ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري

244 paragraphs · vol. 5, p. 173

Page 4 of 7

  1. ورَوَينا عنِ ابنِ مسعودٍ (١) ، وجابرِ بنِ سَمُرَة (٢) ، وقَيْسِ بنِ سَعْدٍ (٣) ، قالوا: نُؤْمَرُ بصيام عاشُورَاء، فلمَّا نزَل رَمَضانُ لَمْ نُؤْمَرْ به ولم نُنْهَ عنه، ونحن نفْعَلُه.

    وقال عَلْقَمَةُ: أتَيْتُ ابنَ مسعودٍ فيما بينَ رمضانَ إلى رمضانَ، ما من يومٍ إلَّا أتَيْتُه فيه، فما رأيْتُه في يوم صائمًا إلَّا عاشُورَاء (٤) .

    vol. 5, p. 225قال أبو عُمر: قولُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديثِ معاويةَ المذكُورِ في هذا البابِ؛ يا أهلَ المدينةِ، سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "هذا يومُ عاشوراء، ولم يَفْرِضِ اللهُ عليكم صيامَه، وأنا صائمٌ" ، الحديثَ، دليلٌ على أنَّ له فَضْلًا، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] . وقد جاء بهذا اللفظِ في هذا الحديثِ قولُه: "وأنا صَائِمٌ" عن جماعَةٍ من الحُفَّاظِ، منهم: مالِكٌ، وابنُ عُيَيْنَةَ، ثم ما جاء عن عُمَرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ (١) ، وغيرِهم من الصحابَةِ، وما جاء في ذلك عن التابعين أكْثَرُ من أن يُحْصَى، مع ما رُوِيَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّه قال: "صِيَامُ يومِ عاشُورَاء يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً" . رواه أبو قتادةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

    vol. 5, p. 224
  2. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نَصرٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ وأحمدُ بنُ زهيرٍ (٢) ، قالا: حَدَّثَنَا الحميدِيُّ، قال (٣) : حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: حَدَّثَنَا داودُ بنُ شابُورَ، عن أبي قَزَعَةَ، عن أبي الخَلِيلِ، عن أبي حَرْمَلَةَ، عن أبي قتادةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "صِيَامُ يومِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ هذه السَّنَةَ والتي تَلِيها، وصيامُ يوم عَاشُورَاء يُكَفِّرُ سَنَةً" (٤) .

  3. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا شَبابَة، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، قال: حَدَّثَنَا غَيْلانُ بنُ جريرٍ المِعْوَليُّ، عن عبدِ الله بنِ مَعْبِدٍ الزَّمَّانيِّ، عن أبي قَتادةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلَه بمعناه (١) .

    vol. 5, p. 226
  4. وممّا يدُلُّ على فَضْلِه والتَّرغيب في صيامِه ما رُوِيَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه أمَرَ قومًا قد طَعِمُوا يومَ عاشُوراءَ أنْ يَكُفُّوا عن الطَّعام، ويصوموا باقي يومِهم.

  5. حَدَّثَنَاه سعيدُ بنُ نصرٍ، قالْ حَدَّثَنَا ابنُ أبي دُلَيْم وقاسِمُ بنُ أصبغَ، قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مسعودٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى القَطَّانُ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لرجلٍ: "أذِّنْ في قَوْمِك يومَ عَاشُورَاء، مَن أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يومِه، ومَن لَمْ يَأْكُلْ فلْيُتِمَّ صِيامَه" (٢) .

  6. ورُوي من حديثِ أسماء بنِ حَارِثَةَ (٣) وغيرِه، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلُه (٤) .

  7. واخْتَلَف العلماءُ في يومِ عاشُورَاء، فقالت طائِفَةٌ: هو اليومُ العاشِرُ من المحرم. وممَّن رُوِيَ ذلك عنه: سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَنِ البصريُّ (١) .

    وقال آخرون: هو اليومُ التاسِعُ منه (٢) . واحْتَجُّوا بحديثِ الحَكَمِ بنِ الأعرجِ، قال: أتَيْتُ ابنَ عباسٍ في المسجدِ الحرامِ، فسالتُه عن صيامِ عاشُورَاء، فقال: اعْدُدْ،

    vol. 5, p. 228فإذا أصْبَحْتَ اليومَ التاسِعَ فأصْبحْ صائمًا. قلتُ: كذلك كان محمدٌ يصومُ؟ قال: نعم، - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (١) .

    vol. 5, p. 227
  8. وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ القَوْلانِ جميعًا (٢) .

    وقال قومٌ من أهلِ العِلْمِ: مَن أحَبَّ صومَ عاشوراء صام يَوْمَيْنِ؛ التاسِعَ والعاشرَ. وأظُنُّ ذلك احْتِياطًا منهم، واللّهُ أعلمُ. وممَّنْ رُوِىَ عنه ذلك أيضًا؛ ابنُ عباسٍ (٣) ، وأبو رافِع صاحِبُ أبي هريرةَ، وابنُ سِيرِينَ. وقاله الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ (٤) .

  9. ورواه يحيى القَطَّانُ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن شعبةَ مولى ابنِ عباسٍ، قال: كان ابنُ عباسٍ يصومُ عاشُورَاء في السَّفَرِ، ويُوالي بينَ اليَوْمَيْنِ مَخَافَةَ أن يفوته (٥) .

  10. وروَى ابنُ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّه كان يصومُ العاشِرَ، فبَلَغَه أنَّ ابنَ عباس كان يصومُ التاسِعَ والعاشِرَ، فكان ابنُ سِيرِينَ يصومُ التاسِعَ والعاشِرَ (٦) .

  11. وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٧) ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جريجٍ، قال: أخبَرني عطاءٌ، أنَّه سَمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: خالِفوا اليهودَ؛ صوموا التاسع والعاشرَ (٨) .

  12. وفي اخْتِلافِ العُلَماء في يومِ عاشُوراء واهْتِبَالِهم بذلك دليلٌ على فَضْلِه، واللّهُ أعلمُ.

    vol. 5, p. 229
  13. حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ النَّيْسَابُورِيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ الوَرْكَانيُّ، قال: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بنُ سَلْم الطَّوِيلُ، عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن مُعاوِيةَ بنِ قُرَّةَ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ وابنِ عباسٍ، أنَّهما قالا: يومُ عاشُوراء اليومُ التاسعُ، ولكنَّ اسْمَه العاشُوراء (١) .

  14. وروَى وكيعٌ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن القاسِم بنِ عباسٍ (٢) ، عن عبدِ الله بنِ عُمَيْرٍ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لأصُومَنَّ التاسِعَ" . ذكَرَه ابنُ أبي شَيْبَةَ (٣) وغيرُه، عن وكيع.

  15. وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن يحيى بنِ أيوبَ، أنَّ إسماعيلَ بنَ أُمَيَّةَ حدَّثَه، أنَّه سمِعَ أبا غَطَفَانَ يقولُ: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عباسٍ يقولُ: حينَ صام رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يومَ عاشوراءَ وأمَرَ بصيامِه، قالوا: يا رسولَ الله، إنَّه يومٌ يُعَظِّمُه اليهودُ والنصاري، فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فإذا كان العامُ المقْبِلُ صُمنا التاسعَ" . فلم يَأْتِ العامُ المقْبِلُ حتى تُوفي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وذكَرَه أبو داودَ (٤) ، عن سليمانَ بنِ داودِ المَهْرِيِّ، عن ابنِ وَهْبٍ.

  16. وفي هذا دليل على أنَّه كان يصومُ العاشرَ إلى أن مات، ولم يَزَلْ يصومُه حتى قَدِمَ المدِينَةَ، وذلك محفوظٌ من حديثِ ابنِ عباسٍ، وفي مُواظَبَتِه على صِيامه دليلٌ على فَضْلِه، واللّهُ أعلمُ.

    vol. 5, p. 230
  17. والآثارُ عن ابنِ عباسٍ في هذا البابِ مُضْطَرِبَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، لكنْ ما ذكَرَه ابنُ وَهْبٍ ووكيع أصَحُّ من حديثِما زيدٍ العَمِّيِّ، ومن حديثِ الحَكَمِ بنِ الأعْرَج، واللّهُ أعلمُ. ومَن صام يَوْمَيْن كان على يَقِينٍ من صِيامِ عاشوراء. وقال صاحِبُ "العَيْنِ" (١) : وعاشُوراءُ اليومُ العاشرُ من المُحَرَّمِ. قال: ويُقالُ: التاسِعُ.

  18. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا ابنُ مِقْلاصٍ، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مُعاويَةُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جَبَلةَ (٢) : قال: كنا مع ابنِ شهابٍ يومَ عاشوراء في سَفَرٍ، وكان يأمُرُ بفِطْرِ رَمَضانَ في السفرِ. قال: فرأيْتُه صائمًا في يومِ عاشُوراء، فقلتُ له: يا أبا بكرٍ، تصومُ يومَ عاشُوراء في السفرِ وأنت تُفْطِرُ في رمضانَ في السَّفَرِ؟ فقال: إنَّ رَمضانَ له عِدَّةٌ من أيام أُخَرَ، وإن يومَ (٣) عاشُوراء يفُوتُ (٤) .

  19. حديثُ خامس لابن شهاب، عن حُمَيْد

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميد بن عبدِ الرَّحمن بن عوف، أنَّه سَمِعَ معاويةَ بنَ أبي سُفيانَ عامَ حجَّ وهو على المِنْبر، وتناول قُصَّةً من شَعرٍ كانت في يد حَرَسِيٍّ (٢) ، يقولُ: يا أهلَ المدينةِ، أين علماؤُكم؟ سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنهى عن مثلِ هذه ويقولُ: "إنَّما هَلكتْ بنو إسرائيلَ حينَ اتَّخذَ هذه نساؤُهم (٣) " .

    vol. 5, p. 231
  20. في هذا الحديثِ من الفقهِ، صعودُ الإمامِ على المنبرِ للخطبةِ، وتناولُه في الخطبةِ الشيء يَراه إذا كان في تناوله ذلك شيءٌ من أمر الدِّينِ، ليعلِّمَه مَن جهِلَه.

  21. وفيه الحديثُ عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الخُطبةِ وغيرِها (٤) ، وتعليمُ الناسِ (٥) ما جهِلوه من أمرِ دينِهم في الخطبةِ.

  22. وفيه إباحةُ الحديثِ عن بني إسرائيلَ في الخطبةِ وغيرِها.

  23. وفيه دليلٌ على الاعتبارِ والتَّنظيرِ والحكمِ والقياس (٦) ، ألا تَراه خافَ على هذه الأمَّةِ الهلاكَ إن ظهرَ منهم مثلُ ذلك العمل الذي كان ظهَر في بَني إسرائيلَ حينَ أُهلِكوا؟ ففي هذا دليلٌ واضحٌ على أنَّ اللهَ عزّ وجلَّ إذا أهلَكَ قومًا بعملٍ، وجَب على كلّ مؤمنٍ اجتنابُ ذلك العملِ؛ دليلُ ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ

    vol. 5, p. 232فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: ٢] . يعني، واللّهُ أعلمُ، أنَّ مَن فعَل فعلَهم استحقَّ أن ينالَه ما نالَهم أو يغفر اللهُ. كذلك قال أهلُ العلم (١) ، وهو الصحيحٌ.

  24. ويحتمِلُ قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنَّما هلَكتْ بنو إسرائيلَ حين اتخذَها نساؤُهم" . أنَّه من الأمرِ الذي لَمْ يفشُ في بني إسرائيلَ، ولم يشتهِرْ في نسائِهم إلَّا حين ارتكابِهم الكبائرَ، وإعلانِهم المناكرَ، فكأنَّها علامةٌ لا تكادُ تظهرُ إلَّا في أهلِ الفِسْق والمعاصي، واللّهُ أعلمُ، لا أنَّها فعلةٌ يستحقُّ مَن فعَلها الهلاكَ عليها دون أن يجامعَها غيرُها.

  25. وقد يحتمِلُ أن يكونَ بنو إسرائيلَ نُهوا عن ذلك في كتابِهم نهيًا مجرَّدًا، ففعَلوا ذلك مع علمِهم (٢) بتحريم ذلك؛ استخْفافًا، فاستحقُّوا العقوبةَ. والذي مُنِع من ذلك بنو إسرائيلَ، قد جاء عن نبيِّنا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلُه، من كراهيةِ اتِّخاذِ النِّساء الشعورَ المستعارةَ، ووصلِهنَّ بذلك شعورَهنَّ. وفيه ورَد الحديثُ بلعنِ الواصلةِ والمستوصلةِ، والواصلةُ هي الفاعلةُ لذلك، والمستوصلةُ الطَّالبةُ أن يُفعَلَ بها ذلك.

  26. حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسَى، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ الله (٣) بنُ محمدِ بنِ حَبَابةَ، قال: حَدَّثَنَا البغويُّ، قال (٤) : حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الجعدِ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ مسلم بنِ ينَّاقٍ يحدِّثُ، عن صفيَّةَ ابنةِ شيبةَ، عن عائشةَ، قالت: تزوَّجَت امرأةٌ من الأنصارِ، فمرِضتْ، وتمرَّط شعَرُها، فأرادوا أن يصلوا فيه، فسُئل رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فلعَن رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الواصلةَ والمستوصلةَ (٥) .

  27. وروَى عبدُ الرَّزَّاق (١) وغيرُه، عن الثوريِّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: قال عبدُ الله: لعَن اللهُ الواشماتِ والمستوشماتِ، والمتنمِّصاتِ، والمتفلِّجاتِ للحُسنِ، المُغَيِّراتِ خلقَ الله. قال: فبلَغ ذلك امرأةً من بني أسدٍ يقالُ لها: أمُّ يعقوبَ، فقالت: يا أبا عبدِ الرحمن، بلغَني أنك لعَنتَ كيتَ وكيتَ. فقال: ومَا لي لا ألعنُ مَن لعَنه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ومَن هو في كتاب الله؟ قالت: إني لأقرأُ ما بينَ اللَّوحينِ فما أجِدُه. قال: إن كنتِ قرأتِه لقد وجدتِه، أمَا قرأتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: ٧] . قالت: بلى. قال: فإنَّه قد نهَى عنه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. قالت: إني لأظُنُّ أهلَك يفعَلونَ بعضَ ذلك. قال: فاذهبي فانظُري. قال: فدخَلَت فلم ترَ شيئًا. قال: فقال عبدُ الله: لو كانت كذلك لم تجامعْنا (٢) .

    وقال ابنُ سيرينَ لرجلٍ سألَه، فقال: إنَّ أمِّي كانت تمشِّطُ النساء، أترى لي أن آكُلَ من مالِها، وأرثَه عنها؟ فقال: إن كانت تصِلُ، فلا. وهذا من وَرَعٌ من ابنِ سيرينَ (٣) رحِمه اللهُ.

    vol. 5, p. 233
  28. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ شعرَ بَني آدمَ طاهِرٌ ألا تَرى إلى تناولِ معاويةَ وهو في الخطبةِ قُصةَ الشَّعَرِ؟ وعلى هذا أكثرُ العلماء، وقد كان الشافعيُّ رحِمه اللهُ يقولُ: إنَّ شَعرَ بني آدمَ نجسٌ؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "ما قطِعَ من حيٍّ فهو ميتٌ" (١) .

    vol. 5, p. 234
  29. ثم رجَع عن ذلك؛ لهذا الحديثِ وأشباهِه، لإجماعِهم على الصُّوفِ من الحيِّ أنَّه طاهرٌ، وأمَّا الصوفُ من الميتةِ فمختلَفٌ فيه (١) .

    vol. 5, p. 235
  30. وأمَّا الكلامُ في الخطبةِ بالمواعظِ والسننِ وما أشْبَه ذلك فمباحٌ، لا خلافَ بينَ العلماء في ذلك، واختلَفوا في سائرِ الكلامِ في الخطبةِ للمأمومِ والإمام، نحوَ تشميتِ العاطسِ، وردِّ السلامِ، وللكلامِ في ذلك موضعٌ من كتابِنا غيرُ هذا (٢) ، وبالله توفيقُنا.

  31. واحتجَّ بهذا الحديثِ أيضًا مَن زَعَم أنَّ عملَ أهلِ المدينةِ لا حجَّةَ فيه، وقال: ألا ترى أنَّ معاويةَ رضِي اللهُ عنه يقولُ: أين عُلماؤُكم؟ يريدُ: أين علماؤُكم عن تغييرِ مثلِ هذا، والحفظِ له، والعملِ به ونشرِه؟ يريدُ أنَّ المدينةَ قد يظهَرُ فيها ويُعملُ بينَ ظهراني أهلِها بما ليس بسُنَّةٍ، وإنَّما هو بدعةٌ. واحتجَّ قائلُ هذا القولِ بروايةِ مالكٍ (٣) ، عن عمِّه أبي سهيلِ بنِ مالكٍ، عن أبيه، وعن كبارِ التَّابعين، أنَّه قال: ما أعْرِفُ شيئًا ممَّا أدركتُ الناسَ عليه إلَّا النِّداء بالصلاةِ.

  32. وقد حكَى إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسٍ، عن مالكٍ، أنَّه سئلَ عمَّا يصنعُ أهلُ المدينةِ ومكةَ من إخْراجِ إمائِهم عراةً متَّزراتٍ، وأبدانُهنَّ ظاهرةٌ وصدورُهنَّ، وعمَّا يصنعُ

    vol. 5, p. 236تجَّارُهم من عرضِ جواريهم للبيعِ على تلك الحالِ؟ فكرِهه كراهيةً شديدةً، ونهَى عنه، وقال: ليس ذلك من أمر مَن مضَى من أهلِ الفقهِ والخيرِ، ولا أمرِ مَن يُفتي من أهلِ الفقهِ والخيرِ، وإنَّما هذا من عملِ مَن لا ورَع له من الناسِ.

    وقال أنسُ بنُ عياضٍ (١) : سمِعتُ هشامَ بنَ عُروةَ يقولُ: لما اتَّخذَ عروةُ قصرَه بالعقيقِ، عوتِب في ذلك، وقيلَ له: جفَوتَ عن مسجدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال عروةٌ (٢) : إني رأيتُ مساجدَكم لاهيةً، وأسْواقَكم لاغِيةً (٣) ، والفاحشَةَ في فجاجِكم عاليةً، فكان فيما هنالكَ عمَّا أنتم فيه عافيةٌ (٤) . ثم قال: ومَن بقي إنَّما بَقِي شامِتٌ بنكبةٍ، أو حاسدٌ بنعمَةٍ (٥) . قالوا: فهذا عروةُ يُخبِرُ عن المدينةِ بما ذكَرنا، فكيف يُحتَجُّ بشيءٍ من عملِ أهْلِها لا دليلَ عليه.

    قال أبو عُمر: والذي أقولُ به، أنَّ مالكًا رحِمه اللهُ إنَّما يحتجُّ في "موطئِه" وغيرِه بعَمَلِ أهلِ المدينةِ، يريدُ بذلك عَمَلَ العُلماء والخيارِ والفضلاء، لا عملَ العامَّةِ السَّوداء، وبالله التوفيقُ.

  33. وقد ذكَرنا هذا الخبرَ ومثلَه في موضعِه من كتابِنا "كتابِ العلم" بإسنادِه، فأغنَى عن إعادتِه هاهنا.

  34. • حديث مالك، عن ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدَّم من ذنبه" ليس عند يحيى عن مالك. وقد ذكرنا طُرق هذا الحديث في باب ابن شهاب، عن أبي سَلَمة.

  35. حديث سادس لابن شهاب، عن حُمَيْد شَرِكهُ فيه محمدُ بنُ النعمان بن بَشِير

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شِهابٍ، عن حُميد بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، وعن محمدِ بنِ النعمانِ بنِ بَشِير، يُحدِّثانِه عن النعمانِ بنِ بَشِيرٍ، أنَّ أباهُ أتى به رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنِّي نحَلتُ ابْنِي هذا غلامًا كان لي، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أكلَّ ولَدِك نَحَلتَه مِثلَ هذا؟ " . قال: لا. قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فارْجِعْه" .

    قال صاحبُ كتابِ "العينِ" (٢) : النُّحْلُ والنِّحْلَةُ: العطاءُ بلا اسْتِعاضةٍ، ونُحْلُ المرأةِ: مَهْرُها. وقال أبو عُبيدَةَ (٣) : {صَدُقَاتِهِنَّ} : مُهُورَهُنَّ، {نِحْلَةً} [النساء: ٤] : عن طِيبِ نَفْسٍ مِنكم. وقال غيرُه (٤) : {نِحْلَةً} . أي هِبَةً من الله. يعني أنَّ المهورَ هِبَةٌ من الله للنساء، وفرِيضَةٌ عليكم.

    vol. 5, p. 237
  36. وهكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ أصحابِ ابنِ شهابٍ بهذا الإسنادِ وهذا المعنى، وكلُّهم يقولُ فيه: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: "فارْجِعْه" . ورُبَّما قال بعضُهم: "فارْدُدْه" (٥) . ولفظُ حديث ابنِ شهابٍ هذا، قولُه: "فارْجِعْه" . قد تابَعه عليه هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، على اختلافٍ عن هشام في ذلك (٦) .

  37. وهذا حديثٌ قد روَاه جماعةٌ عن النعمانِ بنِ بشيرٍ؛ منهم الشعبيُّ وغيرُه بألفاظٍ مُختلِفةٍ توجِبُ أحكامًا سنذكُرُها في هذا البابِ إن شاء الله.

  38. فأمَّا حديثُ عروةَ بنِ الزبيرِ، فحدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: حدَّثني النعمانُ بنُ بشيرٍ، قال: أعطَاه أبوه غلامًا، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما هذا الغلامُ؟ " . قال: غلامٌ أعطانيه أبي. قال: "أفكلَّ إخوَتِكَ أعطَاهم كما أعطَاكَ؟ " . قال: لا. قال: "فارْدُدْه" (٢) .

    vol. 5, p. 238
  39. ففي هذا الخبرِ أنَّه خاطَب بهذا القولِ النعمانَ بنَ بشيرٍ، وفي حديثِ ابنِ شهابٍ أنَّه خاطَب بذلك أباه بَشِيرًا المعطِيَ، وهو الأكثرُ والأشهَرُ.

  40. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زِيادٍ، قال: حدَّثنا سعَدانُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، أنَّ أباه نحَلَه نُحْلًا، فقالت أمُّه: أشهِدْ عليه لابني رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكَر ذلك له، فقال: "أكلَّ ولَدِك أعطَيتَه مثلَ ما أعطَيتَ هذا؟ " . قال: لا. قال: فكَرِه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَشهَدَ له (٣) .