ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، حديثان

128 paragraphs · vol. 7, p. 90

Page 2 of 4

  1. ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٥) : أخبرنا ابن جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: أتدري أوَّلَ من خطَبَ يوم الفِطرِ، ثُمَّ صلَّى؟ قال: لا أدري، أدركتُ النّاسَ على ذلك.

    قال (٦) : وأخبرنا ابنُ جُريج، قال: قال ابنُ شِهاب: أوَّلُ من بَدَأ بالخُطبةِ قبل الصلاةِ: مُعاويةُ.

    قال (٧) : وأخبرنا مَعْمرٌ، قال: بلَغني أنَّ أوَّلَ من خطَبَ ثُمَّ صلَّى: مُعاويةُ. قال: وقد بلَغني أيضًا: أنَّ عُثمانَ فعلَ ذلك، كان لا يُدرِكُ عامَّتُهُمُ الصلاةَ، فبدَأ بالخُطبةِ، حتَّى يجتمِعَ النّاسُ.

    vol. 7, p. 105قال أبو عُمر: لا يصِحُّ عن عُثمان، واللهُ أعلمُ. وهذه أحاديثُ مقطُوعةٌ لا يُحتجُّ بمِثلِها، وليسَ فيها (١) حديثٌ يُحتجُّ بهِ، إلّا حديثَ ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ: أنَّهُ صلَّى مع عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ، فكلُّهُم صلَّى، ثُمَّ خطَبَ في العيدينِ، هذا هو الصَّحيحُ عنهُم.

    vol. 7, p. 104
  2. وأمّا ا لاختِلافُ الذي يُمكِنُ، ففي: مُعاويةَ، وابنِ الزُّبيرِ، ومروانَ، وابنُ شهابٍ يقولُ: مُعاويةُ، وهو أعلمُ النّاس بأيام النّاسِ، وطارقُ بن شهابٍ يقول (٢) : مروانُ. وفي الخبرِ الذي قدَّمنا من رِوايةِ ابن جُريج، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، إذ أرسلَ إليه ابنُ الزُّبيرِ (٣) ، ما يدُلُّ على أنَّ ابن الزُّبيرِ، كان يُصلِّي في العيدينِ بعد الخُطبةِ. وفي ذلك ردٌّ لقولِ طارِقِ بن شِهاب.

  3. وقولُ طارِقِ بن شِهابٍ (٤) ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٥) ، عن الثَّوريِّ، عن قيسِ بن مُسلِم، عن طارِقِ بن شِهاب، قال: أوَّلُ من قدَّمَ الخُطبةَ قبل الصَّلاةِ يومَ العيدِ مروانُ، فقام إليه رجُلٌ فقال: يا مروانُ، خالفت السُّنَّةَ، فقال مروانُ: يا فُلانُ، تُرِكَ ما هُنالكَ. فقال أبو سعيدٍ: أمّا هذا، فقد قَضى الذي عليه، سمِعتُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "من رأى مُنكرًا فاسْتَطاعَ تغييرهُ بيدِهِ فَلْيفعَل، فإن لم يَسْتطِعْ فبِلِسانِهِ، فإن لم يَسْتطِعْ فبِقلبِهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمانِ" .

    قال أبو عُمر: قولُ مَرْوان: تُرِكَ ما هُنالكَ، يدُلُّ على أنَّهُ قد تَقدَّمهُ من تركهُ، واللهُ أعلمُ.

  4. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إسماعيلَ بن رجاءٍ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ. وعن قيسِ بن مُسلِم، عن طارِقِ بن شِهاب، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: أخرجَ مروانُ المِنْبرَ في يوم عيدٍ، فبدَأ بالخُطْبةِ قبلَ الصَّلاةِ، فقامَ رجُلٌ فقال: يا مروانُ، خالفتَ السُّنَّةَ، أخرَجتَ المِنْبرَ في يوم عيدٍ، ولم يكُن يُخرَجُ فيه، وبدأتَ بالخُطْبةِ قبلَ الصَّلاةِ. فقال أبو سعيدٍ: من هذا؟ فقالوا: فُلان ابن فُلان، فقال: أمّا هذا فقد قَضى ما عليه، سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "من رأى مِنكُم مُنكرًا فاسْتَطاعَ أن يُغيِّرَهُ فليُغيِّرهُ بيدِهِ، فإن لم يَسْتطِعْ فبِلِسانِهِ، فإن لم يَسْتطِعْ (٢) فبِقَلبِهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمانِ" .

    vol. 7, p. 106
  5. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيْبةَ، قال (٣) : حدَّثنا ابنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن إسماعيلَ بن رجاءٍ، عن أبيهِ، قال: أخرَجَ مروانُ المِنْبرَ، وبدَأ بالخُطبةِ قبل الصَّلاةِ، فقامَ رجُلٌ فقال: يا مروانُ، خالفتَ السُّنَّة، أخْرَجتَ المِنْبرَ ولم يكُن يُخرَجُ، وبدأتَ بالخُطبةِ قبلَ الصَّلاةِ. فقال أبو سعيدٍ: من هذا؟ فذكَرَ الحديث مِثلهُ حرفًا بحرفٍ إلى آخِرِهِ.

  6. وحدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، قال (١) : حدَّثنا وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن قيسِ بن مُسلِم، عن طارِقِ بن شِهاب، قال: إنَّ أوَّلَ من بدَأ بالخُطبةِ يومَ العيدِ قبلَ الصَّلاةِ مروانُ، فقامَ إليه رجُلٌ، فقال: الصَّلاةُ قبلَ الخُطبةِ؟ فقال: تُرِكَ ما هُنالكَ. فقال أبو سعيدٍ: أمّا هذا فقد قَضى ما عليه، سمِعتُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "من رأى مِنكُم مُنكرًا فليُغيِّرهُ بيدِهِ، فإن لم يَسْتطِعْ فبِلِسانِهِ، فإن لم يَسْتطِع فبقَلبِهِ، وذلك أضعفُ الإيمانِ" .

    vol. 7, p. 107
  7. وذكر عبدُ الرَّزّاق، قال (٢) : أخبرنا داودُ بن قيسٍ، قال: حدَّثني عياضُ بن عبدِ الله بن أبي سَرْح، أنَّهُ سمِعَ أبا سعيدٍ الخُدْريَّ يقولُ: خرجتُ مع مروانَ (٣) في يوم عيدِ فِطْرٍ أو أضْحَى، وهُو بيني وبين أبي (٤) مسعُودٍ، حتَّى أفْضَينا إلى المُصلَّى، فإذا كثيرُ بن الصلتِ الكِنديُّ قد بَنَى لمروان مِنْبرًا من لَبِنٍ وطينٍ، فعدَلَ مروانُ إلى المِنْبرِ، حتَّى حاذاهُ، فجذَبتُهُ ليَبْدأ بالصَّلاةِ، فقال: يا أبا سعيدٍ، تُرِكَ ما تَعْلمُ. فقلتُ: كلّا وربِّ المشارِقِ والمغارِبِ، ثلاث مرّاتٍ، لا تُؤتَوْنَ (٥) بخيرٍ مِمّا أعلمُ. قال: ثُمَّ بدَأ بالخُطبةِ.

    vol. 7, p. 108قال أبو عُمر: قولُ مروانَ: تُرِكَ ما هُنالِكَ، وتُرِكَ ما تعلمُ: يدُلُّ على أنَّ تركهُ قد كان تقدَّمَ. وأولى ما قيلَ بهِ في هذا البابِ (١) : أنَّ أوَّلَ من قدَّمَ الخُطبةَ قبل الصَّلاةِ في العيدينِ، مُعاويةُ، وهُو قولُ ابن شِهابٍ وغيره.

  8. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعيبٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني هِشامُ بن سعيدٍ، عن عياضِ بن عبدِ الله بن سعدٍ (٢) ، أنَّهُ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ أبا سعيدٍ الخُدْريَّ يقولُ: خرجتُ مع مروانَ يومًا إلى المُصلَّى ويَدُ مروانَ في يَدِي، فأراد أن يَرْقَى المِنْبرَ قبلَ أن يُصلِّي، فجذَبتُ بيدِهِ، فقلتُ: صلاةُ العيدِ قبل الخُطبةِ؟ فقال مروانُ: هذا أمرٌ قد تُرِكَ يا أبا سعيدٍ، أما لو فعَلْنا ما تقولُ، ذهبَ النّاسُ وتركُونا، وقد تُرِك ما تعلمُ. فقلتُ: إذَنْ لا تجِدُونَ خيرًا مِمّا أعلمُ، إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبدَأُ بالصلاةِ في هذا اليوم، فإذا فرغَ من الصَّلاةِ، قامَ فوعَظَ النّاسَ، وأمرهُم ببعثٍ إن كانَ، أو أمْرٍ، ثُمَّ انصرفَ (٣) .

    قال أبو عُمر: ثبتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ صلَّى في العيدَينِ قبلَ الخُطبةِ من حديثِ جابرٍ، وابنِ عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ، والبراءِ (٤) .

  9. وهاتانِ المسألتانِ ليس عندَ مالكٍ فيهما حديثٌ مُسندٌ: مسألةُ الأذانِ في صلاةِ العيدَينِ، ومسألةُ تقديم الصلاةِ قبل الخُطبةِ في ذلك، وقد عدَّ ذلك عليهِ أبو بكرٍ البزّارُ، فيما ذكر لهُ من السُّننِ التي ليَسْت عِندهُ رحِمهُ اللهُ.

  10. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر بن داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ ومحمدُ بن بكرٍ، قالا: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني عطاءٌ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: سمِعتُهُ يقولُ: إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قامَ يومَ الفِطرِ فصلَّى، فبدَأ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطبةِ، ثُمَّ خطَبَ النّاس. وذكر الحديثَ.

    vol. 7, p. 109
  11. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ (٢) ، عن أيُّوبَ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاس، قال: أشهَدُ على رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ صلَّى قبلَ أن يخطُبَ، ثُمَّ خطَبَ (٣) .

  12. وهكذا رواهُ شُعبةُ (٤) وحمّادُ بن زيدٍ (٥) ، عن أيُّوبَ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في العيدَينِ قبلَ الخُطبةِ.

  13. ورواهُ مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: شَهِدتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى يوم العيدِ ثُمَّ خطَبَ (٦) ، فجعلَ موضِعَ عطاءٍ: عِكرِمةَ.

  14. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

    vol. 7, p. 110شُعيب، قال (١) : أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدةُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ وعُمرَ كانُوا يُصلُّونَ في العيدَينِ قبل الخُطبةِ.

  15. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن روح، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي هِندٍ، عن الشَّعبيِّ، عن البَراءِ بن عازِبٍ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خطَبَ يوم العيدِ بعد الصلاةِ (٢) .

  16. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٣) : حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن منصُورٍ، عن الشَّعبيِّ، عن البَراءِ، قال: خَطَبنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النَّحرِ بعد الصَّلاةِ.

  17. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٤) : أخبرنا مَعْمرٌ، عن هِشام بن (٥) عُروةَ، عن وهبِ بن كَيْسانَ، عن رجُل، قال: شَهِدتُ مع أبي بكرٍ يومَ عيدٍ، فبدَأ بالصَّلاةِ

    vol. 7, p. 111قبلَ الخُطْبةِ بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ، ثُمَّ شهِدتُهُ مع عُمرَ بن الخطّابِ، فبدَأ بالصلاةِ قبلَ الخُطبةِ، بلا أذانٍ ولا إقامَة.

  18. فهذا ما صحَّ عِندنا في الأذانِ للعيدينِ، وفي موضِع الخُطبةِ فيهِما، وأمّا التَّكبيرُ فيهما، فسيأتي ذِكر في آخِرِ بابِ نافِع، وأمّا القِراءةُ فيهما، فسيأتي ذِكرُها أيضًا في بابِ ضمرة بن سعيد، وأمّا الاغتِسالُ لهما، فليسَ فيه شيءٌ ثبَتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من جِهةِ النَّقل، وهُو مُسْتحبٌّ عندَ جماعةٍ حن أهلِ العِلم، قياسًا على غُسلِ الجُمُعةِ.

  19. وأمّا قولُ عُمرَ في حديثنا في هذا البابِ، في خُطبتِهِ: إنَّ هذين يومانِ نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامِهِما: يومُ فِطرِكُم من صيامِكُم، والآخرُ يومٌ تأكُلُونَ فيه من نُسُكِكُم، فلا خِلافَ بينِ العُلماءِ في صِحَّةِ هذا الحديثِ واستعمالِهِ، وكلُّهُم مُجمِعٌ على أنَّ صيامَ يوم الفِطرِ ويوم الأضْحَى لا يجُوزُ بوجهٍ من الوُجُوهِ، لا للمُتَطوِّع، ولا لناذِرٍ صومَهُ، ولا أن يقضِيَ فيهما رمضانَ؛ لأنَّ ذلك مَعْصيةٌ، وقد صحَّ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قال: "لا نذرَ في مَعْصيةٍ" (١) . وإنَّما اختلَفَ الفُقهاءُ في صيام أيام التَّشريقِ للمُتمتِّع والنّاذِرِ صومَهما (٢) ، وقضاءِ رمضانَ فيهما، والتَّطوُّع بآخِرِ يوم منها، وسنذكُرُ ذلك كلَّهُ في بابِه من (٣) كِتابِنا هذا إن شاء اللهُ.

  20. وفيه دليلٌ على الأكلِ من الضَّحايا وسائرِ النُّسُكِ، وإن كان في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: ٢٨] ما يُغني عن قولِ كلِّ قائل، إلّا أنِّي أقُولُ: الأكلُ من الهديِ بالقُرآنِ، ومن الضَّحيَّةِ بالسُّنَّةِ.

    vol. 7, p. 112
  21. وأمّا إذنُ عُثمان لأهلِ العَوالي، وقولُهُ: قدِ اجتمَعَ لكُم في يومِكُم هذا عيدانِ، يعني: الجُمُعةَ والعيد، قال: فمن أحبَّ من أهلِ العاليةِ أن ينتظِر الجُمُعة، فَلْينتظِرها، ومن أحبَّ أن يَرْجِعَ، فقد أذِنتُ لهُ، فقدِ اختلَفَ العُلماءُ في تأويلِ قولِ عُثمان هذا، واختلفَتِ الآثارُ في ذلك أيضًا عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. واختلَفَ العُلماءُ في تأويلِها والأخذِ بها، فذهَبَ عطاءُ بن أبي رباح إلى أنَّ شُهُودَ العيدِ يومَ الجُمُعةِ يُجزِئُ عنِ الجُمُعةِ، إذا صلَّى بعدها رَكْعتينِ، على طريقِ الجَمْع (١) .

  22. ورُوِيَ عنهُ أيضًا: أنَّهُ يُجزئه، وإن لم يُصلِّ غير صلاةِ العيدِ، ولا صلاةَ بعدَ صلاةِ العيدِ، حتَّى العصر. وحُكيَ ذلك عن ابن الزُّبيرِ (٢) .

  23. وهذا القولُ مهجُورٌ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ افترضَ الجُمُعةَ في يوم الجُمُعةِ على كلِّ من في الأمْصارِ من البالِغينَ الذُّكُورِ الأحرارِ، فمن لم يكُن بهذه الصِّفات، ففرضُهُ الظُّهرُ في وقتِها فرضًا مُطلقًا، لم يختصَّ بهِ يومُ عيدٍ من غير.

  24. وقولُ عطاءٍ هذا ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ، عن ابن جُريج، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباح: إنِ اجْتمَعَ يومُ الجُمُعةِ ويومُ الفِطرِ في يوم واحِد، فليجمعهُما وليُصلِّهِما ركعتينِ فقط حينَ يُصلِّي صلاةَ الفِطرِ، ثُمَّ هي هي حتَّى العصرِ. ثُمَّ أخبرنا عندَ ذلك، قال: اجْتَمعا يومُ فِطرٍ ويومُ جُمُعةٍ في يوم واحِدٍ في زمنِ ابن الزُّبيرِ، فقال

    vol. 7, p. 113ابنُ الزُّبيرِ: عيدانِ اجْتَمَعا في يوم واحِدٍ، فجَمَعهُما جميعًا، جَعَلهما واحِدًا، فصلَّى يوم الجُمُعةِ ركعتينِ بُكُرة صلاةِ الفِطرِ، لم يَزِد عليهِما، حتَّى صلَّى العصَر. قال: فأمّا الفُقهاءُ فلم يقولوا في ذلك، وأمّا من لم يَفْقَه، فأنكرَ ذلك عليه. قال: ولقد أنكَرتُ أنا ذلك عليه، وصلِّيتُ الظُّهر يومئذٍ. قال: حتَّى بلَغَنا بعدُ: أنَّ العيدَينِ كانا إذا اجْتَمَعا، صُلِّيا كذلك واحِدًا. وذَكَرَ عن محمدِ بن عليِّ بن الحُسينِ، أنَّهُ أخبرهُم: أنَّهُما كانا يُجْمِعانِ إذا اجْتمَعا. ورَوَى (١) أنَّهُ وجدَهُ في كِتابٍ لعليٍّ زعَمَ.

    قال (٢) : وأخبرني ابنُ جُريج، قال: أخبرني أبو الزُبيرِ، في جمع ابن الزُبيرِ بينهُما يومَ جمَعَ بينهُما، قال: سَمِعنا في ذلك أنَّ ابن عبّاس، قال: أصابَ، عيدانِ اجْتَمَعا في يوم واحِد.

    قال أبو عُمر: ليسَ في حديثِ ابن الزُّبيرِ بيانُ أنَّهُ صلَّى مع صلاةِ العيدِ رَكْعتينِ للجُمُعةِ، وأيَّ الأمرينِ كانَ، فإنَّ ذلك أمرٌ مترُوكٌ مهجُورٌ، وإن كانَ لم يُصلِّ مع صلاةِ العيدِ غيرها حتَّى العصر، فإنَّ الأُصُول كلَّها تشهدُ بفَسادِ هذا القولِ؛ لأنَّ الفَرْضينِ إذا اجْتَمَعا في وقتٍ (٣) واحِدٍ، لم يسقُطْ أحدُهُما بالآخرِ، فكيفَ أن يسقُط فرضٌ لسُنَّةٍ حَضَرت في يومِهِ! هذا ما لا يَشُكُّ في فَسادِهِ ذُو فهم.

  25. وإن كان صلَّى مع صلاةِ الفِطرِ رَكْعتينِ للجُمُعةِ، فقد صلَّى الجُمُعة في غيرِ وقتها عندَ أكثرِ النّاسِ، إلّا أنَّ هذا موضِعٌ قدِ اختلَفَ فيه السَّلفُ، فذهبَ قومٌ إلى أنَّ وقتَ الجُمُعةِ صدرُ النَّهارِ، وأنَّها صلاةُ عيدٍ، وقد مَضَى القولُ في ذلكَ في بابِ ابن شهاب، عن عُروةَ. وذهب الجُمهُورُ، إلى أنَّ وقتَ الجُمُعةِ وقتُ الظُّهرِ، وعلى هذا فُقهاءُ الأمصار.

  26. وأمّا القولُ الأوَّلُ: إنَّ الجُمُعة تسقُطُ بالعيدِ، ولا تُصلَّى ظُهرًا ولا جُمُعةً، فقولٌ بيِّنُ الفسادِ، وظاهِرُ الخطأ، مترُوكٌ مهجُورٌ لا يُعرَّجُ عليهِ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: ٩] ولم يخُصَّ يومَ عيد من غيرِهِ.

    vol. 7, p. 114
  27. وأمّا الآثارُ المرفُوعةُ في ذلكَ، فليس فيها بيانُ سقُوطِ الجُمُعةِ والظُّهرِ، ولكن فيها الرُّخْصةُ في التَّخلُّفِ عن شُهُودِ الجُمُعةِ، وهذا محمُولٌ عندَ أهلِ العِلم على وجهينِ، أحدُهُما: أن تسقُط الجُمُعةُ عن أهلِ المِصْرِ وغيرِهِم، ويُصلُّون ظُهرًا. والآخرُ: أنَّ الرُّخصةَ إنَّما وردت في ذلك لأهلِ الباديةِ، ومن لا تَجِبُ عليهِ الجُمُعةُ، وسنذكُرُ اختِلافَ النّاسِ في ذلك، وفي من تجِبُ عليهِ الجُمُعةُ، في هذا البابِ إن شاء اللهُ تعالى.

  28. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن المُصَفَّى وعُمرُ بن حَفْصٍ الوَصّابيُّ (٢) ، قالا: حدَّثنا بَقيَّةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا ابنُ المُصفَّى، قال: حدَّثنا بَقيَّةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثني المُغيرةُ الضَّبيُّ (٣) ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيع، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "قدِ اجتَمَعَ

    vol. 7, p. 115في يومِكُم هذا عيدانِ، فمن شاء أجزَأتْه من الجُمُعة (١) ، وإنّا مُجَمِّعُونَ إن شاء اللهُ ".

    قال أبو عُمر: احتجَّ من ذهَبَ مذهَبَ عطاءٍ في هذهِ المسألةِ بهذا الحديثِ، لما فيه من قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إن شِئتُم أجْزَأكُم "، " فمن شاء أجزأتْه ".

  29. وهذا الحديثُ لم يروِهِ فيما علِمتُ عن شُعبةَ أحدٌ من ثِقاتِ أصحابِهِ الحُفّاظِ، وإنَّما رواهُ عنهُ بقيَّةُ بن الوليدِ، وليس بشيءٍ في شُعبةَ أصلًا، ورِوايتُهُ عن أهلِ بلدِهِ أهلِ الشّام فيها كلامٌ، وأكثرُ أهلِ العِلم يُضعِّفُون بقيَّةَ عن الشّاميِّين وغيرِهِم، ولهُ مناكيرُ، وهُو ضعيفٌ ليس مِمَّن يُحتجُّ بهِ.

  30. وقد رواهُ الثَّوريُّ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيع، عن أبي صالح، مُرسلًا، قال: اجتمَعَ عيدانِ على عهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إنّا مُجَمِّعُون، فمن شاء مِنكُم أن يُجَمِّعَ فليُجَمِّع، ومن شاء أن يرجِعَ، فليَرْجِع " (٢) ، فاقتصَرَ في هذا الحديثِ على ذِكْرِ إباحةِ الرُّجُوع، ولم يذكُرِ الإجْزاء.

  31. ورواهُ زيادٌ البكّائيُّ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيع، بمعنى حديثِ الثَّوريِّ، إلّا أنَّهُ أسندَه:

    حدَّثني عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن إسحاقَ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن دينارٍ، قال: حدَّثنا زيادُ بن عبدِ الله بن الطُّفيلِ البكّائيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن رُفيع، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: اجْتَمَعنا إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم عيدٍ ويوم جُمُعةٍ، فقال لنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهُو في العيدِ: "هذا يومٌ قدِ اجْتَمَعَ لكُم فيه

    vol. 7, p. 116عيدانِ: عيدُكُم هذا، والجُمُعةُ، وإنِّي مُجَمِّع إذا رجَعتُ، فمن أحبَّ مِنكُم أن يشهَدَ الجُمُعةَ، فليَشْهَدْها". قال: فلمّا رجَعَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جمَّعَ بالنّاس (١) .

  32. فقد بانَ في هذه الرِّوايةِ، ورِوايةِ الثَّوريِّ لهذا الحديثِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جَمَّع ذلك اليوم بالنّاسِ، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ فرضَ الجُمُعةِ والظُّهرِ لازِمٌ، وأنَّها غيرُ ساقِطة، وأنَّ الرُّخصةَ إنَّما أُريدَ بها من لم تجِبْ عليهِ الجُمُعةُ، مِمَّن شهِدَ العيدَ من أهل البَوادي، واللهُ أعلمُ. وهذا تأويل تعضُدُهُ الأُصُولُ، وتقومُ عليهِ الدَّلائلُ، ومن (٢) خالفهُ، فلا دليلَ معهُ ولا حُجَّةَ لهُ.

  33. فإنِ احتجَّ محُتجّ بما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو قِلابَةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن حُمْران، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن جعفرٍ، قال: أخبرني أبي، عن وَهْبِ بن كَيْسانَ، قال: اجْتَمَعَ عيدانِ على عهدِ ابن الزُّبيرِ، فصلَّى العيدَ، ولم يخرُج إلى الجُمُعةِ. قال: فذكرتُ ذلكَ لابنِ عبّاس، فقال: ما أماطَ (٣) عن سُنَّةِ نبيِّهِ. فذكرتُ ذلك لابنِ الزُّبيرِ، فقال: هكذا صنَعَ بنا عُمرُ.

  34. قيل لهُ: هذا حديثٌ اضْطُرِبَ في إسنادِهِ، فرواهُ يحيى القَطّانُ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن جعفرٍ، قال: أخبرني وهبُ بن كَيْسان، قال: اجتمَعَ عيدانِ (١) على عهدِ ابن الزُّبيرِ، فأخَّرَ الخُرُوج حتَّى تعالَى النَّهارُ، ثُمَّ خرج فخطَبَ فأطال الخُطبةَ، ثُمَّ نزلَ فصلَّى ركعتينِ ولم يُصلِّ للنّاسِ يومئذٍ الجُمُعة، فذُكِرَ ذلك لابنِ عبّاسٍ، فقال: أصابَ (٢) السُّنَّة.

    vol. 7, p. 117
  35. ذكرهُ أحمدُ بن شُعيبٍ النَّسويُّ (٣) ، عن بُندارٍ (٤) ، عن القطّانِ، عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ، لم يقُل: عن أبيهِ، عن وهبِ بن كَيْسانَ. وذكَرَ أنَّ ذلك كان (٥) حين تعالَى النَّهارُ، وأنَّهُ أطالَ الخُطبةَ.

  36. وقد يحتملُ أن يكون صلَّى تِلكَ الصَّلاةَ في أوَّلِ الزَّوال، وسَقَطت صلاةُ العيدِ، واسْتَجزأ بما صلَّى في ذلك الوقتِ.

  37. وفي رِواية الأعمشِ، عن عطاءٍ، عن ابن الزُّبيرِ: أنَّ النّاسَ جَمَّعُوا في ذلك اليوم، ولم يَخرُج إليهِمُ ابنُ الزُّبيرِ، وكان ابنُ عبّاس بالطّائفِ، فلمّا قدِمَ ذكرنا لهُ ذلكَ، فقال: أصاب السُّنَّة (٦) . وهذا يحتملُ أن يكون صلَّى الظُّهرَ ابنُ الزُّبيرِ في بيتهِ، وأنَّ الرُّخْصةَ وردت في تركِ الاجتِماعَيْنِ، لما في ذلك من المشقَّةِ، لا أنَّ الظُّهر تسقُطُ.

  38. وأمّا حديثُ إسرائيلَ، عن عُثمان بن المُغير الثَّقفيِّ، عن إياسِ بن أبي رَمْلةَ الشّاميِّ، قال: شهِدتُ مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ يَسْألُ زيدَ بنَ أرقمَ: هل شهِدتَ معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عيدينِ اجْتَمَعا في يومٍ؟ قال: نعم. قال: فكيفَ صنَعَ؟ قال: صلَّى العيدَ، ثُمَّ رخَّصَ في الجُمُعةِ، فقال: "من شاء أن يُصلِّيَ فليُصلِّ" .

    vol. 7, p. 118
  39. وهذا الحديثُ لم يذكُرهُ البُخاريُّ، وذكرهُ أبو داود (١) عن محمدِ بن كثيرٍ عن إسرائيل. وذكرهُ النَّسائيُّ (٢) ، عن عَمرو بن عليٍّ، عن ابن مهديٍّ، عن إسرائيل. وليسَ فيه دليلٌ على سُقُوطِ الجُمُعةِ، وإنَّما فيهِ (٣) أنَّهُ رخَّصَ في شُهُودِها، وأحسنُ ما يُتأوَّلُ في ذلك: أنَّ الإذْنَ (٤) رُخِّص بهِ، من لم تجِبِ الجُمُعةُ عليه، مِمَّن شهِدَ ذلك العيدَ، واللهُ أعلمُ.

  40. وإذا احْتَملت هذه الآثارُ من التَّاويلِ ما ذكَرنا، لم يَجُز لمُسلم أن يذهَبَ إلى سُقُوطِ فرضِ الجُمُعةِ عمَّن وجَبَت عليهِ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقولُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: ٩] ولم يخُصَّ اللهُ ورسُولُهُ يوم عيدٍ من غير، من وَجْهٍ تجِبُ حُجَّتُهُ، فكيفَ بمن ذهَبَ إلى سُقُوطِ الجُمُعةِ والظُّهرِ، المُجتَمَع عليهما في الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماع،

    vol. 7, p. 119بأحاديثَ ليس منها حديثٌ إلّا وفيه مَطْعنٌ لأهلِ العِلم بالحديثِ؟ ولم يُخرِّج البُخاريُّ ولا مُسلِمُ بن الحجّاج منها حديثًا واحِدًا، وحسبُك بذلك ضعفًا لها، وسنذكُرُ الآثار في فرضِ الجُمُعةِ، في بابِ صفوان بن سُلَيم، من هذا الكِتابِ، إن شاء اللهُ تعالى، وإن كان الإجماعُ في فَرْضِها، يُغني عمّا سِواهُ، والحمدُ لله.