ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث
466 paragraphs · vol. 6, p. 335
Page 2 of 12
- vol. 6, p. 356
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ عثمان، قال: سمعتُ محمدَ بنَ وضّاح يقولُ: الأحاديثُ التي تُروَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في رَفْع اليدين في الصَّلاة (١) : ثم لا يعودُ، ضعيفةٌ كلُّها.
-
وقد احتجَّ بعضُ المُتأخِّرين للكُوفيِّين ومن ذهَب مذهَبَهم في رفْع اليدين بما حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْل، قال: حدَّثنا أبو بكر محمدُ بنُ بكّار بنِ يزيدَ الدِّمَشقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل ابن عُلَيّةَ القاضي بدمشقَ في شوّال سنةَ ثنتَين وستِّينَ ومئتين، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ الضَّريرُ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن المسيَّب بن رافع (٢) ، عن تميم بن طَرَفَة، عن جابرِ بنِ سَمُرة، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لي أراكم رافِعِي أيدِيكم كأنها أذنابُ خَيْل شُمُس (٣) ، اسكُنُوا في الصَّلاة" (٤) .
-
وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنّ الذي نهاهم عنه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غيرُ الذي كان يفعَلُه؛ لأنه محالٌ أن يَنهاهم عمّا سَنَّ لهم، وإنّما رأى أقوامًا يَعْبَثُون بأيدِيهم ويَرْفَعُونها في غيرِ مَواضع الرَّفْع فنَهاهم عن ذلك (٥) .
- vol. 6, p. 357
وكان في العربِ القادِمينَ والأعْرابِ مَن لا يَعرِفُ حُدودَ دينِه في الصَّلاةِ وغيرِها، وبُعِثَ - صلى الله عليه وسلم - معلِّمًا، فلمّا رآهُم يَعْبَثونَ بأيدِيهم في الصَّلاةِ نهاهُم وأمَرهم بالسُّكون فيها، وليس هذا من هذا الباب في شيء، واللهُ أعلم.
-
وأمّا الروايةُ عن مالكٍ كما ذكَرْنا عنه مما يُخالفُ روايةَ ابنِ القاسم، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أبو عُبيْدَةَ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدَّثنا أشهبُ بنُ عبد العزيز، قال: صَحِبْتُ مالكَ بنَ أنس قبلَ مَوْتِه بسَنَة، فما مات إلّا وهو يَرفَعُ يدَيْه. فقيلَ ليونسَ: كيف وَصَف أشْهَبُ رَفْعَ اليَدَين عن مالك؟ قال: سُئِلَ أشْهَبُ (١) عنه غيرَ مرّةٍ فكانَ يقولُ: يَرْفَعُ يدَيْه إذا أحْرَمَ، وإذا أراد أن يركَعَ، وإذا قال: سمع اللهُ لمن حمِده (٢) .
قال يونسُ: وحدَّثني ابنُ وَهْب قال: صَحِبْتُ مالكَ بنَ أنس في طريقِ الحجِّ، فلمّا كان بمَوضع - ذكَرَه يونسُ - دَنَتْ ناقَتي من ناقَتِه، فقلتُ له: يا أبا عبدِ الله، كيف يَرفَعُ المُصلِّي يدَيْه في الصَّلاة؟ فقال: وعن هذا تَسألُني؟ ما أُحِبُّ أن أسمَعَه منكَ. ثم قال: إذا أحْرَمَ، وإذا أراد أن يَركَعَ (٣) ، وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده. قال أبو عُبيْدَة: سمعتُ هذا من يونسَ غيرَ مرّة.
- vol. 6, p. 358
وفي (١) "المُسْتَخرَجة" (٢) من سَماع أشْهَبَ وابن نافع عن مالك، قال (٣) : يَرفَعُ المُصلِّي يدَيْه إذا رفَع رأسَه من الرُّكوع وقال: سمِع اللهُ لمن حمِده. قال: وليس الرَّفْعُ بلازم، وفي ذلك سَعَةٌ.
-
وذكَر الطَّبريُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، عن أشْهَبَ، عن مالكٍ مثلَ ذلك: ويَرْفَعُ مَن وراءَ الإمام لرَفْعِه إذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده. قال: وليس رَفْعُ اليدَيْن باللّازم، وفي ذلك سَعَةٌ (٤) .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ أحمدُ بنُ عَمْرو، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: رأيتُ مالكَ بنَ أنس يَرفَعُ يدَيْه في كلِّ خفضٍ ورفع - أو قال: كلَّما خفَض - فلم تَزلْ تلك صَلاتَه (٥) .
-
وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد (٦) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ وسعيدُ بنُ عثمانَ (٧) ، قالا: سمِعنا يحيى بنَ عُمرَ يقولُ: سمعتُ أبا المُصعَب الزُّهريَّ يقولُ (٨) : رأيتُ مالكَ بنَ أنس يَرفَعُ يدَيْه إذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده،
vol. 6, p. 359على حديثِ ابنِ عمرَ. قال أحمدُ بنُ خالد: وكان عندَنا جماعةٌ من عُلمائِنا يَرفَعُونَ أيديَهم في الصَّلاة، على حديثِ ابنِ عمرَ وروايِة مَن روَى ذلك عن مالك، وجماعةٌ لا يَرفَعُون إلّا في الإحرام، على روايةِ ابنِ القاسم، فما عاب هؤلاءِ على هؤلاء، ولا هؤلاءِ على هؤلاء.
-
وسمعتُ (١) شيخَنا أبا عمرَ أحمدَ بنَ عبدِ الملك بن هاشم رحمه الله يقولُ: كان أبو إبراهيمَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ شيخُنا يَرفَعُ يدَيْه كلما خفَض ورفَع، على حديثِ ابنِ عمرَ في "الموطأ" ، وكان أفضلَ من رأيتُ وأفْقَهَهم وأصحَّهم عِلْمًا ودينًا، فقلتُ له: فلِمَ لا تَرفَعُ أنتَ فيُقْتَدَى بكَ؟ قال لي: لا، لا أُخالِفُ روايةَ ابنِ القاسم (٢) ؛ لأنّ الجماعةَ لدَيْنا اليومَ عليها، ومخالفةُ الجماعةِ فيما قد أُبِيحَ لنا ليس من شِيَم الأئمّة.
وقال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم: الذي آخُذُ به في رَفْعِ اليدَيْن أن أرْفَعَ، على حديثِ ابنِ عمرَ. قال: ولم يَرْوِ أحدٌ عن مالك مثلَ روايةِ ابنِ القاسم في رَفْع اليدَيْن (٣) .
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد، قال: حدَّثنا الخضِرُ، قال: حدَّثنا الأثْرَمُ، قال: حَضَرْتُ أبا عبدِ الله - يعني أحمدَ بنَ حنبل (٤) - وقال له رجلٌ
vol. 6, p. 360غريبٌ: رأيتُك تَرفَعُ يدَيْكَ إذا أرَدْتَ الرُّكوعَ، ونحنُ عندَنا لا نَفعَلُ ذلك، أفَتَراه يَنقُصُ من الصَّلاةِ إذا لم نَفعَلْ؟ فقال: ما أدري، أمّا نحنُ فنَفعَلُه (١) ، وهو أكثرُ عندَنا وأثبتُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه. وقال بعضُ أصحابِه: له بكلِّ إشارةٍ عَشْرُ حَسَنات، بكلِّ أُصْبَع حَسَنة (٢) .
-
قيلَ لأبي عبد الله: تذهبُ إلى رفعِ اليَدَين في القِيام من اثنتين أيضًا؟ (٣) ، فقال: لا، أنا أذهَبُ إلى حديثِ سالم عن أبيه، ولا أذهَبُ إلى حديثِ وائل بن حُجْر؛ لأنّه مختَلَفٌ في ألفاظِه؛ حديثُ عاصم بن كُلَيْبٍ خِلافُ حديثِ عَمْرو بن مُرّة.
قال الأثْرَمُ: وسمِعتُه غيرَ مَرّةٍ يُسألُ عن رَفْع اليدَيْن عندَ الرُّكوع، وإذا رفَع رأسَه، فقال: ومَن يشكُّ في ذلك؟ كان ابنُ عمرَ إذا رأى من لا يَرفَعُ حَصَبَه.
قال: وحدَّثنا أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل (٤) - قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: سمعتُ زيدَ بنَ واقد، قال: سمعتُ نافعًا، قال: كان ابنُ عمرَ إذا رأى رجلًا لا يَرفعُ يديه حصَبه، وأمَره أن يَرفع (٥)
قال أبو عبد الله: وقد روَى غيرُ واحدٍ عن ابنِ لَهِيعَة (٦) ، عن عبدِ الله بنِ
vol. 6, p. 361هُبَيْرَة، عن مِشْرَح بنِ هاعان (١) ، عن عُقْبَة بنِ عامر، قال: له بكلِّ إشارةٍ عَشْرُ حَسَنات (٢) . قال: إلّا أنّ ابنَ المباركِ قال: عن ابنِ لَهِيعَة، عن مِشْرَح، عن عُقبَة: ليس بينَ ابنِ لَهِيعَةَ ومِشْرَح أحدٌ. ثم قال أبو عبد الله: هؤلاءِ يَكرهون ذلك. كالمُغْتاظِ عليهم، يعني أصحابَ أبي حنيفة.
قال أبو بكر الأثْرَم: حدَّثنا عليُّ بنُ أحمدَ بن القاسم الباهِليُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبَرَني عِياضُ بنُ عبدِ الله الفِهْريُّ، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ كان يقول: لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وزينةُ الصَّلاة التكبيرُ ورَفْعُ الأيدِي فيها.
قال: وحدَّثنا سعيدُ بنُ عُبَيْد، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعَة، عن ابنِ عَجْلان، عن النُّعمانِ بنِ أبي عيّاش، قال: كان يقالُ: لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وزينةُ الصَّلاةِ رَفْعُ الأيدِي عندَ الافتتاح، وحينَ يريدُ أن يَركعَ، وحينَ يريدُ أن يَرفع (٣) .
قال أبو عُمر: هذا يَدُلُّك على أنَّ رَفْعَ اليدَيْن ليس من أركانِ الصَّلاة، ولا من الواجبِ فيها، وأنه - على ما قدَّمْنا في أول الباب - خضوعٌ واستكانةٌ واستسلامٌ
vol. 6, p. 362وزينةٌ للصَّلاةِ - كما وصَفْنا - وهو قولُ الجمهور. وقد رُوِيَ عن الأوزاعيِّ، وذهبَ إلى ذلك الحُمَيديُّ فيمن لم يَرْفَع يدَيْه، على حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ الصَّلاةَ فاسدةٌ أو ناقصةٌ (١) .
-
ورأى بعضُهم عليه الإعادةَ، وليس هذا بصحيح عندَنا لِما ذكَرنا؛ لأنّ إيجابَ الإعادةِ إيجابُ فرْض، والفرائضُ لا تَثبُتُ إلّا بحجةٍ أو سُنّةٍ لا مُعارِضَ لها، أو إجماع من الأُمّة.
-
وقد ذكَرنا فرائضَ الصَّلاةِ وسُنَنَها فيما تقدَّم من كتابِنا هذا، ودَلَّلْنا على ذلك من حديثِ أبي هريرة، وحديثِ رِفاعةَ بنِ رافع بما أغْنَى عن ذِكْرِه هاهُنا (٢) .
-
وذكَر الطَّبريُّ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ الوليد بن مَزْيد، عن أبيه، عن الأوزاعيِّ، قال: بلَغنا أنَّ من السُّنّةِ فيما أجمعَ عليه علماءُ الحجازِ والبصرةِ والشام، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يَرفعُ يدَيْه حَذْوَ مَنْكِبيه حينَ يُكبِّرُ لاستفتاح الصَّلاة، وحينَ يُكبِّرُ للرُّكوع وَيهْوِي ساجِدًا، وحينَ يَرفعُ رأسَه من الركوع، إلّا أهلَ الكوفة فإنّهم خالَفُوا في ذلك أُمَّتَهم (٣) .
-
قيل للأوزاعيِّ: فإنْ نقَصَ من ذلك شيئًا؟ قال: ذلك نَقْصٌ من صلاتِه (٤) .
-
وفيما أجازَ لنا قاسمُ بنُ أحمدَ وعباسُ بنُ أصْبَغ، عن محمدِ بنِ عبدِ الملك بن أيمن، عن عبدِ الله بن أحمدَ بنِ حنبل، قال (٥) : سمعتُ أبي يقول: من رفَع يدَيْه فهو أفضلُ.
vol. 6, p. 363قال: وكان يحيى بنُ سعيد وابنُ عُلَيّة ويزيدُ بنُ هارونَ يرفعون. قال: وكان ابنُ عُيَيْنةَ ربّما فعَله، وربّما لم يفعلْه. قال: وينبغي لكلِّ مُصَلٍّ أن يفعلَه فإنّه من السُّنّة.
-
ومما يَدلُّ على أنَّ رَفْعَ اليدَيْن ليس بواجبٍ ما أخبَر به الحسنُ عن الصحابة؛ أنَّ مَن رفَع منهم لم يَعِبْ على مَن ترَكه.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد البِرْتيُّ القاضي ببغداد، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَر (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جُحادة، قال: حدَّثني عبدُ الجبّار بنُ وائل بن حُجْر، قال: كنتُ غُلامًا لا أعْقِلُ صلاةَ أبي، فحدَّثني وائلُ بنُ عَلْقَمة (٢) ، عن أبي وائل بن حُجْر، قال: صَلَّيْتُ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكانَ إذا دخَل في الصَّلاةِ كبَّر ورفَع يدَيْه، ثم التَحَفَ وأدخَلَ يدَيْه في ثَوْبه، فأخَذ شمالَه بيَمينِه، وإذا أراد أن يَركَعَ أخرَج يدَيْه من ثَوْبه، ثم رفَعَهُما وكبَّر وسجَد، ووضَع وجهَه بينَ كفَّيْه، وإذا رفَع رأسَه من السُّجُودِ رفَع يدَيْه، فلم يَزلْ يَفعلُه كذلك حتى فَرَغَ من صلاتِه. قال محمدُ بنُ جُحادة: فذَكَرْتُ ذلك للحَسَنِ بنِ أبي الحسن، فقال: هي صلاةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فعَله مَن فعَله، وترَكه مَن ترَكه (٣) .
- vol. 6, p. 364
ففي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ منهم مَن ترَكه، ولم يَعِبْ عليه مَن فعَله. واللهُ أعلم.
قال أبو عُمر: زيادةُ وائلِ بنِ حُجْر في حديثِه رَفْعَ اليدَيْن بينَ السَّجْدَتَين قد عارَضَه في ذلك ابنُ عمرَ بقوله: وكان لا يَرفعُ بينَ السَّجْدَتين. والسُّنَنُ لا تَثبُتُ إذا تعارَضَتْ وتدافَعَتْ. ووائلُ بنُ حُجْرٍ إنّما رآه أيامًا قليلةً في قُدومِه عليه، وابنُ عمرَ صحِبه إلى أن تُوفِّي - صلى الله عليه وسلم -، فحديثُ ابنِ عمرَ أصَحُّ عندَهم، وأولى أن يُعملَ به من حديثِ وائلِ بنِ حُجْر، وعليه العملُ عندَ جماعةِ فقهاءِ الأمصارِ القائلين بالرَّفْع.
قال أبو بكر الأثْرَم: قيل لأحمدَ بن حنبل (١) : رَفْعُ اليدَيْن من السَّجْدَتين؟ فذكَر حديثَ سالم، عن ابن عمر: ولا يَرفعُ بينَ السَّجْدَتَين، ثم قال: نحنُ نذهبُ إلى حديثِ ابنِ عمرَ.
وقال الرَّبيعُ، عن الشافعيّ: كلُّ تَكْبيرٍ كان في افتتاح أو في قيام ففيه رَفْعُ اليدَيْن (٢) .
-
حدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم. وأخبرنا إسحاقُ بنُ الحَسَنِ بنِ عليٍّ البَلْخِيُّ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بن عبدِ الأعلى بن محمدِ بنِ الحَسَن بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثني جَدِّي عبدُ الأعلى بنُ محمد، قال: حدَّثني جَدِّي الحَسَنُ بنُ عبد الأعلى، قالا جميعًا: أخبَرنا عبدُ الرزّاق، قال (٣) : أخبَرنا داودُ بنُ
vol. 6, p. 365إبراهيم، قال: رأيتُ وَهْبَ بنَ مُنَبِّه يَرفعُ يدَيْه في الصَّلاة إذا كبَّر، وإذا ركَع رفَع يدَيْه، وإذا رفَع رأسَه من الركوع رفَع يدَيْه، ولا يفعلُ ذلك في السُّجُود. وكان طاووسٌ [ونافعٌ] (١) مولى ابنِ عمرَ وأيوبُ السَّخْتيانيُّ يَرفَعون أيديَهم بينَ السَّجْدَتَين.
-
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنّه كان يَرفعُ في كلِّ تَكبيرة (٢) . وما فعَله مالكٌ أصحُّ عنه، إن شاء الله.
-
وقد أكثرَ أهلُ العلم بالكلام في هذا الباب، وأفرَط بعضهم في عَيْبِ مَن لم يَرفع، ولا وجْهَ للإكثارِ فيه.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثني داودُ بنُ يحيى بن يَمانٍ الثقةُ المأمون، عن ابن المُبارك، قال: صلَّيْتُ إلى جَنْبِ سفيان وأنا أريدُ أن أرفعَ يَدَيَّ إذا ركَعْتُ وإذا رفَعْتُ، فهَمَمْتُ بتَرْكِه وقلتُ: يَنهاني سفيانُ، ثم قلتُ: شيءٌ أدِينُ لله به لا أدَعُه، ففَعَلْتُ، فلم يَنْهَني (٣) .
-
ورُوِيَ عن ابنِ المبارك، قال: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أبي حنيفة، فرفَعتُ يَدَيَّ عندَ الركوع وعندَ الرَّفْع منه، فلمّا انقَضَتِ الصَّلاةُ قال لي: أرَدْتَ أن تَطيرَ؟ فقلتُ له: وهل مَن رفَع في الأولى يُريدُ أن يَطيرَ؟ فسكَت (٤) .
- vol. 6, p. 366
حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياث، قال: سمعتُ سفيانَ الثَّوريَّ يقولُ: إذا رأيتَ الرجلَ يَعملُ بعَمَل قد اختُلِفَ فيه وأنتَ ترَى غيرَه فلا تَنْهَه (١) .
قال أبو عُمر: اختلَفَتِ الآثارُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابةِ ومَن بعدَهم في كيفيّة رَفْع اليدَيْن في الصَّلاة؛ فرُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان يَرفعُ يدَيْه مدًّا فوقَ أُذُنَيْه مع رأسِه، ورُوِيَ عنه أنّه كان يَرفعُ يديه حَذْوَ أُذُنَيْه، ورُوِيَ عنه أنّه كان يَرفَعُهما إلى صَدْرِه، وكلُّها آثارٌ محفوظةٌ مشهورة.
-
وأثبتُ شيءٍ في ذلك عندَ أهلِ العلم بالحديثِ حديثُ ابنِ عمرَ هذا، وفيه الرَّفْعُ حَذْوَ المَنْكِبَين، وعليه جمهورُ الفقهاءِ بالأمصارِ وأهلُ الحديث، وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنّه كان يَرفعُ يدَيْه في الإحرام حَذْوَ مَنْكِبيه، وفي غير الإحرام دونَ ذلك قليلًا (٢) ، وكلُّ ذلك واسعٌ حَسَن، وابنُ عمرَ روَى هذا الحديثَ وهو أعلمُ بتأوِيله ومَخرَجِه.
-
وذكَر الأثْرَمُ قال: حدَّثنا أبو حذيفة، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمّار، قال (٣) : رأيتُ سالمًا والقاسمَ وطاووسًا وعطاءً ونافعًا وعبدَ الله بنَ الزُّبير ومكحولًا يَرفعون أيديَهم في: استفتاح الصَّلاة، وعندَ الرُّكوع، وعندَ رَفْع الرأسِ من الرُّكوع حَذْوَ المَنْكِبَين، وكان أحمدُ بنُ حنبل يختارُ ذلك.
قال أبو عُمر: وهو اختيارُ مالكٍ والشافعيِّ وأصحابهما، وعليه العملُ عندَ الجمهور. وأمّا قولُه في هذا الحديث: إذا رفَع رأسَه من الرُّكوع رفَعهما كذلك
vol. 6, p. 367وقال: "سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ" ، فإنَّ أهلَ العلم اختَلَفوا في الإمام؛ هل يقولُ مع سمِع اللهُ لمن حمِده: ربَّنا ولك الحمدُ، أم يَقتصرُ على: سمِع اللهُ لمن حمِده فقط؟ فذهَب مالكٌ وأبو حنيفةَ ومَن قال بقولهما إلى أنَّ الإمامَ لا يقولُ: ربَّنا ولك الحمدُ، وإنّما يقولُ: سمِع اللهُ لمن حمِده، لا غيرُ (١) . وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ الزُّهريِّ عن أنس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ قولُه في الإمام: "إذا ركَع فارْكَعوا، وإذا رفَع فارْفَعُوا، وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده فقولوا: ربَّنا ولكَ الحمدُ" . وقد تقدَّم هذا الحديثُ في باب ابنِ شهابٍ عن أنس من كتابنا هذا (٢) .
-
وروَى أبو صالح عن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه (٣) ، وفيه دليلٌ على أنَّ الإمامَ يَقتصِرُ على قول: سمِع اللهُ لمن حمِده، والمأمومَ يَقتصِرُ على: ربَّنا ولك الحمدُ.
-
وقال الشافعيُّ وأبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسن وجماعةٌ من أهل الحديث: يقولُ الإمامُ: سمِع اللهُ لمن حمِده ربَّنا ولك الحمدُ. وقال مالكٌ: يقولها المُنفردُ (٤) .
-
وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ ابنِ عمرَ هذا وما كان مثلَه.
-
وممن رَوَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان يقول: "سمِع اللهُ لمن حمِده ربَّنا ولك الحمدُ" : أبو هريرة، من حديثِ ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبدِ الرحمن بن
vol. 6, p. 368الحارث بن هشام وأبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عَوْف، عن أبي هريرة (١) ، ومن حديثِ أبي سعيدٍ المَقْبُريِّ عن أبي هريرة. ورواه أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ (٢) ، وعبدُ الله بنُ أبي أوْفَى (٣) ، كلُّهم روَوْا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان يقولُ: "سمِع اللهُ لمن حمِده ربَّنا ولك الحمدُ" .
-
وأمّا المأمومُ (٤) ؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما والثَّوريُّ: لا يقولُ المأمومُ: سمِع اللهُ لمن حمِده، وإنّما يقولُ: ربَّنا ولك الحمدُ، فقط.
وقال الشافعيُّ (٥) : يقولُ المأمومُ: سمِع اللهُ لمن حمِده ربَّنا ولك الحمدُ. كما يقولُها الإمامُ والمُنفرِدُ تأسِّيًا برسُول الله - صلى الله عليه وسلم - واتِّباعًا لفعل إمامِه. وفي حديث ابن شِهابٍ الزُّهري، عن أنس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حُجّةٌ لمالكٍ في ذلك على الشافعيِّ، وقد مضَى ذكْرُه في بابِه من هذا الكتاب (٦) ، فأغنَى عن إعادتِه هاهُنا والحمد لله.
- vol. 6, p. 369
حديثٌ ثانٍ لابن شِهاب، عن سالم مُسْنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن ابن شهاب، عن سالم بنِ عبدِ الله بنِ عُمرَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على رجل وهو يَعِظُ أخاهُ في الحياء، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "دَعْه، فإنَّ الحياءَ مِن الإيمان" .
-
هكذا روَى هذا الحديثَ كلُّ مَن رَواه عن مالكٍ فيما عَلِمْتُ، في "الموطأِ" وغيرِه، بهذا الإسناد، إلّا روايةً جاءَتْ عن أبي مُصْعَب الزُّهْريِّ (٢) ، وعبدِ الله بنِ يوسفَ التِّنِّيسيِّ، مرسَلَةً (٣) . والصحيحُ عندَنا ما في إسنادِه الايصالُ. وكذلك رواه أصحابُ ابنِ شهابٍ عنه بهذا الإسناد، وأخطَأ فيه جُوَيْرِيةُ عن مالك، فرواه: عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن عليِّ بنِ حُسَين. وقال محمدُ بنُ يحيى النيسابوريُّ (٤) : وَهَمَ جُوَيْريةُ، وأظُنُّه أراد: "مِن حُسْن إسلام المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه" .
vol. 6, p. 370قال أبو عُمر: لا يَصِحُّ فيه إلّا إسنادُ "الموطَّأ" ، وكذلك رواه يحيى القطّانُ وغيرُه عن مالك.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسينُ بنُ الفَتْح بنِ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ السَّلام الأزْدِيُّ إملاءً، قال: حدَّثنا مُعاذُ بنُ المُثَنَّى بنِ مُعاذٍ العَنْبَريُّ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَد، قال: حدَّثنا يحيى، وهو القطّانُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيه عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّ رجلًا جعَل يَعِظُ أخاه في الحياء، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "دَعْه، فإنَّ الحياءَ مِن الإيمان" (١) .
-
وحدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَر بنِ الورد، قال: حدَّثنا يحيى بن أيوب، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مَرْيَم، قال: أخبرنا مالكٌ وسفيانُ بنُ عُيينة، عن الزُّهْريِّ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على رجل من الأنصارِ وهو يَعِظُ أخاه في الحياءِ، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "دَعْه، فإنَّ الحياءَ مِن الإيمان" .
-
وهكذا هذا الحديثُ بهذه الألفاظِ المختَصَرةِ (٢) عندَ مالكٍ في روايةِ كلِّ مَن رأينا روايتَه في "الموطَّأِ" وغيرِه، عن مالك. وكذلك رواه أصحابُ ابنِ شهاب، إلّا أنّ عبدَ العزيزِ بنَ أبي سَلَمةَ زادَ فيه - عن ابنِ شهابٍ - ألفاظًا.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ فَتْح بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ فارسِ بنِ شُجاع البغداديُّ أبو العباسِ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ الوَليدِ الكِنْدِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمةَ الماجِشُون، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، قال: سَمِع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يُعاتِبُ
vol. 6, p. 371أخاه في الحياء، يقول: إنَّك لتَسْتَحي حتى أنَّه قد أضَرَّ بك. فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "دَعْه، فإنَّ الحياءَ مِن الإيمانِ" (١) .
-
ومعنى هذا الحديث، واللّه أعلمُ: أنَّ الحياءَ يَمنَعُ من كثيرٍ من الفُحْشِ والفَواحِش، ويشتملُ (٢) على كثيرٍ من أعمالِ البِرِّ، وبهذا صارَ جزءًا وشُعبةً من الإيمان؛ لأنّه وإن كان غَريزةً مُركَّبةً في المرء، فإنَّ المُستَحِيَ يَندَفعُ بالحياءِ عن كثيرٍ من المَعاصي، كما يَندَفِعُ بالإيمانِ عنها إذا عَصَمَه اللهُ، فكأنّه شُعبةٌ منه؛ لأنّه يعملُ عملَه، فلمّا صار الحياءُ والإيمانُ يعملانِ عملًا واحدًا، جُعِلا كالشيءِ الواحد، وإن كان الإيمانُ اكتِسابًا، والحياءُ غَرِيزة.