ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري

244 paragraphs · vol. 5, p. 173

Page 2 of 7

  1. والقولُ الثاني، قولُ الشافعيِّ ومن تابعَه، والحجَّةُ لهم أنّ الحديثَ ورَد في المُجامعِ أهلَه، وليس الأكلُ مثلَه، بدليل إجماعِهم على أنَّ المستقيءَ عمدًا إنَّما عليه القضاءُ وليس عليه كفّارةٌ، وهو مُفطر عمدًا، وكذلك مُزدردُ الحصاةِ عمدًا عليه القضاءُ، وهو مُفطرٌ مُتعمِّدًا، وليس عليه كفّارةٌ؛ لأنَّ الذِّمّةَ بريئةٌ، فلا يثبُتُ فيها شيءٌ إلَّا بيقين، والآكلُ عمدًا لا يُرجَمُ ولا يُجلَدُ، ولا يجبُ عليه غُسلٌ، فليس كالمُجامع. والكلامُ في هذه المسألة يطول، وفيما لوَّحْنا به كفايةٌ إن شاء الله.

    vol. 5, p. 187
  2. وقد روى أبو المطوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّه قال: "مَن أفطَر يومًا من رمضانَ مُتعمِّدًا لَمْ يُجزِئْه صيامُ الدَّهرِ وإن صامَه" (٢) .

  3. ورُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ (١) . وهذا يحتمِلُ أن يكونَ لو صحَّ على التغليظ، وهو حديثٌ ضعيفٌ لا يُحتَجُّ بمثلِه، وقد جاءتِ الكفّارةُ بأسانيدَ صحاح، والكفّارةُ تغطيةُ الذَّنبِ وغفرانُه، وللّه الحمد.

    vol. 5, p. 188
  4. واختلفَ العلماءُ أيضًا فيما يُجزِئُ من الإطعامَ عمَّن يجبُ عليه أن يُكفِّرَ به عن فسادِ يوم من شهرِ رمضانَ، فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، والأوزاعيُّ: يُطعمُ ستِّينَ مُدًّا بمُدِّ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لستِّين مسكينًا؛ مُدًّا لكلِّ مسكين (٢) .

  5. والحجَّةُ لمن قال هذا القولَ: ما حَدَّثَنَاه أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفَضْل بن العبّاس، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بن عبدِ الحكم، قال: حَدَّثَنَا أيوبُ بنُ سُويدٍ الرَّمليُّ، عن الأوزاعيِّ،

    vol. 5, p. 189عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني حُميدُ بنُ عبد الرَّحمن، عن أبي هريرةَ. وحدَّثني عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الهيثم، قال: حَدَّثَنَا أبو صالح، قال: حَدَّثَنَا هِقلٌ، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني الزُّهريُّ، قال: حدَّثني حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، قال: حدَّثني أبو هريرةَ، قال: بينما أنا عندَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالسٌ، إذ جاءَه رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، قد هلكتُ. قال: "ويحَك، وما صنَعتَ؟ " ، قال: وقَعْتُ على أهلي، قال: "أعتِقْ رقبةً" ، قال: ما أجِدُها، قال: "فصُمْ شهرين مُتتابعين" ، قال: لا أستطيعُ، قال: "فأطعِمْ ستِّينَ مسكينًا" ، قال: ما أجدُ. فأُتِيَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعَرَقٍ فيه خمسةَ عشَرَ صاعًا - وفي حديثِ أيوبَ بن سُويدٍ: بمِكْتَلٍ فيه خمسةَ عشَرَ صاعًا من تمرٍ - فقال: "أين السائلُ؟ " ، فقال: ها أنا يا رسولَ الله، قال: "خُذْه وتصدَّقْ به على ستِّينَ مسكينًا" ، فقال: يا رسولَ الله، أعلَى غير أهلي؟ فوالذي نفسي بيدِه، ما بينَ لابَتي المدينةِ أحدٌ أحوجُ منِّي. فضحِك رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بدَتْ أنيابُه، وقال: "خُذْه، واستغفِرْ ربَّكَ" (١) .

  6. وإذا أطعمَ خمسةَ عشَرَ ستِّينَ، أصابَ كلُّ مسكينٍ منهم رُبُعَ صاع؛ وذلك مُدٌّ بمدِّ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وهذا قاطعٌ في موضع الخلاف.

    وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يُجزِئُه أقلُّ من مُدَّين بمدِّ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك نصفُ صاع لكلِّ مسكين، تتمّةَ ثلاثينَ صاعًا، قياسًا منهم على إجماع العلماء أنَّ ذلك هو المقدارُ الذي لا يُجزِئُ أقلُّ منه في فديةِ الأذى (٢) .

  7. وقولُ مالكٍ ومَن تابعَه أولَى؛ لأَنَّه نصٌّ لا قياسٌ.

    vol. 5, p. 190
  8. وقد روَى هشامُ بنُ سعدٍ هذا الحديثَ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، فذكَرَ فيه خمسةَ عشَرَ صاعًا، إلّا أنَّه جعَله عن أبي سلمةَ بن عبد الرَّحمن، وإنَّما هو لحُميدِ بنِ عبد الرَّحمن، وهشامُ بنُ سعدٍ ليِّنٌ ضعيفٌ سيَّما في ابنِ شهابٍ، وأيُّوبُ بنُ سليمانَ وأبو بكرٍ الأُوَيْسيُّ ضعيفان، وإنَّما ذكَرتُه لتقِفَ عليه وتعرِفَه، وتعرِفَ أنَّ الحديثَ لا يَصِحُّ لابنِ شهابٍ إلّا عن حُميدٍ، واللّه أعلم.

  9. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا أيوبُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني أبو بكرٍ بنُ أبي أُوَيْسٍ، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن هشام بنِ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفطَر في رمضانَ، قال: "أعتِقْ رقبةً" ، قال: لا أجِدُها، قال: "صمْ شهرينِ مُتتابعين" ، قال: لا أستطيعُ، قال: "أطعِمْ ستِّينَ مسكينًا" ، قال: لا أجدُ، قال: فأُتيَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعَرَقٍ فيه تمرٌ قدرُ خمسةَ عشَرَ صاعًا، قال: "خُذْ هذا فتصدَّقْ به" . قال: ما أحدٌ أحوجُ منِّي ومن أهلِ بيتي، قال: "كُلْه أنت وأهلُ بيتِكَ، وصُمْ يومًا مكانَه" (١) .

  10. واختلَفَ العلماءُ أيضًا في الواطئ أهلَه في رمضانَ، إذا وجَب عليه التَّكفيرُ بالإطعامِ دونَ غيرِه ولم يجدْ ما يُطعمُ، وكان في حُكمِ الرجلِ الذي ورَد هذا

    vol. 5, p. 191الحديثُ فيه؛ فأمّا مالكٌ فلم أجِدْ عنه في ذلك شيئًا منصوصًا، وكان عيسى بنُ دينارٍ يقول: إنَّها على المعسرِ واجبةٌ، فإذا أيسَر أدّاها. وقد يُخرَّجُ قولُ ابنِ شهابٍ على هذا؛ لأنَّه جعل إباحةَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لذلك الرجلِ أكلَ الكفَّارَةِ رُخصةً له وخصوصًا، قال ابنُ شهاب: ولو أنَّ رجلًا فعَل ذلك اليومَ لَمْ يكنْ له بُدٌّ من التَّكفير (١) . وقال الأوزاعيُّ - وسُئل عن رجلٍ أفطَر في شهرِ رمضانَ مُتعمِّدًا، فلم يجِدْ كفّارةَ المفطرِ، ولم يقدِرْ على الصِّيام -: أيسألُ في الكفّارة؟ فقال: ردَّ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفّارةَ المفطرِ على أهلِه، فلْيستغفِرِ اللهَ ولا يعُدْ. ولم يرَ عليه شيئًا إذا كان في وقتِ وجوبِ الكفّارةِ عليه مُعسرًا. وقال الشافعيُّ (٢) : قولُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كُلْه وأطعِمْه أهلكَ" يحتمِلُ معانيَ؛ منها: أنَّه لمّا كان في الوقتِ الذي أصاب فيه أهلَه ليس ممّن يقدِرُ على واحدةٍ من الكفّارات، تطوَّعَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأنْ قال له في شيءٍ أُتيَ به: "كفِّرْ به" . فلمّا ذكَرَ الحاجةَ، ولم يكنِ الرجلُ قبَضه، قال له: "كُلْه وأطعِمْه أهلَك" ، وجعَل التَّمليكَ له حينئذٍ مع القبض. ويحتمِلُ أن يكونَ لمّا ملَكَه وهو محتاجٌ - وكان إنَّما تكونُ الكفّارةُ عليه إذا كان عندَه فضلٌ، ولم يكنْ عندَه فضلٌ - كان له أن يأكُلَه هو وأهلُه لحاجتِه. ويحتمِلُ في هذا أن تكونَ الكفّارةُ ديْنًا عليه، متى أطاقَها أدّاها، وإن كان ذلك ليس في الخبر، وكان هذا أحبَّ إلينا وأقربَ من الاحتياط. قال: ويحتمِلُ إذا كان لا يقدِرُ على شيءٍ من الكفّاراتِ وكان لغيرِه أن يُكفِّرَ عنه، وأنْ يكونَ لغيرِه أن يتصدَّقَ عليه وعلى أهلِه إذا كانوا محتاجينَ بتلكَ الكفّارةِ، وتجزِئُ عنه. ويحتمِلُ أن يكونَ إذا لَمْ يقدِرْ على شيءٍ في حالِه تلك أن تكونَ الكفّارةُ ساقطةً عنه إذا كان مغلوبًا، كما سقَطتِ الصلاةُ عن المغمَى عليه إذا كان مغلوبًا، واللّه أعلم.

    vol. 5, p. 192وقال الأثرمُ: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمدَ بنَ حنبل -: حديثُ الزُّهريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أطعِمْ عيالَك" ، أتقول به؟ قال: نعم، إذا كان محتاجًا، ولكن لا يكونُ في شيءٍ من الكفّارات إلّا في هذا بعينِه؛ في الجماع في رمضانَ، لا في كفّارة اليمين، ولا في كفّارة الظِّهار، ولا في غيرها، إلَّا في الجماع وحدَه. قيل له: اليسَ في حديث سلمةَ بن صخرٍ حينَ ظاهَر من امرأتِه ووقَع عليها نحوُ هذا؟ فقال: ولمن تقولُ هذا؟ إنَّما حديثُ سلمةَ بن صخر: "تصدَّقْ بكذا، واستعِنْ بسائرِه على أهلِك" (١) ،

    vol. 5, p. 193فإنَّما أمَر له بما يبقَى. قلت له: فإن كان المجامعُ في رمضانَ محتاجًا فأطعَمه عيالَه، فقد أجزأَ عنه؟ قال: نعم، أجزَأ عنه. قلتُ: ولا يُكفِّرُ مرةً أخرى إذا وجَد؟ قال: لا، قد أجزأت عنه، إلَّا أنَّه خاصٌّ في الجماع في رمضانَ وحدَه.

  11. وزعَم الطبريُّ أنَّ قياسَ قولِ الثوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابه، وأبي ثورٍ، أنّ الكفّارةَ دينٌ عليه، لا يُسقِطُها عنه إعسارُه بها، وعليه أن يأتيَ بها إذا قدَر عليها؛ وذلك أنَّ قولهم في كلّ كفّارة لزِمَتْ إنسانًا، فسبيلُها عندَهم الوجوبُ في ذمَّة المعسر: يؤدِّيها إذا أيسَرَ، فكذلك سبيلُ كفّارة المفطرِ في رمضانَ في قياس قولهم.

    قال أبو عُمر: إن احتجَّ محتجٌّ في إسقاطِ الكفّار عن المعسرِ بأنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ قال له: "كلْه أنت وعيالُك" ، لَمْ يقل له: وتؤدِّيها إذا أيسرْتَ، ولو كانت واجبةً لَمْ يسكُتْ عنه حتى يبيِّنَ ذلك له. قيل له: ولا قال له رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّها ساقطةٌ عنكَ لعُسرتِك، بعدَ أن أخبَره بوجوبها عليه، وكلُّ ما وجَب أداؤُه في اليسار، لزِم الذمّة إلى الميسرةِ على وجهِه، واللّهُ أعلم.

  12. واختلَفوا في الكفّارة على المرأة إذا وطِئها زوجُها وهي طائعة في رمضانَ؛ فقال مالكٌ: إذا طاوَعتْه زوجتُه فعلى كلِّ واحدٍ منهما كفّارةٌ، وإن أكرَهها فعليه كفّارتان عنه وعنها، وكذلك إذا وطِئ أمتَه كفَّرَ كفّارتين (١) . وقال الأوزاعيُّ: سواءٌ طاوَعتْه أو أكرَهها، فليس عليهما إلّا كفّارةٌ واحدةٌ إنْ كَفَّر بالعتق أو بالإطعام، فإن كَفَّر بالصِّيام فعلى كلِّ واحدٍ منهما صيامُ شهرين متتابعين. وقال الشافعيُّ رحمه الله: الصيامُ (٢) والعتقُ والإطعامُ سواءٌ، ليس عليهما إلّا كفّارةٌ

    vol. 5, p. 194واحدةٌ، وسواءٌ طاوعتْه أو أكرَهها؛ لأنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّما أجاب السائلَ بكفّارةٍ واحدةٍ، ولم يسألْه: أطاوَعتْه امرأتُه أو أكرَهها؟ ولو كان الحكمُ في ذلك مختلِفًا لمَا ترَك رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تبيينَ ذلك (١) . وهو قولُ داودَ وأهل الظّاهر (٢) . وقد أجمَعوا أنَّ كفّارةَ المظاهر واحدةٌ وإن وطِئ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن طاوعتْه فعلى كلِّ واحدٍ منهما كفّارةٌ، وإن أكرَهها فعليه كفّارةٌ واحدةٌ لا غيرُ، ولا شيءَ عليها (٣) .

  13. ومن حُجَّة مَن رأى الكفّارةَ لازمةً عليها إن طاوَعتْه، القياسُ على قضاءِ ذلك اليوم، فلمّا وجَب عليها قضاءُ ذلك اليوم، وجَب عليها الكفّارةُ عنه.

  14. واختلَفوا فيمن جامَعَ ناسيًا لصومِه؛ فقال الشافعيُّ، والثوريُّ في رواية الأشجعيِّ، وأبو حنيفةَ وأصحابه، والحسنُ بنُ حيٍّ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَة: ليس عليه شيءٌ؛ لا قضاءٌ ولا كفّارةٌ، بمنزلةِ مَن أكل ناسيًا عندَهم (٤) . وهو قولُ الحسن، وعطاءٍ ومجاهدٍ، وإبراهيمَ (٥) . وقال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، والأوزاعيُّ، والثوريُّ في رواية المعافى: عليه القضاء، ولا كفّارةَ. ورُوِيَ مثلُ ذلك عن عطاءٍ (٦) . وقد رُوِيَ عن عطاءٍ أنَّه رأى عليه الكفّارةَ مع القضاءِ، وقال: مثلُ هذا لا يُنسى.

  15. حَدَّثَنَا عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الجَهْم، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جريجٍ، قال: كنتُ إذا سألتُ عطاءً عن الرَّجل يُصيبُ أهلَه ناسيًا، لا يجعَلُ له عُذرًا، ويقول: لا يُنسى هذا، ولا يجهَلُه (١) .

    وقال قومٌ من أهل الظاهر: سواءٌ وَطئ ناسيًا أو عامدًا، عليه القضاءُ والكفّارةُ. وهو قولُ ابن الماجشون عبدِ الملك، وإليه ذهَب أحمدُ بنُ حنبلٍ؛ لأنَّ الحديثَ الموجِبَ للكفّارة لَمْ يفرِّقْ بين الناسي والعامد (٢) .

    vol. 5, p. 195
  16. واختلفوا أيضًا فيمن أكَل أو شرِب ناسيًا؛ فقال الثَّوريُّ، وابنُ أبي ذئبٍ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ، وأحمدُ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وداودُ: لا شيءَ عليه، ويتمُّ صومَه. وهو قولُ جمهور التَّابعين. وقال ربيعةُ ومالكٌ: عليه القضاء (٣) . وقال الأثرم: سمِعتُ أبا عبد الله يُسألُ عمَّن أكَل ناسيًا في رمضانَ، فقال: ليس عليه شيءٌ؛ على حديث أبي هريرة. ثم قال أبو عبد الله: مالكٌ؛ زعَموا أنه يقول: عليه القضاءُ - وضحِكَ - وحديثُ أبي هريرةَ في ذلك أحسنُ.

  17. حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٤) : حَدَّثَنَا موسى بنُ إسماعيل. وحَدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بن كامل، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عليٍّ بن المثنَّى، قال (٥) : حَدَّثَنَا عبدُ الأعلى بنُ حمّادٍ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ وحبيب وهشام، عن محمدِ بنِ

    vol. 5, p. 196سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إني كنتُ صائمًا فأكَلتُ وشرِبتُ ناسيًا، فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اللهُ أطعمَكَ وسقاكَ، أتِمَّ صومَك" (١) .

  18. حَدَّثَنَا عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الجَهْم، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي رافع، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: "مَن أكَل أو شَرِب ناسيًا، فليَمْضِ في صُومِه؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أطعَمَه وسَقاه" (٢) .

  19. ورُوِيَ عن جماعةٍ في المُفطرِ ناسيًا بأكلٍ أو شربٍ أنَّه لا شيءَ عليه؛ منهم: عليٌّ رضي الله عنه، وابنُ عمرَ، وعلقمةُ، وإبراهيمُ، وابنُ سيرين، وجابرُ بنُ زيدٍ (٣) .

    vol. 5, p. 197قال الأثرمُ: قيل لأبي عبد الله - يعني أحمدَ بنَ حنبل -: رجلٌ نَسي فجامَع؟ فقال: ليسَ الجِماعُ مثلَ الأكل، عليه القضاءُ والكفّارةُ، ناسيًا كان أو عامدًا، لأنَّ الذي جاءَ إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: وقَعتُ على امرأتي، ولم يسألْه النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنسِيتَ أم تعمَّدْتَ؟ قال أبو عبد الله: وظاهرُ قولِ الرجلِ للنبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وقَعتُ على امرأتي، النِّسيانُ والجهالةُ، فلم يسألْه: أنسِيتَ أم تعمَّدْتَ؟ وأفتاه على ظاهرِ الفعل.

  20. وأجمَعوا على أنَّ المُجامعَ في قضاءِ رمضانَ عامدًا لا كفّارةَ عليه، حاشا قتادةَ وحدَه. وأجمعوا أنَّ المفطِرَ في قضاءِ رمضانَ لا يقضِيه، وإنَّما عليه ذلك اليومُ الذي كان عليه من رمضانَ لا غيرُ، إلّا ابنَ وَهْبٍ فإنَّه جعَل عليه يومين، قياسًا على الحجِّ (١) .

  21. وأجمَعوا على أنَّ مَن وطِئَ في يومٍ واحدٍ مرّتين أو أكثرَ، أنَّه ليس عليه إلّا كفّارةٌ واحدةٌ (٢) .

  22. واختلَفوا فيمن أفطَر مرّتين أو مرارًا في أيام من أيام رمضانَ، فقال مالكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ: عليه لكلِّ يومٍ كفّارةٌ، وسواءٌ وطئ المرّةَ الأخرى قبلَ أنْ يكفِّرَ أو بعدَ أن يُكفِّرَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا جامَع أيامًا في رمضانَ، فعليه كفّارةٌ واحد ما لم يُكفِّرْ ثم يعودُ. وكذلك الآكلُ والشّاربُ عندَهم، فإنْ كفَّر ثم عادَ فعليه كفّارةٌ أخرى. قالوا: وإن أفطَر في رمضانين فعليه كفّارتان. وروَى زفرُ عن أبي حنيفة: إذا أفطَر وكفَّرَ ثم عاد،

    vol. 5, p. 198فلا كفّارةَ عليه لإفطارِه الثاني إذا كان في شهرٍ واحدٍ (١) . واختُلف عن الثوريِّ، فرُوِيَ عنه مثلُ قول أبي حنيفةَ روايةَ أبي يوسفَ، ورُوِيَ عنه غيرُ ذلك.

  23. وأمّا قولُه في الحديث: فأُتيَ بعَرَقِ تمر. فأكثرُهم يرويه بسكونِ الراءِ، والصواب عندَ أهلِ الإتقانِ فيه فتحُ الراء، وكذلك قولُ أهل اللُّغة (٢) . وقد زعَم ابنُ حبيبٍ أنَّه ما رواه مُطرِّفٌ عن مالكٍ إلّا بتحريكِ الرّاءِ وبالفتح. قال: والعَرْقُ بتسكين الرّاءِ هو العظمُ. قال: وتأويلُ العَرَقِ، بفتح الرّاءِ: المِكتلُ العظيمُ الذي يسَعُ قدرَ خمسةَ عشَرَ صاعًا؛ وهو ستُّونَ مُدًّا، كذلك سمِعتُ مُطرِّفًا وابنَ الماجشون يقولان (٣) . قال عبدُ الملك بنُ حبيبٍ: وإنَّما سُمِّيَ العَرَقَ لضَفْرِه؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ مضفورٍ فهو عَرَق، ولذلك سُمِّيَ المِكْتلُ عَرَقًا؛ لأَنَّه مضفورٌ بالخُوص، قال أبو كبير الهُذَليُّ:

    نَغْدو فنترُكُ في المزاحفِ مَن ثوَى ... ونُمِرُّ في العرَقاتِ من لَمْ نقتُلِ

    يقول: نأسِرُهم فنشُدُّهم في العَرَقات، يعني النُّسوع (٤) ؛ لأنَّها مضفورةٌ. قال: وكلُّ شيءٍ مُصطفٍّ مثلَ الطَّير إذا صَفَّت في السَّماء، فهي عَرَقةٌ؛ لأنَّها شُبِّهَت بالشيء المضفور (٥) .

    وقال أحمدُ بنُ عمرانَ الأخفش: المِكتَلُ العظيمُ، فإنَّما (٦) سُمِّيَ عَرَقًا

    vol. 5, p. 199لأَنَّه يُعملُ عَرَقةً عَرَقةً ثم يُضمُّ، والعَرَقَةُ: الطَّريقةُ العريضةُ، لذلك سُمِّيَت طُرَّةُ الكتاب (١) عَرَقةً؛ لعَرْضِها واصطِفافها، وكذلك إذا مرَّت الطيرُ مصطفَّةً، يقال: مرَّتْ بنا عَرَقةٌ من طيرٍ. وكذلك إذا جاءَتِ الخيلُ صفًّا، قيل: قد جاءَتِ الخيلُ على عَرَقةٍ واحدة. وقال غيرُ الأخفش: يقال: عَرَقةٌ وعَرَقٌ. كما يقال: عَلَقةٌ وعَلَقٌ.

    قال أبو عُمر: وكلُّ ما ذكَرْنا من المسائل والتَّوجيهات في هذا الباب موجودةُ المعنى في حديثِ ابنِ شهاب، عن حُميدٍ، عن أبي هريرةَ، فلذلك ذكرناها وذكَرنا اختلافَ الفقهاء فيها، لتكمُلَ الفائدةُ، ويَبِينَ الحقُّ على شرطِنا، وباللّه توفيقُنا.

  24. حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرَّحمن بن عوف

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مَن أنفَق زوجَين في سبيل الله، نُودِي في الجنَّة: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ. فمَن كان من أهل الصلاةِ نُودِي من بابِ الصلاة، وإن كان من أهلِ الجهادِ دُعِي من باب الجهاد، ومَن كان من أهلِ الصدقةِ دُعِي من باب الصدقة، وإن كان مِن أهل الصيام دُعِي من باب الرَّيّان" . فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، ما على مَن يُدعَى من هذه الأبواب من ضرورةٍ، فهل يُدعَى أحدٌ من هذه الأبواب كلِّها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكونَ منهم" .

    vol. 5, p. 200
  25. تابع يحيى على توصيل هذا جماعةُ الرواة (٢) إلَّا ابنَ بُكير، فإنَّه أرسَله عن حُميدٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٣) . وكذلك رواه عبدُ الله بنُ يوسف، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدٍ مرسلًا، وقد أسنده جلّةٌ عن مالكٍ؛ منهم مَعْن، وابنُ المبارك.

  26. حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الطاهر عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ موسى الأنصاريُّ، قال: حَدَّثَنَا معنُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدٍ بن

    vol. 5, p. 201عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مَن أنفَقَ زوجَين في سبيل الله، نُودِي في الجنّة: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ. فمَن كان من أهلِ الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهلِ الصدقةِ دُعِي من بابِ الصدقة، ومَن كان من أهلِ الصيام دُعِي من بابِ الريّان" . فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمِّي، ما على مَن دُعِي من هذه الأبواب كلِّها من ضَرورةٍ؛ فهل يُدْعَى أحدٌ من هذه الأبواب كلِّها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكونَ منهم" (١) .

  27. حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو الحسن عليُّ بنُ أحمدَ بن عليِّ الحَربيُّ الأنصاريُّ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ محمدِ بن صاعدٍ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ الحسن، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ المبارك (٢) ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُمَيدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن أنفَق زوجَين في سبيل الله، نُودِي إلى الجَنَّة: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ" (٣) ، وذكَر الحديثَ. وليس هو عندَ القَعْنَبيِّ لا مرسلًا ولا مسندًا (٤) .

  28. وفي هذا الحديث من الفقه والفضائل: الحَضُّ على الإنفاق في سبيلِ الخير، والحرصُ على الصوم.

  29. وفيه: أن أعمالَ البرِّ لا تُفْتَحُ في الأغلب للإنسانِ الواحدِ في جميعها، وأن من فُتِح له في شيءٍ منها حُرِم غيرَها في الأغلب، وأنَّه قد تُفتَح في جميعِها للقليل من الناس، وأن أبا بكرٍ الصديقَ رضي الله عنه من ذلك القليل.

  30. وفيه: أن مَن أكثر من شيءٍ عُرف به ونُسِب إليه، ألا ترى إلى قوله: "فمن كان مِن أهل الصلاة" . يريدُ مَن أكثَر منها، فنُسب إليها؛ لأنَّ الجميع من أهل الصلاة، وكذلك مَن أكثَر من الجهادِ ومن الصِّيام على هذا المعنى ونُسِب إليه، دُعِيَ من بابِه ذلك، واللّه أعلمُ.

    vol. 5, p. 202
  31. وممّا يُشْبِهُ ما ذكَرْنا، ما جاوَبَ به مالكٌ رحمه اللهُ العُمرِيَّ العابدَ، وذلك أن عبدَ الله بنَ عبد العزيز العُمرِيَّ العابدَ كتب إلى مالكٍ يحضُّه إلى الانفرادِ والعمل، وَيَرغَبُ به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالكٌ: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قسَم الأعمالَ كما قسَم الأرزاق، فرُبَّ رجلٍ فُتِح له في الصلاةِ ولم يُفتَحُ له في الصوم، وآخرُ فُتِح له في الصدقةِ ولم يُفتَحْ له في الصيام، وآخرُ فُتِح له في الجهادِ ولم يُفتَحْ له في الصلاة، ونَشْرُ العلم وتعليمُه من أفضلِ أعمال البرِّ، وقد رَضِيتُ بما فتَح الله لي فيه من ذلك، وما أظنُّ ما أنا فيه بدونِ ما أنت فيه، وأرجو أن يكونَ كِلانا على خير، ويجبُ على كلِّ واحدٍ منّا أن يَرضى بما قُسِم له، والسلام. هذا معنى كلامِ مالكٍ؛ لأنِّي كتبتُه من حفظي وسقَط عنِّي في حين كتابتي أصلي منه.

  32. وأما قوله: "مَن أنفَق زوجَين" . معناه عندَ أهل العلم: مَن أنفَق شيئين من نوع واحدٍ؛ نحو درهمين، أو دينارَين، أو فرسَين، أو قميصَين، وكذلك مَن صلَّى رَكْعتين، ومشَى في سبيل الله خُطوتَين، أو صام يومين، ونحوَ ذلك كلِّه، وإنَّما أرادَ، واللّه أعلم، أقلَّ التَّكرار، وأقلَّ وجوهِ المُداومة على العملِ من أعمالِ البرِّ، لأنَّ الاثنين أقلّ الجمع، ومن أعلى من روينا عنه هذا التفسير في زوجَين في هذا الحديث، الحسنُ البصريُّ رحمه الله.

  33. حدَّثني أحمدُ بن فَتْح، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بن زكريّا النيسابوريُّ، قال: حدَّثني عمِّي أبو زكريا يحيى بنُ زكريا، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يحيى، قال:

    vol. 5, p. 203حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن الحسن، قال: حدَّثني صَعْصَعَةُ بنُ معاوية، قال: لَقيتُ أبا ذَرٍّ وهو يقودُ بعيرًا له في عُنُقِه قِربةٌ، فقلت: يا أبا ذَرٍّ، ما لك؟ قال: لي عملٌ. قلت: حدِّثني حديثًا سَمِعتَهُ من رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "ما من مُسْلِمين يموتُ لهما ثلاثةٌ من الوَلَدِ لَمْ يبلُغوا الحِنْثَ، إلّا أدخَلهما الله بفضلِ رحمتِه إياهم الجَنَّة، وما من مسلم أنفَق زوجَين من مالِه في سبيلِ الله، إلّا ابتدَرتْه حَجَبَةُ الجَنَّة" . قال: فكان الحسنُ يقول: زوجَين؛ درهمين، دينارين، عبدين، من كلِّ شيءٍ اثنان (١) .

  34. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ للجنّة أبوابًا، وقد قيل: إن أبوابَ الجنةِ ثمانيةٌ، وأبوابَ جهنمَ سبعةٌ. أجارَنا الله من جهنَّم، وأدخَلنا الجنّة برحمتِه آمين.

  35. وقد قال بعض أهلِ العلم بالقرآن واللغة: إن الواوَ في قوله عزَّ وجلَّ: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: ٧٣] ، فذكَر ذلك بالواو، وقال في جهنَّم: {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: ٧٣] ، بلا واو. قال: فالواو في ذِكْرِ الجنَّة هي واوُ الثمانية؛ لأنَّ للجنَّة ثمانيةَ أبوابٍ، فمن هناك ذُكِرَت الواوُ في ذلك. وواوُ الثمانيةِ عندَهم معروفةٌ (١) ، ومن ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: ١١٢] ، فأدخَل الواوَ في الصفةِ الثامنةِ دونَ غيرها. ومن ذلك قوله عزَّ وجلَّ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: ٥] . فأدخل الواوَ في الصفةِ الثامنة، فسمَّوا هذه الواوَ واوَ الثمانية، ومنها عندهم قولُ الله عزَّ وجلَّ: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: ٢٢] ، وما قالوا من ذلك عندي حسنٌ، وقد كان بعضهم يقول: إن الواوَ في قوله: {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: ٥] ، ليست واوَ الثمانية، ولا وجهَ لما أُنْكِرَ من ذلك (٢) ، واللّه أعلم.

    vol. 5, p. 204
  36. وقد حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ شَيبةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو مصعبٍ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ ثابتٍ، عن أبيه، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، عن عمرَ بنِ الخطاب، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن توضَّأ فأسبَغ وُضُوءَه، ثم قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صادقًا من نفسِه - أو من قلبِه. شكَّ أيهما قال - فُتِح له من أبوابِ الجنّة ثمانيةُ أبواب يومَ القيامة، يدخُلُ من أيِّها شاء" . هكذا قال: "فُتِح له من أبوابِ الجنّة" (١) .

    vol. 5, p. 205
  37. وذكَر أبو داودَ (٢) ، عن حسينِ بنِ عيسى البِسْطاميِّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يزيدَ المُقريء، قال: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح، قال: حَدَّثَنَا أبو عَقِيلٍ، عن ابن عمِّه، عن عُقْبَةَ بن عامرٍ، قال: قال لي عمرُ بنُ الخطاب: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن توضَّأ فأحسَن الوضوءَ، ثم رفَع بصرَه إلى السماء، فقال: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه. فُتِحت له ثمانيةُ أبوابٍ من الجنَّة، يَدخُلُ من أيِّها شاء" (٣) . ليس هذا الحديثُ عندَ جماعةٍ من رواة "مصنَّف أبي داود" .

  38. وحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاوية، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (١) : أخبرنا محمدُ بنُ عليٍّ بن حربٍ، قال: حَدَّثَنَا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ صالح، عن ربيعةَ بنِ يزيدَ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ وأبي عثمانَ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن عمرَ بنِ الخطاب، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن توضَّأ فأحسَن الوضوءَ، ثم قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه، فُتِحت له ثمانيةُ أبوابٍ من الجنَّة، يدخُلُ من أيِّها شاء" (٢) .

    vol. 5, p. 206
  39. هكذا في هذه الأخبار كلِّها: "من الجنَّة" . وقد جاء في غير هذه الأسانيد في خبرِ عمرَ هذا: "فُتِح له ثمانيةُ أبوابِ الجَنَّة" . ليس فيها ذكرُ "من" ، واللّه أعلم.

  40. أخبَرنا عبيدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالح، عن أبي عثمانَ، عن جُبَيرٍ، وربيعةَ بنِ يزيدَ، عن أبي إدريس الخَوْلانيِّ، جميعًا عن عقبةَ بن عامرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قال: "ما مِن أحدٍ يتوضَّأُ فيُسبغُ الوضوءَ، فيقول: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه، إلّا فُتِحت له أبوابُ الجنّةِ الثمانيةُ، يَدخُلُ من أيِّها شاء" (٣) .