ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري

244 paragraphs · vol. 5, p. 173

Page 5 of 7

  1. وروَاه سعدُ بنُ إبراهيمَ، فخالَفَه في هذه اللَّفظَةِ.

    vol. 5, p. 238
  2. قرَأتُ على عبدِ الوارثِ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن عُروةَ بنِ

    vol. 5, p. 239الزبيرِ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، أنَّ أباه نحَلَه نِحْلَةً، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ليشهِدَه، فقال: "أكلَّ بَنِيكَ أعطَيتَ مثلَ هذا؟ " . قال: لا. فأبَى أن يَشهَدَ (١) .

  3. وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ جوازُ العَطِيَّةِ من الآباء للأبناء، وهذا في صِحَّةِ الآباء؛ لأنَّ فِعلَ المريضِ في مالِه وصِيَّةٌ، والوصِيَّةُ للوارِثِ باطِل (٢) . وهذا أمرٌ مُجتمَعٌ عليه (٣) ، فيُستَغنى عن القولِ فيه، وقد بَيَّنا هذا المعنَى في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عامِرِ بنِ سعدٍ (٤) .

  4. وفيه التَّسوِيَةُ بينَ الأبناء في العطاءِ؛ لقولِه: "أكلَّ وَلَدِك أعطَيتَه مثلَ هذا؟ " . واختَلفَ الفقهاءُ في هذا المعنى؛ هل هو على الإيجابِ أو على الندبِ؟ فأمَّا مالكٌ، والليثُ، والثوريُّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم (٥) ، فأجازُوا أن يَخُصَّ بعضَ ولَدِه دونَ بعضٍ بالنِّحلَةِ والعَطِيَّةِ، على كَراهِيةٍ من بعضِهم، على ما يأتي من أقاويلِهم في هذا البابِ، والتَّسوِيَةُ أحَبُّ إلى جميعِهم.

  5. وكان مالكٌ يقولُ: إنَّما معنى هذا الحديثِ الذي جاء فيه، فيمَن نَحَل بعضَ ولَدِه مالَه كلَّه. قال: وقد نحَل أبو بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه عائشةَ دُونَ سائرِ ولَدِه (٦) ، حكَى ذلك عنه ابنُ القاسِم، وأشْهَبُ.

    vol. 5, p. 240وقال الشافعيُّ: تَرْكُ التَّفضِيلِ في عَطِيَّةِ الأبناء فيه حُسنُ الأدَبِ، ويجوزُ له ذلك في الحُكم. قال: وله أن يَرجِعَ فيما وهَب لابنِه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "فارْجِعْه" (١) . واستَدَلَّ الشافعيُّ بأنَّ هذا الحديثَ على النَّدْبِ، بنحوِ ما استَدَلَّ به مالكٌ رحِمه اللهُ من عَطِيَّةِ أبي بكرٍ عائشةَ، وبما روَاه داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: نَحَلَني أبي نُحْلًا، وانطلَق بي إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ليُشهِدَه على ذلك، فقال: "أكُلَّ ولَدِكَ نَحَلتَه مثلَ هذا؟ " . فقال: لا. قال: "أيسُرُّكَ أن يكونوا لك في البِرِّ كلُّهم سواءً؟ " . قال: نعم. قال: "فأشهِدْ على هذا غيري" (٢) . قال: وهذا يَدُلُّ على صحَّةِ الهِبَةِ؛ لأنَّه لم يأمُرْ برَدِّها، وإنَّما أمَره بتأكِيدِها بإشهادِ غيرِه عليها، وإنَّما لم يَشهَدْ عليه السلامُ عليها لتَقصِيرِه عن أوْلى الأشياء به، وتَركِه الأفضَلَ.

    وقال الثوريُّ: لا بأسَ أن يَخُصَّ الرجلُ بعضَ ولَدِه بما شاء.

    وقال أبو يوسفَ: لا بأسَ بذلك إذا لم يُرِدِ الإضرارَ، وينبغي أن يسَوِّيَ بينَهم؛ الذكرُ والأُنثى (٣) . وقد رُوِي عن الثوريِّ أنَّه كَرِه أن يُفَضِّلَ الرجلُ بعضَ ولَدِه على بعضٍ في العَطِيَّةِ.

  6. وكَرِه عبدُ الله بنُ المباركِ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، أن يُفَضِّلَ بعضَ ولَدِه على بعضٍ في العطايا. وكان إسحاقُ يقولُ مثلَ هذا (٤) ، ثم رجَع إلى مثلِ قولِ الشافعيِّ.

  7. وكلُّ هؤلاء يقولُ: إن فعَل ذلك أحَدٌ، نَفَذ، ولم يُرَدَّ. واختُلِف في ذلك عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، وأصَحُّ شيءٍ عنه في ذلك ما ذكَره الخِرَقِيُّ في "مختصرِه" عنه،

    vol. 5, p. 241قال (١) : وإذا فاضَلَ بينَ وَلَدِه في العَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كما أمَر النبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن مات ولم يرُدَّه، فقد ثَبَت لمن وُهِب له إذا كان ذلك في صِحَّتِه.

    وقال طاوُسٌ: لا يجوزُ لأحَدٍ أن يُفَضِّلَ بعضَ ولَدِه على بعضٍ، فإنْ فعَلَ لم يَنْفُذْ، وفُسِخ. وبه قال أهلُ الظاهرِ؛ منهم داودُ وغيرُه (٢) . ورُوِيَ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ مثلُه. وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، المذكورُ في هذا البابِ؛ قولُه: "فارْجِعْه" . حمَلوه على الوُجوبِ، وأبطَلوا عَطِيَّةَ الأبِ لبعضِ ولَدِه دونَ بعضٍ؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "فارْجِعْه" . ولقولِه في حديثِ جابرٍ في هذه القِصَّةِ: "هذا لا يَصلُحُ، ولا أشْهَدُ إلَّا على حَقٍّ" (٣) . قالوا: وما لم يكنْ حقًّا فهو باطِلٌ، والباطلُ مردودٌ (٤) . وقد قال بعضُهم في هذا الحديثِ، عن النعمانِ: "هذا جَوْرٌ، ولا أشهَد على جَوْرٍ" . ونحوُ هذا ممَّا احتَجَّ به أهلُ الظاهرِ (٥) .

  8. أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمدَانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٦) : حدَّثنا يَعلَى، قال: حدَّثنا أبو حيانَ، عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ هذا الحديثَ، قال: فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا بَشِيرُ، ألك ابنٌ غيرُ هذا؟ " . قال: نعم. قال: "فوهَبْتَ له مثلَ الذي وهَبتَ لهذا؟ " . قال: لا. قال: "فلا تُشهِدْني إذن، فإنِّي لا أشهَدُ (٧) على جَوْرٍ" (٨) .

    vol. 5, p. 242قال أحمدُ (١) : وحدثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن حاجِبِ بنِ المفضَّلِ بنِ المُهلَّبِ، عن أبيه، قال. سمِعتُ النعمانَ بنَ بَشيرٍ يخْطُبُ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اعْدِلوا بينَ أبنائِكم، اعَدِلوا بينَ أبنائِكم" (٢) . حمَلُوا هذا على الوُجوبِ.

  9. وحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن أبي نجيح، عن طاوسٍ، قال: كان إذا سألوه عن الرجلِ يُفَضِّلُ بعضَ ولَدِه يقرَأُ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} (٤) [المائدة: ٥٠] .

    قال سفيانُ: ونُبِّئتُ عن طاوسٍ أنَّه قال: لا يجوزُ للرجلِ أن يُفضِّلَ بعضَ ولَدِه ولو كان رَغِيفًا مُحتَرِقًا (٥) .

  10. وبهذا الإسنادِ عن سفيانَ، عن مالكِ بنِ مِغوَلٍ، عن أبي مَعْشَرٍ الكوفيِّ، قال: قال إبراهيمُ: كانوا يُحِبُّون أن يُسَوُّوا بينَهم حتى في القُبلةِ (١) .

    قال أبو عُمر: أكثرُ الفقهاء على أنَّ معنى هذا الحديثِ على النَّدبِ إلى الخيرِ والبِرِّ والفَضلِ، لا أنَّ ذلك واجِبٌ فَرضًا ألَّا يُعطِيَ الرجلُ بعضَ ولَدِه دونَ بعضٍ، على ما ذهَب إليه أهلُ الظاهِرِ، والدليلُ على أنَّ ذلك كذلك على النَّدْبِ لا على الإيجابِ، ممَّا احتَجَّ به الشافعيُّ وغيرُه، إجماعُ العلماء على جوازِ عَطِيَّةِ الرجلِ مالَه لغيرِ ولَدِه، فإذا جاز أن يُخْرِجَ جميعَ ولَدِه عن مالِه، جاز له أن يُخْرِجَ عن ذلك بعضَهم. وأمَّا قِصَّةُ النعمانِ بنِ بَشيرٍ هذا، فقد رُوِي في حديثه ألفاظٌ مُختَلِفَةٌ، أكثَرُها تدُلُّ على أنَّ ذلك على الندبِ لا على الإيجابِ؛ منها ما رَواه داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عنه، ممَّا قدَّمنا ذِكْرَه، وروايَةُ حُصينٍ، عن الشعبيِّ في هذا الحديثِ نحوُ ذلك.

    vol. 5, p. 243
  11. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بن السَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٢) : حدَّثنا حامِدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن حُصينٍ، عن عامرٍ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بَشيرٍ وهو على المنبرِ يقولُ: أعطاني أبي عَطِيَّة، فقالت عَمرَةُ بنتُ رَوَاحةَ: لا أرضَى حتى تُشهِدَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنِّي أعطَيتُ ابني من عَمْرَةَ ابنةِ رَوَاحةَ،

    vol. 5, p. 244فأمَرتْني أن أُشهِدَكَ يا رسولَ الله، قال: "أعطَيتَ سائِرَ وَلَدِكَ مثلَ هذا؟ " . قال: لا. قال: "فاتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا بينَ أولادِكم" . قال: فرجَع، فرَدَّ عَطِيَّتَه (١) .

  12. فلم يذكُرْ في هذا الحديثِ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَره أن يَرجِعَ في عَطِيَّتِه، وإنَّما فيه أنَّه رجَع فرَدَّ عَطِيَّتَه.

  13. وأخبَرني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمارُ البصريُّ بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال (٣) : حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا سَيارٌ ومُغيرةُ وداودُ ومُجالدٌ وإسماعيلُ بنُ سالم، عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، قال: نحَلَني أبي نُحْلًا - قال إسماعيلُ بنُ سالمٍ من بينِ القومِ: نحَله غلامًا له - قال: فقالت له أُمِّي عَمْرَةُ بنتُ رَوَاحةَ: ائْتِ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأشْهِدُه. قال فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذكَر ذلك له، فقال: إنِّي نَحَلتُ ابني النعمانَ نُحْلًا، وإنَّ عَمْرةَ سألتني أن أُشْهِدَكَ على ذلك. فقال: "ألك ولَدٌ سِواهُ؟ " . قلتُ: نعم. قال: "فكُلَّهم أعطَيتَه مثلَ ما أعطَيتَ النعمانَ؟ " . قال: قلتُ: لا - قال هُشَيْمٌ: فقال بعضُ هؤلاء المحدِّثينَ: "هذا جَوْرٌ" . وقال بعضُهم: "هذه تَلْجِئَةٌ" - فأشهِدْ على هذا غيرِي ". وقال المغيرَةُ (٤) في حديثه (٥) : " أليس يسُرُّكَ أن يكونوا في البِرِّ واللُّطْفِ

    vol. 5, p. 245سواءً؟ ". قال: نعم. قال: " فأشهِدْ على هذا غيري ". وذكَرَ مُجالدٌ في حديثه: " إنَّ لهم عليك من الحقِّ أن تعدِلَ بينَهم، كما أنَّ لك عليهم من الحقِّ أنْ يَبرُّوكَ " (١) .

  14. وحدَّثناهُ عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ حَمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أبي، قال (٢) : حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مجالدٍ، قال: حدَّثنا عامرٌ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بَشيرٍ يُحدِّثُ بهذا الحديثِ. قال: فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ لبَنِيكَ عليك من الحقِّ أن تعدِلَ بينَهم، فلا تُشهدْني على جَوْرٍ " (٣) .

  15. فهذه الألفاظُ كلُّها مع قولِه: "أشهِدْ على هذا غيرِي ". دليلُ واضحٌ على جوازِ العَطِيَّةِ. وأمَّا روايَةُ مَن روَى عن الشعبيِّ، عن النعمانِ بنِ بشير، في هذا الحديثِ: " أكلَّ ولَدِكَ أعطَيتَه؟ ". قال: لا. قال: " إنِّي لا أشهَدُ إلَّا على حقٍّ". وكذلك روايةُ جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في قصَّةِ النعمانِ بنِ بَشيرٍ هذه، فيَحتَمِلُ ألَّا يكونَ مُخالِفًا

    vol. 5, p. 246لما تقدَّم، لاحْتِمالِه أن يكونَ أراد الحقَّ الذي لا تقصيرَ فيه عن (١) أعْلَى مَراتبِ الحقِّ وإن كان ما دُونَه حقًّا. فصَحَّ بهذا كلِّه مذهبُ مالكٍ، والثوريِّ، والشافعيِّ، ومَن قال بقولِهم في أستِحبابِ تَرْكِ التفضيلِ بينَ الأبناء في العَطِيَّةِ، وإمضائِه إذا وقَع؛ لأنَّ غايةَ (٢) ما في ذلك تركُ الأفْضَلِ، كما لو أعطَى لغيرِ رَحِمِه وترَكَ رَحِمَه، كان مُقَصِّرًا عن الحقِّ، وتارِكًا للأفضَلِ، ونَفَذَ مع ذلك فِعْلُه، على أنَّ حديثَ جابرٍ يدُلُّ على أنَّ مُشاوَرَةَ بَشيرِ بنِ سعدٍ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه القصَّةِ إنَّما كانت قبلَ الهِبَةِ، فدلَّه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على الأوْلَى به، والأوْكَدِ عليه، وما فيه الفضلُ له.

  16. وحديثُ جابرٍ هذا حدَّثَنيه سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: قالتِ امرأةُ بَشيرٍ: انْحَلِ ابنَكَ غُلامًا، وأشهِدْ لي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنَّ ابنَةَ فُلانٍ سألتني أن أنْحُلَ ابنَها غلامًا، وقالت: أشهِدْ لي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: "أله إخوَةٌ؟ " . قال: نعم. قال: "وكُلَّهم أعطَيتَه؟ " . فقال: لا. فقال: "ليس يَصلُحُ هذا، وإنِّي لا أشهَدُ إلَّا على حَقٍّ" (٣) .

  17. وذكَر الطحاويُّ (٤) هذا الخبَرَ، ثم قال: حديثُ جابرٍ أوْلَى من حديثِ النعمانِ بنِ بَشيرٍ؛ لأنَّ جابرًا أحفَظُ لهذا المعنى، وأضبَطُ له؛ لأنَّ النعمانَ كان صغيرًا قال: وفي حديثِ جابرٍ أنَّ بَشِيرَ بنَ سعدٍ ذكَر ذلك لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ أن يَهَبَ، فأخبَره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بأجمَلِ الأُمورِ وأوْلَاها.

  18. وأمَّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - في حديثنا المذكورِ في هذا البابِ: "أكُلَّ ولَدِكَ نحَلْتَه مثلَ هذا؟ " . فإنَّ العلماء مُجمعونَ على استِحبابِ التَّسوِيَةِ في العَطِيَّةِ بينَ الأبناء، إلَّا ما ذكَرنا عن أهلِ الظَّاهرِ من إيجابِ ذلك.

    vol. 5, p. 247
  19. ومع إجماع الفقهاء على ما ذكَرنا من استِحبابِهم، فإنَّهم اختَلَفوا في كيفِيَّةِ التسوِيَةِ بينَ الأبناء في العَطِيَّةِ، فقال منهم قائلُون: إنَّ التَّسويَةَ بينَهم أن يُعْطِيَ الذَّكَرَ مثلَ ما يُعْطِي الأُنثَى. وممَّن قال ذلك: سفيانُ الثوريُّ، وابنُ المباركِ. قال ابنُ المباركِ: ألا تَرَى الحديثَ يُروَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "سوُّوا بينَ أولادِكم، فلو كنتُ مؤثِرًا أحدًا آثَرْتُ النِّسَاء على الرِّجالِ" ؟ وقال آخرون: التَّسوِيَةُ أن يُعطِيَ للذكرِ مثلَ حظِّ الأُنثيَيْنِ، قياسًا على قَسْمِ الله المواريثَ بينَهم، فإذا قَسَمَ في الحياةِ قَسَم بحُكْمِ الله عزَّ وجلَّ. وممَّن قال هذا القولَ؛ عطاءُ بنُ أبي رباح، رَوَاه ابنُ جُرَيْج عنه. وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ، وإليه ذهَبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَة (١) ، ولا أحفَظُ لمالكٍ في هذه المسألةِ قولًا.

  20. وأمَّا قولُه: "فارْجِعْه" . ففيه دليلٌ على أنَّ للأبِ أن يَرجِعَ فيما وهَب لابنِه، على ظاهِرِ حديثِ ابنِ شهابٍ وغيرِه. وهذا المعنى قد اختَلَف فيه الفقهاءُ؛ فذهَب مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، أنَّ للأبِ أن يَعْتَصِرَ ما وهَبَ لابنِه. ومعنى الاعْتِصارِ عندَهم: الرُّجوعُ في الهِبَةِ (٢) ، وليس ذلك لغيرِ الأبِ عندَهم، وإنَّما ذلك للأبِ وحدَه، وللأُمِّ أيضًا أن وهَبت لابنِها شيئًا وأبوه حَيٌّ أن تَرجِعَ، فإن كان يتيمًا، لم يكنُ لها الرُّجوعُ فيما وهَبت له، لأنَّ الهِبَةَ لليتيمِ كالصدقةِ التي لا رُجوعَ فيها لأحدٍ.

  21. فإن وهَبت لابنِها وأبوه حَيٌّ، ثم مات، وأرادَت أن تَرجعَ في هِبَتِها تلك، فقد اختَلَف أصحابُ مالكٍ في ذلك، والمشهورُ من المذهبِ أنَّها لا تَرجِعُ.

    vol. 5, p. 248
  22. وأمَّا الأبُ فله أن يَرجِعَ أبدًا في هِبَتِه لابنِه، هذا إذا كان الولدُ الموهوبُ له لم يَستَحدِثْ دَينًا يُدَاينُه الناسُ ويأمَنونَه عليه من أجلِ تلك الهِبَةِ، أو يَنكِحْ، فإذا تَدايَن أو نَكَح، لم يكنْ للأبِ حِينَئذٍ الرجوعُ فيما وهَب له (١) ، وهذا إنَّما هو في الهِبَةِ، فإن كانت صَدَقةً، لم يكنْ فيها رُجوعٌ؛ لأنَّ الصدقةَ إنَّما يُرادُ بها وجهُ الله تعالى، فلا رُجوعَ لأحدٍ فيها، أبًا كان أو غيرَه.

  23. وقولُ مالكٍ في الهِبَةِ للثوابِ أنَّ الواهِبَ على هِبَتِه إذا أراد بها الثوابَ حتى يُثابَ منها، أبًا كان أو غيرَه، إلَّا أن تتغيَّرَ بزيادةٍ أو نُقصانٍ عندَ الموهوبِ له، أو تَهلِكَ، فإن كان ذلك، وطلَب الواهِبُ الثوابَ، فإنَّما له قيمَتُها يومَ قبَضها (٢) . وكان إسحاقُ بنُ راهُويَة يذهَبُ إلى هذا.

  24. وكان مالكٌ يذهَبُ إلى أنَّ قولَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حَديثه في هذا البابِ: "فارْجِعْه" . أمْرُ إيجابٍ لا نَدْبٍ، وكان يقولُ: إنَّما أمَره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ لأنَّه نحَله من بين سائرِ بنيه مالَه كلَّه، ولم يكنْ له مالٌ غيرُ ذلك العَبدِ؛ حكَى ذلك أشهبُ عن مالكٍ، قال أشهبُ: فقيل لمالكٍ: فإذا لم يكنْ للناحِلِ مالٌ غيرُه، أيرتَجِعُه بعدَ النِّحلَةِ؟ فقال: إنَّ ذلك ليقالُ، وقد قُضِي به عندَنا في المدينةِ.

    وقال غيرُ مالكٍ: لا يُعرَفُ ما ذكَره مالكٌ من أنَّ بَشِيرًا لم يكنْ له مالٌ غيرُ ذلك العبدِ. قال: وإنَّما أمَره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - برَدِّ تلك العَطِيَّةِ من أجلِ ما يُوَلِّدُ ذلك من العداوةِ بينَ البنينَ، ورُبَّما أبغَضوا أباهم على ذلك، فكرِه ذلك كلَّه (٣)

  25. رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، لا من جِهَةِ التحريم. قال: ولو كان ذلك حرامًا ما نحَل أبو بكرٍ عائشةَ من بينِ سائِرِ ولدِه (١) .

    وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه، والثوريُّ، وأكثَرُ العراقيِّينَ: مَن وهَب هِبَةً لذي رحمٍ مَحْرَمٍ، ولَدًا كان أو غيرَه، فلا رُجوعَ له فيها؛ لأنَّها والصدقةَ سواءٌ إذا أراد بها صِلةَ الرحمِ. وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهُويَة في مراعاةِ الرَّحِمِ المَحْرَمِ، وأنَّه لا يَعتَصِرُ ولا يَرجِعُ مَن وهَب هِبَةً لذي رحِمٍ مَحْرَمٍ، وأنَّها كالصَّدقَةِ لله، لا يَرِجُع في شيءٍ منها (٢) . وجُملَةُ قولِ الكُوفيِّين أنَّهم قالوا: مَن وهَب لولدِه هِبَةً مَقسومةً معلومةً، فإن كان الولدُ صغيرًا، غُلامًا أو جاريةً، فالهِبَةُ له جائزةٌ، وليس للوالدِ أن يرجِعَ في ذلك، ولا يَعتَصِرَه (٣) ، وإن كان الولدُ كبيرًا، لم تَجُزِ الهِبَةُ حتى يَقبِضَها الولدُ، فإذا قبَضها، فهي له جائزةٌ، وليس للوالدِ أن يرجِعَ فيها، ولا يَعتَصِرَها. قالوا: وكذلك النُّحلُ والصدقةُ (٤) . والزَّوجانِ عندَهم فيما يَهَبُ بعضُهما لبعضٍ كذي الرَّحِمِ المحرَمِ، لا يجوزُ لأحدِهما أن يرجِعَ في شيءٍ ممَّا أعطَى صاحِبَه (٥) . ومن حُجَّتِهم فيما ذهَبوا إليه من ذلك ما رَواه مالكٌ (٦) ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن أبي غطَفانَ بنِ طَرِيفٍ المُرِّيِّ، عن مروانَ بنِ الحكمِ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال: مَن وهَب هِبَةً يَرَى أنَّه أراد بها صلةَ الرحِمِ، أو على وجهِ

    vol. 5, p. 250صدَقَةٍ، فإنَّه لا يرجعُ فيها، ومَن وهَب هِبَةً يَرَى أنه أراد بها (١) الثوابَ، فهو على هبَتِه، يَرجِعُ فيها إذا لم يُرْضَ منها. وروَى الأسودُ، عن عمرَ نحوَ حديثِ مروانَ هذا، فيمَن وهَب لِصلَةِ رَحِمٍ أو قَرابةٍ (٢) ، وليس في حديثِ عمرَ ذكرُ الزَّوجَين. وقولُهم في الهِبَةِ للثوابِ: إنَّها جائزةٌ. على نحوِ ما قالَه مالكٌ (٣) ، إلا أنَّها إن زادَت عندَ الموهوبِ له (٤) ، أو نقَصت، أو هلَكت، لم يكنْ فيها رُجوعٌ عندَهم. وهو قولُ الثوريِّ (٥) . وهِبَةُ المُشَاعِ عندَهم غيرُ صحِيحةٍ؛ لأنَّ الهِبَةَ لا تصِحُّ إلَّا بالقَبضِ، ولا سبيلَ إلى قَبضِ المُشَاعِ فيما زَعَموا، ولو قُبِضَ الجميعُ لم يكنْ قَبضًا عندَهم، وإنَّما القَبضُ عندَهم أن يُقبَضَ مفروزًا مَقسومًا. وهذا كلُّه فيما ينقَسِمُ فلم يُقْسَمْ، وما لم يكنْ قَبْضًا (٦) ، فهي عندَهم عِدَةٌ لا تَلزَمُ الواهبَ (٧) .

    vol. 5, p. 249
  26. وأمَّا مالكٌ فإنَّه يُجِيزُ هِبَةَ المُشَاعِ إذا قبَضَ الموهوبُ له جميعَ الشيء المُشَاعِ وبانَ به (٨) ، وتَصحُّ الهِبَةُ عندَه بالقولِ، وتَتِمُّ بالقبضِ، وللموهوبِ له أن يُطالِبَ الواهِبَ بها، ولورثَتِه أن يقوموا في ذلك مَقامَه بعدَه، فإن مات الواهبُ قبلَ قَبضِ الهِبَةِ، فهي باطلٌ حينئذٍ؛ لأنَّهم أنزَلُوها حينَ وهَب، ولم يُسلِّمْ ما وهَب

    vol. 5, p. 251حتى مات، على أنَّ الهِبَةَ لم تكنْ في الباطنِ صحيحَةً، وإنَّما هو كلامٌ تكلَّم به الواهِبُ لتكونَ الهِبَةُ بيَدِه كما كانت، حتى إذا مات خرَجت عن وَرثتَهِ، فالهِبَةُ على هذا باطِلٌ (١) . وهو معنى حديثِ عمرَ عندَهم الذي روَاه مالكٌ (٢) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن عبدِ الرحمن بنِ عَبدٍ القاريِّ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ، قال: ما بَالُ رجالٍ يَنحَلُون أبناءَهم نُحْلًا ثم يُمسِكونَها، فإن مات ابنُ أحَدِهم قال: مالي بيَدِي لم أُعْطِه أحَدًا، وإن مات هو قال: هو لابني، قد كنتُ أعطَيتُه إيَّاه! مَن نَحَل نِحْلَةً لم يَحُزْها الذي نُحِلها حتى تكونَ إن مات لوَرَثتِه، فهي باطلٌ.

    وقال الشافعيُّ: ليس لأحدٍ أن يَرجعَ في هِبَتِه إلَّا الوالِدَ فيما وهَب لبنيه، وليس في الصدقةِ رُجوعٌ؛ لأنَّه أُرِيد بها وجهُ الله عزَّ وجلَّ. وهِبَةُ المُشَاع عندَه جائزٌ، والقبضُ فيها كالقبضِ في البُيوع (٣) ، والهِبَةُ للثوابِ عندَه باطلٌ؛ لأنَّها معاوَضَةٌ على مجهولٍ، وذلك بيعٌ لا يجوزُ، ولا معنى عندَه للهِبةِ على الثوابِ، وهي مردودَةٌ ليست بشيءٍ (٤) . وحُجَّتُه فيما ذهَب إليه من تَخصيصِ الولدِ بالرجوعِ في الهِبَةِ، حديثُ حُسينٍ المُعلِّمِ، عن عمرِو بنِ شعيب، عن طاوُسٍ، عن ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ جميعًا، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَرجعَ في هبَتِه إلَّا الوالدَ" (٥) .

  27. ومن حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه (١) . ومن مراسلِ طاوسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه (٢) . ولا تَصِحُّ الهِبَةُ عندَ الشافعيِّ لكلِّ أجنبيٍّ ولكُلِّ ابنٍ بالغٍ إلَّا بالقبضِ، على نحوِ قولِ العراقيِّينَ سواءً (٣) . قال محمدُ بنُ نصرٍ أبو عبدِ الله المروزيُّ (٤) : وقد اتَّفَق أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، على أنَّ الهِبَةَ لا تجوزُ إلَّا مَقبوضَةً.

    قال أبو عُمر: وللأبِ عندَ الشافعيِّ أن يرجِعَ فيما وهَب لبنيه، وسواءٌ استَحدَثَ الابنُ دَينًا، أو نَكَح، أو لم يَفعَلْ شيئًا من ذلك. فإن كان الابنُ صغيرًا في مذهَبِ الشافعيِّ، فإشهادُ أبيه وإعلانُه بما يُعطِيه حِيازَةٌ له، لا يَشرَكُه فيها أحدٌ من ورثَةِ أبيه إن مات، وهي للصغيرِ أبدًا، وإنْ كَبِر وبلَغ رشيدًا، ولا يَحتاجُ

    vol. 5, p. 253فيها إلى قَبضٍ أحدٍ، وما لم يَرجِعْ فيها أبوه بإشهادٍ بَيَّن به رُجُوعَه في تلك الهِبَةِ، فهي للابنِ، وعلى مِلكِه، فإن رجَع فيها الأبُ بالقولِ والإعلانِ وعُرِف ذلك، كان ذلك له، وإلَّا فهي للابنِ، وعلى مِلْكِه على أصلِ إشهادِه بالهِبة له وهو صغيرٌ، ولا يضُرُّه موتُه وهي بيَدِه؛ لأنَّها قد نفَذت له وهو صغيرٌ، فما لم يَرجِعْ فيها الأبُ بالقولِ، فهي على ذلك الأصلِ في مذهَبِه عندِي (١) ، واللهُ أعلمُ. وسنذكُرُ قولَ مالكٍ في ذلك (٢) بعدَ هذا إن شاء اللهُ.

    وقال أبو ثور، وأحمدُ بنُ حنبل: تصحُّ الهِبةُ والصدقةُ غيرَ مقبوضةٍ. وسواءٌ كانتِ الهِبةُ مُشاعًا أو غيرَ مُشاع، والقَبضُ فيهما عندَهما كالقَبضِ في البيع. ورُوِي عن عليِّ بنِ أبي طالبِ أنَّ الهِبةَ تجوزُ وتصحُّ وإن لم تُقبَضْ، من وجْهٍ ضعيفٍ عن عِليٍّ (٣) لا يُحتَجُّ بمِثلِه (٤) . ولم يختَلِفْ قولُ أبي ثورٍ في ذلك في شيءٍ من كُتُبِه.

    vol. 5, p. 252
  28. وأمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ، فقد اختُلِفَ عنه في ذلك، وأصحُّ شيءٍ في ذلك عن أحمدَ أنَّ الهبةَ والصدقةَ فيما يُكالُ أو يُوزنُ، لا يَصِحُّ شيءٌ منها إلَّا بالقَبضِ، وما عَدَا المكيلَ والموزونَ فالهِبَةُ صحيحةٌ جائزةٌ بالقولِ وإن لم تُقبَضْ (٥) ، وذلك كلُّه إذا قَبِلها الموهوبُ له، والمُشَاعُ وغيرُ المُشَاع في ذلك سواءٌ، كالبيع.

    وقال أبو ثور: كلُّ مَن عَدَا الأبَ، فليس له أن يَرجِعَ في هِبتِه، سواءٌ أراد بها الثوابَ أو لم يُرِدْ. وحُجَّتُه في ذلك كحُجَّةِ الشافعيِّ (٦) ، حديثُ ابنِ عباسٍ

    vol. 5, p. 254المذكُورُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ قولُه: "لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَرجِعَ في هِبَتِه إلَّا الوالدَ" (١) . وهو قولُ طاوسٍ، والحسنِ (٢) .

  29. وأمَّا أحمدُ بنُ حنبل، فقال: لا يَحِلُّ لواهبٍ أن يَرجِعَ في هِبَتِه، ولا لمُهدٍ أن يَرجِعَ في هَدِيَّته، وإن لم يُثَبْ عليها، واحتَجَّ بقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "العائدُ في هِبَتِه كالكلبِ يعودُ في قَيْئه" . وهو قولُ قتادةَ، قال قتادةُ: لا أعلمُ القَيءَ إلَّا حرامًا (٣) . والجَدُّ عندَ أبي ثورٍ في الرُّجوعِ كالأبِ.

    وقالت طائفةٌ: يَرجِعُ الوالدانِ والجَدُّ فيما وهَبوا، ولا يَرجِعُ غيرُهم.

    وقال إسحاقُ: ما وهَبَ الرجلُ لامرأتِه فليس له أن يَرجِعَ فيه، وما وهَبَته المرأةُ لزَوجِها فلها أن تَرجِعَ فيه. وهو قولُ شرج وغيرِه من التابعين. ويَحتَجُّ مَن ذهَب هذا المذهَبَ بحديثِ مروانَ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، قال: إنَّ النساءَ يُعطِينَ رَغبَةً ورَهْبةً (٤) .

  30. وأجاز إسحاقُ الهِبَةَ للثوابِ (٥) ، على نحوِ قولِ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، ومَن تابَعهم.

  31. وأجمَع الفقهاءُ أنَّ عَطِيَّةَ الأبِ لابنِه الصغيرِ في حَجْرِه لا يُحتاجُ فيها إلى قبضٍ، وأنَّ الإشهادَ فيها يُغني عن القبضِ، وأنَّها صحيحَةٌ وإن وَلِيَها أبوه، مخصوصةٌ بذلك ما دام صغيرًا، على حديثِ عثمانَ (٦) .

  32. إلَّا أنَّهم اختَلَفوا من هذا المعنى في هِبَةِ الوَرِقِ والذهبِ للابنِ الصغيرِ؛ فقال قومٌ: إنَّ الإشهادَ يُغني في ذلك كسائِرِ الأشياء.

    وقال آخرون: لا تصحُّ الهِبَةُ في ذلك إلَّا بأن يعزِلَها ويُعيِّتها.

    قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا أنَّ مَن نَحَل ابنًا له صغيرًا، ذهَبًا أو وَرِقًا، ثم هلَك وهو يَلِيه، أنَّه لا شيءَ للابنِ من ذلك، إلَّا أن يكونَ عزَلَها بعَينِها، أو دفَعها إلى رجلٍ وضَعها لابنِه عندَ ذلك الرجلِ، فإن فعَل ذلك، فهو جائزٌ للابنِ (١) .

    قال أبو عُمر: في حديثِ عثمانَ الذي هو أصلُ هذه المسألةِ عندَهم، اشتراطُ الإشهادِ في هِبَةِ الرجلِ لابنِه الصغيرِ، وذلك أن يُشهِدَ على الشيءِ بعَيْنِهِ، شُهودًا يقِفونَ عليه ويُعَيِّنُونَه وَيحوزونَه (٢) إذا احتِيجَ إلى شَهادَتِهم عليه، وإن كان شيئًا يُطبَعُ عليه طبَعَ الشُّهودُ عليه دُونَ الأبِ، وما لم يَقِفِ الشُّهودُ عليه في حِينِ الإشهادِ فليس بشيءٍ.

    vol. 5, p. 255
  33. وحديثُ عثمانَ روَاه مالكٌ (٣) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، أنَّ عثمانَ بنَ عفَّانَ، قال: مَن نحَل ولدًا له صغيرًا لم يبلُغْ أن يحوزَ نُحْلَه، فأعلَنَ ذلك وأشهَدَ عليها، فهي جائزةٌ وإن وَلِيَها أبوه.

  34. ولا أعلَمُ خلافًا أنَّه إذا تصَدَّقَ على ابنِه الصغيرِ؛ بدَارٍ، أو ثوبٍ، أو سائرِ العُروضِ، أنَّ إعلانَ ذلك بالإشهادِ عليه، يُدْخِلُه في مِلكِ الابنِ الصغيرِ، ويُخرِجُه عن مِلكِ الأبِ، وتصحُّ بذلك العَطِيَّةُ للابنِ الصغيرِ؛ من هِبَةٍ، أو صَدَقةٍ، أو

    vol. 5, p. 256نِحْلَةٍ (١) ، إلَّا أنْ يَبلُغَ مَبلَغَ (٢) القبضِ لنفسِه ببُلُوغِه ورُشدِه فلا يَقْبِضَ تلك الهِبَةَ بما يُقْبَضُ به مِثلُها، وتتمادَى في يَدِ الأبِ كما كانت حتى يموتَ، فإن كان كذلك، بطَلَت حنيئذٍ الهِبَةُ عندَ مالكٍ وأصحابِه (٣) . فإذا بلَغ الابنُ رُشدًا، ومنَعه الأبُ منها، كان له مُطالَبتُه بها عندَهم حتى يَقبِضَها وَيحُوزَها لنفسِه، فإن ادَّعَى الأبُ أنَّه رجَع فيها، ولم يكنْ على الابنِ دَينٌ يَمنَعُ من رُجوعِه، كان ذلك له في الهِبَةِ، إذا لم يقُلْ فيها: إنَّها لله. فإن قال: إنَّها لله، كانت كالصدقةِ، ولا رُجوعَ له فيها، وأُجبِرَ على تَسليمِها إلى ابنِه إذا بلَغ رَشِيدًا (٤) . هذا كلُّه قولُ مالكٍ وأصحابِه (٥) . وقد مضَى قولُ الشافعيِّ وغيرِه في ذلك. قال مالكٌ: وإذا وهَب لابنِه دنانيرَ أو دراهمَ، فأخرَجَها عن نفسِه إلى غيرِه، وعَيّنها، وجعَلها لابنِه على يَدِ غيرِه، فهي جائزةٌ نافذَةٌ، إذا مات الأبُ وفي حياتِه، بحيازةِ القابضِ لها للابنِ (٦) .

  35. واختَلَف أصحابُ مالكٍ إذا وهَب لابنِه الصَّغيرِ دنانِيرَ أو دَراهمَ، فيجعَلُها في ظرفٍ معلومٍ، ويَختِمُ عليها، وتُوجدُ عندَه مَختُومًا عليها؛ فروَى ابنُ القاسمِ، عن مالكٍ، أنَّها لا تجوزُ إلَّا أن يُخرِجَها عن يَدِه إلى غيرِه، وسواءٌ طبَع عليها أو لم يطبَعْ، لا تجوزُ حتى يُخرِجَها إلى غبره.

    وقال ابنُ الماجِشونَ، ومطرِّفٌ: هي عَطيَّةٌ جائزةٌ إذا وُجِدت بعَيْنِها. وهو ظاهرُ حديثِ عثمانَ، وظاهرُ قولِ مالكٍ في "موطَّئِه" ، على ما ذكَرناه هاهنا من قولِه: الأمرُ عندَنا (٧) .

  36. وقد أجمَعوا أنَّه إذا تصدَّقَ على ابنٍ له صغيرٍ بدَينٍ له على رجلٍ، ثم اقتَضَاه، أنه للابنِ، وأنَّ ذلك بمنزِلةِ العبدِ يتَصدَّقُ به على ابنٍ له صغيرٍ، ثم يبيعُه، فالثَّمنُ للابنِ (١) . وأجمَعُوا أنَّ الوالِدَ لا يَعْتَصِرُ الفَرْجَ إذا وَهَبه لابْنِه فوَطِئَه (٢) . ولا أعلَمُ أحدًا قال: إنَّ الولَدَ يَعتَصِرُ أيضًا ما وهَب لوالدِه، إلَّا رَبِيعَةَ؛ ذكَره ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عنه (٣) . فهذا ما تَقَدَّمَ من معاني حديثِ هذا الباب (٤) ، وبالله التوفيقُ.

    قال أبو عُمر: من حُجَّةِ مَن لم يُجِزِ الهبةَ إَّلا مقبوضَةً، حديثُ أمِّ كلثومٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أهدَى للنجاشيِّ مِسْكًا، وقال لأهلِه: "أحسَبُه مات، فإن رجَع إليَّ أعطَيتكم منه" . فكان كذلك، ووُجِد قد مات، فرَجَع المِسْكُ إليه فأعطاهُنَّ منه (٥) .

    vol. 5, p. 257
  37. ولو كانت الهِبَةُ والعَطيَّةُ تُحتازُ بالكَلام لما رجَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في هِبَتِه ولا هَدِيَّته، وكيف كان يتَصَرَّفُ في ذلك وهو القائِلُ: "ليس لنا مَثَلُ السَّوْءِ؛ العائدُ في هِبَتِه كالكلبِ يعودُ في قَيْئه" (١) . وجاء عن أبي بكرٍ الصدِّيِق، وعائشةَ، مثلُ هذا المعنى من حديثِ مالكٍ وغيرِه، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ (٢) . وعن عمرَ مثلَه أيضًا وقد ذكَرناه (٣) . فهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ الهِبَاتِ لا تَتِمُّ إلَّا بالقبضِ.

    vol. 5, p. 258
  38. وقد أجمَعوا على ثُبُوتِ مِلكِ الواهِبِ، واختَلَفوا في زوَالِه من جِهَةِ الهِبةِ بالقولِ وحدَه، فهو على أصلِ مِلكِ الواهِبِ حتى يُجمِعُوا، ولم يُجمِعوا إلَّا مع القبضِ (٤) . وكان أبو ثورٍ يقولُ: لا تجوزُ الهبةُ إلَّا معلومةً، وإن كانت مُشَاعةً، فيكونُ الجزءُ معلومًا، وإلَّا لم تَصِحَّ. قال: وإنَّما بَطَلت عَطِيَّةُ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنه لعائشةَ؛ لأنَّها لم تكنْ معلومةً، ولا سَهْمًا من سِهامٍ معلومَةٍ. قال: وكلُّ هِبةٍ أو صَدقَةٍ على هذا فغيرُ جائزةٍ (٥) . فهذا كلُّه في معنى حديثِ النعمانِ بنِ بشيرٍ المذكورِ في هذا البابِ، وهو محمولٌ على أنَّه كان صحيحًا، والناسُ على الصَّحةِ حتى يَثبُتَ المرَضُ الطَّارِئُ. وللقولِ في هِبَاتِ المريضِ موضِعٌ غيرُ هذا من كِتابِنا (٦) ، وبالله تَوْفِيقُنا.

  39. حديث سابع لابن شهاب، عن حُمَيْد مُرْسَل

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شِهابٍ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ، أنَّ رَجُلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ الله، علِّمْني كلماتٍ أعيشُ بهنَّ، ولا تُكثِرْ عليَّ فأنْسَى. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَغْضَبْ" .

    vol. 5, p. 259
  40. هكذا روَاه جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ في "الموطّأ" مرسلًا (٢) ، وهو الصحيحُ فيه عن مالكٍ. وقد روَاه أبو سَبْرةَ المدنيُّ (٣) ، عن مطرِّفٍ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ (٤) .