زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5
Page 32 of 40
- vol. 3, p. 579
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّئنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّئنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا حَجَّاج (٢) ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سلَمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن صَفْوَانَ بنِ مُحْرِزٍ المَازِنيِّ، قال: سمِعتُ أبا موسى يَخْطُبُ على هذا المِنْبَرِ وهو يقولُ: ألا إنَّ خَمْرَ أهْلِ المَدِينَةِ البُسْرُ والتَّمْرُ، وخَمْرَ أهْل فارِسَ العِنَبُ، وخَمْرَ أهْلِ اليَمَنِ البِتْعُ وهو العَسَلُ، وخَمْرَ أهْلِ الحَبَشَةِ الأُسْكَرْكَةُ وهو الأرْزُ (٣) (٤) .
- vol. 3, p. 580
حديث حادٍ وأربعونَ لزيدِ بنِ أسلَمَ (١) مُرسَلٌ يَستَندُ ويتَّصلُ من وُجوهٍ ثابتةٍ من حديث مالكٍ وغيره (٢)
-
مالكٌ (٣) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّه قال: قدِم رجلانِ مِن المشرقِ فخطَبا، فعَجِبَ الناسُ لبيانِهما، فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "إنَّ مِنَ البيانِ لَسِحْرًا" ، أو: "إنَّ بعضَ البيانِ لَسِحْرٌ" .
-
هكذا روَاه يحيى، عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ مُرسلًا، وما أظُنُّ أرسلَه عن مالكٍ غيرُه، وقد وصَلَه جماعةٌ عن مالكٍ؛ منهم: القَعْنَبِيُّ (٤) ، وابنُ وَهْبٍ (٥) ، وابنُ القاسمِ (٦) ، وابنُ بُكَيْرٍ، وابنُ نافع، ومُطرِّفٌ، والتَّنِّيسِيُّ (٧) ؛ رَوَوْه كلُّهم عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عبدِ الله بنِ عُمر، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، وهو الصوابُ،
vol. 3, p. 581وسماعُ زيدِ بنِ أسلمَ من ابنِ عمرَ صحيحٌ. وقد تقدَّم القولُ في ذلك في كتابِنا هذا، في أوَّلِ بابِ زيدِ بنِ أسلمَ.
-
حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ الجُهَنِيُّ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ (١) سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَنِ الحافظُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ عمرَ، قال: قدِم رجلَانِ من المشرقِ، فخطَبا، فعجِب الناسُ لبيانِهما، فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن من البيانِ لَسِحْرًا" . أو: "إن بعضَ البيانِ لَسِحْر" .
-
ورَوَاه القطَّانُ أيضًا عن مالِكٍ هكذا مسندًا
حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسددٌ (٣) ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مالكٍ (٤) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ عمرَ، قال: قدِم رجلانِ، فخطَبا، فعجِب الناسُ مِن بيانِهما، فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن من البيانِ لَسِحْرًا" (٥) .
-
وهكذا رواه الثوريُّ (٦) ، وابنُ عُينيةَ، وزهيرُ بنُ محمدٍ (٧) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ عمرَ، إلَّا أن في روايتهم: فخَطَبَا، أو خطَب أحدُهما.
- vol. 3, p. 582
وقد روِي عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قولُه: "إن مِن البيانِ لَسِحْرًا" من وُجُوهٍ غيرِ هذا، مِن حديثِ عَمَّارٍ (١) وغيره (٢) .
-
واختلِف في المعنَى المقصودِ إليه في هذا الخبرِ؛ فقِيل: قُصِد به إلى ذَمِّ البلاغةِ، إذْ (٣) شُبِّهتْ بالسِّحرِ، والسِّحرُ مُحرَّمٌ مَذْمومٌ "؛ وذلك لِمَا فيها من تصويرِ الباطلِ في صور الحقِّ، والتفَيهُقِ والتشَدُّقِ (٤) ، وقد جاء في الثرْثارِينَ المتَفَيْهِقِينَ ما جاء من الذم (٥) . وإلى هذا المعنَى ذهَب طائفةٌ من أصحابِ مالكٍ. واسْتَدَلُّوا على ذلك بإدْخَالِ مالكٍ له في " موطَّئِه" في بابِ ما يُكْرَهُ من الكلام (٦) .
- vol. 3, p. 583
وأبَى (١) جمهورُ أهلِ الأدبِ والعلم بلسانِ العربِ إلَّا أن يجعَلُوا قولَه -صلى الله عليه وسلم-: "إن من البيانِ لَسِحْرًا" مَدْحًا وثناءً وتَفْضِيلًا للبيانِ وإطْرَاءً، وهو الذي تَدُلُّ عليه سِياقَةُ الخبرِ ولفْظُه، على ما نُورِدُه في هذا البابِ إن شاء اللهُ.
-
روَى عليُّ بنُ حَرْبٍ الموْصِليُّ، عن أبي سَعيدٍ (٢) الهيثم بنِ مَحْفُوظٍ، عن أبي المقَوّم يحيى بنِ ثَعْلَبةَ الأنصاريِّ، عن الحَكمِ (٣) ، عن مِقْسَمٍ (٤) ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اجتمَع عندَ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قيسُ بنُ عاصمٍ، والزِّبْرِقانُ بنُ بَدْرٍ، وعمرُو بنُ الأَهْتَمِ، ففخَر الزِّبْرِقَانُ، فقال: يا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، أنا سَيِّدُ تَمِيمٍ، والمطَاعُ فيهم، والمجَابُ منهم، آخُذُ لهم بحُقُوقِهم، وأمْنَعُهم من الظلم، وهذا يَعْلَمُ ذلك. يعْنِي عمرَو بنَ الأَهْتَمِ. فقال عمرو: وإنه لشَدِيدُ العارِضةِ (٥) ، مانِعٌ لجانبِه، مُطَاعٌ في أدَانِيه (٦) . فقال الزِّبرِقَانُ: والله لقد كذَب يا رسولَ الله، وما يَمْنَعُه أن يتَكَلَّمَ إلَّا الحسدُ. فقال عمرو: أنا أحْسُدُكَ! فوَ الله لبئيسُ الخالِ، حديثُ المالِ، أحْمَقُ الوالدِ، مُبْغَضٌ في العشير، والله يا رسولَ الله ما كذَبْتُ فيما قُلْتُ أولًا، ولقد صدَقْتُ فيما قُلْتُ آخِرًا؛ رَضِيتُ فقُلْتُ أحسنَ ما عَلِمْتُ، وغَضِبْتُ فقلتُ أقْبَحَ ما وَجَدْتُ، ولقد صدَقْتُ في الأمْرِيْنِ جميعًا. فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إن من البيانِ لسحرًا، إن من البيانٍ لسحرًا (٧) " (٨) .
- vol. 3, p. 584
وروَى (١) حمادُ بنُ زيدٍ، عن محمدِ بنِ الزُّبَيْرِ، قال: قَدِم على رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم- الزِّبْرِقَانُ بنُ بَدْرٍ، وعمرُو بنُ الأهْتَمِ، وقَيْسُ بنُ عاصمٍ، فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لعمرٍو: "أخبِرْني عن الزِّبْرِقَانِ" . فقال: هو مُطَاعٌ في نَادِيه، شديدُ العارِضَةِ، مانع لما وراءَ ظَهْرِه. قال الزِّبْرِقَانُ: هو والله يا رسولَ الله يعْلَمُ أنِّي أفْضَلُ منه. فقال عمرو: إنَّه لَزَمِرُ المُرُوءَةِ، ضَيِّقُ العَطَن (٢) ، أحْمَقُ الأبِ، لَئِيمُ الخَالِ، يا رسولَ الله، صدَقْتُه في الأُولى، وما كَذَبْتُه في الأُخْرى؛ أرْضَاني فقُلْتُ أحسنَ ما عَلِمْتُ، وأسْخَطَنِي فقلتُ أسْوَأ ما عَلِمْتُ. فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن من البيانِ لسِحْرًا" (٣) .
-
وهكذا (٤) رِوايةُ أهلِ الأخبار، المدائنيِّ وغيره، لهذا الخَبَر، إلّا أنَّهم قالوا: "مُطاع في أَدَانيه" كما جاءَ في حديث حَمّاد بنِ زيد، وقرأ الخَبَر كما تقدَّم عن حَمّاد بنِ زيد عن محُمد بن الزُّبير، إلا أنَّهم قالوا: "ما كذبتُ، ولقد صدقتُ في الآخرة، رضيتُ فقلتُ أطيبَ ما عَلِمتُ، وسَخِطتُ فقلتُ أسوا ما عَلِمتُ" ، ولم يَذْكُروا قَيْسَ بن عاصم، وإنما ذكروا الزِّبْرِقان وعَمْرو بنَ الأهْتَم. وكذلك في حديث مالك: قدم رَجُلان وهما: "عمرو والزَّبْرِقان" ، لا يختلفُ في ذلك أهلُ العِلْم، واللهُ أعلم.
- vol. 3, p. 585
وفي هذا دليلٌ على مدح البيانِ، وفَضْلِ البلاغةِ، والتَّعَجُّبِ بما يُسْمَعُ من فصاحةِ أهْلِها (١) . وفيه المجَازُ والاستعارةُ الحسنةُ؛ لأن البيانَ ليس بسِحْرٍ على الحقيقة.
-
وفيه الإفراطُ في المدحِ؛ لأنَّه لا شيءَ في الإعْجابِ والأخْذِ بالقُلوبِ يبلُغُ مَبْلَغَ السِّحْرِ. وأصلُ لفظَةِ السِّحْرِ عندَ العربِ: الاسْتِمالَةُ، وكلُّ مَنِ اسْتَمالك فقد سحَرك. وقد ذهَب هذا القولُ منه -صلى الله عليه وسلم- مثلًا سائرًا في الناسِ (٢) إذا سمِعُوا كلامًا يُعْجِبُهم قالوا: إن من البيانِ لَسِحْرًا. ويقولون في مثلِ هذا أيضًا (٣) : هذا السحرُ الحلالُ. ورُوِي أن سائلًا سأل عمرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ حاجةً بكلام أعْجَبه، فقال عمرُ: هذا واللّه السِّحرُ الحلال (٤) . ومن هاهنا أخذ ابنُ الرُّوميِّ، فيما أحسَبُ (٥) هذا المعنى، فأحْسَنَ (٦) :
vol. 3, p. 586وحدِيثُها السِّحْرُ الحَلالُ لَوَ أنَّها ... لم تَجْنِ قَتْلَ المُسْلِمِ المُتَحَرِّزِ
إن طالَ لم يُمْلَلْ وإنْ هِيَ أوْجَزَتْ ... وَدَّ المُحَدّثُ أنَّها لم تُوجِزِ
شَرَكُ العقولِ وَنُزْهَةٌ ما مثلُها ... للسَّامِعين وعُقْلَةُ المسْتَوفِزِ
ومن هذا أيضًا ما أنْشَدني يوسفُ بنُ هارونَ في قصيدةٍ له:
نَطقْتُ بسِحْرٍ بعدها غيرَ أنَّه ... من السِّحْرِ ما لم يُخْتَلَفْ في حَلالِهِ
كذاك ابنُ سِيرِينَ بنَفْثةِ يُوسُفٍ ... تكَلَّمَ في الرُّؤيا بمِثْلِ مَقالِهِ (١)
-
وفي هذا الحديثِ ما يَدُلُّ على أن التعجُّبَ مِن الإحْسَانِ في البيانِ والبلاغةِ مَوْجُودٌ في طِبَاع ذَوي العُقُولِ والفصاحةِ، وكان رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- قد أُوتيَ جَوامِعَ الكَلِم (٢) ، إلَّا أنَّه بإنْصَافِه كان يَعْرِفُ لكُلِّ ذي فَضْلٍ فَضْلَه.
-
وفي هذا ما يَدُلُّ على أن أبْصَرَ الناسِ بالشيءِ أشَدُّهم فَرَحًا بالجيِّدِ منه، ما لم يكنْ حَسُودًا.
-
وإنَّما يَحْمَدُ العلماءُ البلاغةَ واللَّسانَةَ، ما لم تخرُجْ إلى حدِّ الإسْهَابِ والإطْنابِ والتَّفَيْهُق؛ فقد رُوِي في الثَّرْثارِينَ المتَفَيْهِقِينَ أنَّهم أبْغَضُ الناسِ إلى الله ورسولِه (٣) .
- vol. 3, p. 587
وهذا، واللهُ أعلمُ، إذا كان ممَّن يُحاوِلُ تَزْيينَ الباطلِ وتَحْسِينَه بلَفْظِه، ويريدُ إقامتَه في صورر الحقِّ، فهذا هو المكروهُ الذي ورَد فيه التَّغْلِيظُ.
-
وأمَّا قولُ الحقِّ، فحسنٌ جميلٌ على كلِّ حالٍ، كان فيه إطنابٌ أو لم يكنْ، إذا لم يتجاوزِ الحقَّ، وإن كنتُ أُحِبُّ أوْسَاطَ الأُمورِ، فإن ذلك أعْدَلُها، والذي اتَّفَق العلماءُ باللغةِ في مَدْحِه من البلاغةِ؛ الإيجازُ والاخْتِصارُ، وإدْرَاكُ المعاني الجَسِيمَةِ بالألفاظِ اليَسِير.
- vol. 3, p. 588
ويقالُ: إنَّ الرَّجلَينِ اللذَيْنِ خطَبا أو أحَدُهما عندَ رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم- المَذكُورَيِن في هذا الحديثِ؛ عمرُو بنُ الأهْتَمِ، والزِّبْرِقَانُ بنُ بَدْرٍ.
قال أبو عمر (١) : أمَّا قولُه: لَزَمِرٌ. فالزَّمِرُ: القليلُ، أرادَ قليلَ المُرُوءَةِ. والعَطَنُ: الفِناءُ. وقولُه: ضَيِّقُ العَطَنِ، كِنايَةٌ عن البُخْلِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يَزيد، قال: حدَّثنا ابنُ إدْرِيسَ، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، قال: كان زيدُ بنُ إياسٍ يقولُ للشَّعْبِيِّ: يا مُبْطِلَ الحَاجاتِ. يعْنِي أنَّه يَشْغَلُ جُلَساءَه عن حَوائجِهم بحُسْنِ حديثه (٢) .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سعيدٍ المِهْرَانِيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ محمدٍ المُهَلَّبِيُّ، قال: حدَّثنا العُتْبِيُّ، عَمَّنْ حدَّثه، قال: كان الشَّعْبِيُّ إذا سَمِع حديثًا ورَدَّه، فكأنَّه زاد فيه من تَحْسِينِه لِلفْظِه، فسَمِع يومًا حديثًا وقد سَمِعه معه جليسٌ له يُقالُ له: رَزِينٌ. فرَدَّه الشَّعْبِيُّ وحَسَّنه، فقال له رَزِين: اتَّقِ اللهَ يا أبا عمرٍو، ليسَ هكذا الحديثُ. فقال له الشَّعْبِيُّ: يا رَزِينُ ما كان أحْوَجَكَ إلى مُحَدْرَجٍ (٣) ، شديدِ الجَلَدِ، لَيِّنِ المهَزَّة (٤) ، عَظِيم الثَّمَرَةِ (٥) ، أُخِذ ما بينَ مَغْرَزِ
vol. 3, p. 589بينَ مَغْرَزِ عُنُقٍ إلى عَجْبِ ذَنَبٍ (١) ، يُوضَعُ منكَ في مِثْلِ ذلك، فتكْثُرُ له رَقَصاتُكَ من غيرِ جَذَلٍ (٢) . فلم يَدْرِ ما قال له، فقال: وما ذاكَ؟ قال: شيءٌ لنا فيه أرَبٌ، ولكَ فيه أدَبٌ (٣) .
-
ومن أحْسَنِ ما قيل في مَدْحِ البلاغةِ مِن النَّظْمِ، قولُ حَسَّانَ بنِ ثابتٍ في ابنِ عباسٍ:
صَمُوتٌ إذا ما الصَّمْتُ زَيَّنَ أهلَه ... وفَتَّاقُ أبْكارِ الكَلامِ المُخَتَّمِ
وَعَى ما وَعَى القرآنُ من كلِّ حِكْمَةٍ ... ونيطَت له الآدابُ باللَّحْمِ والدَّمِ (٤)
وقال ثَعْلَبٌ: لا أعْرِفُ في حُسْنِ صِفَةِ الكَلام أحْسَنَ من هذَيْنِ البَيْتَيْن، وهما لعَدِيِّ بنِ الحارثِ التَّيْمِيِّ:
كأن كلامَ الناسِ جُمِّعَ عندَه ... فيأخُذُ من أطْرافِه يتَخَيَّرُ
فلم يَرْضَ إلَّا كلَّ بِكْرٍ ثَقِيلَةٍ ... تكادُ بآنٍ من دَمِ الجوفِ تَقْطُرُ (٥)
vol. 3, p. 590قال أبو عُمر: البَيْتَان اللذانِ قبلَهما خيرٌ منهما. ولحسَّانَ (١) أيضًا في ابنِ عبّاس (٢) :
إذا قال لم يَتْرُكْ مقالًا لقائلٍ ... بمُنْتَظماتٍ لا تَرَى بيْنَها فَصلا
يقولُ مَقالًا لا يقُولونَ مثلَه ... كنَحْتِ الصفَا لم يُبْقِ في غايَةٍ فَضْلا
كَفَى وشَفَى ما في النُّفوسِ فلم يدَعْ ... لذِي إرْبَةٍ في القَوْلِ جِدًّا ولا هَزْلا
في أبيات له. ولغيرِه فيه أيضًا:
إذا قال لم يتْرُكْ صوابًا ولم يَقِفْ ... لعِيٍّ ولم يثْنِ اللِّسانَ على هُجْرِ (٣)
وقال مكِّيُّ بنُ سَوَادَةَ في خالدِ بنِ صَفْوانَ:
عليمٌ بتَنْزِيلِ الكلامِ مُلَقَّنٌ ... ذَكُورٌ لِمَا سَدَّاه أوَّلَ أوَّلَا
vol. 3, p. 591ترَى خُطَباءَ الناسِ يومَ ارْتجَالِه ... كأنَّهُمُ الكِرْوانُ عايَنَّ أجْدَلَا (١)
-
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤْمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بَكْرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بنُ يَحْيىَ بنِ فارِسٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو تُمَيْلَةَ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ النَّحْوِيُّ عبدُ الله بنُ ثابِتٍ، قال: حدَّثني صَخْرُ بنُ عبدِ الله بنِ بُرَيْد، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "إن مِن البيانِ سِحرًا، وإن من العلم جَهْلًا، وإن من الشعرِ حُكْمًا، وإنَّ من القولِ عِيَالًا" . فقال صَعْصَعَةُ بنُ صُوحَانَ: صدَق رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ أمَّا قولُه: "إن من البيانِ سِحْرًا" . فالرَّجلُ يكونُ عليه الحَقُّ، فهو ألحَنُ بالحُجَج مِن صاحِبِ الحَقِّ، فيَسْحَرُ القومَ بِبَيانِه، فيَذْهَبُ بالحَقِّ. وأمَّا قولُه: "إنَّ من العِلْم جَهْلًا" . فتكلُّفُ العالم إلى عِلْمِه ما لَا يعلَمُه، فيُجهَّلُه ذلك. وأمَّا قولُه: "إن من الشعرِ حُكْمًا" فهي هذه المواعِظُ التي يَتَّعِظُ بها الناسُ. وأمَّا قولُه: "إنَّ من القولِ عِيَالًا" فعَرْضُكَ كَلامَكَ وحدِيثَكَ على من ليس من شَأْنِه ولا يُرِيدُه.
قال أبو عُمر: قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إن من الشعرِ حُكْمًا" أراد حِكْمَةً، وذلك نحوُ قولِه عزَّ وجلَّ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [الأنعام: ٨٩] . يعني: الحِكْمَةَ والنبُوَّةَ، وهذا أعْرَفُ وأشْهَرُ من أن يحْتَاجَ إلى شاهِدٍ، وبالله التوفيقُ.
- vol. 3, p. 592
حديثٌ ثانٍ وأربعونَ لزيد بنِ أسلَمَ (١) منقطعٌ في رواية يحيى، وهو مُسندٌ صحيحٌ من رواية القَعْنبيِّ وغيرِه (٢)
-
مالكٌ (٣) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سأل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الكَلَالةِ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يَكْفِيكَ من ذلك الآيةُ التي نزَلَت في الصَّيفِ في سورةِ النساءِ" .
-
هكذا روَاه يحيى مرسلًا (٤) ، وتابَعه أكثرُ الرُّواةِ على إرسالِه، ووصَله القعنبيُّ، وابنُ القاسمِ (٥) على اختلافٍ عنه، فقالا فيه: عن مالِكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ الخطابِ.
-
وروَاه ابنُ وهبٍ، ومطرِّفٌ، وابنُ بُكيرٍ، وأبو المصعب (٦) ، ومصعبٌ، ومَعْنٌ، وابنُ عُفيرٍ، كما روَاه يحيى، لم يقولوا فيه: عن أبيه (٧) . وقد تقدَّم القولُ في روايةِ أسلمَ عن مولَاه عمرَ أنَّها محمولةٌ عندَ أهلِ العِلْم على الاتِّصالِ. وقد رَوَاه الحارِثُ بنُ مِسْكِينٍ، عن ابنِ القاسِمِ، عن مالِكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ عُمَرَ. كما قال يحيى وغيرُه.
-
حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ
vol. 3, p. 593المكيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، وحدَّثنا، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ العلاءِ القاضِي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ موسى الشَّاميُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا القعنبيُّ، قال: قرَأْتُ على مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سأل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الكَلالةِ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يَكفِيكَ من ذلك الآيةُ التي نزَلت في الصيفِ في آخِرِ سورةِ النِّساءِ" (١) .
-
هكذا قال القعنبيُّ: "في آخرِ سور النِّساءِ" . وقال يحيى: "في سور النساءِ" .
-
وقد رُوِي هذا الحديثُ مسندًا مِن حديثِ البراءِ بنِ عازِبٍ، وسنذكُرُه إن شاء اللهُ.
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ العالمَ إذا سُئل عّمَا فيه خبرٌ في الكتابِ أو في السُّنةِ، ويكونُ دليلُ ذلك الخطابِ بيِّنًا: أنَّ له أن يُحِيلَ السائلَ عليه، ويَكِلَه إلى فَهْمِه فيه، إذا كان السَّائلُ ممَّن يَصلُحُ لهذا، ونزَل تلك المنزِلةَ.
-
وفيه دليلٌ على استعمالِ عُموم اللَّفظِ وظاهرِه، ما لم يَرِدْ شيءٌ يخُصُّه.
-
واختَلَف الناسُ في معنى الكَلالَةِ؛ فأمَّا أهلُ اللغةِ، فقال ابنُ الأنباريِّ وغيرُه: قولُه: {كَلَالَةً} [النساء: ١٢] هو أن يموتَ الرجلُ ولا ولدَ له ولا والدَ. وقيل: هي مصدرٌ من: تَكَلَّله النَّسَبُ. أي: أحاط به (٢) ، ومنه سُمِّي الإكْلِيلُ، وهو (٣) منزِلَةٌ من مَنازِلِ القمرِ؛ لإحاطَتِها بالقمرِ إذا احتَلَّ بها. ومنه الإكْلِيلُ، وهو التَّاجُ والعِصابَةُ المحِيطَةُ بالرأسِ، سُمِّي بذلك لإحاطَتِه بالرأسِ، فجرَى لفظُ الكَلالَةِ مَجرَى الشَّجاعةِ والسماحةِ، والأبُ والابنُ طَرَفا الرجل، فإذا ذهَبا
vol. 3, p. 594تَكَلَّله النَّسَبُ، أي: أحاطَ به. ومنه قيل: روضةٌ مُكَلّلةٌ: إذا حُفَّتْ بالنَّوْرِ (١) . وقال بعضُهم: هي اسمٌ للمُصيبةِ في: تَكَلَّل النَّسَبُ (٢) . وأنشَدوا:
مَسكَنُه روضةٌ مُكلَّلَةٌ ... عَمَّ بها الأَيْهُقَانُ والذُّرَقُ (٣)
-
يعني نَبْتَينِ. وقال الخليلُ (٤) : كَلَّ الرجلُ كَلالَةً: إذا لم يكنْ له ولدٌ، وكَلَّلَ، إذا ذهَب، ورَوضَةٌ مُكَلَّلَةٌ بالنَّوْرِ، أيْ: مَحْفُوفَةٌ به.
-
وذكَر أبو حاتم والأثرمُ، عن أبي عبيدة (٥) قال: الكَلالةُ: كلُّ من لم يَرِثْه أبٌ أو ابن أو أخٌ، فهو عندَ العرب كَلالةٌ، {يُورَثُ كَلَالَةً} . مصدرٌ من: تكَلَّلَه النَّسَبُ (٦) ، أي: أحاط به وتَعَطَّف عليه. قال أبو عبيدة (٧) : ومَن قرَأ: (يُورِثُ كَلالةً) (٨) : فهُم العَصبَةُ الرِّجالُ الوَرَثَةُ.
- vol. 3, p. 595
وذكَر إسماعيلُ القاضي كلامَ أبي عبيدةَ هذا إلى آخِرِه، ثم قال: ويُشبِهُ أن تكونَ اللغةُ تَحتمِلُ هذا كلَّه. يعْني ما ذكَره عن العلماءِ من قولِهم: الكَلالَةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والِدَ، إلى سائرِ ما ذُكِر مِّمَا سنَذْكُرُ أكثرَه في هذا البابِ إن شاء اللهُ.
ثم قال إسماعيلُ: فأُرِيدَ بالآيةِ التي في أوَّلِ سورةِ "النِّساءِ" (١) : مَنْ لا أبَ له ولا جَدَّ، وأُرِيدَ بالآيةِ التي في آخر سورةِ "النِّساءِ" (٢) : من لا وَلَدَ له. وإنَّما أوجَب قولُ من قال في الكَلالَةِ في أوَّلِ سورةِ "النِّساءِ" بأنَّه مَنْ لا وَلَدَ له ولا والِدَ؛ لأنَّ الجَدَّ في هذا الموضعِ يمنَعُ الإخوَةَ من الأمِّ، كما منَعهم الأبُ، ولم يُوجِبْ هذا أنَّ الجَدَّ يقومُ مَقامَ الأبِ مع الإخوةِ من الأبِ؛ لأنَّ البنتَ قد منَعَتِ الإخوةَ من الأُمِّ، كما منَعهم الأبُ، والجَدُّ لا يقومُ مَقامَ الأبِ مع الإخوةِ من الأبِ، وقد يقومُ الوارثُ مَقامَ الوارِثِ في مَنعِ بعضِ الوارِثين، ولا يقومُ مَقامَه في مَنعِ كلِّ ما يَمنَعُه الآخَرُ.
قال: وحدَّثنا أبو المصعبِ، قال: قال مالكٌ: كلُّ مَن ترَك وَلَدا ذكَرًا أو ابنَ ابنٍ ذَكَرٍ، فإنَّه لم يُورَثْ كَلالةً، وإن ترَكَ ابنةً أو ابنَتَيْن فإنَّ البِنتَيْنِ ليستَا بكَلالَةٍ، والذي وَرِث معهما كَلالَةٌ.
قال أبو عُمر: الكلالةُ في هذا الموضِعِ عندَ العلماءِ بلسانِ العربِ ومعاني كتابِ الله عزَّ وجلَّ هُم المتَكَلِّلُون مِن الورثةِ برَحِم من الميتِ، ممَّن لم يَلِدِ الميتَ،
vol. 3, p. 596ولا وَلَدَه الميتُ، وذلك أنَّهم حَوَالَي الميتِ، وليسوا بآبائِه ولا بأبنائِه الذين خرَج منهم وخرَجوا منه؛ فهم الإخوةُ للأبِ والأُمِّ وللأُمِّ، ثم بعدَهم سائرُ العَصَبةِ يَجْرون مَجْراهم، ولذلك قال العلماءُ: الكَلالَةُ: مَن لا وَلَد له ولا والِدَ.
-
وأمَّا ذِكرُ أبي عبيدةَ الأخَ هاهُنا مع الأب والابنِ في شَرطِ الكَلالَةِ، حيثُ قال: هو كلُّ من لم يَرِثْه أب ولا ابنٌ ولا أخٌ (١) . فذِكرُ الأخِ في ذلك غَلَطٌ لا وجهَ له، ولم يَذكُرْه في شرطِ الكَلالةِ غيرُه، إلَّا أنَّ لقولِه وجهًا ضعيفًا، يُخَرَّجُ على معنًى مِن معانِي تورِيثِ الحَدِّ مع الإخوةِ، وهو مع ذلك بعيدٌ في تأوِيلِ قول الله تعالى في الكَلالَةِ، وسنُبيِّنُ خطأَ قولِه ذلك في هذا البابِ بعدَ ذِكرِ الآثارِ المرفوعَةِ وأقاويلِ الصحابةِ فيه إن شاءَ الله (٢) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يونسَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ عيَّاشٍ، عن أبي إسحاقَ (٣) ، عن البراءِ، قال: جاء رجل إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله، قولُ الله عزَّ وجلَّ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: ١٧٦] ما الكَلالةُ؟ قال: "تُجزِئُك آيةُ الصَّيفِ" . يقولُ: لأنَّها نزَلت في الصَّيفِ. قال أبو بكرٍ بنُ عيَّاشٍ: فقلتُ لأبي إسحاقَ: هو الرجلُ يموتُ ولا يدَعُ ولدًا ولا والدًا؟ قال: كذلك ظَنَّ الناسُ (٤) .