهل الذِّمة، ولا يتناولون أحدًا (٥) ، ولا قَطْع سبيلٍ من سُبُلِ المسلمين فلْيَذْهبوا حيث شاؤوا، وإن كان رأيُهم القتالَ، فوالله لو أن أبكاري من ولدي خرَجوا رغبةً عن جماعةِ المسلمين لأرقتُ دماءَهم، ألتمِسُ بذلك وجهَ الله والدارَ الآخرة.
-
وذكَر ابنُ وَهْب (٦) ، عن يونسَ، عن ابنِ شهاب، قال: صاحبتُ الفتنةَ الأولى،
vol. 15, p. 289فأدركتُ رِجالًا ذَوي عَدَدٍ من أصحابِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ممّن شَهِدَ بدرًا، فبلَغنا أنهم كانوا يرَوْن أن يُهدَرَ أمرُ الفتنة، فلا يُقامَ فيها على رجلٍ قصاصٌ في قتلٍ ولا دم، ولا يرَوْن على امرأةٍ سُبِيَتْ فأُصيبت حدًّا، ولا يروْنَ بينَها وبينَ زوجِها مُلاعنة، ومَن رماها جُلِد الحدَّ، وتُردُّ إلى زوجِها بعدَ أن تعتدَّ من الآخَر.
قال ابنُ شهاب: وقالوا: لا يُضْمَنُ مالٌ ذهبَ، إلا أن يُوجدَ شيءٌ بعينِه فيُرَدَّ إلى أهلِه.
وقال ابنُ القاسم (١) : بلَغني أنَّ مالكًا قال: الدماءُ موضوعةٌ عنهم، وأما الأموالُ فإنْ وُجِد شيءٌ بعينِه أُخِذ، وإلا لم يُتْبَعوا بشيء. قال ذلك في الخوارج.
قال ابنُ القاسم: وفرَّق بينَ المحارِبين وبينَ الخوارج؛ لأنَّ الخوارجَ خرَجوا واستَهْلكُوا ذلك على تأويلٍ يرَون أنه صوابٌ، والمحاربون خرَجوا فِسْقًا وخُلُوعًا على غيرِ تأويل، فيُوضعُ عن المحاربِ إذا تابَ قبل أن يُقدَرَ عليه حدُّ الحِرابَةِ، ولا تُوضعُ عنه حقوقُ الناس؛ يعني في دم ولا مال.
قال أبو عُمر: قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: رأى مالكٌ قتلَ الخوارج وأهلِ القَدَرِ من أجلِ الفسادِ الداخل في الدِّين، وهو من بابِ الفسادِ في الأرض، وليس إفسادُهم بدون إفسادِ قُطّاع الطريقِ والمُحارِبينَ للمُسلمين على أموالهم؛ فوجَب بذلك قتْلُهم، إلا أنه يَرى استتابتَهم لعلّهم يُراجِعُون الحقَّ، فإن تمادَوْا قُتِلوا على إفسادِهم، لا على كُفرٍ.
قال أبو عُمر: هذا قولُ عامةِ الفقهاءِ الذين يرَون قتلَهم واستتابتَهم، ومنهم من يقول: لا يُتعرَّضُ لهم باستتابةٍ ولا غيرِها ما استتَروا ولم يبغُوا ويُحارِبوا. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وجمهورِ أهلِ الفقه، وكثيرٍ من أهلِ الحديث (٢) .
- vol. 15, p. 290
قال الشافعيُّ، رحمه الله، في كتابِ قتالِ أهلِ البغي (١) : لو أن قومًا أظهَروا رأيَ الخوارج وتجنَّبوا جماعةَ المسلمين (٢) وكفَّرُوهم، لم تحلَّ بذلك دماؤُهم ولا قتالُهم؛ لأنهم على حُرمةِ الإيمان حتى يصيروا إلى الحالِ التي يجوزُ فيها قتالُهم؛ من خروجِهم إلى قتالِ المسلمين، وإشهارِهم السلاح، وامتناعِهم من نفوذِ الحقِّ عليهم.
وقال: بلَغنا أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب بينما هو يخطُبُ إذ سمِع تحكيمًا من ناحيةِ المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل: رجلٌ يقول: لا حُكْمَ إلا لله. فقال عليٌّ رحمه الله: كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطلٌ، لا نمنعُكم مساجدَ الله أن يُذْكَرَ فيها اسمَ الله، ولا نمنعُكم الفيءَ ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤُكم بقتال.
قال (٣) : وكتَب عديٌّ إلى عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّ الخوارجَ عندَنا يَسُبُّونك. فكتَب إليه عُمرُ: إن سَبُّوني فسُبُّوهم أو اعفُوا عنهم، وإن شهَروا السلاحَ فاشهَروا عليهم، وإن ضرَبوا فاضرِبوا. قال الشافعيُّ: وبهذا كلِّه نقول، فإن قاتَلُونا على ما وصَفنا قاتَلناهم، فإن انهزَموا لم نَتَّبعْهُم ولم نُجْهِزْ على جريحِهم.
قال أبو عُمر: قولُ مالكٍ في ذلك ومذهبُه عندَ أصحابِه في ألّا يُتبعَ مُدبِرٌ من الفئةِ الباغية، ولا يُجهَزَ على جريح، كمذهب الشافعيِّ سواءً، وكذلك الحكمُ في قتالِ أهلِ القبلةِ عندَ جمهورِ الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: إن انهزَم الخارجيُّ أو الباغي إلى فئةٍ أُتْبع، وإن انهزَم إلى غيرِ فئةٍ لم يُتْبَع (٤) .
vol. 15, p. 291قال أبو عُمر: أجمَع العلماءُ على أن مَن شقَّ العَصَا، وفارَق الجماعة، وشهَر على المُسلمين السلاحَ، وأخافَ السبيلَ، وأفسَدَ بالقَتْلِ والسَّلْب، فقَتْلُهم وإراقةُ دمائِهم واجبٌ؛ لأنَّ هذا من الفسادِ العظيم في الأرض، والفسادُ في الأرضِ موجِبٌ لإراقةِ الدماءِ بإجماع، إلا أن يتوبَ فاعلُ ذلك من قَبْلِ أن يُقدَرَ عليه، والانهزامُ عندَهم قريبٌ من التوبة، وكذلك مَن عجَز عن القتال، لم يُقتَلْ إلا بما وجَب عليه قبلَ ذلك.
-
ومن أهلِ الحديثِ طائفةٌ تراهُم كفّارًا على ظواهرِ الأحاديثِ فيهم، مثلُ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ حملَ علَينا السِّلاحَ فليسَ منّا" (١) ومثلُ قوله: "يمْرُقون من الدِّين" وهي آثار يُعارِضُها غيرُها فيمَن لا يُشركُ بالله شيئًا، ويُريدُ بعمَلِه وجْهَه، وإن أخطأ في حُكمه واجتهادِه. والنّظرُ يشهدُ أنّ الكُفرَ لا يكونُ إلا بضِدِّ الحالِ التي يكونُ بها الإيمان، لأنهما ضِدّان؛ وللكلام في هذه المسألةِ موضِعٌ غيرُ هذا، وبالله التوفيق.
- vol. 15, p. 292
حديثٌ سابعٌ وثلاثونَ ليَحيى بنِ سعيدٍ
مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، أنه قال: أخبرني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميُّ، عن عيسى بنِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ الله، عن عُميرِ بنِ سَلَمةَ (٢) الضَّمْريِّ، عن البَهْزيِّ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- خرَج يريدُ مكةَ وهو مُحرِمٌ، حتى إذا كان بالرَّوْحاء، إذا حمارٌ وَحْشيٌّ عَقيرٌ، فذُكِر ذلك لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "دعُوه، فإنه يُوشِكُ أن يأتيَ صاحبُه" . فجاء البَهْزيُّ، وهو صاحبُه، إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله، شأنكُم بهذا الحمار. فأمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكرٍ فقسَمه بين الرِّفاق ثم مضَى، حتّى إذا كان بالأثايَةِ (٣) بين الرُّويْثَةِ والعَرْج، إذا ظبيٌ حاقفٌ في ظلِّ شجرةٍ وفيه سهمٌ، فزعَم أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمَر رجلًا أن يقفَ عنده لا يَرِيبُه أحدٌ من الناسِ حتى يُجاوزَه.
-
لم يُختلَفْ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث (٤) ، واختلف أصحابُ يحيى بنِ
vol. 15, p. 293سعيدٍ فيه على يحيى بن سعيد، فرواه جماعةٌ كما رواه مالكٌ، ورواه حَمّادُ بنُ زيد وهشيمٌ ويزيدُ بنُ هارون (١) وعليُّ بنُ مُسهِرٍ (٢) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عيسى بنِ طلحة، عن عميرِ بنِ سَلَمة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
-
قرأتُ على سعيدِ بنِ نصر، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا يحيى بنُ سعيد، أنَّ محمدَ بنَ إبراهيمَ أخبَره، عن عيسى بنِ طَلْحة، عن عُميرِ بنِ سَلَمةَ الضَّمْريِّ.
-
وأخبَرنا قاسمُ بنُ محمد، واللفظُ لحديثِه، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سَعْد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا عارمٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، قال: حدَّثني يحيى، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميِّ، عن عيسى بنِ طَلْحة، عن عُميرِ بنِ سَلَمةَ الضَّمْريِّ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أقبَل، أو خرَج، وهم مُحرِمون، حتى إذا كانوا بالرَّوْحاء، فإذا في بعض أفنائِها حمارُ وَحْشٍ عَقِيرٌ، فقيل: يا رسولَ الله، هذا حمارٌ عقيرٌ. فقال: "دَعُوه حتى يأتي طالبُه" . قال: فجاء رجلٌ من بَهْزٍ فقال: يا رسولَ الله، أصبتُ هذا بالأمس، فشأنكم به. فأمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكرٍ أن يقسِمَ لحمَه بين الرفاق. قال: ثم سار حتى إذا كان بالأَثايَةِ بين العَرْج والرُّوَيْثَة، إذا ظبيٌ حاقفٌ في ظلٍّ فيه سهمٌ، فقيل: يا رسولَ الله، هذا ظبيٌ حاقفٌ في ظلٍّ فيه سهمٌ. قال:
vol. 15, p. 294"لا يُعرَضْ له حتى يَمُرَّ آخرُ الناس" . فأمَر (١) رجلًا أن يقيمَ عنده حتى يمرَّ آخِرُ الناس (٢) .
-
هكذا قال حَمّادُ بنُ زيدٍ في هذا الحديث: عن عُميرِ بنِ سَلَمة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وعميرُ بنُ سَلَمةَ من كبارِ الصحابة، وقد ذكَرناه في كتاب "الصحابة" (٣) بما يغني عن ذكرِه ها هنا، فالحديثُ لعُميرِ بنِ سَلَمة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فيما قال حَمّادُ بنُ زيد، وتابعَه على ذلك جماعةٌ؛ منهم هُشيمٌ، وعليُّ بنُ مُسهر، ويزيدُ بنُ هارون (٤) . وجعَله مالكٌ عن عُمير، عن البَهْزِيِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
-
وممّا يدُلُّك على صحّةِ روايةِ حَمّادِ بنِ زيدٍ ومَن تابَعه عن يحيى بنِ سعيدٍ على ما ذكَرنا، أنَّ يزيدَ بنَ الهادِ وعبدَ ربِّه بنَ سعيد (٥) ، رَوَيا هذا الحديث، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن عيسى بنِ طَلْحة، عن عُميرِ بنِ سَلَمةَ الضَّمْريِّ قال: خرَجنا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-. وفي حديثِ يزيدَ بنِ الهادِ: بينما نحن مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ رواه الليثُ بنُ سَعْد، هكذا عن يزيدَ بنِ الهادِ (٦) .
vol. 15, p. 295وقال موسى بنُ هارون: والصحيحُ عندنا أنَّ هذا الحديثَ رواه عميرُ بنُ سَلَمة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ليس بينه وبين النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فيه أحدٌ. قال: وذلك بيِّنٌ في روايةِ يزيدَ بنِ الهادِ وعبدِ ربِّه بنِ سعيد. قال موسى بنُ هارون: ولم يأتِ ذلك من مالك؛ لأنَّ جماعةً روَوه عن يحيى بنِ سعيدٍ كما رواه مالكٌ، ولكن إنما جاء ذلك من يحيى بنِ سعيد، كان يرويه أحيانًا فيقولُ فيه: عن البهزيِّ. وأحيانًا لا يقولُ فيه: عن البهزيِّ. وأظنُّ المشيخةَ الأولى كان ذلك جائزًا عندهم، وليس هو روايةً عن فلان، وإنما هو عن قصةِ فلان. هذا كلُّه كلامُ موسى بنِ هارون (١) .
قال أبو عُمر: البهزيُّ: اسمُه زيدُ بنُ كعب، وقد ذكَرناه في "الصحابة" (٢) .
قال أبو عُمر: الرَّوْحاءُ والأَثايَةُ والعَرْجُ والرُّويثةُ (٣) : مواضعُ ومناهلُ بين مكةَ والمدينة، وإلى العَرْج نُسِب العَرْجيُّ الشاعر، وقيل: بل نُسِب العَرْجيُّ الشاعرُ إلى موضع آخرَ يُدعَى أيضًا بالعَرْج قربَ الطائف، كان نزلَه، لأنه كان له به مالٌ. واسمُ العرجيِّ الشاعرِ عبدُ الله بنُ عُمرَ بنِ عَمْرِو بنِ عثمانَ بنِ عفان، وهو أشعرُ بني أُميّة.
-
وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ كلَّ ما صاد الحلالُ جائزٌ للمُحْرِم أكلُه. وهذا موضعٌ اختلَف العلماءُ فيه قديمًا وحديثًا، واختلَفت الآثارُ فيه أيضًا، وقد بيَّنا ذلك وأوضَحناه في بابِ ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله (٤) ، وفي بابِ أبي النَّضْر (٥) أيضًا من هذا الكتاب، والحمدُ لله.
- vol. 15, p. 296
وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ المُحرِمَ لا يجوزُ له أن ينفِّرَ الصيدَ ولا يُعينَ عليه، ألا تَرى أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمَر رجلًا أن يقفَ عند الظّبي الحاقِفِ حتى يُجاوزَه الناسُ، لا يُريبُه أحدٌ، أي: لا يمسُّه أحدٌ ولا يُحركُه، ولا يَهيجُه أحدٌ.
-
والحاقف: الواقفُ المُنثَني والمُنحَني، وكلُّ مُنْحَنٍ فهو مُحْقَوقِفٌ، وإذا صار رأسُ الظَّبْي بين يدَيْه إلى رجلَيْه ومَيَّل رأسَه، فهو حاقفٌ ومُحْقَوْقِفٌ. هذا قولُ الأخفش.
وقال غيرُه من أهل اللغة: الحاقفُ الذي قد لجأ إلى حِقْفٍ، وهو ما انعطَف من الرَّمْل. وقال العَجّاج (١) :
سَمَاوَةَ الهلالِ حتى احْقَوْقَفا
يعني: انعطفَ، وسماوتُه شَخْصُه.
وقال أبو عُبيد: حاقفٌ، يعني: قد انحنَى وتثنَّى في نومِه، ويقال للرَّجُلِ (٢) إذا انحنَى: حقَفَ. فهو حاقِفٌ. قال: وأما الأحقافُ فجمعُ حِقْفٍ، ومن ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: {إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: ٢١] . قال أبو عبيد: إنما سُمِّيت منازلُهم بالأحقاف؛ لأنها كانت بالرمال.