ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث

466 paragraphs · vol. 6, p. 335

Page 3 of 12

  1. والإيمانُ شُعَبٌ كثيرة (٣) ؛ حَدَّثَنَا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ عبدِ الملكِ رحمه الله، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مِسْكِين، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سَنْجَرَ الجُرْجانيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم الفضلُ بنُ دُكَيْن (٤) ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ الثَّوريُّ، عن سُهَيْل بنِ أبي صالح، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون شُعبةً، أعظمُها لا إلهَ إلّا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذَى عن الطريق، والحياءُ شُعبةً مِن الإيمان" (٥) .

    vol. 6, p. 371
  2. وحَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا عفّانُ، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ سَلَمةَ، عن سُهَيْل بنِ أبي صالح، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون شُعبةً، أفضَلُها لا إلهَ إلّا اللهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذَى عن الطَّريق، والحياءُ شعبةٌ مِن الإيمان" (١) .

    vol. 6, p. 372
  3. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمِذيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو صالح عبدُ الله بنُ صالح، قال (٢) : حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ العَجْلان. وأخبَرنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَضّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٣) : حَدَّثَنَا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن ابنِ العَجْلان، قالا جميعًا: عن عبدِ الله بنِ دينار، عن أبي صالح السَّمّان، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الإيمانُ سِتُّونَ - أو سبعون، أو بِضْعَةٌ، أو أحَدُ العَدَدَيْن - بابًا، أعْلاها شهادةُ أنْ لا إلهَ إلّا الله، وأدْناها إماطَةُ الأذَى عن الطريق، والحياءُ شُعبةٌ مِن الإيمان" .

  4. ولما كان مَن لا يَسْتَحي راكبًا للفواحِش، مُرتكِبًا للقَبِيح، لا يَحْجُزُه عن ذلك حَياءٌ ولا دِينٌ - كما قال: "في النبوةِ الأولى مكتوبٌ: إذا لَمْ تَسْتَحِي فاصنع ما شِئْتَ" (٤) .

  5. وقد رَوَينا عن سعيدِ بنِ المُسيِّب الله قال: قلَّةُ الحياءِ كُفْرٌ. وبعضُهم يَرفَعُه عنه (١) .

    vol. 6, p. 373
  6. وهذا صحيحُ المعنى على الضِّدِّ، لأنّ مَن لا يَسْتَحِي لا يُبالي من العارِ والمعاصي ما يأتي، وكان المُسْتَحِي من أجلِ حيائِه مُرْتَدِعًا عن الفواحِشِ والعارِ والكبائر، فصارَ الحياءُ من الإيمان، لأنَّ الإيمانَ عندَنا معَ التَّصديقِ: الطاعاتُ وأعمالُ البِرِّ، ولذلك صارَ الخُلُقُ الحَسَنُ من كمالِ الإيمانِ وتمامِه على هذا المَعْني، لأنَّ صاحِبَه يَصبِرُ، فلا يَشْفي غيظَه بما يُسْخِطُ ربَّه، وَيحْلُمُ فلا يَفْحُشُ، ولا يَنتَصِرُ بلِسانٍ ولا يَدٍ، ونحوُ هذا ممّا لا يخرُجُ عن معنَى ما وصَفنا.

  7. حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا عَفّانُ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن محمدِ بنِ زياد، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: إنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إنَّ أكمَلَكم إيمانًا أحاسِنكم أخلاقًا إذا فَقِهُوا" (٢) .

  8. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الجَهْم (٣) ،

    vol. 6, p. 374قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوهّاب، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عَمْرو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "أكمَلُ (١) المؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا" (٢) .

  9. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حَدَّثَنَا الحميديُّ، قال (٣) : حَدَّثَنَا سفيان، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ دينار، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، عن يَعْلى بن مَمْلَك (٤) ، عن أُمِّ الدَّرْداء، عن أبي الدَّرْداء، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: "إنَّ أثْقَلَ شيءٍ في الميزانِ خُلُقٌ حَسَنٌ، واللّهُ عزَّ وجلَّ يُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ" (٥) .

  10. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارث، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشار، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جعفر، قال: حَدَّثَنَا شعبة، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ أبي بزّةَ يُحدِّثُ عن عطاء الكَيْخارانيِّ، عن أُمِّ الدَّرْداء، عن أبي الدَّرْداء أو عن أُمِّ الدَّرْداء، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: "ما شيءٌ أَثْقَلَ في الميزانِ من الخُلُقِ الحسن" (١) .

    vol. 6, p. 375
  11. ورواه ميمونُ بنُ مِهْران، عن أُمِّ الدَّرْداء قال لها: سَمِعتِه من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قالت: نعم (٢) .

    قال أبو عُمر: القولُ في الإيمانِ عندَ أهل السُّنّة؛ وهم أهلُ الأثرِ من المتَفقِّهةِ والنَّقَلة، وعندَ مَن خالَفَهم من أهل القبلة، في العبارةِ عنه اختلافٌ، وسنَذكُرُ منه في هذا الباب ما فيه مَقْنَعٌ وهِدايةٌ لأُولي الألباب.

  12. أجمع أهلُ الفقه والحديث على أنَّ الإيمانَ قولٌ وعَمَلٌ، ولا عَمَل إلّا بنيّة، والإيمانُ عندَهم يَزيدُ بالطاعة وَينقُصُ بالمعصية، والطاعاتُ كلُّها عندَهم إيمانٌ (١) ، إلّا ما ذُكِر عن أبي حنيفةَ وأصحابه، فإنّهم ذهَبوا إلى أنَّ الطاعاتِ لا تُسمَّى إيمانًا، قالوا: إنّما الإيمانُ: الإقرارُ والتَّصديقُ (٢) . ومنهم مَن زاد: والمعرفةُ. قالوا: وهو المعروفُ من لسانِ العربِ ومن السُّنّةِ المجتَمَع عليه، ألا تَرى إلى قولِ الله عزَّ وجلَّ حاكيًا عن بني يعقوبَ عليه السَّلام: {قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: ١٧] أي: بمصدِّق (٣) لا.

    قالوا: وإنّما أمَر اللهُ نبيَّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينَ بعَثه إلى الخَلْقِ أن يَدعُوَهم إلى الإيمانِ به، ولهم الجنةُ على ذلك، فدَعاهم إلى شهادةِ أن لا إلهَ إلّا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، يقولون ذلك، ويُقِرُّون به، ويُصدِّقُونَه فيما جاء به، فكان كلُّ مَن قال ذلك وصَدَّقَ به مُؤمنًا مُستكْمِلَ الإيمان، ثم نزَلَتِ الفرائضُ بعدَ ذلك، وكلُّ مَن مات من الصحابة رضي اللهُ عنه قبلَ نزولِ الفرائض، وقبلَ عَمَلِها، كان مُؤمنًا لا محالة، كاملَ الإيمان. قالوا: فالطاعاتُ لا تُسمَّى إيمانًا، كما أنَّ المعاصيَ لا تُسمَّى كُفرًا. وذكَر بعضُهم حديثَ النبيِّ عليه السَّلامُ إذ سُئِل عن الإيمانِ فقال: "أن تُؤمِنَ باللّه، وملائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، والبَعْثِ بعدَ الموت، والقدرِ خيره وشرِّهِ" (٤) .

    vol. 6, p. 376
  13. واحْتَجُّوا منَ الآثارِ المرفوعةِ إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك: بما حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ

    vol. 6, p. 377سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمد بن شاكرٍ وأحمدُ بنُ زُهَيْر بن حَرْب (١) ، قالا: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ داودَ الهاشميُّ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن ابنِ شهاب، قال: أخبرني محمودُ بنُ الرَّبيع، أنَّه سمِعَ عِتْبانَ بنَ مالكٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فذكَر الحديثَ في قصةِ مالكِ بن الدُّخْشُم بطولِه، وفيه: أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "ألا تراه قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، يبتغي بها وجهَ الله؟ " ، فقالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، أمّا نحن، فواللّه ما نَرى وجهَه وحديثَه إلّا إلى المنافقين. فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فإنَّ اللهَ قد حرَّم على النارِ أن تَأكُلَ مَن قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، يبتغي بها وجهَ الله" (٢) .

    قال ابنُ شهاب: ولكِنّا أدْرَكْنا الفقهاءَ وهم يَرَوْنَ أنَّ ذلك كان قبلَ أن تَنزِلَ مُوجِباتُ الفرائض، فإنّ اللهَ قد أوْجَب على أهل هذه الكلمةِ التي ذكَرَها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذكَر النجاةَ بها، فرائضَ في كتابه، فنحن نَخشَى أن يكونَ الأمرُ قد صار إليها، فمَن استطاع ألا يَغْتَرَّ، فلا يَغْتَرَّ (٣) .

  14. وذكَر عبدُ الرزّاق (٤) ، عن مَعْمَر، عن الزهريِّ، قال: حدَّثني محمودُ بنُ الرَّبيع، عن عِتْبانَ بنِ مالك، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لن يُوافِيَ عبدٌ يومَ القيامةِ

    vol. 6, p. 378وهو يقولُ: لا إلهَ إلّا اللهُ، يبتغي بها وجهَ الله، إلّا حرَّمه اللهُ على النار " (١) . قال الزهريُّ: ثم نزلَتْ بعدَ ذلك فرائضُ وأُمورٌ، نرى الآخِرَ انتهى إليها، فمَن استَطاع ألا يَغْتَرَّ فلا يَغْتَرَّ.

  15. وهذا الحديثُ قد رواه أنسُ بنُ مالك، عن محمود بن الرَّبيع، عن عِتْبانَ بنِ مالك بمعناه (٢) . وهو في رواية الصحابةِ عن التابعين، والكبار عن الصغار، وهذا المعنى أيضًا رواه أنسُ بنُ مالك، عن مُعاذِ بنِ جبل (٣) .

  16. حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال (٤) : حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ زيد، عن عبدِ العزيز بنِ صُهيب، عن أَنَس بن مالك، عن مُعاذِ بن جبل، قال: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله وسَعْدَيْكَ - قالها ثلاثًا - قال: "بَشِّرِ النّاسَ أنّه مَن قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، دخَل الجنّة" (٥) .

  17. وحَدَّثَنَا سعيدُ بن نصر، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ رَوْح، قال: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن قتادة، قال: سمعتُ

    vol. 6, p. 379أَنَسٍ بنَ مالك يُحدِّثُ، عن معاذِ بنِ جبل، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مَن شَهِدَ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، دخَل الجنّة" (١) .

  18. ورواه عن معاذٍ أيضًا: جابرُ بنُ عبد الله (٢) ، وعبدُ الرَّحمن بنُ سَمُرَة (٣) ، وعمرُو بنُ ميمونٍ، وغيرُهم. ورواه أبو ذَرٍّ وأبو الدَّرْداء، فقالا جميعًا فيه عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وإن زنَي، وإن سرَقَ" .

  19. حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمد القاضي البِرْتيُّ وإسحاقُ بنُ الحَسَن الحربيُّ، قالا: أخبرنا أبو مَعْمَر عبدُ الله بنُ عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سعيد، عن الحُسين المُعلِّم، عن ابن بُرَيْدَة، أنّ يحيى بنَ يَعْمَرَ حدَّثه، أنَّ أبا الأسودِ الدُّؤليَّ حدَّثه، أنَّ أبا ذَرٍّ حدَّثَه، قال: قال لي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما من عبدٍ قال: لا إلهَ إلّا اللهُ، ثم ماتَ على ذلك، إلّا دخَل الجنّة" ، قلتُ: وإنْ زنَى، وإنْ سرَق؛ قال: "وإنْ زنَى، وإنْ سَرَق، على رَغْم أنفِ أبي ذَرٍّ" . ولم يقل الحربيُّ: "وإنْ زنَى، وإنْ سرَق" إلّا مرّةً واحدةً (٤) .

  20. وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمد بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أيوب، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عَمْرو البَزّار، قال (٥) : أخبرنا محمدُ بنُ مَعْمر،

    vol. 6, p. 380قال: حَدَّثَنَا أبو هشام (١) المغيرةُ بنُ سَلَمة، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحد بنُ زياد، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عبيد الله، قال: حَدَّثَنَا زيدُ بنُ وَهْب، قال: سمعتُ أبا الدَّرداء يقولُ: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن ماتَ لا يُشْرِكُ باللّه شيئًا دخَل الجنّة" . قلتُ: وإنْ زنَى، وإنْ سرَق؛ قال: "وإنْ زنَى، وإنْ سرَق" . قال: "وإن رَغِم أنفُ أبي الدَّرداء" (٢) .

  21. وقرأتُ على عبدِ الوارث بنِ سفيان، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال (٣) : حَدَّثَنَا يحيى بنُ سعيد، قال: حَدَّثَنَا نُعَيمُ بنُ حَكيم (٤) ، قال: حَدَّثَنَا أبو مويم (٥) ، قال: سمعتُ أبا الدرداءِ يُحدِّثُ، عن النبيِّ عليه السَّلام، قال: "ما مِن رجلٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ - أو مات لا يُشْرِكُ باللّه - إلّا دَخَل الجنّة، أو لَمْ يَدْخُلِ النارَ" ، قلتُ: وإنْ زنَى، وإنْ سرَق؟ قال: "وإنْ زنَى، وإنْ سرَق، وإن رَغِم أنفُ أبي الدَّرداء" (٦) .

  22. واحتجُّوا أيضًا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} [الممتحنة: ١٠] ، قال: ومعلومٌ أنّ امتِحانَهم

    vol. 6, p. 381إياهُنَّ إنّما هو مُطالبةٌ لهُنَّ بالإقرارِ بالشهادةِ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، كما قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للذي جاءَه بالأمَةِ السَّوْداء، فقال له: يا رسولَ الله، إنَّ علَيَّ رقبةً مُؤمنةً، فإن كنتَ تَرى هذه يا رسولَ الله مؤمنةً أُعتِقُها. فقال لها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أتشهَدِين أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنِّي رسولُ الله؟ " ، قالت: نعم، قال: "أعْتِقْها، فإنَّها مؤمنةٌ" ، وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ فيما تقدَّم من كتابنا هذا (١) .

    قالوا: فهذا هو الإيمانُ المعروفُ في اللغة وصريح السنة؛ الإقرارُ والتَّصديقُ، وأمّا فرائضُ الأعمال، فلا تُسمَّى إيمانًا، كما لا تُسَمَّى الذُّنُوبُ كُفْرًا. قالوا: ولما لَمْ تكنِ المعصيةُ كُفْرًا، لَمْ تكنِ الطاعةُ إيمانًا، هذا جملةُ ما عوَّلُوا عليه فيما ذهَبوا من ذلك إليه.

  23. وأمّا سائرُ الفقهاءِ من أهل الرَّأي والآثارِ بالحجازِ والعراقِ والشّام ومصر (٢) ؛ منهم: مالكُ بنُ أنس، واللَّيثُ بنُ سعد، وسفيانُ الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، والشّافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُويَة، وأبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلّام، وداودُ بنُ عليٍّ، وأبو جعفرٍ الطَّبريُّ، ومَن سَلَك سبيلَهم، فقالوا: الإيمانُ قولٌ وعملٌ؛ قولٌ باللِّسان، وهو الإقرارُ، واعْتِقادٌ بالقلب، وعَمَل بالجوارح، مع الإخْلاص بالنية الصّادقة.

    قالوا: وكلُّ ما يُطاعُ اللهُ عزَّ وجلَّ به من فَريضةٍ ونافلَة، فهو من الإيمان، والإيمانُ يَزيدُ بالطّاعاتِ ويَنقُصُ بالمعاصي.

  24. وأهلُ الذُّنُوبِ عندَهم مؤمنون غيرُ مُستكْملي الإيمانِ من أجل ذُنوبهم، وإنّما صاروا ناقِصي الإيمانِ بارْتكابهم الكبائرَ، ألا تَرى إلى قولِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

    vol. 6, p. 382"لا يزني الزاني حين يَزْني وهو مؤمنٌ، ولا يسرِقُ السارِقُ حين يَسْرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يَشْرَبُ الخمرَ حين يَشْرَبُها وهو مؤمن" (١) ؛ يريدُ مُستكْمِلَ الإيمان، ولم يُرِدْ به نَفْيَ جميع الإيمان (٢) عن فاعلِ ذلك، بدليل الإجماع على توريثِ الزاني والسارقِ وشاربِ الخمر - إذا صَلَّوا للقبلة، وانتَحَلوا دَعوَةَ الإسلام - من قَراباتهم المؤمنين الذين أَمنوا بتلك - الأحوال، وفي إجماعِهم على ذلك مع إجماعِهم على أنَّ الكافرَ لا يَرِثُ المسلمَ، أوْضَحُ الدَّلائل على صحَّةِ قولنا: إنَّ مُرتكِبَ الذنوبِ ناقِصُ الإيمانِ بفِعْلِه ذلك، وليس بكافرٍ كما زعَمَتِ الخوارجُ في تكْفيرِهم المذنبين.

  25. وقد جعَل اللهُ في ارتكابِ الكبائرِ حُدُودًا، جعَلَها كفارةً وتَطْهيرًا، كما جاء في حديثِ عُبادةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فمَن واقَع منها شيئًا - يعني: من الكبائر - وأُقِيم عليه الحدُّ، فهو له كَفّارةٌ، ومن لا، فأمرُه إلى الله، إن شاء غفَر له، وإن شاء عذَّبَه" (٣) . وليس هذا حُكْمَ الكافر؛ لأنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ به، ويَغفِرُ ما دونَ ذلك لمَن يشاءُ.

  26. والإيمانُ مراتبُ، بعضُها فوقَ بعض، فليس الناقصُ فيها كالكامل، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: ٢] ، أي: إنّما المؤمنُ حقَّ الإيمانِ مَن كانت هذه صفَتَه، ولذلك قال: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: ٤] ، ومثلُ هذه الآيةِ في القرآن كثيرٌ وكذلك قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "المسلمُ مَن سَلِم المسلمون مِن لسانِه ويَدِه،

    vol. 6, p. 383والمؤمنُ مَن أمِنَه النّاسُ على دِمائِهم وأموالِهم " (١) ، أي: هو المؤمنُ المسلمُ حقًّا. ومن هذا قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا "، ومعلومٌ أنه لا يكونُ هذا أكمَلَ حتى يكونَ غيرُه أنقَصَ، وكذلك قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أوْثَقُ عُرَى الإيمانِ الحبُّ في الله، والبُغْضُ في الله " (٢) ، وقولُه: " لا إيمانَ لمَن لا صلاةَ له " (٣) ، و" لا مَن لا أمانةَ له" (٤) . كلُّ ذلك يدُلُّ على أنّه ليس بإيمانٍ كامل، وأنَّ بعضَ الإيمانِ أوثَقُ

    vol. 6, p. 384عُرْوَةً، وأكملُ من بعض، كما قال: "ليس المسكينُ بالطَّوّاف عليكم" الحديثَ (١) . يريدُ: ليس الطَّوّافُ بالمسكين حقًّا؛ لأنّ ثَمَّ مَن هو أشَدُّ مَسْكَنةً منه، وهو الذي لا يَسْألُ الناسَ ويتعَفَّفُ. وَيدُلُّك على ذلك قولُ عائشة: إنَّ المسكينَ ليَقِفُ على بابي. الحديثَ (٢) . وروَى مجاهدُ بنُ جَبْرٍ وأبو صالح السَّمّان جميعًا، عن عبدِ الله بنِ ضَمْرة (٣) ، عن كعب، قال: مَن أحَبَّ في الله، وأَبْغَض في الله، وأعْطَى في الله، ومَنَع للّه، فقد استَكمَل الإيمان (٤) .

  27. ومن الدَّلائل على أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، كما قالتِ الجماعةُ والجمهورُ، قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: ١٤٣] ، لَمْ يختلفِ المفَسِّرون أنَّه أراد: صلاتكم إلى بيتِ المقدس، فسَمَّى الصَّلاةَ إيمانًا. ومثلُ هذا قولُه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: ١٧٧] .

  28. وأمّا من السُّنَّة، فكثيرٌ جدًّا؛ من ذلك قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "بُني الإسلامُ على خمس: شهادَةِ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وإقام الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحجِّ، وصوم رمضانَ" (٥) .

  29. وقد كان معاذُ بنُ جبل يقولُ لأصحابه: تَعالَوْا بنا ساعةً نُؤمنْ (١) ، أي: نَذكُرِ اللهَ. فجعَل ذِكْرَ الله من الإيمان. ومثلُ هذا حديثُ طلحةَ بنِ عبيد الله، أنَّ أعرابيًّا سألَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الإسلام، فقال: "خمسُ صلوات" . الحديثَ، ويأتي في باب مالك، عن عَمِّه أبي سُهَيْل (٢) ، إن شاء اللهُ.

    vol. 6, p. 385
  30. حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الملك، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ مَسْرور، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكين، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا الحجّاجُ بنُ مِنْهال، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ سَلَمة، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن رجل، عن أبيه، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: "أسْلِمْ" ، قال: وما الإسلامُ؟ قال: "أن تُسْلِمَ قلبَك للّه، وأن يَسْلَمَ المسلمون من لِسانِك ويَدِك" ، قال: فأيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: "الإيمانُ" ، قال: وما الإيمانُ؟ قال: "أن تُؤْمِنَ باللّه، وملائكتِه، وكُتُبِه، ورسُلِه، والبعثِ بعدَ الموت" ، قال: فأيُّ الأعمال أفضلُ؟ قال: "الهجرةُ" ، قال: وما الهجرةُ؟ قال: "أن تَهْجُرَ السُّوءَ" ، قال: فأيُّ الهجرةِ أفضلُ؟ قال: "أن تُجاهِدَ المشركين إذا لَقِيتَهم، ثم لا تَغُلَّ ولا تَجْبُنَ" (٣) .

  31. وكذلك رواه حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب، كما رواه حمّادُ بنُ سَلَمة، سواءً بإسنادِه (١) .

    vol. 6, p. 386
  32. ورواه عن حمّادِ بنِ زيدٍ جماعةٌ من أصحابه، منهم: أبو عمرَ الضَّرِيرُ، ومُؤمَّلُ بنُ إسماعيل، وسليمانُ بنُ حَرْب (٢) ، وغيرُهم. وهذا لفظُ حديثِ مُؤمَّل، عن حمّادِ بنِ زيد، قال: كَلَّمْتُ أبا حنيفةَ في الإرجاء، فجعَل يقولُ وأقولُ، فقلتُ له: حَدَّثَنَا أيوبُ، عن أبي قِلابة، قال: حدَّثني رجلٌ من أهل الشام، عن أبيه، ثم ذكَر الحديثَ سواءً إلى آخِرِه. قال حمّادٌ: فقلتُ لأبي حنيفة: ألا تَراه يقولُ: أيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: والإيمانُ؟ ثم جعَل الهجرةَ والجهادَ من الإيمان. قال: فسكَت أبو حنيفةَ، فقال بعضُ أصحابه: ألا تُجيبُه يا أبا حنيفة؟ قال: لا أُجِيبُه وهو يُحدِّثُني بهذا عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وفي رواية مُؤَمَّل وغيرِه في هذا الحديث، عن حمادِ بنِ زيد، قال: كنتُ بمكةَ مع أبي حنيفةَ، فجاءَه رجلٌ، فسأله عن الإيمانِ وعن الإسلام، فقال: الإسلامُ والإيمانُ واحدٌ. فقلتُ له: يا أبا حنيفةَ، حَدَّثَنَا أيوبُ، عن أبي قِلابة، وذكَره.

    قال أبو عُمر: أكثرُ أصحاب مالك على أنَّ الإسلامَ والإيمانَ شيءٌ واحدٌ، ذكَر ذلك ابنُ بُكَيْر في الأحكام، واحتجَّ بقول الله عزَّ وجلَّ: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: ٣٥، ٣٦] ، أي: غيرَ بيتٍ منهم. قالوا: وأمّا قولُه جلَّ وعزَّ: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: ١٤] ، فـ {أَسْلَمْنَا} هنا بمعنى: استَسْلَمْنا مخافةَ السِّباءِ والقتل، كذلك قال مُجاهِدٌ (٣) وغيرُه.

    vol. 6, p. 387قال إسماعيلُ (١) : والدليلُ على ذلك في الآية قولُه: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: ١٤] ، قال قتادةُ: ليس كلُّ الأعراب كذلك؛ لأنَّ اللهَ قال: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ} الآيةَ [التوبة: ٩٩] (٢) .

  33. وأمّا الأحاديثُ في معنى حديثِ أبي قِلابة المذكور، في أنَّ الإسلامَ وُصِف بغير ما وُصِف به الإيمانُ، فكثيرةٌ جدًّا؛ منها: ما حَدَّثَنَا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ خَليفةَ رحمه اللهُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الحُسَين، قال (٣) : حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمد الفرْيابيُّ، قال (٤) : حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ راهُويَة، قال: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيْل، قال: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بنُ الحَسَن، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ بُرَيْدَة، عن يحيى بن يَعْمَرَ، أنَّه سمِع عبدَ الله بنَ عمرَ يقولُ: حدَّثني عمرُ بنُ الخطاب، قال: بينما نحن عندَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ طَلَع علينا رجل، شَديدُ بياضِ الثِّياب، شديدُ سَوادِ الشَّعَر، لا يُرَى عليه أثرُ السَّفَر، ولا يَعْرِفُه منَّا أحدٌ، حتى جلَس إلى النبيِّ عليه السَّلامُ، فأسنَد رُكْبَتَه إلى رُكْبَتِه، ووضَع كَفَّيْه على فَخِذَيْه، ثم قال: يا محمدُ، أخبِرْني عن الإسلام؟ قال: "الإسلامُ أن تَشْهَدَ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتِيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتَحُجَّ البيتَ إن استَطَعتَ إليه سبيلًا" . قال: صَدَقْتَ. فعَجِبْنا أنه يسْألُه وُيصَدِّقُه، قال: فأخبِرْني عن الإيمان؟ قال: "أن تُؤمِنَ

    vol. 6, p. 388باللّه وملائكَتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخِر، والقَدَرِ خيرِه وشَرِّه". قال: صَدَقْتَ. فعَجِبْنا أنَّه يسْألُه ويُصَدِّقُه. وذكَر تمامَ الحديث (١) ، وأنا اختَصَرْتُ منه صدرًا ليس في معنى هذا الباب.

  34. ورَوَى هذا الحديثَ عن عبدِ الله بن بُرَيْدَة، كما رواه كَهْمَسٌ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، جماعةٌ؛ منهم: عبدُ الله بنُ عطاء (٢) ، ومَطَرٌ الوَرَّاقُ (٣) ، وعثمانُ بنُ غِياث (٤) ، والجُرَيْريُّ، وعطاءُ بنُ السّائب (٥) .

  35. ورواه سليمانُ بنُ بُرَيْدَة، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ عليه السَّلام بمعنى حديثِ عبدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ سواءً، إلّا أنَّه جعَلَه من مُسنَد ابنِ عمرَ، لَمْ يذكُرْ عمرَ. رواه عن سليمانَ بنِ بُرَيْدَةَ؛ علقمةُ بنُ مَرْثدٍ (١) وغيرُه.

    vol. 6, p. 389
  36. ورواه إسحاقُ بنُ سُوَيْد (٢) ، وعليُّ بنُ زيد (٣) ، عن يحيى بنِ يعمَرَ، عن ابنِ عمرَ مِثْلَه بمعناه، لَمْ يذْكُرا عمرَ.

  37. وقد روَى المطَّلبُ بنُ زِياد، عن منصور، عن عطاءِ بنِ أبي رَباح، عن ابنِ عمرَ مثلَه سواءً مُسنَدًا بتَمامِه، لَمْ يَذْكُرْ عمرَ (٤) .

  38. ورواه عبدُ الملكِ بنُ قُدامَةَ الجُمَحِيُّ، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن ابنِ عمرَ مثلَه (٥) .

  39. ورُوِي من حديثِ المقبريِّ (١) ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلُه.

    vol. 6, p. 390
  40. وقد ذهَبَتْ طائفةٌ من أهلِ الحديثِ إلى أنَّ الإيمانَ والإسلامَ مَعْنَيانِ، بهذا الحديثِ وما كان مثلَه، وبحديثِ ابنِ شهاب، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وَقّاص، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَم قَسْمًا، فأعْطَى قومًا ومَنَع بعضَهم. قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، أعْطَيْتَ فلانًا وفلانًا، ومَنَعْتَ فلانًا، واللّه إنِّي لأُراهُ (٢) مؤمنًا. فقال: "لا تقلْ: مؤمنًا، ولكنْ قُلْ: مسلمًا" .