ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل
822 paragraphs · vol. 5, p. 301
Page 7 of 21
- vol. 5, p. 413
ذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٤) ، عن داودَ بنِ قيسٍ وغيرِه، عن محمدِ بنِ يُوسفَ، عن السَّائبِ بنِ يزيدَ: أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ جمَع الناسَ في رمضانَ على أُبيِّ بنِ كعبٍ، وعلى تميم الدَّاريِّ، على إحدى وعشرين ركعةً؛ يقرؤون بالمئينَ، ويَنْصَرفُون في فُروعِ الفجرِ.
-
وروى مالكٌ (٥) هذا الحديثَ عن محمدِ بنِ يُوسفَ، عن السَّائبِ بنِ يزيدَ، قال: أمرَ عمرُ بنُ الخطَّابِ أُبيَّ بنَ كعبٍ، وتميمًا الدَّاريَّ أنْ يقومَا للناسِ بإحدى عشْرةَ ركعةً. قال: وكان القارِئُ يقرأُ بالمئينَ، حتى كُنَّا نعتمِدُ على العِصِيِّ مِن طُولِ القيام، وما كُنَّا ننصرفُ إلَّا في فُروعِ الفجرِ.
- vol. 5, p. 414
هكذا قال مالكٌ في هذا الحديثِ: إحدَى عشْرةَ ركعةً. وغيرُه يقولُ فيه: إحدَى وعشرينَ.
-
وقد روَى الحارثُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ أبي ذبابٍ، عن السَّائبِ بنِ يزيدَ، قال: كنّا ننصرفُ من القيام على عهدِ عمرَ وقد دَنَا فُروعُ الفجرِ، وكان القيامُ على عهدِ عُمر بثلاثٍ وعشرين ركعةً (١) . وهذا محمولٌ على أنَّ الثَّلاثَ للوترِ.
-
وذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٢) ، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرني عمرانُ بنُ مُوسى أنَّ يزيدَ بنَ خُصيفةَ أخبَرهم عن السَّائبِ بنِ يزيدَ، عن عَمِّه، قال: جمَعَ عُمرُ الناسَ على أُبيِّ بنِ كعب وتميم الدَّاريِّ، فكان أُبيُّ بنُ كعبٍ يُوترُ بثلاثٍ.
-
وعن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسن، قال: كان أُبيُّ بنُ كعبٍ يُوترُ بثلاثٍ، لا يُسلِّمُ إلَّا في الثالثةِ، مثلَ المغربِ (٣) .
-
وقد ذكَرْنَا أحكامَ الوترِ في بابِ نافع، وما للعلماءِ فيه من المذاهبِ مُمهَّدًا، والحمدُ لله (٤) .
-
وقد روى مالكٌ (٥) ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: كان الناسُ يقومون في زمنِ عمرَ بنِ الخطابِ في رمضانَ بثلاثٍ وعشرين ركعةً. وقد رُوي عن النبيِّ
vol. 5, p. 415- صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يُصلِّي في رمضانَ عشرينَ ركعةً والوترَ، إلَّا أنَّه حديثٌ يدورُ على أبي شيبةَ إبراهيمَ بنِ عُثمانَ جدِّ بني أبي شيبةَ، وليس بالقويِّ.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ (١) ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ عثمانَ، عن الحكمِ، عن مِقسمٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يُصلِّي في رمضانَ عشرينَ ركعةً والوترَ.
-
وعن عليٍّ رضيَ اللهُ عنه، أَنَّه أمَر رجلًا يُصلِّي بهم في رمضانَ عشرين ركعةً. وهذا أيضًا سوَى الوترِ (٢) .
-
واختلفوا أيضًا في الأفضلِ منَ القيامِ مع الناسِ أو الانفرادِ في شهرِ رمضانَ؛ فقال مالكٌ والشَّافعيُّ (٣) : صلاةُ المنفردِ في بيتِه في رمضانَ أفضلُ.
قال مالكٌ: وكانَ ربيعةُ وغيرُ واحدٍ من علمائِنا ينصرفونَ، ولا يقومونَ مع الناسِ. قال مالكٌ: وأنا أفعلُ ذلك، وما قام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلَّا في بيتِه (٤) .
- vol. 5, p. 416
واحتجَّ الشَّافعيُّ بحديثِ زيدِ بنِ ثابِتٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في قيامِ رمضانَ: "أيُّها النَّاسُ، صلُّوا في بُيُوتِكم، فإنَّ أفضلَ صلاةِ المرءِ في بيتِه، إلَّا المكتوبةَ" . قال الشَّافعيُّ: ولا سيَّما مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدِه، على ما كان في ذلك كُلِّه من الفضلِ (١) .
-
وحديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ هذا حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ الجُمَحيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي النَّضرِ، عن أبيه، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاةُ المرء في بيته أفضلُ منْ صلاتِه في مسجدي هذا، إلَّا المكتوبةَ" (٢) .
-
ورَوَينا عن ابنِ عُمرَ، وسالم، والقاسم، وإبراهيمَ، ونافع: أنَّهم كانوا ينصرِفون ولا يقومون مع الناس (٣) .
وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: لو أنَّ الناسَ قاموا في رمضانَ لأنفسِهم ولأهلِيهم كلِّهم حتى يُترَكَ المسجدُ لا يقومُ فيه أحدٌ، لكان ينبغي أن يخرجُوا مِن بُيوتِهم إلى المسجدِ،
vol. 5, p. 417حتى يقوموا فيه؛ لأنَّ قيامَ الناس في شهرِ رمضانَ من الأمرِ الذي لا ينبغي تركُه، وهو ممَّا سَنَّ عُمرُ بنُ الخطَّابِ للمسلمين، وجمَعهم عليه (١) .
قال اللَّيثُ: فأمَّا إذا كانت الجماعةُ، فلا بأسَ أنْ يقومَ الرَّجلُ لنفْسِه في بيتِه، ولأهلِ بيتِه (٢) .
-
وحجَّةُ مَن قال بقولِ اللَّيثِ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنَّتي، وسنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين المهديِّين بعدِي" (٣) . ولا يختلِفون أنَّ عمرَ منهم، رضِيَ اللهُ عنهم.
-
وقال قومٌ من المتأخِّرين، مِن أصحابِ أبي حنيفةَ، وأصحابِ الشَّافعيِّ؛ فمنْ أصحابِ أبي حنيفةَ: عيسى بنُ أبان، وبكَّارُ بنُ قُتيبةَ، وأحمدُ بنُ أبي عِمرانَ، ومن أصحاب الشافعيِّ: إسماعيلُ بنُ يحيى (٤) المُزَنيُّ، ومحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم (٥) ، كلُّهم قالوا: الجماعةُ في المسجدِ في قيام رمضانَ أحبُّ إلينا، وأفضلُ مِن صلاةِ المرءِ في بيتِه. واحتجُّوا بحديثِ أبي ذرٍّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الرَّجلَ إذا قامَ مع الإمام حتى ينصرفَ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ" . وقد ذكرنا هذا الحديثَ فيما تقدَّمَ مِن هذا البابِ (٦) ، وإلى هذا ذهَب أحمدُ بنُ حنبل.
قال أبو بكرٍ الأثرمُ: كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يُصلِّي مع الناسِ التَّراويحَ كلَّها - يعني
vol. 5, p. 418الأشفاعَ إلى آخرِها - ويوترُ معهم (١) ، ويحتجُّ بحديثِ أبي ذرٍّ. قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: كان جابرٌ، وعليٌّ، وعبدُ الله يُصلُّونها في جماعةٍ (٢) .
قال الأثرمُ: وحدَّثنا عبدُ الله بنُ رجاءٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي سنانٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: لأنْ أُصلِّيَ مع إمام يقرأُ بـ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) } [الغاشية: ١] أحبُّ إليَّ مِن أنْ أقرَأ مئةَ آيةٍ في صلاتي وحدي (٣) .
قال أبو عُمر: هذا عندي لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه يحتملُ أنْ يكونَ أرادَ صلاةَ الفريضةِ.
قال الأثرمُ: وسمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن الصَّلاةِ بينَ التَّراويح، فكرِهَها، فذُكِرَ له في ذلك رُخصةٌ عن بعضِ الصحابةِ، فقال: هذا باطلٌ؛ إنَّما فيه رخصةٌ عن الحسنِ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وإبراهيم (٤) .
vol. 5, p. 419قال أحمدُ (١) : وفيه عن ثلاثةٍ من الصَّحابةِ كراهيةٌ؛ عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ، وعُقبةُ بنُ عامرٍ، وأبو الدَّرداء.
قال أبو بكرٍ الأثرمُ (٢) : وحدَّثنا أحمدُ بنُ حبابٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يُونسَ، قال: حدَّثنا ثورُ بنُ يزيدَ، عن راشدِ بنِ سعدٍ، أنَّ أبا الدَّرداء أبصَر قومًا يُصلُّون بينَ التَّراويح، فقال: ما هذه الصَّلاةُ؟ أتصلِّي وإمامُكَ قاعدٌ بينَ يدَيكَ؟! ليس مِنَّا مَن رَغِبَ عنا. وقال: مِن قلَّةِ فقْهِ الرَّجلِ أنْ يُرَى أنَّه في المسجدِ وليس في صلاةٍ.
-
وحدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ. فذكرَه بإسنادِه، وذكَرَ سائرَ كلام أحمدَ، وكلُّ ما في كتابي هذا عن الأثرم، عن أحمدَ وغيرِه، فبهذا الإسناد.
- vol. 5, p. 420
وحدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا الخضِرُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا مُوسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ صُبيح، عن إسماعيلَ بنِ زيادٍ، قال: مرَّ عليٌّ رضيَ اللهُ عنه على المساجدِ فيها القناديلُ في شهرِ رمضانَ، فقال: نوَّرَ اللهُ على عُمرَ قبرَه، كما نوَّرَ علينا مساجدَنا (١) .
وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٢) : قيامُ رمضانَ واجبٌ على الكفايةِ؛ لأنَّهم قد أجمعوا أنَّه لا يجوزُ للناسِ تعطيلُ المساجدِ عن قيامِ رمضانَ، فمَن فعَله كان أفضلَ ممَّنِ انفردَ، كسائرِ الفروضِ التي هي على الكفايةِ. قال: وكلُّ من اختارَ التَّفرُّدَ فينبغي أن يكونَ ذلك على ألَّا يُقْطَعَ معه القيامُ في المساجدِ، فأمَّا التَّفرُّدُ الذي يُقطعُ معه القيامُ في المساجدِ فلا.
قال أبو عُمر: القيامُ في رمضانَ تطوعٌ، وكذلك قيامُ اللَّيلِ كلِّه، وقد خشيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُفرضَ على أُمَّتِه، فمنْ أوجبَه فرضًا واقعَ (٣) ما خشيَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وكرِهَه وخافه على أُمَّتِه، وإذا صحَّ أنَّه تطوُّعٌ فقد علِمْنا - بالسُنَّةِ الثابتةِ - أنَّ التَّطوُّعَ في البيُوتِ أفضلُ، إلَّا أنَّ قيامَ رمضانَ لا بدَّ أنْ يُقامَ اتِّباعًا لعمرَ، واستدلالًا بسنَّةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فإذا قامت الصلاةُ في المساجدِ فالأفضلُ عندي حينئذٍ حيثُ تصِحُّ (٤) للمُصَلِّي نيتُه وخشوعُه وإخباتُه وتدبُرُ ما يتلُوه في صلاتِه، فحيثُ كان ذلك مع قيامِ سُنَّةِ عُمَرَ فهو أفضلُ إنْ شاءَ اللهُ، وبالله التَّوفيقُ.
- vol. 5, p. 421
حديثٌ رابعٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي مِن الليلِ إحدَى عشْرةَ ركعةً، يُوترُ منها بواحدةٍ، فإذا فرَغ منها اضطَجَع على شِقِّه الأيمن.
-
إلى هاهنا انتهَت روايةُ يحيى في هذا الحديث، وتابعَه القَعْنَبيُّ وجماعةُ (٢) الرُّواةِ لـ "الموطأ" (٣) .
-
وأمَّا أصحابُ ابنِ شهابٍ، فروَوْا هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه هذا، فجعَلوا الاضطِجاعَ بعدَ ركعتَي الفجرِ لا بعدَ الوترِ، وذكَر بعضُهم فيه عن ابنِ شِهابٍ، أنَّه كان يُسلِّمُ مِن كلِّ ركعتَيْنِ في الإحدَى عَشْرةَ ركعةً، ومنهم مَن لم يذكُرْ ذلك، وكلُّهم ذكَر اضْطِجاعَه بعدَ ركعتَي الفجرِ في هذا الحديثِ.
- vol. 5, p. 422
وزعَم محمدُ بنُ يحيَى وغيرُه أنَّ ما ذكَروا مِن ذلك هو الصَّوابُ دونَ ما قالَه مالكٌ (١) .
قال أبو عُمر: لا يدفعُ ما قالَه مالكٌ مِن ذلك لحفظِه وإتقانِه وثبوتِه في ابنِ شِهابٍ وعِلْمِه بحديتِه (٢) ، وقد وجدْنا معنَى ما جاء به مالكٌ في هذا الحديث
vol. 5, p. 423مَنْصوصًا (١) حديثِه عن مخرمةَ بن سليمانَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ حينَ باتَ عندَ ميمونةَ خالتِه، قال: فقامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتَين. الحديثَ (٢) . قال: ثم أوترَ، ثم اضطجعَ حتى أتاه المؤذِّنُ فصلَّى ركعتينِ (٣) .
-
ففي هذا الحديثِ أنَّ اضطجاعَه - صلى الله عليه وسلم - كان بعدَ الوترِ وقبلَ ركعتي الفجرِ، على ما ذكَر مالكٌ في حديثِه عن ابنِ شهابٍ هذا. فغيرُ نكيرٍ أن يكونَ ما قاله مالكٌ في حديثِ ابنِ شهابٍ وإن لم يُتابِعْه عليه أحدٌ مِن أصحابِ ابنِ شِهابٍ (٤) . وقال محمدُ بنُ يحيَى الذُّهْليُّ في حديثِ ابنِ شهابٍ هذا، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي مِن اللَّيلِ إحدَى عَشْرَةَ ركعةً، فإذا انفجرَ الصُّبحُ صلَّى
vol. 5, p. 424ركْعَتَين خَفِيفتَين. قال: هكذا روَاه معمرٌ (١) ، وعُقَيلٌ (٢) ، وشعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٣) ، لم يقولوا في حديثِهم (٤) : يُسلِّمُ مِن كلِّ ركعتيْن. ولا ذكروا: يُوترُ بواحدةٍ. قال: وذكَر فيه يُونسُ الأيليُّ وابنُ أبي ذئبٍ والأوزاعيُّ: يُسلِّمُ مِن كلِّ اثنتيْن ويوترُ بواحِدَةٍ. وذكَر فيه مالكٌ: يُوترُ بواحدةٍ. ولم يقُلْ: يسلِّمُ مِن كُلَّ ركعتَيْن.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ إبراهيمَ دُحَيمٌ ونَصرُ بنُ عاصم الأنطاكيُّ، قالا: حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ وابنُ أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي فيما بينَ أن يفرُغَ مِن صلاةِ العشاءِ إلى أن ينصدعَ الفجرُ، إحدى عشْرةَ ركعةً؛ يسلِّمُ مِن كلِّ اثنتَيْن، ويوترُ بواحدةٍ، ويمكُثُ في سُجودِه بقَدرِ ما يقرأُ أحدُكم خمسينَ آيةً قبلَ أن يَرفعَ رأسَه، فإذا سكَت المؤذِّنُ بالأوَّلِ مِن صلاةِ الفجرِ قام فركَع ركعتَينِ خَفيفتَينِ، ثم اضطجعَ على شِقِّهِ الأيمنِ حتى يأتيَه المؤذِّنُ.
- vol. 5, p. 425
وذكَر ابنُ وَهْبٍ في "مُوطَّئِه" (١) ، عن عَمْرِو بنِ الحارثِ ويونسَ بنِ يزيدَ وابن أبي ذئبٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، مثلَه.
-
وأخبرنا عبدُ الوارثِ (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهاب، قال: أخبرَني عروةُ بنُ الزُّبيرِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي إحدَى عشرةَ ركعةً فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صلاةِ العشاءِ إلى الفجرِ، بالليلِ، سوَى ركعَتَي الفجرِ، ويسجدُ قَدْرَ ما يقرأُ أحَدُكم خمسينَ آيةً قبلَ أن يرفَعَ رأسَه، فإذا سكَتَ المؤذِّنُ الأوَّلُ مِن صَلاةِ الفجرِ قام فركَع ركعتيْنِ خفيفتَينِ، ثم اضطجعَ على شقِّهِ الأيمنِ حتى يأتيَه المؤذِّنُ (٣) .
-
وفي هذا الحديثِ مِن الفقْهِ: أنَّ قيامَ الليل سُنَّةٌ مسنونةٌ؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فعلَه، وواظَب عليه، ولفظُ الحديثِ يدلُّ على مُداومتِه على ذلك - صلى الله عليه وسلم -، وذلك معروفٌ محفوظٌ يُغني عن الإكثارِ فيه. وقد كان عليه الصلاةُ والسلامُ يقومُ حتى تَرِمَ قَدَماه، فقيل له: أليس قد غفَر اللهُ لك ما تقَدَّم مِن ذنبِك وما تأخَّرَ؟ قال: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا" (٤) .
- vol. 5, p. 426
والوترُ سنَّةٌ وهو مِن صلاةِ الليلِ؛ لأنَّه بها سُمِّي وترًا، وإنَّما هو وترٌ لها. وقد أوجبَه بعضُ أهلِ الفِقهِ فرضًا وفي قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابيِّ، أنَّه ليسَ عليه غيرُ الخَمسِ إلَّا أن يطَّوَّعَ (١) . ما يردُّ قولَه، وسنبيِّنُ ذلك بحُجَّتِه في موضعِه مِن كتابِنا إن شاء اللهُ.
-
وأوجَب بعضُ التابعينَ قيامَ الليلِ فرضًا، ولو كقَدرِ حَلْبِ شاةٍ (٢) . وهو قولٌ شاذٌّ متروكٌ؛ لإجماع العلماءِ على أنَّ قيامَ الليلِ منسوخٌ عن الناسِ بقولِ الله تعالى: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: ٢٠] . والفرائضُ لا تثبُتُ إلَّا بتقديرٍ وتحصيلٍ، وللكلام في ذلك موضعٌ غيرُ هذا.
-
وأمَّا الإحدَى عشْرةَ ركعةً المذكورةُ في هذا الحديثِ، فمحملُها عندَنا أنَّها كانت مثنَى مثنَى حاشَى ركعةَ الوترِ، بدليلِ قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابنِ عمرَ: "صلاةُ الليلِ مثنَى مثنَى" (٣) . وأنَّ ذلك قد ذكره في هذا الحديثِ جماعةٌ
vol. 5, p. 427مِن أصحابِ ابنِ شهابٍ؛ منهم: الأوزاعيُّ، وابنُ أبي ذئبِ، وعمرُو بنُ الحارثِ، ويونسُ بنُ يزيدَ. وهذا موضعٌ فيه اختلافٌ بينَ أهلِ الَعلمِ؛ لاختلافِ الآثارِ في ذلك، وسنذكرُ ما قالوه فيه في بابِ نافع مِن هذا الكتابِ، ويأتي منه ذكرٌ في بابِ سعيدٍ (١) بنِ أبي سعيدٍ إن شاء اللهُ.
-
وقد ذهَب قومٌ إلى أنَّ المصلِّيَ بالليلِ إذا ركَع ركعَتَي الفجرِ كان عليه أن يضطَجعَ، على ما جاء في هذا الحديثِ، وزعَموا أنَّ الاضطِجاعَ سنَّةٌ (٢) في هذا الموضِع، واحتجُّوا بحديثِ ابنِ شهابِ هذا عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركَع ركعَتَي الفجرِ اضَطَجَعَ على شِقِّهِ الأيمنِ. هكذا قال كُلُّ مَن روَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، إلَّا مالكَ بنَ أنسٍ فإنَّه جعَل الاضْطِجاعَ في هذا الحديثِ بعدَ الوترِ، واحتجَّ أيضًا مَن ذهَب إلى الاضْطِجاعِ بعدَ ركعَتَي الفجرِ، مع ما ذكرنا (٣) ، بحديثِ الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلَّى أحدُكم ركعتَينِ قبلَ الصُّبحِ فلْيَضطَجعْ على يمينِه" ، الحديثَ.
-
حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، فذكَره بإسنادِه سواءً (٤) .
- vol. 5, p. 428
وأبى جماعةٌ مِن أهلِ العلم ذلك وقالوا: ليس الاضْطِجاعُ سُنةً، وإنَّما كان ذلك راحةً لطُولِ قيامِه. واحتجُّوا بحديثِ أبي سلمةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلَّى ركعَتَي الفجرِ؛ فإن كنتُ نائمةً اضطَجَعَ، وإن كنتُ مُستيقِظةً حدَّثني (١) . وفي لفظِ بعضِ الناقلين لهذا الحديثِ إن كنتُ مُستيقظةً حدَّثني وإلَّا اضطجع (٢) .
-
وقد قال ابنُ القاسم، ورَواه عن مالكٍ أيضًا: لا بأسَ بالضِّجعةِ بينَ ركعَتَي الفجرِ وصلاةِ الصبح، إن لم يُردْ بها أن يفصلَ بينَهما (٣) .
وقال الأثرمُ: سَمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن الاضطجاع بعدَ ركعَتَي الفجرِ، فقال: ما أفعلُه أنا، فإن فعلَه رجلٌ. ثم سكَت كأنَّه لم يَعِبْه إن فعلَه. قيلَ له:
vol. 5, p. 429لِمَ لَمْ تأخذْ به؟ فقال: ليس فيه حديثٌ يثبُتُ (١) . قلتُ له: حديثُ الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ؟ قال: روَاه بعضُهم مُرسلًا.
-
وذكَر أبو بكرٍ الأثرمُ مِن وجوهٍ عن ابنِ عمرَ أنَّه أنكَره، وقال: إنَّها بدعةٌ (٢) .
-
وعن إبراهيمَ، وأبي عبيدةَ، وجابرِ بنِ زيدٍ، أنَّهم أنكروا ذلك (٣) .
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا مِن الفقهِ، في غيرِ روايةِ مالكٍ مما روَاه أصحابُ ابنِ شهابٍ عنه، على ما ذكرناه في هذا البابِ، من اتِّخاذُ مؤذِّنٍ راتبٍ للأذانِ.
-
وفيه إشعارُ المؤذِّنِ للإمامِ بدخولِ الوقتِ وإعلامُه بذلك. وفي ذلك ما يدلُّ على أنَّ على المؤذِّنينَ ارتقابَ الأوقَاتِ. وقد احتجَّ بعضُ مَن لا يُجيزُ الأذانَ للصبحِ قبلَ الفجرِ بحديثِ ابنِ شِهابٍ هذا، مِن روايةِ عُقَيلٍ وغيرِه؛ لأنَّ فيه: فإذا سكت المؤذِّنُ الأوَّلُ من صلاةِ الفجرِ قام فرَكَع ركعتَين خَفِيفَتيْن (٤) . قالوا: فهذا يدلُّ على أنَّ الأذانَ لصلاةِ الفجرِ إنَّما كان بعدَ الفجرِ، في حينِ يجوزُ فيه ركوعُ ركعتَي الفجرِ؛ لقولِه: المؤذِّنُ الأوَّلُ. وهذا التأويلُ قد عارَضه نصُّ قولِه - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ بلالًا يُنادي بليلٍ" . وسيأتي القولُ فيه في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن سالم (٥) إن شاءَ اللهُ.
- vol. 5, p. 430
وفيه أنَّ ركعَتَي الفجرِ خفِيفَتان. وفيه دليلٌ على أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتركُ ركعَتَي الفجرِ، وأنَّه كان يُواظبُ عليهما، كما يُواظبُ على الوترِ.
-
واختلَف العلماءُ في الأوكدِ منهما؛ فقالت طائفةٌ: الوتْرُ أوكدُ وكلاهما سُنَّةٌ.