ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل

822 paragraphs · vol. 5, p. 301

Page 5 of 21

  1. وحديثُ عبدِ الله بنِ عمرٍو، حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، وعبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوح، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ عُمرَ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن قتادَةَ، عن أبي أيُّوبَ، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو - قال شعبةُ: حدَّثني به ثلاثَ مرَّاتٍ؛ مرَّتينِ لم يَرفَعْه، ومرَّةً رفَعَه - قال: "وقتُ الظُّهرِ ما لم تحضُرِ العصرُ، ووقتُ العصرِ ما لم تصفرَّ الشَّمسُ، ووقتُ المغرِبِ

    vol. 5, p. 378ما لم يسقُطْ ثورُ (١) الشَّفقِ (٢) ، ووقتُ العِشاءِ ما لم ينتصفِ اللَّيلُ، ووقتُ الفجرِ ما لم تطلُعِ الشَّمسُ " (٣) .

    vol. 5, p. 377
  2. واحتجُّوا أيضًا بقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حضرَ العَشاءُ، وأُقيمتِ الصَّلاةُ، فابدَؤوا بالعَشَاءِ " (٤) . وبقولِه: " لا يُصلِّينَّ أحدُكم بحضرةِ الطَّعامِ، ولا وهو يُدافِعُ الأخبثَينِ " (٥) . يعني: البَولَ والغائِطَ. وبأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قرَأ في المَغربِ بـ: " الطُّورِ"،

    vol. 5, p. 379وبـ: "الصافَّاتِ" (١) ، وقد رُويَ بـ "الأعرافِ" (٢) . وهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ وقتَ المَغربِ له سعةٌ، وأوَّلٌ وآخِرٌ. كلُّ هذا قد احتجَّ به مَن ذكَرنا قولَهم.

  3. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ قِراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال: أخبَرنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الله (٣) ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قُرِّبَ العَشَاءُ، ونُوديَ بالصَّلاةِ، فابدؤوا بالعَشَاءِ" .

  4. وحدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ: قال: حدَّثنا يحيى بنُ حبيبِ بنِ عربيٍّ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قُرِّبَ العَشاءُ، وأُقيمتِ الصَّلاةُ، فابدؤوا بالعَشاءِ" (٤) .

  5. وممَّا احتجُّوا به أيضًا حديثُ أبي بَصرةَ الغِفاريِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه لمَّا صلَّى العصرَ، في حديثٍ ذكَرَه، قال: "لا صلاةَ بعدَها حتَّى يطلُعَ الشَّاهدُ" . والشَّاهدُ: النَّجمُ (١) .

    وقال الشافعيُّ في وقتِ المَغرب قولَين (٢) ؛ أحدُهما: أنَّه ممدُودٌ إلى مغيبِ الشَّفقِ. والآخرُ، وهو المشهورُ عنه، أنَّ وقتها وقتٌ واحدٌ، لا وقتَ لها إلَّا حينَ تجبُ الشَّمسُ (٣) . قال: وذلك بيِّنٌ في إمامةِ جبريلَ. قال: ولو جازَ أن تُقاسَ المَواقيتُ، قيل: لا تَفوتُ حتى يدخُلَ أوَّلُ وقتِ العِشاءِ قبلَ أن يُصَلِّي منها ركعَةٌ، كما قيلَ في العصرِ، ولكنَّ المَواقيتَ لا تُؤخذُ قياسًا.

    وقال الثوريُّ: وقتُ المغربِ إذا غَربتِ الشمسُ، فإن حبَسكَ عُذرٌ فأخَّرتها إلى أن يَغيبَ الشَّفقُ في السَّفرِ، فلا بأسَ، وكانوا يكرَهونَ تأخيرَها (٤) .

    قال أبو عُمر: المَشهورُ من مذهبِ مالكٍ ما ذَهبَ إليه الشَّافعيُّ والثَّوريُّ في وقتِ المَغربِ، وقد ذكَرنا ذلك. والحُجَّةُ لهم كلُّ حديثٍ ذكَرناه في كتابِنا هذا في إمامةِ جبريلَ، على تواتُرِها، لم تختلِفْ في أنَّ للمغربِ وقتًا واحدًا، وقد رُويَ مثلُ ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ أبي هُريرةَ، وجابرِ بنِ عبدِ الله، وعبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، وكلُّهم صحِبَه بالمدينَةِ، وحكَى عنه صَلاتَه بها كذلك. على أنَّ مثلَ هذا يُؤخذُ عملًا؛ لأنه لا ينفَكُّ منه، ولا يجوزُ جهلُه ولا نسيانُه، وقد حكَى أبو عبدِ الله بنُ خُوَازبَنْدادَ البصريُّ في كتابِه في "الخِلافِ" ؛ أنَّ الأمصارَ كلَّها بأسرِها لم يزلِ المسلمونَ فيها على تعجيلِ المغربِ، والمُبادر إليها في حينِ غُروبِ

    vol. 5, p. 381الشمسِ. ولا نعلمُ أحدًا من المسلمين تأخَّرَ بإقامَةِ المغرِبِ في مسجدِ جماعةٍ عن وقتِ غُروبِ الشمسِ، وفي هذا ما يَكفي، مع العملِ بالمدينةِ، في تعجيلِها.

    قال أبو عُمر: لو كان وقتُها واسِعًا لعمِلَ المسلمونَ فيها كعَملِهم في العِشاءِ الآخرةِ وسائِرِ الصَّلواتِ؛ من أذانِ واحدٍ من المُؤذِّنينَ بعدَ واحدٍ، وغيرِ ذلك منَ الاتِّساعِ في ذلك. وفي هذا كلِّه دليلٌ واضحٌ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَزلْ يُصلِّيها وقتًا واحدًا إلى أن ماتَ - صلى الله عليه وسلم -، ولو وسَّع عليهم لتَوسَّعوا؛ لأنَّ شأنَ العُلماءِ الأخذُ بالتَّوسعةِ، إلَّا أنَّ ضِيقَ وقتِ المغربِ ليسَ كالشيءِ الذي لا يتجزَّأُ، بل ذلك على قدْرِ عُرْفِ الناسِ؛ من إسباغِ الوُضوءِ، ولُبسِ الثَّوبِ، والأذانِ، والإقامةِ، والمَشي إلى ما لا يَبعُدُ من المسَاجدِ، ونحوِ ذلك.

    vol. 5, p. 380
  6. وأمَّا الأحاديثُ في ذلك؛ فمنها ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بنُ الحجَّاج، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ موسى، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ علقَمَةَ اللَّيثيِّ، عن أبي

    vol. 5, p. 382سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا جبريلُ جاءَكم يُعلِّمُكم دينَكم" . فصلَّى له صلاةَ الصُّبح حينَ طلَعَ الفجرُ، ثمَّ صلَّى له الظُّهرَ حينَ زاغتِ الشمسُ، ثم صلَّى له العصرَ حينَ كان الظِّلُّ مثلَه، ثم صلَّى له المغربَ حينَ غابتِ (١) الشمسُ وحلَّ فِطرُ الصَّائم، ثم صلَّى له العِشاءَ حينَ ذهَب شفقُ النَّهارِ، ثم صلَّى له منَ الغدِ، فصلَّى له الصُّبحَ حينَ أسفَرَ قليلًا، ثم صلَّى له الظُّهرَ حينَ كان الظِّلُّ مثلَه، ثمَّ صلَّى له العصرَ حينَ كان الظِّلُّ مثلَيه، ثم صلَّى له المَغربَ لوقتٍ واحدٍ، حينَ غرَبت الشمسُ وحلَّ فِطرُ الصَّائمِ، ثم صلَّى العِشاءَ حينَ ذهَب ساعةٌ من اللَّيلِ، ثم قال: "الصَّلاةُ ما بينَ صلاتِكَ أمسِ وصلاتِكَ اليومَ" . فهذا من حديثِ أبي هريرةَ، وإنَّما صحِبَه - صلى الله عليه وسلم - بعدَ عام خيبَرَ بالمدينةِ متأخِّرًا، وفيه في وقتِ صلاةِ المغرِبِ ما تَرى مِن تَعجيلِه في اليَومينِ جميعًا.

  7. فإن قيل: إنَّ الأعمشَ روَى عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ (٢) حديثَ المَواقيتِ، وفيه أنَّ أوَّلَ وقتِ المَغرب حينَ تغرُبُ الشمسُ، وآخرَها حينَ يغيبُ الأُفُقُ (٣) .

  8. قيل له: هذا الحديثُ عندَ جميعِ أهلِ الحديثِ حديثٌ منكرٌ، وهو خطأٌ، لم يروِه أحدٌ عن الأعمشِ بهذا الإسنادِ إلَّا محمدَ بنَ فُضيل، وقد أنكرُوه عليه (١) .

    vol. 5, p. 383
  9. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: قال لنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُميرٍ: هذا الحديثُ - حديثَ محمدِ بنِ فُضيلٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، في المَواقيتِ - خطأٌ، ليس له أصلٌ.

    vol. 5, p. 384وقال عبَّاسٌ (١) : سمِعتُ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: حديثُ الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ للصَّلاةِ أوَّلًا وآخرًا" ، رواه الناسُ كلُّهم عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ مرسلًا. ورواه محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن الأعمشِ، فأخطأ فيه، وهو حديث ضعيفٌ ليسَ بشيءٍ، إنَّما هو عن الأعمشِ، عن مُجاهدٍ، مرسلٌ (٢) .

  10. وأمَّا روايةُ سليمانَ بنِ موسى، عن عطاءٍ، عن جابرٍ (٣) ، فلم يُتابَعْ عليها سُليمانُ بنُ موسى. وقد روَى ابنُ جريج وبُردُ بنُ سنانٍ، عن عطاءٍ، عن جابر، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الحديثَ (٤) ، ليس فيه للمغربِ إلَّا وقتٌ واحدٌ، وكذلكَ رواه كلُّ مَن رواه عن جابر؛ منهم: وَهْبُ بنُ كَيسانَ (٥) ، وبَشيرُ (٦) بنُ سلمان (٧) ، وغيرُهم.

  11. وممَّا يُوضِّحُ ذلك أنَّ جابرًا سُئلَ عن مواقيتِ الصَّلاةِ في زَمنِ الحجَّاج، وعن صلاةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يذكُرْ للمغربِ إلَّا وقتًا واحدًا.

    vol. 5, p. 385
  12. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جريرِ بنِ حازم وعبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ الحسنِ، قال: كان الحجَّاجُ يُؤخِّرُ الصَّلاةَ، فسألتُ جابرَ بنَ عبدِ الله، فقال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي الظُّهرَ إذا زالتِ الشمسُ، والعصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيَّةٌ، والمغربَ إذا غرَبتِ الشمسُ، والعِشاءَ؛ إن رأى في الناسِ قلَّةً أخَّر، وإن رأى فيهم كثرةً عجَّلَ (١) .

  13. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالبٍ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ حسنٍ، قال: سألنا جابرَ بنَ عبدِ الله عن صلاةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَرَ مثلَه، وزادَ: والصُّبحَ بغَلَسٍ. وفي لفظِ حديثِ مسلم بنِ إبراهيمَ: كان يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجرةِ، والعصرَ والشَّمسُ حيةٌ. ثم ذكَره سواءً (٢) .

  14. ورواه يحيى القطَّانُ، عن شُعبةَ، بإسنادِه مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه قال: وكان - أو كانوا - يُصلُّونَ الصُّبحَ بغَلسٍ.

  15. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القطَّانُ. فذكَره (١) .

    vol. 5, p. 386
  16. وأمَّا حديثُ قتَادةَ، عن أبي أيُّوبَ الأزديِّ، عن عبدِ الله بنِ عمرٍو (٢) . فقد جاءَ عن عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خِلافُه؛ وهو ما رَوَاه حسَّانُ بنُ عطيَّةَ، عن عمرِو بنِ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكَرَ في المغرِبِ وقتًا واحدًا (٣) .

  17. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا داودُ بنُ شَبيبٍ (٥) ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، عن

    vol. 5, p. 387ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كنا نُصلِّي المغربَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثم نَرمِي، فيَرى أحدُنا مواقِعَ نَبْلِه.

  18. وهذا على المُداومَةِ والتَّكرار.

  19. ومثلُه ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا ابنُ أخي جُويريَةَ بنِ أسماءَ، عن عمِّه، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن الزُّهريِّ، أنَّ عبدَ الرحمن بنَ كعبِ بنِ مالكٍ أخبرَه، أنَّ رجُلًا من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أخبرَه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي المغربَ، ثم ننصرِفُ إلى أهلِنا في بني سَلِمَةَ، فنُبصِرُ مواقِعَ نَبلِنا (١) .

  20. وهذا حديثٌ غريبٌ من حديثِ مالكٍ، وقد رواه جماعةٌ عن الزُّهريِّ (٢) . وروى جعفرُ بنُ بُرْقانَ هذا الحديثَ عن الزُّهريِّ، فقال في آخرِه: قلتُ للزُّهريِّ: وكم كانت منازلُهم من المدينةِ؟ قال: على ثُلثَي ميلٍ (٣) . وهذا غايةٌ في تعجيلِ المغرِب.

  21. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدِينيِّ. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ

    vol. 5, p. 388بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عمرُو بنُ عليِّ، قالا جميعًا: حدَّثنا صفوَانُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمةَ بنِ الأكوعِ، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي المَغربَ ساعَةَ تغرُبُ الشمسُ، إذا سقَطَ حاجِبُها.

  22. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ عمَرَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، عن مرثدِ بنِ عبدِ الله، قال: قَدِمَ علينا أبو أيُّوبَ غازيًا، وعُقبةُ بنُ عامرٍ يومئذٍ على مصرَ، فأخَّرَ المَغربَ، فقامَ إليه أبو أيُّوبَ فقال: ما هذه الصلاةُ يا عُقبةُ؟ فقال: شُغِلنا. فقال: أمَا سمِعتَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لا تزالُ أُمَّتي بخيرٍ - أو قال: على الفِطرةِ - ما لم يُؤخِّروا المغرِبَ إلى أن تَشتبِكَ النُّجومُ" .

  23. ومن حديثِ عليٍّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه، قال: "لا تزالُ هذهِ الأُمَّةُ بخيرٍ ما صلَّوا صلاةَ المغرِبِ قبلَ اشتباكِ النُّجوم" (١) .

    vol. 5, p. 389
  24. وليس في حديثِ القراءةِ بـ "الأعرافِ" وشِبهِها في المغربِ حجَّةٌ قاطِعةٌ في سَعةِ وقتِها؛ لأنَّ المُراعاةَ في ذلك وقتُ الدُّخُولِ فيها، فإذا دخَلَ المُصلِّي فيها على ما أُمرَ، فله أن يمتدَّ في ذلك ما لم يدخُلْ وقتُ صلاةٍ أُخرى، كما أنَّ من أدرَكَ ركعةً من الصُّبح قبلَ طُلوعِ الشمسِ، كان له أن يمتدَّ في الثانيةِ. وهذا كلُّه على المُتعارَفِ من سننِ الصلواتِ. وبالله التوفيقُ. وكما فعَل أبو بكر رضِي اللهُ عنه، إذ قرأ بـ "البقرَةِ" في صلاةِ الصُّبحِ، وكان يُغلِّسُ، فلمَّا سلَّم من صلاتِه قيل له: كادتِ الشمسُ أن تطلُعَ. فقال: لو طَلَعت لم تجدْنا غافلينَ (٢) . يعني، واللهُ أعلمُ، أنَّه دخَل في الصَّلاةِ في أوَّلِ وقتِها، ومدَّ قِراءَتَها.

  25. وأجمَعُوا على أنَّ وقتَ العِشاءِ الآخرةِ للمُقيم مغيبُ الشَّفقِ، والشَّفقُ: الحُمرةُ التي تكونُ في المغربِ، تبقَى في الأُفقِ بعدَ مَغيبِ الشمسِ. هذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وأكثرِ العُلماءِ (١) . ورُويَ ذلك عن جماعةٍ من الصَّحابةِ؛ منهم: شدَّادُ بنُ أوسٍ، وعُبادةُ (٢) ، وابنُ عُمرَ (٣) . وإليه ذهَب داودُ. وكان أبو حنيفَةَ يقولُ: الشَّفقُ: البياضُ. وإليه ذهَب المُزنيُّ (٤) .

    vol. 5, p. 391وقال أحمدُ بنُ حنبل: أمَّا في الحضرِ، فأحبُّ إليَّ ألا تُصلَّى حتى يذهَبَ البياضُ احتياطًا، وأمَّا في السَّفرِ، فيُجزِئُه أن يُصلِّيَ إذا ذهَبتِ الحُمرةُ.

    vol. 5, p. 390
  26. واختلَفُوا في آخرِ وقتِها؛ فالمشهُورُ من مذهبِ مالكٍ في آخرِ وقتِ العِشاءِ، في السَّفرِ والحضِر، لغيرِ أصحابِ الضَّرُوراتِ، ثُلُثُ اللَّيلِ الأوَّلِ، ويستحَبُّ لأهلِ مساجدِ الجماعةِ (١) ألَّا يُعجِّلوا بها في أوَّلِ وقتِها إذا كان غيرَ مضرٍّ بالناسِ، وتأخيرُها قليلًا أفضلُ عندَه. وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ قال: وقتُها من حينِ يغيبُ الشَّفقُ إلى أن يطلُعَ الفجرُ. وهو قولُ داودَ.

    وقال الثَّوريُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ: أوَّلُ وقتِ العِشاءِ مغيبُ الشَّفقِ إلى ثُلثِ اللَّيلِ، والنِّصفُ بعدَه آخرُه.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: المُستحبُّ في وقتِها إلى ثلثِ اللَّيلِ، ويُكرَهُ تأخيرُها إلى بعدِ نصفِ اللَّيلِ، ولا تفوتُ إلَّا بطلوعِ الفجرِ.

    وقال الشافعيُّ: آخرُ وقتِها أن يمضيَ ثُلثُ اللَّيلِ، فإذا مضَى ثلُثُ اللَّيلِ فلا أراها إلَّا فائِتةً. وقال أبو ثور: وقتُها من مغيبِ الشَّفقِ إلى نِصفِ اللَّيلِ (٢) .

    قال أبو عُمر: في أحادِيثِ إمامَةِ جبريلَ من روايةِ ابنِ عبّاس وجابر: ثُلثُ اللَّيل. وكذلك في حديثِ أبي مُوسى الأشعريِّ. وفي حديثِ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ وحديثِ أبي هُريرة: ساعةٌ من اللَّيلِ. وفي حديثِ عبدِ الله بنِ عمرٍو: نصفُ اللَّيل. وحديثُ عليٍّ مِثلُه. وحديثُ الحكم بنِ عُتيبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ نحوُه (٣) .

  27. وروَى أبو سعيدٍ الخدريُّ وغيرُه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لولا سُقْمُ السَّقيم، وضَعْفُ الضَّعيفِ، ولولا أن أشُقَّ على أمَّتي، لأخَّرتُها إلى شطرِ اللَّيلِ" (١) .

    vol. 5, p. 392
  28. وفي حديثِ عائشةَ: حتى ذهَب عامَّةُ اللَّيلِ. ثم قال: "إنَّه لَوقتُها لولا أن أشُقَّ على أمَّتي" (٢) .

    وقال جابرُ بنُ سَمُرةَ: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُؤخِّرُ العِشَاءَ الآخرةَ (٣) .

  29. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانَةَ، عن أبي بشرٍ، عن بَشيرِ بنِ ثابتٍ، عن حبيبِ بنِ سالم، عن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: أنا أعلمُ الناسِ بوقتِ هذه الصَّلاةِ؛ صلاةِ العِشاءِ الآخرةِ، كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّيها لسُقُوطِ القمرِ لثَالثةٍ (٤) .

  30. وذكَر أبو داودَ (١) ، عن مسدَّدٍ بإسنادِه مثلَه.

    vol. 5, p. 393
  31. ومن حُجَّةِ مالكٍ ومن قال بقولِه - وهو مذهبُ ابنِ عباسٍ - حديثُ أبي قتادةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما التَّفريطُ في اليقَظةِ على من لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتَّى يدخُلَ وقتُ الأخرى" (٢) . وقياسٌ على سائِرِ الصَّلواتِ حاشى الصُّبحَ، فإنَّها منفرِةٌ بوقتِها. ومَن أشرَكَ بينَ وقتَي صلاتَي النَّهارِ وصلاتَي اللَّيلِ لمن كانت به ضرُورةُ حيض أو إغماءٍ أو نحوِ ذلك، فيَلزَمُه المصيرُ إلى قولِ مالكٍ، إلَّا أن يجعلُوا وقتَ الضَّرورةِ قياسًا على السَّفرِ، فإنَّ الوقتَ عندَ الشَّافعيِّ في السَّفرِ له حكمٌ غيرُ حكم الحضَرِ، ولا يجوزُ عنده اشتراكُ (٣) الوقتِ في الحَضرِ لغيرِ أصحابِ الضَّروراتِ ألبتَّةَ (٤) .

  32. وأجمَعوا أنَّ أوَّلَ وقتِ صلاةِ الصُّبح طُلُوعُ الفجرِ وانصداعُه، وهو البياضُ المُعترضُ في أُفقِ السَّماءِ، وهو الفجرُ الثَّاني الذي ينتشِرُ ويطيرُ، وأنَّ آخرَ وقتِها طلُوعُ الشمسِ (٥) . إلَّا أنَّ ابنَ القاسم (٦) روَى عن مالكٍ أنَّ آخرَ وقتِها الإسفارُ.

  33. وكذلك حكَى ابنُ عبدِ الحكم عنه، أنَّ آخرَ وقتِها الإسفارُ الأعلى. وقال ابنُ وَهْب، عن مالكٍ: آخرُ وقتِها طُلُوعُ الشمسِ. وهو قولُ الثَّوريِّ والناسِ (١) .

    وقال الشافعيُّ (٢) : لا تفوتُ صلاةُ الفجرِ حتى تطلُعَ الشمسُ قبلَ أن يُدركَ منها ركعةً بسُجُودِها، فمن لم تَكمُلْ له رَكعةٌ قبلَ طلُوعِ الشمسِ فقد فاتتهُ. وهو قولُ أبي ثورٍ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وإسحاقَ، وداودَ، والطَّبريِّ، وأبي عُبيدٍ (٣) .

    vol. 5, p. 394
  34. وأمَّا أبو حنيفَةَ وأصحابُه، فإنَّهم يُفسدُون صلاةَ مَن طلَعت عليه الشمسُ وهو يُصلِّيها (٤) . وقد ذكَرنا قولَهم وحُجَّتَهم في ذلك والحُجَّةَ عليهم، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا (٥) ، فأغنى عن إعادَتِه هاهنا.

  35. وأمَّا اختيارُهم من الأوقاتِ، فإنَّ مالكًا، واللَّيثَ بنَ سعدٍ، والشافعيَّ، والأوزاعِيَّ، وأحمدَ بنَ حنبلٍ، كانوا يقولونَ بالتَّغلِيسِ في صلاةِ الفجرِ في أوَّلِ وقتِها، وذلك أفضلُ عندَهم؛ أن تُصلَّى والنُّجُومُ باديةٌ مشتبِكةٌ.

  36. وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفَةَ، وأصحابُه، والحسنُ بنُ حيٍّ، بالإسفارِ في الفجرِ، في كلِّ الأزمانِ، في الصَّيفِ والشِّتاءِ، وذلك عندَهم أفضلُ. وقد ذكَرنا حُجَّةَ كلِّ فريقٍ منهم في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا (٦) .

    وقال مالكٌ: يُصلِّي الظُّهرَ إذا فاءَ الفيءُ ذراعًا، في الشِّتاءِ والصَّيفِ. وهو أحبُّ إليه في الجماعةِ وغيرِها، عندَ أكثرِ أصحابِه (٧) . ومض من قال: إنَّ هذا

    vol. 5, p. 395معناه في مساجدِ الجماعاتِ، وأمَّا المُنفردُ الذي لا جَماعةَ معه ينتظِرُها، فإنَّه يُصلِّي في أوَّلِ الوقت.

    وقال اللَّيثُ، والشافعيُّ: يُصلِّيها في أوَّلِ الوقتِ. قال الشَّافعيُّ: إلَّا المساجدَ التي تُنتابُ من بعيدٍ، فإنَّها يُبرَدُ فيها بالظُّهرِ. والصَّلواتُ كلُّها عندَ اللَّيثِ والشافعيِّ أوائلُ أوقاتِها أفضلُ. قال الشَّافعيُّ: إلَّا الإبرادَ في شدَّةِ الحرِّ في المَساجدِ التي تُقصَدُ من المواضِعِ النائِيةِ (١) .

  37. وزعَمَ أبو الفرج أنَّ مذهبَ مالكٍ أنَّ الصَّلواتِ كلَّها أوائِلُ أوقَاتِها أفضلُ، إلَّا الظُّهرَ في شدَّةِ الحرِّ، فإنَّها تُؤخَّرُ قليلًا في المساجدِ وغيرِها.

    وقال العِراقيُّونَ: تُعجَّلُ الظُّهرُ في الشِّتاءِ في أوَّلِ الوقتِ، وتؤخَّرُ في الحرِّ حتى يبرُدَ (٢) . وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: أوَّلُ الأوقاتِ أعجبُ إليَّ في الصلواتِ كلِّها، إلَّا في صلاتين؛ صلاةِ العِشاءِ الآخرةِ، وصلاةِ الظهرِ في الحرِّ، يُبْرَدُ بها وتُؤخَّرُ حتى يبرُدَ، وأمَّا في الشِّتاءِ فيُعجَّلُ بها. قال: وتُؤخَّرُ العشاءُ أبدًا ما لم يشُقَّ على الناسِ. وهذا كلُّه حكايَةُ معنى رِوايةِ الأثرم عنه (٣) .

  38. وكلُّهم قال: يصلِّي العصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيَّةٌ. إلَّا ما قال جريرٌ (٤) ، عن الثَّوريِّ: أنَّه كان يؤخِّرُ العصرَ. وغيرُه عن الثَّوريِّ كما ذكَرنا.

  39. وكلُّهم يَستحِبُّ تعجيلَ المغرِبِ، إلَّا أنَّ مالكًا قال: لا بأسَ للمُسافرِ يَمُدُّ الميلَ ونحوَه ثم ينزِلُ فيُصلِّي (١) .

    vol. 5, p. 396
  40. واستحبَّ العراقيُّون تأخيرَ العِشاء (٢) .

    وقال الشافعيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ: أوَّلُ وقتِها أفضلُ (٣) . وقد ذكَرنَا من الآثارِ ما منه قال كلُّ فريقٍ، وبالله التَّوفيق.

    وقال الأوزاعيُّ: كان عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يُصلِّي الظُّهرَ في السَّاعةِ الثامِنةِ، والعصرَ في السَّاعةِ العاشِرةِ حينَ تدخلُ؛ حدَّثني بذلك عاصمُ بنُ رجاءِ بنِ حيوَةَ، عن أبيه، عنه (٤) .

    قال أبو عُمر: ذكَرنا قولَ عُمرَ هذا، وقد قدَّمنا عنه أنَّه لمَّا حدَّثه عُروةُ، عن بشيرِ بنِ أبي مسعُودٍ، عن أبيه، بالحديثِ المذكورِ في هذا البابِ، لم يزَلْ يرتقِبُ الأوقاتَ، وتكونُ عندَه علاماتٌ للسَّاعات. وحسبُكَ به اجتِهادًا في خِلافتِه، وعن حالِه تلك حكَى رجاءُ بنُ حيوةَ.

    vol. 5, p. 397قال أبو عُمر: أشبَعنا القولَ في هذا البابِ؛ لأنَّه رُكنٌ من أركانِ الصلاةِ عظيمٌ، وأصلٌ كبيرٌ، وحديثُ مالكٍ فيه مُستغلِقٌ جدًّا، فبسَطناه، ومهَّدناه بالآثارِ وأقاويلِ العُلماءِ؛ ليكونَ كتابُنا مُغنيًا عمَّا سِواه، كافيًا شافيًا فيما قصدناه.