زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5

Page 26 of 40

  1. وأمَّا قولُه في الحديثِ: "كأنَّه شيطانٌ" فهو مَحْمُولٌ على المعْرُوفِ مِن كلام العربِ؛ لأنَّها كانت تُشَبِّهُ ما اسْتَقْبَحَتْ بالشيطانِ، وإن كان لا يُرَى؛ لِما أوْقَعَ اللهُ في نُفوسِهم مِن كَراهِيَةِ طَلْعَتِه، ومِن هذا المعنى قولُه - عزَّ وجلَّ - في شَجَرَةِ الزَّقُّوم: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: ٦٥] .

    vol. 3, p. 472
  2. وأمَّا الحديثُ المتَّصِلُ في مَعْنَى هذا الحديثِ؛ فحدَّثنا أحمدُ بنُ عمرَ، قال:

    حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، وحدَّثنا قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا خالِدُ بنُ سعدٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا بَحْرُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا بِشْرُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن حَسَّانَ بنِ عَطِيَّةَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ المنكدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: أتانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- زائِرًا في مَنْزِلِنا، فرَأَى رجلًا شَعِثًا، فقال: "أما كان هذا يَجِدُ ما يُسَكِّنُ به رَأْسَه؟ " . ورَأى رَجُلًا عليه ثِيابٌ وَسِخَةٌ، فقال: "أما كان هذا يَجِدُ ما يغْسِلُ به ثَوْبَه؟ " (١) .

  3. وحدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حَسَّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عَمَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحَمِيدِ بنُ

    vol. 3, p. 473حَبِيبٍ كاتِبُ الأوزاعيِّ، قال: حدَّثنا الأَوزاعيُّ، قال: حدَّثنا حَسَّانُ بنُ عطِيَّةَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ المنكدِرِ، عن جابِرِ بن عبدِ الله، قال: أتانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- زائرًا في رِحالِنا. فذكَرَه إلى آخِرِه سَواءً.

  4. وذكَرَه البَزَّارُ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الأشجُّ عبدُ الله بنُ سعيدٍ وصالِحُ بنُ معاذٍ، قالا: حدَّثنا وَكِيعُ بنُ الجَرَّاحِ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن حَسَّانَ بنِ عَطِيَّةَ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرٍ مرفوعًا مثلَه (١) .

  5. ورُوِي هذا الحديثُ عن الوليدِ بنِ مسلمٍ، عن الأوزاعيِّ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرٍ (٢) ، وذلك خَطَأٌ، والصَّوابُ ما ذكَرْنا عن الأوزاعيِّ، عن حَسَّانَ بنِ عَطِيَّةَ عن ابنِ المنكدِرِ (٣) ، واللهُ أعلمُ (٤) .

  6. أخبَرني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرَّزَّاقِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى،

    vol. 3, p. 474عن هشام بنِ حَسَّانَ، عن الحسنِ، عن عبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ، قال: نَهَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا.

  7. ومن حديث فَضَالة بن عُبيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينهاهم عن كثير من الرفاهية ويأمرهم بالاحتفاء أحيانًا (١) . وروى ابن وَهْب، عن ابن أبي الزِّناد، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن كان له شَعَرٌ فلْيُكرِمْه" (٢) . وهذا المعنى في حديث الحجازيين كثير، وبالله التوفيق.

  8. حديثٌ ثانٍ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لن يَبْقَى بعدي من النبوةِ إلا المبشِّراتُ" . قالوا: وما المبشِّراتُ يا رسولَ الله؟ قال: "الرُّؤيا الصالحةُ يراها الرجلُ الصالحُ أو تُرَى له، جُزْءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوةِ" .

    vol. 3, p. 475
  9. هكذا روَى هذا الحديثَ جميعُ الرواةِ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ مُرسَلًا (٢) .

  10. وفيه أنَّه لا نبيَّ بعدَه -صلى الله عليه وسلم-، وهو تفسيرُ قولِه عليه السلامُ: "لا نُبُوَّةَ بعدي إلَّا ما شاء اللهُ" (٣) ، وهو حديثٌ يُروَى من حديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ، فإن صحَّ كان معنى الاستثناءِ فيه الرُّؤيا الصالحةَ، على ما في هذا الحديثِ وما كان مثلَه، وحَسْبُك بقولِ الله -عزَّ وجلَّ-: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: ٤٠] وقولِه عليه السلامُ: "أنا العاقِبُ الذي لا نبيَّ بعدي" (٤) .

  11. وحديثُ عطاءِ بنِ يسارٍ المذكور في هذا البابِ يتَّصِلُ معناه من وُجوهٍ ثابتةٍ (٥) :

    vol. 3, p. 476من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (١) ، وحُذَيفةَ (٢) ، وابنِ عمرَ (٣) ، وعائشةَ (٤) ، وأُمِّ كُرْزٍ الخُزاعيَّةِ (٥) .

  12. حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العبَّاسِ الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ الغَضائِريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عُمرَ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن سليمانَ بنِ سُحَيْم، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ مَعْبَدٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيُّها الناسُ، إنَّه لم يَبْقَ

    vol. 3, p. 477من مُبَشِّراتِ النبوَّةِ إلَّا الرُّؤيا الصالحةُ يَراها العبدُ أو تُرَى له " (١) .

  13. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيْلِيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ابنُ عيينةَ، عن سليمانَ بنِ سُحَيْمٍ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ مَعْبَدِ بنِ عباسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كشَف رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- السِّتارةَ في مرَضِه، والناسُ صُفوفٌ خلفَ أبي بكرٍ، فقال: "أيُّها النَّاسُ، إنَّه لم يَبْقَ من مُبَشِّراتِ النبوةِ إلَّا الرُّؤيا الصالحةُ يراهَا المسلمُ أو تُرَى له ". ثمَّ قال: " ألا إنِّي نُهِيتُ أن أقرأَ راكعًا أو ساجدًا، فأمَّا الركوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتهِدوا في الدُّعاءِ، فَقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم " (٢) .

  14. هكذا روَاه الحُميديُّ (٣) ، وابنُ أبي شيبةَ (٤) ، وغيرُهما، عن ابن عُيينةَ سواءً.

  15. وفي حديثِ مالكٍ: "يراها الرجلُ الصالحُ أو تُرَى له " فظاهرُه ألَّا تكونَ الرُّؤيا من النبوةِ جُزءًا من ستَّةٍ وأربعينَ إلَّا على ذلك الشرطِ؛ للرجلِ الصالحِ، أو منه.

  16. وفي حديثِ ابنِ عباسٍ: "يراها المسلمُ ". ولم يَقُلْ: صالحًا ولا طالحًا. وفي بعضِ ألفاظِه: " يَراها العبدُ" (٥) وهذا أوسعُ أيضًا.

  17. وقولُه في حديثِ مالكٍ: "أو تُرَى له" عُمومُه: من الصالح وغيرِه، واللهُ أعلمُ.

    vol. 3, p. 478
  18. وقد تقدَّم القولُ في الرُّؤيا في بابِ إسحاقَ بنِ أبي طَلحةَ مِن كتابِنا هذا (١) ، فأغنَى عن إعادتِه هاهنا.

  19. حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الترمِذيُّ محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سفيانُ، عن عُبَيدِ الله بنِ أبي يزيدَ، عن أبيه، عن سِبَاعِ بنِ ثابتٍ، عن أُمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّةِ، قالت: سمِعتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "ذهَبتِ النبوةُ وبَقِيَتِ المبَشِّراتُ" .

    قال أبو عُمر: أحاديثُ هذا البابِ كلُّها صِحاحٌ ثابتةٌ في معنى حديثِ مالكٍ، وقد روَى عطاءُ بنُ يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في تأويلِ قولِ الله -عزَّ وجلَّ-: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: ٦٤] ، حديثًا يدخُلُ في معنى هذا الباب.

  20. قرَأتُه على أبي عثمانَ سعيدِ بنِ نصرٍ وأبي القاسم عبدِ الوارثِ بن سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ

    vol. 3, p. 479الزُّبَيْرِ الحُمَيديُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عمرٌو -يعني ابنَ دينارٍ- عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، عن أبي صالح، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، قال: سألتُ أبا الدَّرداءِ عن قولِ الله -عزَّ وجلَّ-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [يونس: ٦٣ - ٦٤] . فقال: ما سألني عنها أحدٌ منذُ سألتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عنها غيرُك إلَّا رجلٌ واحِدٌ، سألتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عنها، فقال: "ما سألني عنها أحدٌ منذُ نزَلتْ غيرُكَ إلَّا رجلٌ واحدٌ؛ هي الرُّؤْيَا الصالحةُ يراها المسلمُ أو تُرَى له" . قال سفيانُ: ثمَّ لَقِيتُ عبدَ العزيزِ بنَ رُفَيْعٍ، فحدَّثَنِيه عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، عن أبي الدرداءِ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. قال سفيانُ: ثمَّ لَقِيتُ محمدَ بنَ المنكدرِ، فحدَّثَنيه عن عطاءِ بن يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

    قال أبو عُمر: هذا حديثٌ حَسَنٌ في التَّفسيرِ المرفوع، صحيحٌ مِن جهةِ المعنَى.

  21. وقد رواه الأعمشُ، عن أبي صالحٍ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، قال: سأَلتُ أبا الدَّرداءِ. فذكَره سواءً؛ هكذا روَاه أبو معاويةَ (٢) ،

    vol. 3, p. 480وعليُّ بنُ مُسْهِرٍ، ووكيعُ بنُ الجرَّاح (١) ، عن الأعمشِ (٢) .

  22. ورُوِيَ من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ الله (٣) ، وعُبادةَ بنِ الصَّامتِ (٤) ، وأبي هريرةَ (٥) ،

    vol. 3, p. 481وعبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص (١) ، وطلحةَ بن عُبَيدِ الله، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، نحوُ حديثِ أبي الدَّرداءِ هذا سواءً بمعناه. وعلى ذلك أكثرُ أهلِ التَّفسيرِ في معنى هذه الآيةِ، وهو أوْلَى ما اعْتقَدَه العالِمُ في تأويلِ قولِ الله -عزَّ وجلَّ-: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . ورُوِيَ عن الحسنِ، والزهريِّ، وقتادةَ، أنَّها البِشارةُ عندَ الموتِ (٢) . ولا خلافَ بينَهم أنَّ قولَه: {وَفِي الْآخِرَةِ} : الجنةُ.

  23. حديثٌ ثالثٌ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَمَ مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من وَقَاه اللهُ شرَّ اثْنتَيْنِ ولَجَ الجَنّةَ" . فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، لا (٢) تُخبِرْنا. فسكَت رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، ثمَّ عاد رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال مثلَ مَقالَتِه الأُولَى، فقال له الرجلُ: لا تُخبِرْنا يا رسولَ الله. فسكَت رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، ثمَّ قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك أيضًا، فقال الرجلُ: لا تُخبِرْنا يا رسولَ الله. ثمَّ قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مثلَ (٣) ذلك أيضًا، ثمَّ ذهَب الرجلُ يقولُ مثلَ مَقالَتِه الأُولَى، فأسْكَتَه رجلٌ إلى جَنْبِه، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "من وَقاه اللهُ شَرَّ اثنتَيْن ولَجَ الجَنّةَ: ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْه، ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْه، ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْه" .

    vol. 3, p. 482
  24. هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: "لا تُخْبِرْنا" . على لفظِ النَّهْي ثلاثَ مَرَّاتٍ، وأعاد الكلامَ أربعَ مَرَّاتِ. وتابَعَه ابنُ القاسِم وغيرُه على لَفْظِ: لا تُخْبرْنا. على النَّهْي، إلَّا أنَّ إعادَةَ الكلام عندَه ثلاثُ مرَّاتٍ.

    وقال القَعْنَبِيُّ: ألا تُخْبِرُنا؟ على لَفْظِ العَرْضِ والإغْراءِ والحَثِّ (٤) ، والقِصَّةُ عندَه مُعادَةٌ ثلاثَ مَرَّاتٍ أيضًا، وكلُّهم قال: "ما بينَ لَحْيَيْهِ وما بينَ رِجْلَيْهِ" . ثلاثَ مَرَّاتٍ.

  25. وأمَّا ابنُ بُكَيْر، فليس عندَه هذا الحديثُ في "الموطَّأ" ، ولا عندَه مِن الأربعةِ الأبوابِ المتَّصِلَةِ، إلَّا بابُ: ما يُكْرَهُ مِن الكَلام. فيه أوْرَد أحاديثَ الأبوابِ الأربعةِ، إلَّا هذا الحديثَ.

  26. ولا أعْلَمُ عن مالكٍ فيه خِلافًا في إرْسَالِ هذا الحديثِ، وقد رُوِيَ مَعْناه مُتَّصِلًا مِن طُرُقٍ حِسَانٍ عن جابرٍ (١) ، وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، وعن أبي موسَى (٢) ، وعن أبي هريرةَ، إلَّا أنَّ لَفْظَ أبي هريرةَ: "إنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجوفانِ؛ البَطْنُ والفَرْجُ" (٣) .

    vol. 3, p. 483
  27. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ المُقَدَّمِيُّ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ عليٍّ،

    vol. 3, p. 484عن أبي حازِم، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن يَتَكَفَّلُ لي بما بينَ لَحْيَيْه وما بينَ رِجْلَيْه وأضْمَنُ له الجَنَّة؟ " (١) .

  28. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجاع، قال: حدَّثَنِي المُغِيرَةُ بنُ سِقْلابٍ، قال: أخبَرنا مَعْقِلٌ -يَعْنِي ابنَ عُبَيْدِ الله العَبْسِيِّ- عن عمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جابِرٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن ضَمِنَ لي ما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْه ضَمِنْتُ له الجَنَّة" (٢) .

  29. وحدَّثنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم الحافظُ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ سليمانَ غُندَرٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المُثنَّى، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ عمرَ بنِ عليِّ بنِ مُقَدَّم، قال حدَّثني أبي، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعدِيِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن ضمِنَ لي ما بينَ لحْيَيْه ورجْلَيه ضمِنتُ له الجَنَّة" (٣) .

  30. وحدَّثني أبو القاسمِ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ سليمانَ بنِ دُرَّانَ غندَرٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ (١) ومحمدُ بنُ أبي بكر بنِ سليمانَ، قالا: حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجاع، قال: حدَّثنا المغيرةُ بنُ سِقْلابٍ، قال: حدَّثنا معقِلُ بنُ عُبيدِ الله، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن جابرِ بنِ عبد الله، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن ضَمِنَ لي ما بينَ لحْيَيه وما بين رجليه ضَمِنتُ له الجنَّة" .

    vol. 3, p. 485
  31. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الحَضْرَميُّ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ الحارثِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن أبي حازِم، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن وَقَاه اللهُ شَرَّ اثْنتَيْنِ دخَل الجَنَّة؛ شَرَّ ما بينَ لَحْيَيْه وشَرَّ ما بينَ رِجْلَيْه" (٢) .

  32. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وأحمدُ بنُ محمدٍ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْلِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ العَدَوِيُّ، قال: حدَّثَني خِرَاشُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مَوْلاي أنسُ بنُ مالكٍ، قال: خرَج رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابِه، فقال: "من ضَمِنَ لي اثْنتَيْنِ ضَمِنْتُ لهُ الجَنَّة" . قال أبو هريرةَ: فداكَ أبي وأُمِّي يا رسولَ الله،

    vol. 3, p. 486أنا أضمَنُهما، ما هما؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن ضَمِنَ لي ما بينَ لَحْيَيْه وما بينَ رِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ له الجَنَّة" (١) .

    قال أبو عُمر: معلومٌ أنَّه أراد بقولِه: "ما بينَ لَحْيَيْه" : اللِّسانَ، و: "ما بين رِجْلَيْه" . الفَرْجَ. واللهُ أعلمُ. ولهذا ما أرْدَفَ مالِكٌ (٢) حديثَه في هذا البابِ بحديثِه عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ دخَل على أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ وهو يَجْبِذُ لِسانَه، فقال له عمرُ: مَهْ! غفَر اللهُ لك. فقال أبو بكرٍ: إنَّ هذا أوْرَدَني الموارِدَ. وفي اللِّسانِ في معْنَى هذا البابِ آثارٌ كثيرةٌ، منها مرفُوعَةٌ، ومنها مِن قولِ السَّلَفِ. وقد ذكَر ابن المُبارَكِ وغيرُه في ذلك أبوابًا (٣) .

  33. وجَدْتُ في أصلِ سماعِ أبي بخَطِّه رحِمه اللهُ، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسِم بنِ هِلالٍ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعْنَاقِيُّ، قال: حدَّثنا نَصرُ بنُ مَرْزُوقٍ، قال: أخبَرنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بهْرَامَ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّه سألَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أفْضَلُ؛ الصلاةُ بعدَ الصلاةِ المفروضَةِ؟ قال: "لا، ونِعمَّا هي" . قال: فالصَّومُ بعدَ صوم رمضانَ؟ قال: "لا، ونِعمَّا هو" . قال: فالصدقةُ بعدَ الصَّدَقَةِ المفروضَةِ؟ قال: "لا، ونِعمَّا هي" . قال: يا رسولَ الله،

    vol. 3, p. 487فأيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟ قال: فأخْرَجَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لِسانَه، ثمَّ وضَعَ عليه إصبَعَه، فاسْتَرْجَع مُعَاذٌ وقال: يا رسولَ الله، أنُؤَاخَذُ بما نقولُ كلّه ويُكْتَبُ علينا؟ قال: فضَرَب رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مَنْكِبَ مُعَاذٍ، وقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا مُعَاذُ، وهل يَكُبُّ الناسَ على مَنَاخِرِهم في النارِ إلَّا حَصَائِدُ ألسِنَتِهم؟ " (١) .

  34. ومِن أحْسَنِ ما قيل في هذا المعنَى من النَّظْم المحْكَم قولُ نَصْرِ بنِ أحمدَ (٢) :

    لِسَانُ الفَتى حَتْفُ الفَتى حينَ يجْهَلُ ... وكلُّ امرئ ما بينَ فَكَّيْه مَقْتَلُ

    وكم فاتحٍ أبْوابَ شَرٍّ لنَفْسه ... إذا لم يكنْ قُفْلٌ على فيهِ مُقْفَلُ

    في أبياتٍ قد ذكَرتُها في كتابِ "العِلْمِ" في بابِها (٣) .

  35. وسيَأْتي في بابِ سعيدٍ المَقْبُرِيِّ عندَ قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "مَن كان يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ فلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ" . ما فيه كِفايَةٌ في فَضْلِ الصَّمْتِ، إن شاء اللهُ.

  36. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفْيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا مُسْلِمٌ (١) ، قال: حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ، عن الأعْمَشِ، عن خَيْثَمَة (٢) ، عن عديِّ بنِ حاتِمٍ، قال: أيْمَنُ امرئ وأشْأمُه، ما بينَ لَحْيَيْهِ (٣) .

    وقال ابنُ مسعودٍ: أعْظَمُ الخَطايا اللسانُ الكذُوبُ (٤) .

    vol. 3, p. 488
  37. وفي هذا الحديثِ من الفقهِ: أنَّ الكبائرَ أكثرُ ما تكونُ، واللهُ أعلمُ، من الفَم والفَرْجِ، ووَجَدْنَا الكفرَ، وشُرْبَ الخَمْرِ، وأكلَ الرِّبا، وقَذْفَ المحْصَناتِ، وأكلَ مالِ اليَتِيم ظُلْمًا، مِن الفَم واللِّسانِ، ووَجَدْنا الزِّنَى من الفَرْجِ.

  38. وأحْسَبُ أنَّ المرادَ من الحديثِ أنَّه مَن اتَّقَى لِسانَه وما يَأْتي مِن القَذْفِ والغِيبةِ والسَّبِّ، كان أحْرَى أنْ يَتَّقِيَ القتلَ، ومَن اتَّقَى شُرْبَ الخمرِ كان حَرِيًّا باتِّقاءِ بَيْعِها، ومَن اتَّقَى أكْلَ الرِّبَا، لم يَعْمَلْ به؛ لأنَّ البُغْيَةَ مِن العَمَلِ به التَّصَرُّفُ في أكْلِه. فهذا وَجْهٌ في تَخْصِيصِ الجارِحَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في هذا الحديثِ، وضَمانِ الجنةِ لمَن وُقِيَ شَرَّهما، وهذا التَّأْوِيلُ على نحوِ قولِ عمرَ - رَضِيَ اللهُ عنه - في الصَّلاةِ: "ومَن ضَيَّعَها كان لِمَا سِوَاها أضْيَعَ، ومَن حَفِظَها حَفِظَ دينه" (٥) . فكأنَّ قولَه -صلى الله عليه وسلم-:

    vol. 3, p. 489مَن اتَّقَى الغِيبَةَ، وقولَ الزُّورِ، واتَّقَى الزِّنَى، مع غَلَبَةِ شَهْوَةِ النِّساءِ على القُلوبِ، كان للقَتْلِ أهْيَبَ وأشَدَّ تَوَقِّيًا. واللهُ أعلمُ.

  39. ويَحتَمِلُ أن يكونَ ذلك منه -صلى الله عليه وسلم- خِطابًا لقوم بأعْيانِهم، اتَّقَى عليهم مِن اللِّسانِ والفَرْجِ ما لم يَتَّقِ عليهم مِن سائرِ الجَوارح.

  40. ويَحْتَمِلُ أيضًا أن يكونَ قولُه ذلك معه كلامٌ لم يَسْمَعْه الناقِلُ؛ كأنَّه قال: مَن عَافاه اللهُ، وَوَقَاه كذا وكذا، وشَرَّ ما بينَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْه، ولَج الجنةَ. فسَمِع الناقِلُ بعضَ الحديثِ ولم يَسْمَعْ بعضًا، فنَقَل ما سَمع.