يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله

1,255 paragraphs · vol. 15, p. 5

Page 4 of 32

  1. وفي هذا الحديثِ بيانُ النَّسْخ في أحكام الله عزَّ وجلَّ، وهو بابٌ يُستَغْني عن القولِ فيه؛ لاتفاق أهلِ الحقِّ عليه، وقد أتيْنا بلُمَع من عِللَه في مواضعَ من كتابنا، والحمدُ لله، وذكَرْنا نسخَ الصلاةِ إلى الكعبة، وكيف كان الوجهُ في ذلك، وكثيرًا من معاني استقبالِ القبلةِ في باب ابنِ شهاب، عن عُروة (١) ، وفي باب عبدِ الله بنِ دينار (٢) ، فأغنَى عن ذكرِ ذلك هاهنا.

    vol. 15, p. 61
  2. وهذا الحديثُ ومثلُه أصلٌ في عِلْم الخبرِ وحفظِ السِّيَر، وقد رُوِىَ معناه مُسنَدًا من وُجوه من حديثِ البراءِ وغيرِه (٣) ، ولم يختلف العلماءُ في أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذْ قدِمَ المدينةَ صلَّى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، وقيل: سبعةَ عشر. وقيل: ثمانيةَ عشر. وإنما اختلَفوا في صلاتِه بمكّة، فقالت طائفة: كانت إلى الكعبة. وقال آخرون: كانت إلى بيتِ المقدس. وقد ذكَرْنا ما رُوِيَ في ذلك وقيل به في باب ابنِ شهاب، عن عُروةَ من هذا الكتاب في بابِ صلاةِ جبريلَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمكةَ حينَ فَرْضِ الصلاة (٤) ، وذكَرْنا بعضَ ذلك أيضًا مع حُكْم مَن صلَّى إلى غيرِ القبلةِ مجتَهِدًا وغيرَ مجتهدٍ في بابِ عبدِ الله بنِ دينار (٥) .

  3. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٦) : أخبرنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيم، قال: حدَّثنا

    vol. 15, p. 62إسحاقُ، عن زكريّا، عن أبي إسحاق، عن البراءِ بنِ عازب، قال: قدِم رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - المدينة، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم إنه وُجِّه إلى الكعبة، فمرَّ رجلٌ قد كان صلَّى مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - على قوم من الأنصار، فقال: أشهدُ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قد وُجِّه إلى الكعبة. فانصَرَفوا.

  4. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا سُنَيْد، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما قدِم النبيُّ عليه السلامُ المدينةَ، صلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا، وكان يُحبُّ أن يُوجَّهَ إلى الكعبة، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: ١٤٤] فوُجِّه نحوَ الكعبة، وكان يُحبُّ ذلك (١) .

  5. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا أَبو الأحوص، قال: حدَّثنا أَبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: صلَّيتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، فلمّا نَزلَت هذه الآية في القِبْلَة: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: ١٤٤، ١٥٠] . قال: فنزلَت بعدَما صلَّى

    vol. 15, p. 63النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فانطَلَق رجلٌ من القوم، فمرَّ بناسٍ من الأنصارِ وهُمْ يُصلُّون، فحدَّثهم الحديثَ، فولَّوا وجوهَهم (١) .

  6. وقد روَى هذا الحديثَ شُعبةُ، والثوريُّ (٢) ، وزُهَيرُ بنُ مُعاوية (٣) وهو أتمُّهم له سِياقةً عن أبي إسحاق، عن البَرَاءِ مثله.

  7. وقد ذكَرنا تأريخَ تحويل القبلةِ إلى الكعبة، والاختلافَ في ذلك في باب ابن شهابٍ عن عُروة (٤) ، والحمدُ لله.

  8. حديثٌ سابعٌ ليَحيى بنِ سَعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، أنَّه سمع سعيدَ بنَ المُسيِّب يقول: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقول: اختَتن إبراهيمُ - صلى الله عليه وسلم - بالقَدُّوم (٢) وهو ابنُ مئةٍ وعشرين سنة، ثم عاش بعدَ ذلك ثمانين سنة.

    vol. 15, p. 64
  9. مثلُ هذا لا يكونُ رأيًا، وقد تابَع مالكًا على توقيفِ هذا الحديثِ جماعةٌ عن يحيى بنِ سعيد؛ منهم يحيى بنُ سعيدٍ القطان، وعليُّ بنُ مُسْهِر.

  10. ورواه الأوزاعيُّ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - "اختَتن إبراهيمُ وهو ابنُ عشرين ومئةِ سنة، ثم عاش بعدَ ذلك ثمانين سنة" (٣) .

  11. ورُوِيَ مُسنَدًا من غير روايةِ يحيى بنِ سعيدٍ من وُجوه؛ منها ما ذكَره ابنُ بُكَير،

    vol. 15, p. 65عن الليث، عن ابنِ عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "اختَتن إبراهيمُ حين بلَغ ثمانين، سنة واختَتن بقَدُّوم" (١) .

    قال ابنُ بُكير: وحدَّثني بمثلِها عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - (٢) .

  12. وروى يحيى القطانُ، عن ابنِ عَجْلان، سمِع أباه، سمع أبا هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - مثلَه (٣) .

  13. ورواه المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمن (٤) وورقاءُ بنُ عُمرَ اليَشْكُريّ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -. إلا أن حديثَ أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة مرفوعًا: "أن إبراهيمَ اختَتن بعدَما مرّ عليه ثمانون سنة، واختَتن بالقَدُّوم" .

  14. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ أبي غالبٍ بمصر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ بدْر، قال: حدَّثنا رزقُ الله بنُ موسى، قال: حدَّثنا شبابةُ بنُ سوّار، قال: حدَّثنا ورقاءُ بنُ عُمر، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "اختَتن إبراهيمُ بعدَما مرَّ عليه ثمانون سنة، واختَتن بالقَدُّوم" (١) .

    vol. 15, p. 66
  15. وذكَر المروزيُّ حديثَ الأوزاعيِّ، عن أبي الوليدِ أحمدَ بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا الوليدُ، قال: أخبرني أبو عَمْرو - يعني الأوزاعيّ - عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "اختَتن إبراهيمُ وهو ابنُ عشرين ومئةِ سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنةً" (٢) .

    قال: وحدَّثنا أبو قُدَامة (٣) ، قال: حدَّثنا يحيى، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقول: اختَتن إبراهيمُ وهو ابنُ عشرين ومئةِ سنة. ثم عاش بعدَ ذلك ثمانين سنة.

    قال: وحدَّثنا أبو هَمّام (٤) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ مُسْهِر، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هُريرة، قال: اختَتن إبراهيمُ بالقَدُّوم وهو ابنُ عشرين ومئةِ سنة.

    vol. 15, p. 67قال سعيد: وهو أولُ مَن اختَتن، وأولُ مَن أضاف الضيف، وأولُ مَن استَحدَّ، وأولُ مَن قلَم الأظفار، وأولُ مَن قصَّ الشاربَ، وأولُ مَن شاب، فلما رأى الشَّيبّ قال: ما هذا؟ قال: وقارٌ. قال: يا ربِّ، زِدْني وَقارًا.

    قال: وحدَّثنا أبو كامل (١) ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثني عُمارةُ، قال: حدَّثني عِكْرِمةُ، قال: أوحَى اللهُ إلى إبراهيم: إنك قد أكْملت الإسلامَ إلا بَضْعةً منك فألقِها. فقدِم يَختِنُ نفسَه بالفأس، فصرَف بصرَه عن عورته أن يَنظُرَ إليها. قال عِكْرِمة: واختَتن إبراهيمُ وهو ابنُ ثمانين سنة. قال: ولم يَطُفْ بالبيتِ بعدُ على ملّةِ إبراهيمَ إلا مَخْتون (٢) .

    قال أبو عُمر: هكذا قال عِكْرِمةُ في إبراهيم: إنه اختَتن وهو ابنُ ثمانين سنة. وقد قاله المسيِّبُ بنُ رافع، كذلك ذكَر المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبّاح، قال: حدَّثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيِّب بنِ رافع: أوحَى اللهُ إلى إبراهيمَ أن تطهَّر، فتوضَّأ، فأوحى اللهُ إليه أن تطهَّر، فاغتسَل، فأوحى اللهُ إليه أن تطهَّر، فاختَتن بالقَدُّوم بعدَ ثمانينَ سنة. وهذا هو المحفوظُ في حديثِ عجْلانَ وحديثِ الأعرج، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -، وقد مضَى القولُ في الخِتانِ في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيد (٣) ، وتقصَّينا هنالك ما للعلماءِ في ذلك.

  16. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على جوازِ القولِ في سِيَرِ الأنبياءِ والصالحين، وفي معنى ذلك الحديثُ عن الماضين وأيام الناس جُملةً، وبالله التوفيق.

  17. قرأتُ على أبي عُمرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمد، أنَّ أبا عبدِ الله محمدَ بنَ عيسى حدَّثهم، قال: سأل رجل يحيى بنَ أيوبَ بنِ بادي العلّافَ ونحن عندَه، عن ختان النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - فقال: قد طلَبتُ ذلك عندَ أكثرِ مَن لقيتُ ممّن كتبتُ عنه، فلم أجِدْه حتى أتيتُ محمدَ بنَ أبي السَّريِّ العَسْقلانيّ في سَفْرتي الثانية، فسألتُه عنه عندَ توديعي له مُنصَرِفًا، فقال: حدَّثني الوليدُ بنُ مُسلم، عن شُعيب، عن عطاءٍ الخُرسانيِّ، عن عِكْرِمة، عن ابن عبَّاس: أن عبدَ المطَّلب ختَن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ سابعِه، وجعَل له مأدُبةً، وسمّاه محمدًا (١) .

    vol. 15, p. 68
  18. وقد قيل: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وُلِد مختونًا (٢) ، فاللهُ أعلم.

  19. وقد ذكَرنا ما للعلماءِ في هذا المعنى مجوَّدًا في باب سعيدِ بنِ أبي سعيد (٣) عند قوله عليه السلام: "خمسٌ مِن الفِطْرة" . فذكَر منها الختان.

  20. حديثٌ ثامنٌ ليحيى بنِ سَعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، أن سعيدَ بنَ المُسيِّب كان يقول: إنَّ الرجلَ لَيُرْفَعُ بدُعاءِ ولَدِه من بعدِه. وأشار بيدَيه نحوَ السماءِ يرفَعُهما.

    vol. 15, p. 69
  21. لم يختلف رواةُ "الموطّأ" عن مالك في أنَّ هذا الحديث فيه هكذا (٢) ، ورواه ابنُ وَهْب، عن عَمْرِو بنِ الحارثِ ومالكِ بنِ أنس، عن يحيى بنِ سعيد، قال: كان سعيدُ بنُ المسيِّب يقول. فذكرَه هكذا سواءً من قولِ سعيدِ بنِ المسيِّب. وهذا لا يُدرَكُ بالرأي، وقد رُوِي بإسنادٍ جيدٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -.

  22. قرأتُ على أبي عُمرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمد، أن أبا العباس أحمدَ بنَ الفضلِ الخفّافَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزجانيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "إنَّ الله ليرفَعُ العبدَ الدرجة، فيقول: أيْ ربِّ، أنَّى لي هذه الدرجة؟ فيقال: باستِغفار ابنِك لكَ" (٣) .

  23. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكَن (١) إملاءً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسين بنِ حُميدِ بنِ الرّبيع الخزّاز، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ عليِّ النَّجِيْرَميُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ حُباب، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثّوريُّ، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: وأكبرُ ظنِّي أنّه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "إنّ المؤمنَ لتُرفَعُ له الدّرجةُ في الجنّة فيقول" فذكَره.

    vol. 15, p. 70
  24. حديثٌ تاسعٌ ليَحيى بن سَعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعيد، أنَّه قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المُسيِّب يقول: ألا أُخبرُكم بخَيْرٍ من كثيرٍ من الصَّلاةِ والصَّدقةِ والصَّوم؟ قالوا: بلى. قال: إصلاحُ ذاتِ البَيْن، وإيّاكم والبغْضاء؛ فإنها هيَ الحالِقة.

    vol. 15, p. 71
  25. هكذا هذا الحديث موقوفًا على سعيدٍ في "الموطأ" (٢) ، لم يَخْتلفْ على مالكٍ فيه الرواةُ إلا إسحاقَ بنَ بشرٍ الكاهليَّ، وهو ضعيفٌ متروكُ الحديث، فإنه رواه عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -.

  26. حدَّثنا بحديثه خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ القاضي، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ سُليمانَ الأشجُّ بمكّة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ بشرٍ الكاهليُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "إيّاكم والبغضاء؛ فإنها الحالِقةُ، ألا أُخبِرُكم بخيرٍ من كثيرٍ من الصَّلاةِ والصَّدقة؟ " قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال: "صلاحُ ذاتِ البين" .

  27. وقد رُوِيَ هذا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - مرفوعًا مُسنَدًا ومُرسَلًا من حديثِ يحيى بن سعيد:

    حدَّثناه سَلَمةُ بنُ سعيدِ بنِ سَلَمة، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ زكريا المحاربيُّ، قال: حدَّثنا أبو كريبٍ محمدُ بنُ العلاء، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياث، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "ألَا أُخبِرُكم بخَيْرٍ من كثيرٍ من الصَّلاةِ والصِّيام والصَّدقة؟ إصلاحُ ذاتِ البين، وإياكم والبغضة؛ فإنما هي الحالقةُ" (١) .

    vol. 15, p. 72
  28. وحدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ الجُعفيُّ، عن ابنِ عُيينة، عن يحيي بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - مثلَه. قال أبو الدرداء: أما إني لا أقول: حالقةُ الشعرِ ولكنها حالقةُ الدِّين (٢) .

    قال أبو الحَسَن عليُّ بنُ عُمر (٣) : تفرَّد به أبو كُريب. وقد رُوِي هذا الحديث من غير روايةِ مالك، وسنذكُرُه إن شاء الله.

  29. وفيه علةٌ ذكَرها عليُّ بنُ المَدينيِّ فقال - وذلك ما أخبرناه عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ،

    vol. 15, p. 73قال: حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيد، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّب قال: ألا أُخبرُكم بخيرٍ من كثيرٍ من الصَّلاة؟ وذكَرَ الحديثَ. قال عليٌّ: فقلتُ لِمَعْن: إنَّ هذا الحديثَ لم يسمَعْه يحيى بنُ سعيدٍ من سعيدِ بنِ المسيِّب، بينَهما رجلٌ، فلا تقل فيه: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّب. واجعَلْه عن سعيدِ بنِ المسيِّب. فكان لا يقولُ فيه إلا عن سعيدِ بنِ المسيِّب.

    قال عليّ: وقد حدَّثناه عبدُ الوهاب، ويزيدُ بنُ هارون، وغيرُهما، عن يحيى بنِ سعيد، عن إسماعيلَ بنِ أبي حَكيم، عن سعيدِ بنِ المسيِّب مرفوعًا (١) .

  30. وقد روَى الأعمش، عن عَمْرِو بنِ مرّة، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن أمِّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "ألَا أدُلُّكم على أفضلَ من كثيرٍ مِن الصَّلاةِ والصَّدَقة؟ " . قالوا: ماذا يا رسولَ الله؟ قال: "صلاحُ ذاتِ البَيْن" .

  31. ذكَره البزّارُ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى وصالحُ بنُ معاذ، قالا: حدَّثنا أبو مُعاوية، عن الأعمش، فذكَره.

  32. وقد روى يحيى بنُ أبي كثير، عن يعيشَ بنِ الوليد، عن مولًى للزُّبير، عن الزُّبير، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: "دبَّ إليكُم داءُ الأُمم قِبَلكُم: الحسَدُ والبغْضاءُ" أو قال: "العَدَاوةُ والبَغْضاءُ، وهي الحالِقَة، لا أقولُ حالِقَةُ الشّعْر، ولكن حالِقَةُ الدِّين" (١) .

    vol. 15, p. 74
  33. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ من وُجوه في كتاب العِلْم (٢) ، وفيه مع خبرِ هذا الباب أوضَحُ حُجّةٍ في تحريم العداوة، وفَضْل المؤاخاةِ وسلامةِ الصُّدُورِ منَ الغِلِّ.

  34. حديثٌ عاشرٌ ليَحيى بن سَعيدٍ يحيى عن أبي سَلَمة

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبد الرحمن، أنَّه قال: سمِعتُ أبا قتادةَ بنَ رِبْعيٍّ يقول: سمِعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - يقول: "الرُّؤيا الصالحةُ منَ الله، والحُلُمُ من الشيطان، فإذا رأى أحدُكمُ الشيءَ يكْرهُه فلينفُثْ عن يسارِه ثلاثَ مرّاتٍ إذا استيقَظ، وليتعوَّذْ بالله من شرِّها، فإنها لن تضُرَّه" . قال أبو سَلَمة: إنْ كنتُ لأرى الرُّؤيا هي أثقلُ عليَّ من الجبل، فلمّا سمِعتُ هذا الحديثَ فما كنتُ أبالِيها.

    vol. 15, p. 75
  35. هذا الحديثُ بيِّن المعنى، وفيه دليلٌ على أنّ الرُّؤيا السيِّئة لا تضُرُّ منِ استعاذ بالله من شرِّها ونَفَثَ عن يسارِه. والرُّؤيا السيِّئةُ حُلمٌ وتهويلٌ من الشيطان، وتحزينٌ لابنِ آدم، على ما جاء عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -، بما قد ذكَرناه في باب إسحاقَ بنِ أبي طلحة (٢) من هذا الكتاب.

  36. وقد روَى هذا الحديث الزُّهريُّ، عن أبي سَلَمة، وهو عندَ مَعْمَر (٣) ، وابنِ عُيينة (٤) ، وعُقيل (٥) ، وليس عندَ مالك.

    vol. 15, p. 76قال أبو عُمر: ذكَرَ الجوهريُّ (١) والنَّسائيُّ في مسنده (٢) حديثَ مالكٍ عن يحيى بنِ سعيد، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، سمِعها تقول: إن كان ليكونُ عليَّ الصِّيامُ من رَمَضان، فما أستطيعُ أن أقضِيَهُ حتى يأتي شعبانُ. فأدْخَلا هذا في المُسنَد ولا وجْهَ له عندي إلّا وجْهٌ بعيدٌ؛ وذلك أنَّه زعمَ أنّ ذلكَ كان لحاجةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها؛ واستدلَّ بحديث مالكٍ عن أبي النَّضْر، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلَّم - أكثر صيامًا منه في شعبان (٣) . وقد يُسْتَدلُ من قول عائشة هذا على جواز تأخير قَضَاء رَمَضان، لأنَّ الأغلب أن تركها لقضاء ما كان عليها من رَمَضان لم يكن إلا بعِلْم رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - وإذا كان ذلك كذلك، كان فيه بيان لمراد الله عزَّ وجلَّ من قوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] ، لأنَّ الأمرَ يقتضي الفَوْر حتى تقومَ الدَّلالة على التَّراخي كما يقتضي الانقياد إليه، ووجوب العَمَل به حتى تقومَ الدَّلالة على غير ذلك، وفي تأخير عائشة قضاءَ ما عليها من صيام رَمَضان دليلٌ على التَّوسعة والرُّخصة في تأخير ذلك، وذلك دليلٌ على أنَّ شَعْبانَ أقصى الغاية في ذلك، فمن أخَّرَهُ حتى يدخل عليه رَمَضان آخر، وَجَبَت عليه الكَفّارةُ التي أفتى بها جمهور السَّلَف والخَلَف من العُلماء، وذلك مُدٌّ عن كل يوم، والله أعلم (٤) .

  37. يحيى عن سُليمان بن يسار أربعة أحاديث حديثٌ حادي عشرَ ليَحيى بنِ سعيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن يحيى بنِ سعيد، عن سُليمانَ بنَ يسار، أنّ عبدَ الله بنَ عبَّاس وأبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرحمن اختلَفا (٢) في المرأةِ تُنفَسُ بعدَ وفاةِ زوجِها بليال؛ فقال أبو سَلَمة: إذا وضَعتْ ما في بطْنِها فقد حلَّتْ. وقال ابنُ عبَّاس: آخِرُ الأجَلَين. فجاء أبو هُريرةَ فقال: أنا مع ابنِ أخي؛ يعني أبا سَلَمة (٣) ، فبعَثوا كُريبًا مولى عبدِ الله بنِ عبَّاس إلى أمِّ سَلَمةَ زوجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - يسألُها عن ذلك، فجاءَهُم فأخبَرهُم أنها قالت: ولَدتْ سُبَيعةُ الأسْلميَّة بعدَ وفاةِ زوجِها بليال، فذكَرَتْ ذلك لرسول الله، فقال: "قد حَلَلْتِ، فانكِحي مَن شئْت" .

    vol. 15, p. 77
  38. في هذا الحديثِ دليلٌ على جلالةِ أبي سَلَمة، وأنه كان يُفْتي مع الصحابة، وأبو سَلَمةَ القائل: لو رَفقتُ بابن عبَّاس لاستخرجتُ منه علمًا.

  39. وفيه دليلٌ على أنَّ العلماءَ لم يزالوا يَتناظرون، ولم يَزلْ منهم الكبيرُ لا يرتفعُ على الصّغير، ولا يمنَعونَ الصغيرَ إذا علمَ أن ينطِقَ بما علِمَ، ورُبَّ صغيرٍ في السِّنِّ كبيرٍ في عِلْمِه، واللهُ يمُنُّ على مَن يشاءُ بحِكْمتِه ورَحمتِه.

  40. وفيه دليلٌ على (٤) أنَّ المُناظرةَ وطلبَ الدليل وموقع الحجةِ كان قديمًا من لدُنْ زمنِ الصحابةٍ هلمَّ جرًّا، لا يُنكِرُ ذلك إلا جاهل.