ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري
244 paragraphs · vol. 5, p. 173
Page 3 of 7
- vol. 5, p. 207
فعلى هذا اللفظ أبوابُ الجنّةِ ثمانيةٌ كما قالوا.
-
وكذلك ما حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ سَعْدٍ (١) ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الله بنِ عطاءٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، عن عمرَ بنِ الخطّاب، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "ما مِن رجل يتوضَّأُ فيُسبِغُ الوضوءَ، فيقول: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عَبدُه ورسولُه، إلّا فُتِحت له ثمانيةُ أبواب الجنّةِ، يَدخُلُ من أيِّها شاء" (٢) .
-
وقد رَوَينا من حديثِ مالكٍ في هذا الباب حديثًا غريبًا.
-
حَدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ بَحِيرٍ بنِ رَيْسانَ (٣) ، قال:
vol. 5, p. 208حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن صفوانَ بنِ سُليم، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما مِن أحدٍ يُنفِقُ زوجين من مالِه إلّا دُعِيَ من أبوابِ الجنّةِ الثمانية: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ. فمَن كان مِن أهلِ الصلاةِ دُعِيَ مِن بابِ الصلاةِ، ومَن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِيَ مِن بابِ الريّان" .
-
لا يَصِحُّ هذا الإسنادُ عن مالكٍ، ومحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ (١) بنِ بَحيرٍ وأبوه يُتَّهمان (٢) بوضْع الأحاديثِ والأسانيد.
-
وقد ذكَر البزّارُ، عن حاجبِ بن سليمانَ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، قال: حَدَّثَنَا الثوريُّ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن للجنّةِ بابًا يُدعَى الريّانَ، يَدخُلُ منه الصائمون، فإذا دخَل آخِرُهم أُغلِق" (٣) .
-
وأمّا قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ومَن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِيَ من بابِ الريّان" . والريّانُ فَعْلانُ من الرِّيِّ.
-
وفي الحديث دليلٌ على أنَّ مَن صامَ يومين مُحتَسِبًا بهما وجهَ الله يُعَطِّشُ فيهما نفسَه، سقاه اللهُ وأرْواه يومَ القيامة. وإنَّما قلنا: يومين. ولم نقل: يومًا واحدًا،
vol. 5, p. 209وإن كان جاء في غير هذا الحديث؛ لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن أنفَق زوجين في سبيل الله" . ثم قال: "وإن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِيَ مِن بابِ الريّان" . ومَن أرْواه اللهُ يومَ القيامة لَمْ يَظمَأ ولم يَنَلْ بُؤْسًا، وتلك حالُ مَن غُفِر له وأُدخِل الجنّة برحمةِ الله، لا حَرَمنا الله ذلك برحمتِه، آمين.
-
وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قال: "للجنّة بابٌ يقال له: الريّان، لا يَدخُلُ منه إلّا الصائمون" . وهذا ممّا يدُلُّ أيضًا على أنَّ للجنّة أبوابًا.
-
وفي حديثِنا هذا أيضًا دليلٌ على فضلِ أبي بكرٍ رضي الله عنه، وأنَّه مِن أهلِ الجنّة، وأنَّه ممّن جُمِع له الأعمالُ الصالحةُ، وأنَّه يُنادَى يومَ القيامة من جميع أبوابِ الجنّة؛ لتقدُّمِه في أعمالِ البرِّ، ورجاءُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقينٌ إن شاء الله. ومعنى الدعاءِ من تلك الأبواب إعطاؤُه ثوابَ العاملين ونَيْلُه ذلك، واللّهُ أعلم.
-
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثني عبيدُ الله بنِ إدريسَ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثني عبدُ الغنيِّ بنُ أبي عقيل، قال: حَدَّثَنَا يَغْنَمُ بنُ سالمٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالسًا في جماعةِ من أصحابِه، فقال: "مَن صام اليومَ؟ " . فقال أبو بكرٍ: أنا. قال: "مَن تصدَّق اليومَ؟ " . قال أبو بكر: أنا. قال: "مَن عاد اليومَ مريضًا؟ " . قال أبو بكر: أنا. قال: "فمَن شَهِد اليومَ جِنازةً؟ " . قال أبو بكر: أنا. فقال: "وجَبتْ لك، وجَبتْ لك" (١) .
قال أبو عُمر: يَعْني الجنّةَ. فهنيئًا له رضي الله عنه الجنّةُ، وعن جماعةٍ الصحابة.
- vol. 5, p. 210
حديثٌ ثالث لابن شهاب، عن حُمَيْد يَسْتَندُ من وجوه (١)
-
مالكٌ (٢) ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بن عوف، عن أبي هريرةَ، أنَّه قال: لولا أنْ يَشُقَّ عَلى أُمتِه لأمَرهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوء (٣) .
-
هذا الحديثُ يَدخلُ في المسندِ، لاتِّصالِه من غيرِ ما وجْهٍ، ولِمَا يَدلُّ عليه اللفظُ، وبهذا اللفظِ رواه أكثرُ الرواةِ عن مالكٍ، وممَّن رواه كذلك كما رواه يحيَى؛ أبو المصعبِ (٤) ، وابنُ بُكيرٍ (٥) ، والقعنبيُّ (٦) ، وابنُ القاسمِ (٧) ، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ نافع (٨) .
-
وروَاه معنُ بنُ عيسَى، وأيوبُ بنُ صالح، وعبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ (٩) ،
vol. 5, p. 211وجويريةُ، وأبو قُرَّة مُوسَى بنُ طارقٍ (١) ، وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ، ومُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله اليَسارِيُّ الأصمُّ، وبشرُ بنُ عمرَ، ورَوحُ بنُ عُبادةَ (٢) ، وسعيدُ بنُ عُفيرٍ، عن مالكٍ. وسُحنونٌ، عن ابنِ القاسمِ (٣) ، عن مالكٍ بإسنادِه، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوءٍ" . وبعضُهم يقولُ: "مع كلِّ صلاةٍ" . وكذلك رواه عليُّ بنُ داودَ (٤) ، عن ابنِ بُكيرٍ، والصحيحُ عن ابنِ بُكيرٍ في "الموطّأ" ما ذكَرنا.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأحمدُ بنُ قاسمٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي أُوَيْسٍ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوءٍ" (٥) .
-
حَدَّثَنَا عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ رشِيقٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو العلاء محمدُ بنُ أحمدَ بنِ جعفرٍ الكوفيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ صالح، قال: حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ وعبدُ الله بنُ وَهْبٍ، وقرأتُه على ابنِ نافع، قالوا: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبد الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم
vol. 5, p. 212بالسواكِ مع كلِّ صلاةٍ " (١) . ولم يَرفعْه ابنُ وَهْبٍ، ولا (٢) ابنُ نافع.
-
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣) : أخبرنا محمدُ بنُ يحيى، قال (٤) : حَدَّثَنَا بِشرُ بنُ عمرَ. وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسَى المقرئُ، قال: حَدَّثَنَا إدريسُ بنُ عليِّ بن إسحاقَ البغداديُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ زيادٍ النيسابوريُّ، قال (٥) : حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يحيى وإبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قالا: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ مع كلِّ وُضوءٍ" (٦) .
- vol. 5, p. 213
في هذا الحديثِ إباحةُ السواكِ في كلِّ الأوقاتِ؛ لقولِه: "مع كلِّ وُضوءٍ" . و: "مع كلِّ صلاةٍ" . والصلاةُ قد تَجِبُ في أكثرِ الساعاتِ؛ بالعَشِيِّ والهجيرِ والغدواتِ. وقد رُوي عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه كان يَستاكُ وهو صائمٌ (١) ، وعن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وأبي هُريرةَ، وعائشةَ (٢) . وكرِهَ مالكٌ وأصحابُه والحسنُ بنُ حيٍّ السواكَ الرَّطْبَ للصائمِ، وأجازُوا اليابسَ منه في كلِّ الأوقاتِ للصائمِ. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والليثُ: لا بأسَ بالسواكِ الرَّطْبِ للصائم. وكذلك قال الشافعيُّ، إلَّا أنَّه قال: أكرهُه بالعَشِيِّ للخُلُوفِ (٣) .
وقال ابنُ عُلَيَّةَ: السواكُ سُنةٌ للصائمِ والمُفْطِرِ والرَّطْبُ واليابسُ في ذلك سَواءٌ؛ لأنَّه ليسَ بمأكولٍ ولا مشروبٍ.
-
وكذلك (٤) رواه عليُّ بنُ داودَ، عن ابنِ بكيرٍ، والصحيحُ عن ابنِ بكيرٍ في "الموطّأ" ما ذكرْنا؛ حَدَّثَنَا خلفٌ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ داود، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ بُكيرٍ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ،
vol. 5, p. 214عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ" .
-
وحَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ زكريَّا بنِ حَيُّويَة، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عبدِ الخالقِ، قال (١) : حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عليٍّ بنِ سُويدِ بنِ مَنْجُوفٍ، قال: حَدَّثَنَا رَوحُ بنُ عُبادةَ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هُريرةَ، عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ" (٢) .
-
وفي هذا الحديث أدلُّ الدلائلِ على فَضْلِ السواكِ والرغبةِ فيه، وفيه أيضًا دليلٌ على فَضْلِ التيسيرِ في أُمورِ الدِّيانةِ، وأنَّ ما يَشُقُّ منها مكرُوهٌ؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] . ألا ترَى أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخَيَّرْ بينَ أمرينِ إلّا أخَذ أيسرَهما ما لَمْ يكنْ إثمًا، فإنْ كان إثمًا كان أبعدَ الناسِ منه (٣) .
-
وفضلُ السواكِ مُجتمَعٌ عليه لا خلافَ فيه (٤) ، والصلاةُ عندَ الجميع بعدَ السواكِ أفضلُ منها قبلَه.
vol. 5, p. 215قال الأوزاعيُّ رحِمه اللهُ: أدركْتُ أهلَ العلمِ يُحافِظون على السواكِ مع وُضوء الصبحِ والظهرِ، وكانوا يَستحِبُّونه مع كلِّ وُضوءٍ، وكانوا أشدَّ مُحافظةً عليه عندَ هاتين الصلاتين. وقال الأوزاعيُّ: السواكُ شَطْرُ الوُضوءِ. قال: وركعةٌ على أثرِ سواكٍ أفضلُ من سبعين ركعةً بغيرِ سواكٍ. وقال يحيى بنُ معينٍ: لا يَصحُّ حديثُ "الصلاةُ بأثرِ السواكِ أفضلُ من الصلاةِ بغيرِ سواكٍ" (١) وهو باطلٌ. وقال الشافعيُّ: أُحبُّ السواكَ للصلواتِ عندَ كلِّ حالٍ تَغَيَّرَ فيها الفمُ؛ نحوَ الاستيقاظِ من النومِ، والأَزْم (٢) ، وكلِّ ما يُغَيِّرُ الفمَ؛ لأنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمتي لأمرتُهم بالسواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ" . قال الشافعيُّ: ولو كان واجبًا لأمَرهم به شقَّ أو لَمْ يَشُقَّ.
-
ورَوَينا من حديثِ عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "السواكُ مَطْهَرَةٌ للفمِ، مَرْضَاةٌ للربِّ" (٣) . وقد كرِهَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ السواكَ الذي يُغَيِّرُ الفمَ ويَصبُغُه؛ لِمَا
vol. 5, p. 216فيه من التشْبيهِ بزينةِ النساء، والسواكُ المندوبُ إليه هو المعروفُ عندَ العربِ، وفي عصرِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكذلك الأراكُ والبَشَامُ، وكلُّ ما يَجْلُو الأسنانَ إذا لَمْ يَكنْ فيه صِبْغٌ ولونٌ، فهو مثلُ ذلك ما خلا الريحانَ والقصبَ؛ فإنَّهما يُكرهان.
وقالت طائفةٌ من العلماء: إنَّ الإصْبَعَ تُغني من السواكِ. وتأوَّل بعضُهم في الحديثِ المَرْوِيِّ أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يَشُوصُ فَاهُ بالسواكِ (١) ، أي أنَّه كان يُدَلِّكُ أسنانَه بإصبَعِه ويَسْتَجزِئُ بذلك من السواك، واللّهُ أعلم.
- vol. 5, p. 217
حديث رابع لابن شهاب، عن حُمَيْد مسندٌ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ، أنَّه سَمِع معاويةَ بنَ أبي سفيانَ يومَ عاشُورَاءَ عامَ حَجَّ، وهو على المِنْبَرِ، يقولُ: يا أهلَ المدينةِ، أين علماؤُكم؟ سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ لهذا اليومِ: " [هذا] (٢) يومُ عَاشُوراءَ، ولم يُكْتَبْ عليكم صِيَامُه، وأنا صائِمٌ؛ فمن شاء فلْيَصُمْ، ومن شاء فلْيُفْطِرْ" .
قال أبو عُمر: لا يخْتَلِفُ العلماءُ أنَّ يومَ عاشُوراءَ ليس بفَرْضٍ صيامُه، وأن لا فرضَ إلَّا صيامُ رمضانَ (٣) .
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على فَضْلِ صومِ يومِ عاشُوراءَ؛ لأنَّه لَمْ يَخُصَّه بقَوْلِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وأنا صَائِمٌ" . إلَّا لفَضلٍ فيه، وفي رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأُسْوَةُ الحسنة.
-
حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا حامِدُ بنُ يحيى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبيدِ الله بنِ أبي يزيدَ (٤) ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ما عَلِمْتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صام يَوْمًا يتَحَرَّى فَضْلَه على الأيَّامِ إلَّا هذا اليومَ. يَعْني يومَ عاشُوراء (٥) .
- vol. 5, p. 218
وأمَّا قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فمن شاء فلْيَصُمْه، ومن شاء فلْيُفْطِرْه" . فإنَّ هذه إباحَةٌ ورَدَتْ بعدَ وُجُوبٍ؛ وذلك أنَّ طائِفَةً من العلماء قالوا: إنَّ صومَ يومِ عاشُوراء كان فَرْضًا ثم نُسِخ بشهرِ رمضانَ، فلهذا ما أخْبَرَهم بهذا الكَلام. واحْتَجُّوا بحديثِ الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان صيامُ يوم عاشوراء قبلَ أن يَنْزِلَ رمضانُ، الحديثَ؛ روَاه ابنُ عيينةَ وجماعَةٌ، عن ابنِ شهابٍ (١) . وقد ذكَرْنا عن ابنِ شهابٍ في بابِ حديثه عن عروةَ في المواقِيتِ (٢) ، أنَّه قال (٣) : فُرِضَ الصِّيامُ بالمدِينَةِ قبلَ بدرٍ. يَعْني صِيامَ شهرِ رمضان.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الجَهْمِ، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أبي حَفْصَةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كانوا يصومون عاشُورَاء قبلَ أن يُفْرَضَ رمضانُ، وكان يومًا تُسْتَرُ فيه الكعبةُ، فلمَّا فرَضَ اللهُ رمضانَ قال رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن شاء أن يصومَه فلْيَصُمْه، ومن شاء أن يَتْرُكَه فلْيَتْرُكْه" (٤) .
- vol. 5, p. 219
ورَواه ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن ابنِ شهابٍ، فقال فيه: إنَّ رسولَ الله " - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصومُ عاشُورَاء ويَأْمُرُ بصِيَامِه (١) .
-
وقد روَى شيخٌ يُسَمَّى محمدَ بنَ عبدِ الله بنِ قُوهِيٍّ (٢) ، عن معنِ بنِ عيسى، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصومُ يومَ عاشوراء، ويأْمُرُ بصيامِه.
-
ورَواه الكُدَيميُّ (٣) أيضًا، عن أبي عليٍّ الحَنَفِيِّ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ مثلَه. وهو غيرُ محفوظٍ عن مالكٍ بهذا الإسنادِ.
-
وأمَّا حديثُ ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، فمَحْفُوظٌ، ولا يَصِحُّ فيه عن مالكٍ عن الزُّهريِّ إلَّا إسْنادُ "الموطّأ"، وسائِرُ ذلك عنه خَطَأٌ،
vol. 5, p. 220ولكنَّ هذا الحديثَ رَواه عن عروةَ ابنُ شهابٍ، وهِشَامُ بنُ عروةَ، وعِرَاكُ بنُ مالكٍ (١) ، وغيرُهم.
قال أبو عُمر: لما فُرِضَ رمضانُ صامَه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على وَجْهِ التَّبَرُّكِ والتَّبَرُّرِ، وأمَرَ بصيَامِه على ذلك، وأخْبَرَ بفَضْلِ صَوْمِه، وجَعَلَ ذلك بعدَه لأصحابه (٢) ، ألا تَرَى أنَّ عُمَرَ بنَ الخطابِ كتَبَ إلى الحارِثِ بنِ هِشَامٍ: إنَّ غَدًا يومُ عَاشُورَاء، فصمْ وأمُرْ أهْلَك أن يصوموا (٣) . وعن عليٍّ بنِ أبي طالِبٍ مثلُ ذلك.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن أبي إسحاقَ، عن الحارِثِ، عن عليٍّ، أنَّه كان يأْمُرُ بصوم يوم عاشُوراء (٤) .
- vol. 5, p. 221
وقد روَى عبدُ الله بنُ عمرَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك مثلَ روايةِ عائشةَ؛ روَاه عبيدُ الله بنُ عُمَرَ وأيُّوبُ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال في صَوْمِ يومِ عاشُوراء: صامَه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأمَرَ بصَوْمِه، فلما فُرِضَ رَمَضانُ تُرِكَ. فكان عبدُ الله بن عُمر لا يَصُومُه من أجْلِ حديثه هذا. وخَفِيَ عليه ما ندَبَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من صِيَامِه، وصَوْمُه له - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى القَطَّانُ، عن عُبَيْدِ الله (١) بنِ عُمَرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ، قال: كان يومُ عاشُورَاء يومًا يصومُه أهْلُ الجاهِلِيَّةِ (٢) ، فلمَّا نزَل رمضانُ سُئِل رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "يومٌ من أيَّام الله؛ فمَن شاء صامَه، ومَن شاء تَرَكَه" (٣) .
-
وحَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زهير، قال (٤) : حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ سلَّام، قال (٥) : أخبَرنا إسماعيلُ بنُ
vol. 5, p. 222إبراهيمَ، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ، قال: صامَه رسولُ الله وأمَرَ بصِيامِه، فلمَّا فُرِضَ رمَضانُ تُرِكَ. فكان ابنُ عمرَ لا يصُومُه إلَّا أنْ يَأْتيَ على صَوْمِه. يَعْنِي يومَ عاشُوراء (١) .
قال أبو عُمر: وكان طاوسٌ لا يَصُومُه (٢) ؛ لأنَّه، واللّهُ أعلمُ، لَمْ يَبْلُغْه ما جاء فيه من الفَضْلِ، وليس فيما خَفِيَ عليه ما عَلِمَه (٣) غيرُه حُجَّةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ قولَه عزَّ وجلَّ: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: ١٠] . لا تَدْفَعُ هذه الإباحَةُ فَضْلَ انتظارِ الصلاةِ في المسجدِ وعَمَلِها، وباللّه التوفيقُ. وعلى هذا يُحْمَلُ حديثُ مُعاويةَ المذكورُ في هذا البابِ؛ أنَّ تَخْيِيرَه إنَّما كان لسُقُوطِ وُجُوبِ صِيَامِه، لا أنَّه لا معنى لصومِه، ولما سقَطَ وُجوبُه صِيمَ على جِهَةِ الفَضْلِ، والآثارُ تَدُلُّ على ذلك، وهذا عندي نحوُ قِيَامِ الليلِ؛ كان في أوَّلِ الإسلام فَريضَةً حَوْلًا كامِلًا، فلمَّا فُرِضَتِ الصلواتُ الخَمْسُ صار قيامُ الليلِ فَضِيلَةً بعدَ فَرِيضَةٍ.
-
وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ (٤) . وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا
vol. 5, p. 223أحمدُ بنُ شعيبٍ (١) ، قالا: أخبَرنا زيَادُ بنُ أيوبَ، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، قال: حَدَّثَنَا أبو بِشْرٍ، عن سعيدٍ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قَدِمَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "المدينةَ وجَد اليهودَ يَصُومُونَ عاشُوراء، فسُئِلُوا عن ذلك، فقالوا: هو اليومُ الذي أظْهَرَ اللهُ فيه موسى على فرعونَ، ونحن نصومُه تَعْظِيمًا له. فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " نحن أوْلَى بموسى منكم ". وأمَرَ بصِيَامه (٢) .
-
فهذا دَليلٌ على أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَصُمْه إلَّا تَعْظِيمًا له.
-
وقد رَوَينا عن طارِقِ بنِ شهابِ، أنَّه قال: كان يومُ عاشُوراء لأهْلِ يَثْرِبَ، يَلْبَسُ فيه النِّساءُ شارَتَهُنَّ، فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خَالِفُوهم فصوموه" (٣) .