ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل

822 paragraphs · vol. 5, p. 301

Page 6 of 21

  1. وأمَّا قولُ عُروةَ: ولقد حدَّثتني عائشةُ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي العصرَ والشمسُ في حُجرتِها قبلَ أن تظهرَ. فمعناه: قبلَ أن يظهَرَ الظِّلُّ على الجِدارِ، يريدُ: قبلَ أن يرتفعَ ظِلُّ حُجرتِها على جُدُرِها، وكلُّ شيءٍ علا شيئًا فقد ظَهَرَ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) } [الكهف: ٩٧] ، أي: يعلُوا عليه. وقيل: معناه: أن يخرُجَ الظِّلُّ مِن قاعةِ حُجرتِها، وكلُّ شيءٍ خرجَ فقد ظهَرَ، والحُجرةُ: الدَّارُ، وكلُّ ما أحاطَ به حائِطٌ فهو حُجرةٌ، وأصلُ الحُجرة مأخوذٌ من التَّحجيرِ، تقولُ: حجَّرتُ على نفسي. إذا أحَطتَ عليها (١) بحائطٍ.

    vol. 5, p. 397
  2. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على قِصرِ بُنيانِهم واختصارِهم فيه؛ لأنَّ الحديثَ إنَّما قُصدَ به تَعجيلُ العصرِ، وذلك إنَّما يكونُ مع قصرِ الحيطانِ، وإنَّما أرادَ بذلك عُروةُ ليُعلِمَ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي العصرَ قبلَ الوَقتِ الذي أخَّرها إليه عُمرُ.

  3. ذكَرَ الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ قال: حدَّثنا عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا حُريثُ بنُ السائِبِ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: كنتُ أدخُلُ بُيُوتَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا محتَلِمٌ، وأنالُ سُقُفَها بيَدي (٢) . وذلك في خِلافَةِ عُثمانَ رضي اللهُ عنه.

  4. حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حبيبِ بنِ زَبّانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُمح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي العَصرَ والشمسُ في حُجرتِها، لم يظهرِ الفيءُ من حُجرتِها (١) .

    vol. 5, p. 398
  5. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سُفيان، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي العصرَ والشمسُ بيضَاءُ نقيَّةٌ في حُجرتِها (٣) ، لم يَظهَرِ الفيءُ بعد.

    قال أبو عُمر: كلُّ مَن ذكَرَ هذا الحديثَ منَ المُصنِّفينَ إنَّما ذكَرهَ في بابِ تعجيلِ العَصرِ، وقد تقدَّمَ في وقتِ العصرِ وغيرِها ما فيه كِفايةٌ لمَن تدبَّرَ وفَهِمَ.

  6. وفيه دليلٌ على قَبُولِ خبَرِ الواحِدِ؛ لأنَّ عُمرَ قَبِلَ قولَ عُروةَ وحدَه فيما خفِي عليه (٤) من أمرِ دينِه. وهذا منَّا على التَّنبيهِ فإنَّ قَبُولَ خبرِ الواحِدِ مُستفيضٌ عندَ الناسِ مُستعمَلٌ، لا على سبيلِ الحُجَّةِ؛ لأنَّا لا نقولُ: إنَّ خبرَ الواحدِ حجَّةٌ في قبولِ خبرِ الواحدِ على مَن أنكَرَه.

  7. حديثٌ ثانٍ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسِلُ من إناءٍ، هو الفَرَقُ، من الجَنابةِ.

    vol. 5, p. 399
  8. هكذا قال مالكٌ في هذا الحديثِ، وتابَعه ابنُ عُيينةَ والليثُ بنُ سعدٍ على إسنادِه ومتنِه، إلا أنهما زادا فيه: وكنتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من إناءٍ واحدٍ. وهذا اللفظُ عندَ مالكٍ عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ.

  9. وروَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ: معمرٌ وابنُ جُريجٍ، بمثلِ إسنادِ مالكٍ، إلا أنهما قالا: كنتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من إناءٍ واحدٍ، هو الفَرَقُ. فأتَيا بلفظِ حديثِ مالكٍ عن هشام بنِ عروةَ، فذكَرا فيه الفَرَقَ، وليس في حديثِ هشام ذكرُ الفَرَق.

  10. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، قال: أخبرني عروةُ بنُ الزبيرِ، قال: سمِعتُ عائشةَ تقولُ: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسلُ في القَدح، وهو الفَرَقُ، وكنتُ أغتسلُ أنا وهو من إناءٍ واحد.

  11. فأتَى بحديثَي مالكٍ جميعًا عن: ابنِ شهابٍ وهشام، في هذا الإسنادِ، وكذلك روَه الليثُ.

    vol. 5, p. 400
  12. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١) : أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنها قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسلُ في القدح، وهو الفَرَقُ، وكنتُ أغتسلُ أنا وهو من إناءٍ واحد.

  13. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ (٢) معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣) : حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثنا معمرٌ وابنُ جُريجٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من إناءٍ واحدٍ، وهو قدرُ الفَرَقِ.

  14. ورَواه إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، فخالف جميعَهم في إسنادِه؛ وجعَله عن القاسم، ولم يجعلْه عن عروةَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ شهابٍ، عن القاسم بنِ

    vol. 5, p. 401محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسِلُ من إناءٍ، هو الفَرَقُ. قالت عائشةُ: وكنتُ أغتسلُ معه في الإناء الواحدِ. قال ابنُ شهابٍ: وأظنُّ الفَرَقَ يومئذٍ خمسةَ أقساطٍ (١) .

    قال أبو عُمر: لا أدري ما أراد ابنُ شهابٍ بالقِسطِ، ولا ما كان مقدارُه عندَهم، وأما العربُ فالقِسطُ عندَها الحصةُ والقدارُ، كذلك قال الخليلُ (٢) ، وقال الخليلُ: الفرَقُ مكيالٌ (٣) .

    وقال ابنُ وَهْبٍ: الفرَقُ مكيالٌ من خشبٍ، كان ابنُ شهابٍ يقولُ: إنه يسعُ خمسةَ أقساطٍ بأقساطِ بني أميةَ. وفسَّر محمدُ بنُ عيسى الأعشى (٤) عن ابنِ

    vol. 5, p. 402كِنانةَ الفرَقَ أنه ثلاثةُ أصْوع، قال الأعشَى: والثلاثةُ الأصْوعِ خمسةُ أقساطٍ. قال: وفي الخمسةِ أقساطٍ اثنا عشَرَ مُدًّا بمُدِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    وقال ابنُ مَزيَنٍ (١) : قال لي عيسى بنُ دينارٍ: قال لي ابنُ القاسم وسفيانُ بنُ عُيينةَ في الفَرَقِ: إنَّه كان يحملُ ثلاثةَ أصْوع. وقال أبو داودَ (٢) : سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: الفَرَقُ ستةَ عشَرَ رَطْلًا.

  15. وقال موسى الجُهَنيُّ، عن مجاهدٍ، إنه أُتيَ بقدَحٍ حَزَرْتُه ثمانيةَ أرطالٍ، فقال: حدَّثتني عائشةُ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسلُ بمثلِ هذا (٣) .

    وقال الأثرمُ: سمِعتُ أبا عبدِ الله يُسألُ عن الفَرَقِ كم هو؟ قال: ثلاثةُ أصْوع.

    قال أبو عُمر: قولُ ابنِ شهابٍ، وابنِ عُيينةَ، وابنِ القاسم، والأعشَى، قريبٌ من قريبٍ، في مقدارِ الفَرَقِ، وكذلك قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وأما قولُ مجاهدٍ فبعيدٌ، وقولُ أولئك أولى، واللهُ أعلمُ.

  16. ورُوي في "الموطآتِ" (٤) : الفَرْقُ والفَرَقُ، بتسكينِ الراء وتخفيفِها وحركتِها، وروايةُ يحيى بالإسكانِ، وتابَعه قومٌ. وأما قولُ عائشةَ: كنتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله

    vol. 5, p. 403- صلى الله عليه وسلم - من إناءٍ واحدٍ. فروَاه عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ، من حديثِ شعبةَ وغيرِه، عن عبدِ الرحمن (١) .

  17. وروَاه إبراهيمُ عن الأسودِ، عن عائشةَ (٢) . وروَاه هشامٌ، عن أبيه، عن عائشة (٣) ، وقد ذكَرنا الاختلافَ فيه على ابنِ شهابٍ.

  18. وفيه من الفقهِ: تركُ التحديدِ فيما يكفِي من الماءِ، وأن فضلَ المرأةِ لا بأسَ بالوضوءِ منه. وسنذكُرُ الاختلافَ في ذلك ووجهَ الصوابِ فيه إن شاء اللهُ عند ذكرِ حديثِ نافع، عن ابنِ عمرَ: إن كان الرجالُ والنساءُ لَيَتوضَّؤونَ جميعًا في زمنِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٤) ؛ لأن حديثَ هشام بنِ عروةَ هذا ليس من روايةِ مالكٍ في "الموطأ" ، وإذا توضَّأ الاثنان وأكثرُ من إناءٍ واحدٍ، ففي ذلك دليلٌ على أنه لا تحديدَ ولا توقيفَ فيما يكفي المغتَسِلَ والمتوضّئ من الماءِ، وحسْبُه الإتيانُ بالماءِ على ما يُغسلُ من الأعضاءِ غَسلًا، وعلى ما يُمسحُ مسحًا.

  19. وأما حديثُ ابنِ شهابٍ المذكورُ في هذا البابِ، ففيه من الفقهِ: الاقتصارُ على أقلِّ ما يكفِي من الماءِ، وأن الإسرافَ فيه مذمومٌ. وفي ذلك ردٌّ على الإباضيَّةِ (٥) ومَن ذهَب مذهبَهم في الإكثارِ من الماءِ؛ ولهذا ما سيقَ هذا الحديثُ، واللهُ أعلمُ،

    vol. 5, p. 404إنكارًا على أولئك الطائفة؛ لأنه مذهبٌ ظهَر في زمانِ التابعين، وسُئِل عنه الصحابةُ، ونُقل في ذلك من الحديثِ ما ترَى.

  20. وروَى عبدُ الله بنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ جَبرٍ (١) ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتوضأُ بمكُّوكٍ (٢) ، ويغتسِلُ بخمسِ مكاكِيكَ.

    وقال الخليلُ: الصَّاعُ: كأسٌ يُشربُ به، والمكوكُ: مكيالٌ (٣) .

    وقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ: تَمارَيْنا في الغُسلِ عندَ جابرٍ، فقال جابرٌ: يكفِي للغُسلِ صاعٌ من ماءٍ. قلنا: ما يكفِي صاعٌ ولا صاعان. فقال جابرٌ: قد كان يكفِي مَن كان خيرًا منكم، وأكثرَ شعَرًا (٤) .

  21. وقد رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من وجوهٍ، أنه كان يتوضَّأ بالمُدِّ ويغتسلُ بالصَّاعِ. وهي آثارٌ مشهورةٌ مستعملةٌ عندَ قومٍ من الفقهاءِ، وليست أسانيدُها مما يُحتجُّ به. والذي اعتمَد عليه البخاريُّ وأبو داودَ في "بابِ ما يكفي الجُنبَ من الماءِ" حديثُ الفَرَقِ المذكورُ في هذا البابِ.

  22. وهذه الآثارُ كلُّها إنما رُوِيت إنكارًا على الإباضيَّةِ، وجُملتُها تدلُّ على أنْ لا توقيفَ فيما يكفي من الماءِ، والدليلُ على ذلك أنهم أجمَعوا أن الماءَ لا يُكالُ

    vol. 5, p. 405للوضوءِ ولا للغُسلِ؛ مَن قال منهم بحديثِ المُدِّ والصاعِ، ومَن قال بحديثِ الفَرَقِ، لا يختلِفون أنه لا يُكالُ للوضوءِ ولا للغُسلِ (١) ، لا أعلمُ في ذلك خلافًا، ولو كانت الآثارُ في ذلك على التحديد الذي لا يُتجاوَزُ استحبابًا أو وجوبًا ما كَرِهوا الكيلَ، بل كانوا يستحِبُّونه، اقتداءً وتأسيًا برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَكرَهونه.

  23. روَى عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جُريج، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عُبيدِ بنِ عُميرٍ يقولُ: صاعٌ للغسلِ من غيرِ أن يُكالَ. قال: وأخبرني ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: كم بلَغك أنه يكفي الجُنبَ؟ قال: صاع من ماءٍ، من غيرِ أن يُكالَ.

  24. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ (٢) ، قال: حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ عطاءٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيِّب ورجلًا (٣) من أهلِ العراقِ يسألُه عما يكفي الإنسانَ في غُسلِ الجَنابةِ، فقال سعيدٌ: إن لي تَورًا يسَعُ مُدَّين من ماءٍ - أو نحوَهما - وأغتسلُ به فيكفِيني، ويفضُلُ منه فَضْلٌ. فقال الرجلُ: والله إني لأستنثِرُ بمُدَّين من ماءٍ. فقال سعيدُ بنُ المسيِّبِ: فما تأمرُني إن

    vol. 5, p. 406كان الشيطانُ يلعبُ بك؟ فقال له الرجلُ: فإن لم يكفني، فإني رجلٌ كما ترَى عظيمٌ. فقال له سعيدٌ: ثلاثةُ أمدادٍ. فقال: إن ثلاثةَ أمدادِ قليلٌ. فقال له سعيدٌ: فصاعٌ. قال عبدُ الرحمن: وقال لي سعيدٌ: إن لي لَرَكْوَةً - أو قدحًا - ما يسَعُ إلا نصفَ المُدِّ ونحوَه، وإني لأتوضأُ به، وربما فضَل منه فضلٌ.

    قال عبدُ الرحمنِ: فذكَرتُ هذا الحديث الذي سمِعتُ من سعيدِ بنِ المسيِّبِ لسليمانَ بنِ يسارٍ، فقال سليمانُ بنُ يسارٍ: وأنا يكفِيني مثلُ ذلك.

    قال عبدُ الرحمن: فذكَرتُ ذلك لأبي عُبيدةَ بنِ محمدِ بن عمارِ بنِ ياسرٍ. فقال أبو عُبيدةَ: هكذا سمِعنا عن أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    قال الأثرم (١) : وحدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: كنتُ معَ القاسم بنِ محمدٍ، فدعَا بوَضوءٍ، فأُتيَ بقَدرِ نصفِ مُدٍّ وزيادةِ قليل، فتوضَّأ به.

    قال (٢) : وسألتُ أبا عبدِ الله - يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ -: أيُجزِئُ في الوُضوءِ مُدٌّ؟ قال: نعم، إذا أحسَن أن يتوضأ به. قلتُ: فإن الناسَ في الأسفارِ ربما ضاق عليهم الماءُ، أفيُجزئُ الرجلَ أن يتوضأ بأقلَّ من المدِّ؟ قال: إذا أحسَن أن يتوضأ به فإنه يُجزئُه. ثم قال أبو عبدِ الله: لا يمسَحُ، إنما هو الغَسلُ، كما (٣) قال اللهُ تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: ٦] . فإنما هو الغَسلُ، ليس هو المسحَ، فإذا أمكَنه أن يغسِلَ به غسلًا، وإن كان مُدًّا أو أقلَّ أجزأه.

    قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ العلماءِ من أهلِ الفقهِ والأثرِ بالحجازِ والعراقِ، ولا يُخالِفُ في هذا إلا مُبتدِعٌ ضالٌّ، وبالله التوفيقُ.

  25. حديثٌ ثالثٌ لابنِ شِهابٍ، عن عُروة

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في المسجد (٢) ، فصلَّى بصلاتِه ناسٌ، ثم صلَّى من القابلَةَ (٣) ، فكثُر الناسُ، ثم اجْتَمَعوا مِن الليلةِ الثالثةِ أو الرابعةِ فلم يَخرجْ إليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلّمَا أصبحَ قال: "قد رأيْتُ الذي صَنَعْتُم، ولم يمنعْني مِن الخُرُوجِ إليكم إلّا أنِّي خشِيتُ أن تُفْرَضَ عليكم" . وذلك في رمَضانَ.

    vol. 5, p. 407
  26. هذا حديثٌ صحيح لم يُختلفْ في إسْنادِه ولا في متنِه.

  27. وفيه مِن الفقْهِ: الاجتماعُ في النافلةِ، وأنَّ النَّوافلَ إذا اجْتُمِع في شيءٍ منها على سُنَّتِه لم يكنْ لها أذانٌ ولا إقامةٌ؛ لأنَّه لم يُذْكَرِ الأذانُ في ذلك، ولو كان لذُكِرَ ونُقِل، وقد اجتمعَ العلماءُ أنْ لا أذانَ ولا إقامةَ في النافلةِ، فأغنَى عن الكلام في ذلك.

  28. وفيه: أنَّ قِيامَ رمضانَ سُنّةٌ مِن سُننِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مندوبٌ إليها، مرغوبٌ فيها، ولم يَسُنَّ منها عمرُ بنُ الخطَّابِ إذْ أحْياها، إلَّا ما كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُحِبُّه ويرضاه، ولم يمنعْ مِن المُواظبةِ عليه إلَّا خشيةَ أن يُفرضَ على أُمَّتِه، وكان بالمؤمنينَ رؤوفًا رحيمًا - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا علِمَ ذلك عُمرُ مِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وعَلِم أنَّ

    vol. 5, p. 408الفرائضَ لا يُزادُ فيها ولا يُنقَصُ منها بعدَ موتِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ، أقامَها للناسِ وأحْياها وأمرَ بها، وذلك سنةَ أربعَ عشْرةَ مِن الهجرةِ، وذلك شيءٌ ادَّخرَه اللهُ له، وفضَّلَه به، ولم يُلْهَم إليه أبو بكرٍ، وإن كان أفضلَ مِن عُمرَ، وأشدَّ سبقًا إلى كلِّ خيرٍ بالجملةِ، ولكلِّ واحدٍ منهم فضائلُ خُصَّ بها ليست لصاحبِه، ألا ترَى إلى قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرحمُ أُمَّتي بأمَّتي أبو بكرٍ، وأقواهمْ في دينِ الله عُمرُ، وأصْدَقُهم حَياءً عثمانُ، وأقْضاهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وأقْرَؤُهم أُبيُّ بنُ كعبٍ" (١) .

  29. فجعلَ لكلِّ واحدٍ منهم خصلةً أفردَه بها، لم يَلحقْه فيها صاحبُه، وكان عليُّ بنُ أبي طالبٍ يستحسنُ ما فعَل عُمرُ مِن ذلك ويفضِّلُه، ويقولُ: نوَّرَ شهرَ الصوم علينا (٢) .

  30. وحدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيُّوبَ العلَّافُ وعمرُو بنُ أحمدَ بنِ عمرٍو وأحمدُ بنُ حمَّادٍ زُغْبةُ، قالوا: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ أبي نُعيم القارئُ،

    vol. 5, p. 409عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ اللهَ جَعَل الحقَّ على لِسانِ عُمَرَ وقَلْبِه" (١) .

  31. ورَواه ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ مثلَه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

  32. والضحاكُ بنُ عثمانَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه (٣) .

  33. ورَواه أبو ذرٍّ وأبو هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) .

    vol. 5, p. 410
  34. أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الصَّفَّارُ، قال: حدَّثنا أبو قلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللهَ عز وجل فرضَ عليكم صيامَ شهرِ (٢) رمضانَ، وسَنَنْتُ لكم قِيامَه، فمَن صامَه وقامَه إيمانًا واحْتِسابًا غُفرَ له ما تَقَدَّم مِن ذنبِه، ومَن قام ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفرَ له ما تقدَّم مِن ذنبِه" . قال أبو الحسنِ عليُّ بنُ عُمرَ الدَّارقطنيُّ: لم يذكرْه إلَّا أبو قلابةَ، عن بشرِ بنِ عُمرَ، وكذلك قولُه: "ومَن قام ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا" غيرُ محفوظٍ لمالكٍ عن الزهريِّ.

    قال أبو عُمر: أبو قِلابةَ ثقةٌ، وبشرُ بنُ عُمرَ ثقةٌ، والحديثُ غريبٌ.

  35. ومما يدلُّ على أنَّ قيامَ رمضانَ سُنَّةٌ مِن سُننِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ما رَواه عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني مُسلمُ بنُ خالدٍ، عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: خرَج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا الناسُ في رمضانَ يُصلُّون في ناحيةِ المسجدِ، فقال: "مَن هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء ناسٌ ليس معهم قُرآنٌ (١) ، وأبيُّ بنُ كعبٍ يُصلِّي بهم، وهم يُصلُّون بصلاتِه. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: " أصابوا، ونِعْمَ ما صنَعوا" (٢) . فقد أقرَّهُم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وما أقرَّ عليه فقد رضيَه؛ وذلك سُنَّةٌ. وممَّا يُؤيِّدُ ذلك أيضًا قولُ عائشةَ: إنْ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لَيدعُ العملَ وهو يُحبُّ أنْ يَعملَ به خشيةَ أنْ يَعملَ به الناسُ فيُفرضَ عليهم (٣) .

    vol. 5, p. 411
  36. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٤) . وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ

    vol. 5, p. 412حمَّادٍ. قالا جميعًا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الوليدِ بنِ عبدِ الرحمن، عن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: صُمْنَا - يعني رمضانَ - فلم يَقُمْ بنا - يعني النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - - شيئًا منَ الشَّهرِ حتى بَقيَ سبعٌ، فقامَ بنا حتى ذهَب ثُلثُ اللَّيلِ، فلمَّا كانت السادسةُ لم يقُمْ بنا (١) ، فلمَّا كانت الخامسةُ قامَ بنا حتى ذهَب شطرُ اللَّيلِ. قال: فقال: "إنَّ الرَّجلَ إذا صلَّى مع الإمامِ حتى يَنْصَرِفَ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ" . فلمَّا كانت الرابعةُ لم يقمْ بنا، فلمَّا كانت الثَّالثةُ جمَع أهلَه ونساءَه والناسَ، فقامَ بنا حتى خشِينا أنْ يفوتَنا الفَلاحُ. قال: قلتُ: وما الفَلاحُ؟ قال: "السُّحورُ" ، ثم لم يَقمْ بنا بقيَّةَ الشَّهرِ.

  37. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ حُباب، قال: أخبرني معاويةُ بنُ صالح، قال: حدَّثني نعيمُ بنُ زيادٍ أبو طلحةَ، قال: سمِعتُ النُّعمانَ بنَ بشيرٍ على منبرِ حمصَ يقولُ: قُمْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في شهرِ رمضانَ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين إلى ثُلثِ اللَّيلِ، ثم قُمْنا معه ليلةَ خمسٍ وعِشْرِين إلى نصفِ اللَّيلِ، ثم قُمْنَا معه ليلةَ سبعٍ وعشرين حتى ظنَنَّا ألَّا نُدركَ الفَلاحَ. وكانوا يُسمُّونَه السُّحُورَ.

  38. فهذه الآثارُ في معنَى حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ المذكورِ في هذا البابِ، وفيها تفسيرٌ له وعبارةٌ عن معنَى الليلةِ القابلةِ والليلةِ الثالثةِ والرَّابعةِ المذكوراتِ فيه.

  39. واختلفَ العلماءُ في عددِ قيامِ رمضانَ؛ فقال مالكٌ: تسعٌ وثلاثونَ بالوترِ؛ سِتٌّ وثلاثونَ، والوترُ ثلاثٌ (١) . وزعَم أنَّه الأمرُ القديمُ (٢) .

    vol. 5, p. 413
  40. وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ (٣) ، وداودُ، ومن اتَّبعهم: عشرون ركعةً سوَى الوترِ، لا يُقامُ بأكثرَ منها استحبابًا. واحتجُّوا بحديثِ السَّائبِ بنِ يزيدَ؛ أنَّهم كانوا يقومونَ في زمنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ بعشرين ركعةً.