ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، حديثان

128 paragraphs · vol. 7, p. 90

Page 3 of 4

  1. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ فيمن تجِبُ عليهِ الجُمُعةُ من الأحرارِ البالِغينَ الذُّكورِ غيرِ المُسافِرين، فقال ابنُ عُمرَ وأبو هُريرةَ وأنسٌ والحَسنُ البصريُّ ونافِعٌ مولى ابن عُمرَ: تجِبُ الجُمُعةُ على كلِّ من كان بالمِصْرِ، وخارِجًا عنهُ، مِمَّن إذا شهِدَ الجُمُعةَ، أمكَنهُ الانصِرافُ إلى أهلِهِ، فآواهُ اللَّيلُ إلى أهلِهِ (١) ، وبهذا قال الحكمُ بن عُتَيبةَ، وعطاءُ بنُ أبي رَباح، والأوزاعيُّ، وأبو ثورٍ (٢) .

    وقال ربيعةُ ومحمدُ بن المُنْكدِرِ: إنَّما تجِبُ على من كان على أربَعةِ أميال (٣) .

    vol. 7, p. 119
  2. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٤) ، عن محمدِ بن راشِدٍ، قال: أخبرني عَبْدةُ بن أبي لُبابَةَ (٥) ، أنَّ مُعاذَ بنَ جبلٍ كان يقولُ على مِنْبر: يا أهل قَرَدا (٦) ويا أهل دامِرةَ (٧) ، قَرْيتينِ من قُرى دِمَشْق، إحداهُما على أربعةِ فَراسِخَ، والأُخرى على خمسةٍ: إنَّ الجُمُعة لَزِمتكُم، وإنَّهُ لا جُمُعةَ إلّا معنا.

  3. وقد رُوي عن مُعاوية: أنَّهُ كان يأمُرُ مَنْ بينهُ وبينَ دِمشقَ أربعةٌ وعِشرُون ميلًا، بشُهُودِ الجُمُعةِ (١) .

    vol. 7, p. 120
  4. وذكر مَعْمرٌ، عن هِشام بن عُروةَ، عن عائشةَ بنتِ سعدِ بن أبي وقّاص، قالت: كان أبي من المدينةِ على سِتَّةِ أميالٍ أو ثمانيةٍ، فكان رُبَّما شهِدَ الجُمُعة بالمدينةِ ورُبَّما لم يَشْهَدها (٢) .

    وقال الزُّهْريُّ: يُنزَلُ إليها من سِتَّةِ أميالٍ (٣) .

  5. ورُوي عن ربيعة أيضًا، أنَّهُ قال: إنَّما تجِبُ الجُمُعةُ على من إذا سمِعَ النِّداء، وخرجَ من بيتهِ، أدركَ الصَّلاةَ (٤) .

    وقال مالكٌ واللَّيثُ: تجِبُ الجُمُعةُ على كلِّ من كانَ على ثلاثةِ أميالٍ (٥) .

    وقال الشّافِعيُّ: تجِبُ الجُمُعةُ على كلِّ من كان بالمِصْرِ، وكذلك كلُّ من سمِعَ النِّداء، مِمَّن يسكُنُ خارِج المِصْرِ (٦) . وهُو قولُ داود (٧) .

    وقال أبو حنيفةَ: الجُمُعةُ على كلِّ من كان بالمِصرْ، وليس على من كان خارِجَ المِصرِ جُمُعةٌ، سمِعَ النِّداء، أو لم يَسْمع (٨) .

    vol. 7, p. 121وقال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ: لا تجِبُ الجُمُعةُ إلّا على من سمِعَ النِّداءَ، كان بالمِصْرِ أو خارِجًا عنهُ. يُريدانِ الموضِعَ الذي يُسْمَعُ منهُ، ومن مِثلِهِ النِّداءُ (١) .

  6. ورُوِيَ مِثلُ ذلك عن عبدِ الله بن عَمرو بن العاص (٢) ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ (٣) ، وقد كان الشّافِعيُّ يقولُ: لا يتبيَّنُ عِندي أن يَحْرَجَ (٤) بتركِ الجُمُعةِ، إلّا من يسمعُ النِّداء. قال: ويُشبِهُ أن يَحْرَجَ أهل المِصْرِ وإن عَظُمَ، بتركِ الجُمُعةِ (٥) .

    قال أبو عُمر: يُشبِهُ أن يكون مذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ واللّيثِ في (٦) مُراعاةِ الثَّلاثةِ أميالٍ؛ لأنَّ الصَّوتَ النَّديَّ في اللَّيلِ عندَ هُدُوءِ الأصواتِ، يُمكِنُ أن يُسمَعَ من ثلاثةِ أميال، واللهُ أعلمُ، فلا يكونُ مذهبُ مالكٍ في هذا التَّاويلِ مُخالِفًا لمن قال: لا تجِبُ الجُمُعةُ إلّا على من سمِعَ النِّداء، وهُو قولُ أكثرِ فُقهاءِ الأمصارِ.

  7. وقد ذكَرَ ابن عبدُوس في "المجمُوعةِ" عن عليِّ بن زيادٍ، عن مالكٍ، قال: عَزِيمةُ الجُمُعةِ على من كان بموضِع يَسْمعُ منهُ النِّداء، وذلك من ثلاثةِ أميال، ومن كان أبعدَ، فهُو في سَعَةٍ، إلّا أن يرغب في شُهُودِها، فهُو أحسنُ، فهذه رِوايةٌ مُفسِّرةٌ، وعلى هذا قال مالكٌ، فيما روى عنهُ ابنُ القاسم وغيرُهُ: أن ليسَ العملُ على ما صنَعَ عُثمانُ، في إذنِهِ لأهْلِ العَوالي؛ لأنَّ الجُمُعة كانت عِندهُ واجِبةً على أهلِ العَوالي، لأنَّ العَواليَ من المدينةِ، على ثلاثةِ أميالٍ ونَحْوِها (٧) .

  8. وذهَبَ غيرُ مالكٍ إلى أنَّ إذنَ عُثمان لأهلِ العَوالي، إنَّما كان لأنَّ الجُمُعة لم يمُن واجِبةً على أهلِ العَوالي عِندهُ؛ لأنَّ الجُمُعة إنَّما تَجِبُ على أهلِ المِصْرِ عِندَهُ. هذا قولُ الكُوفيِّين: سُفيانَ، وأبي حَنِيفةَ، وقد ذكرنا أقوالهم، فأغنى عن إعادَتِها.

    vol. 7, p. 122
  9. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ، في وُجُوبِ الجُمُعةِ على أهلِ العمُودِ (١) ، والقُرَى الكِبارِ والصِّغارِ، وفي عَددِ رِجالِ الموضِع الذي تجِبُ فيه الجُمُعةُ، فسنذكُرُهُ في غيرِ هذا الموضِع إن شاء اللهُ تعالى.

  10. ومن حُجَّةِ مالكٍ في مُراعاةِ الثَّلاثةِ أميال: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا معديُّ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلان، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "عسى (٢) أحدُكُم أن يتَّخِذَ الصُّبَّةَ (٣) من الغَنم، فينزِلَ بها على رأسِ ميلينِ أو ثلاثةٍ من المدينةِ، فتأتيَ الجُمُعةُ فلا يُجمِّعَ، فيُطبَعَ على قلبِهِ" (٤) .

  11. ومن حُجَّةِ من شرَطَ سماعَ النِّداءِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا الخُشنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا

    vol. 7, p. 123عبدُ الرَّحمنِ، عن (١) سُفيان، عن محمدِ بن سعيدٍ (٢) ، عن عبدِ الله بن هارُونَ، أنَّهُ سمِعَ عبد الله بن عَمرٍو يقولُ: الجُمُعةُ على من سمِعَ النِّداءَ (٣) .

  12. وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٤) ، عن داود بن قَيْسٍ، قال: سُئلَ عَمرُو بن شُعيبٍ وأنا أسمعُ: من أين تُؤتى الجُمُعةُ؟ فقال: من مَدَى الصَّوتِ.

    قال أبو عُمر: ممّا (٥) يحضُرُني من الاحْتِجاج على من ذهَبَ مذهب عطاءٍ وابن الزُّبيرِ، على ما تقدَّم ذِكرُنا لهُ، إجماعُ المُسلِمين قديمًا وحديثًا: أنَّ من لا تجِبُ عليهِ الجُمُعةُ، ولا النزولُ إليها، لبُعدِ مَوْضِعِهِ عن مَوْضِع إقامتِها، على حَسَبِ ما ذكرنا من اختِلافِهِم في ذلك كلِّهِم (٦) ، مُجمعٌ أنَّ الظُّهر واجِبةٌ لازِمةٌ على من كان هذه حالُهُ، وعطاءٌ وابنُ الزُّبيرِ مُوافِقانِ للجماعةِ في غيرِ يوم عيدٍ، فكذلكَ يومُ العيدِ في القياسِ والنَّظرِ الصَّحيح، هذا لو كان قولُهُما اختِلافًا يُوجِبُ النَّظر، فكيفَ وهُو قولٌ شاذٌ وتأويلُهُ بعيدٌ واللهُ المُستعانُ، وبه التَّوفيقُ.

  13. وأمّا قولُ أبي عُبيدٍ، مولى ابن أزْهَرَ في حديثنا المذكُورِ في هذا البابِ: ثُمَّ شهِدتُ مع عليِّ بن أبي طالبٍ، وعُثمانُ محصُورٌ، فجاء فصلَّى، ثُمَّ انصرَفَ فخطَبَ.

  14. ففيه دليلٌ على أنَّ الجُمُعةَ واجِبةٌ على أهلِ المِصْرِ بغيرِ سُلْطانٍ، وأنَّ أهلَهُ إذا أقامُوها ولا سُلطانَ عَليهِم، أجزأتهُم.

    vol. 7, p. 124
  15. وهذا موضِعٌ اختلَفَ العُلماءُ فيه قديمًا وحديثًا، وصَلاةُ العيدينِ مِثلُ صلاةِ الجُمُعة، والاختِلافُ في ذلك سواءٌ؛ لأنَّ صلاةَ عليٍّ بالنّاسِ العيدَ وعُثمانُ محصُورٌ، أصلٌ في كلِّ سَببٍ تخلَّفَ الإمامُ عن حُضُورِهِ أو خليفَتُه، أنَّ على المُسلِمين إقامَةَ رجُل يقومُ به.

  16. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، والأوزاعيِّ، على اختِلافٍ عنهُ، والطَّبريِّ، كلُّهُم يقولُ: تجُوزُ الجُمُعةُ بغيرِ سُلطانٍ، كسائرِ الصَّلواتِ (١) .

    وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، وزُفَرُ، ومحمدٌ: لا تُجزِئُ الجُمُعةُ إذا لم يكُن سُلطانٌ (٢) .

  17. ورُوِيَ عن محمدِ بن الحسنِ: أنَّ أهل مِصْرٍ لو ماتَ واليهِم، جازَ لهم أن يُقدِّمُوا رجُلًا يُصلِّي بهمُ الجُمُعةَ، حتَّى يَقْدَمَ عليهِم وال (٣) .

    وقال أحمدُ بن حنبل: يُصلُّون بإذنِ السُّلطانِ (٤) .

    وقال داودُ: الجُمُعةُ لا تَفْتقِرُ إلى والٍ ولا إمام، ولا إلى خُطبة، ولا إلى مكانٍ. ويجُوزُ (٥) للمُنفرِدِ عِندهُ أن يُصلِّي ركعتينِ، وتكونُ جُمُعةً. قال: ولا يُصلِّي أحدٌ إلّا ركعتينِ في وقتِ الظُّهرِ يومَ الجُمُعة (٦) . وقولُ داودَ هذا خِلافُ قولِ جميع فُقهاءِ الأمصارِ؛ لأنَّهُم أجمعُوا أنَّها لا تكونُ إلّا بإمام وجَماعَةٍ.

  18. واختلفُوا في عددِ الجماعَةِ وفي المكانِ، والوالي، والخُطبةِ، واللهُ المُستعانُ.

    vol. 7, p. 125
  19. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، أنَّهُ كان يقولُ: حيثُما كان أمير، فإنَّهُ يَعِظُ أصحابَهُ يوم الجُمُعةِ، ويُصلِّي بهِم ركعتينِ.

  20. ذكرنا قولَ الزُّهْريِّ هذا، لأنَّهُ الذي روى حديث عليٍّ، حين صلَّى بالنّاسِ العيدَ وعُثمانُ محصُورٌ.

  21. وقد ذكرنا في بابِ حديثِ ابن شِهاب، عن عُبيدِ الله، عن جماعةٍ من التّابِعين: أنَّ الحُدُودَ، والجُمُعة إلى السُّلطان، ولا يختلِفُ العُلماءُ: أنَّ الذي يُقيمُ الجُمُعة السُّلطانُ، وأنَّ ذلكَ سُنَّة مسنُونة، وإنَّما اختلَفُوا عندَ نُزُولِ ما ذكرنا، من موتِ الإمام، أو قتلِهِ، أو عزلِهِ والجُمُعةُ قد حانت (٢) : فذهَبَ أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، والأوزاعيُّ، إلى أنَّهُم يُصلُّون ظُهرًا أربعًا (٣) . وقال مالكٌ والشّافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ: يُصلِّي بهم بعضُهُم بخُطبةٍ، ويُجزئهِم (٤) .

  22. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد الورّاقُ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن عبدِ العظيم، أنَّهُ سألَ أبا عبدِ الله، يعني: أحمد بن حنبل، عن الصَّلاةِ خلفَ الخَوارج والفُسّاقِ من الأُمراءِ والسَّلاطينِ، فقال: أمّا الجُمُعةُ فيَنْبغي شُهُودُها، فإن كان الذي يُصلِّي منهُم أو مِثلهم، يعني في الفِسْقِ والمذهبِ، أعادَ الصَّلاةَ بعد شُهُودِها معهُم، فإن كان لا يُدرَى أنَّهُ يقولُ بقولِهِم، ولا هُو مثلُهُم، فلا يُعيدُ. قال: قلتُ: فإن كان يُقالُ: إنَّهُ قال بقولِهِم؟ فقال: حتَّى يُعلَمَ

    vol. 7, p. 126ذلك ويُسْتَيْقَنَ (١) . قال: فقلتُ: فإن لم يَكُن إمامٌ، أترَى أن يُصلَّى وراء من جمَّعَ بالنّاسِ، وصلَّى ركعتينِ؟ فقال: أليسَ قد صلَّى عليُّ بن أبي طالبٍ بالنّاسِ وعُثمانُ محصُورٌ (٢) ؟

    قال أبو عُمر: قد ذكَرنا أنَّ حديثَ أبي عُبيدٍ مولى ابن أزْهَرَ أصلٌ في هذه المسألةِ، وإن كان ذلكَ في صَلاةِ العيدِ، والأصلُ في ذلك أيضًا، ما فعلَهُ المُسلِمُونَ يومَ مُؤتةَ، لمّا قُتِلَ الأُمراءُ، أجمعُوا (٣) على خالدِ بن الوليدِ فأمَّرُوهُ (٤) ، وأيضًا، فإنَّ المُتغلِّب والخارِجَ على الإمام، تجُوزُ الجُمُعةُ خلفهُ، فمن كان في طاعةِ الإمام، أحرى بجَوازِها خلفهُ.

  23. وذكَرَ أبو بكرٍ الأثرمُ قال: سألتُ أبا عبدِ الله: ما تقولُ في الخَوارج إذا قدَّمُوا رَجُلًا لا يقولُ بقولِهم يُصلِّي بالنّاسِ الجُمُعة؟ قال: صلِّ خلفهُ. فذكرتُ لهُ قولَ من يقولُ (٥) : إذا كان الذي قدَّمهُ لا تحِلُّ الصلاةُ خلفهُ، فسَدَتِ الصلاةُ خلفَ هذا المُقدَّم، وإن لم يَقُل بقولِهِم. فقال: أمّا أنا، فلستُ أقُولُ بهذا.

    وقال الأثرمُ: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن مُسلم، قال: حدَّثنا أبو سِنانٍ ضِرارُ بن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن أبي الهُذَيلِ قال: تَذاكرنا الجُمُعة ليالي المُختارِ الكذّابِ، قال: فاجْتمَعَ رأيُهُم على أن يأتُوهُ، فإنَّما كذِبُهُ عليهِ (٦) .

  24. وروى ابنُ المُباركِ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفِ، عن (١) عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، أنَّهُ دخَلَ على عُثمانَ، فقال: إنَّهُ يُصلِّي بالنّاسِ إمامُ فِتنةٍ، وأنا أتحرَّجُ من الصَّلاةِ معهُ، فقال: إنَّ الصَّلاةَ أحسنُ ما صنَعَ النّاسُ، فإذا أحسَنُوا، فأحسِنْ معهُم، وإذا أساؤُوا، فاجتَنِبْ إساءتَهُم (٢) .

    vol. 7, p. 127
  25. وروى هذا الحديثَ مَعْمرٌ مرَّةً، عن الزُّهْريِّ، عن عُروةَ، عن عُبيدِ الله بن عديٍّ (٣) ، ومغ عن الزُّهْريِّ، عن رَجُل، عن عُبيدِ الله بن عديٍّ.

  26. وروى ابنُ المُباركِ، عن يُونُس، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سلَمةَ، قال: دخلَ أبو قَتادَةَ الأنصاريُّ ورجُلٌ آخرُ مَعهُ على عُثمانَ وهُو محصُورٌ، فقالا: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أنتَ إمامُ (٤) العامَّةِ، ويُصلِّي بنا إمامُ فِتنةٍ؟ فقال: صلِّيا (٥) خلفَهُ (٦) .

    قال أبو عُمر: هذه القِصَّةُ، واللهُ أعلمُ، في غيرِ الجُمُعةِ والعيدِ؛ لأنَّ الذي كان يُصلِّي بهِمُ الجُمُعة أبو أيُّوب الأنصاريُّ وسهلُ بن حُنيفٍ، أوِ ابنُهُ أبو أُمامة بن سهل، وصلَّى بهِمُ العيدَ عليُّ بن أبي طالب.

  27. ذكَرَ أهلُ السَّيرِ، منهُم: الواقِديُّ، والزُّبيريُّ: أنَّ أبا أيُّوب الأنصاريَّ كان يُصلِّي بالنّاسِ في حصرِ عُثمانَ، ثُمَّ صلَّى بهِم سهلُ بن حُنيفٍ بعدُ (٧) .

  28. وذكر المدائنيُّ، عن محمدِ بن الفَضْل، عن أبي حازِم، عن أبي هُريرةَ، قال: حَضرتِ الصَّلاةُ، فجاء المُؤذِّنُ يُؤذِنُ عُثمان، وهُو محصُورٌ، فقال: اذْهَب إلى أبي أُمامَةَ بن سهل، أو إلى سَهْلِ بن حُنيفٍ، فقُل لهُ: يُصلِّي بالنّاس (١) .

    vol. 7, p. 128
  29. وذكر المدائنيُّ أيضًا، عن محمدِ بن ذَكْوانَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، قال: صلَّى أبو أُمامَةَ، أو سهلُ بن حُنيفٍ، وعُثمانُ محصُورٌ (٢) .

  30. وعن عبدِ الله بن مُصعبٍ، عن هِشامِ (٣) بن عُروة، عن أبيهِ، قال: صلَّى بالنّاسِ يوم الجُمُعةِ سهلُ بن حُنيفٍ (٤) .

    قال المدائنيُّ: وأخبرنا ابنُ جَعْدَةَ (٥) ، قال: صلَّى سهلُ بن حُنيفٍ وعُثمانُ محصُورٌ، وصلَّى يومَ العيدِ عليُّ بن أبي طالب.

    قال: وقال جُوَيريةُ بن أسماء، عن نافِع، قال: لمّا كان يومُ النَّحرِ، جاء عليٌّ فصلَّى بالنّاسِ وعُثمانُ محصُورٌ.

  31. وذكر عُمرُ بن شبَّة (٦) ، قال: حدَّثنا حيّانُ بن بشرٍ، عن يحيى بن آدم، قال: سمِعتُ بعضَ أصحابِنا يُحدِّثُ، عن أبي مَعْشرٍ المدنيِّ: أنَّ أبا أُمامَةَ بن سهلِ بن حُنَيفٍ كان يُصلِّي بالنّاسِ وعُثمانُ محصُورٌ. قال يحيى: ولعلَّهُ قد صلَّى بهِم رجُلٌ بعد رجُل.

  32. فهذه الأخبارُ تُوضِّحُ لكَ، أنَّ قولَ عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ لعُثمان: يُصلِّي بالنّاسِ إمامُ فِتنةٍ لم يُرِد بهِ عليَّ بن أبي طالب، ولا سهلَ بن حُنيفٍ، وإنَّما أرادَ بهِ أحَدَ (١) الخارِجينَ عليه، واللهُ أعلمُ.

    vol. 7, p. 129
  33. وذكر الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا المُسيَّبُ بن واضِح، قال: سمِعتُ ابن المُباركِ يقولُ: ما صلَّى عليّ بالنّاسِ حين حُصرَ عُثمانُ، إلّا صلاةَ العيدِ وحدَها (٢) .

  34. وكان ابنُ واضِح (٣) وغيرُهُ يقولُونَ: إنَّ الذي عَنَى عُبيدُ الله (٤) بقولِهِ: إمامُ فِتنة: عبدُ الرَّحمنِ بن عُدَيسٍ البلويُّ، وهُو الذي أجلَبَ على (٥) عُثمان بأهلِ مِصرَ.

  35. والوجهُ عِندي، واللهُ أعلمُ، في قولِهِ: إمامُ فِتنةٍ، أي: إمامةٌ في فِتنةٍ؛ لأنَّ الجُمُعاتِ والأعيادَ والجماعاتِ، نِظامُها وتمامُها الإمامَةُ، فبِها تكونُ الجماعةُ المحمُودةُ، وببقاءِ النّاسِ بلا إمام، تكونُ الفُرقةُ المنهيُّ عنها. وقد بيَّنّا معنى الجماعَةِ والاعتِصام بالإمامةِ، والتَّحذيرِ من الفُرْقةِ، من أقاويلِ السَّلفِ، وصحيح الأثرِ، في بابِ سُهيل، عِند قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الله تعالى يُحِبُّ لكُم ثلاثًا ... " الحديثَ، منها: "أن تَعْتصِمُوا بحبلِ الله جميعًا، وأن تُناصِحُوا من ولّاهُ اللهُ أمركُم" (٦) . وأوضحنا هذا المعنى هُناكَ، والحمدُ لله.

  36. حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن أبي عُبيدٍ

    مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن أبي عُبيدٍ مولى ابن أزْهَرَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يُستجابُ لأحدِكُم ما لَمْ يَعْجَلْ، فيقولُ: قد دعَوتُ فلَمْ يُسْتَجبْ لي" .

    vol. 7, p. 130
  37. في هذا الحديثِ دليلٌ على خُصُوصِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: ٦٥] وأنَّ الآية ليست على عُمُومِها، ألا تَرَى أنَّ هذه السُّنَّة الثّابِتة، خصَّت منها الدّاعي إذا عَجِل، فقال: "قد دعَوتُ، فلم يُسْتَجب لي؟ " .

  38. والدَّليلُ على صِحَّةِ هذا التَّأويل، قولُ الله عزَّ وجلَّ: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعام: ٤١] .

  39. ولكِن قد رُوي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الإجابَةِ ومعناها، ما فيه غِنًى عن قولِ كلِّ قائل، وهُو حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "ما من مُسلِم يدعُو بدعَوةٍ ليسَ فيها إثمٌ، ولا قَطِيعةُ رَحِم، إلّا أعطاهُ اللهُ بها إحْدَى ثلاثٍ: فإمّا أن يُعجِّل لهُ دعوتَهُ، وإمّا أن يُؤخِّرها لهُ في الآخِرةِ، وإمّا أنَّ يُكَفِّر عنهُ، أو يكُفَّ عنهُ من السُّوءِ مِثلَها" . وقد ذكَرَنا هذا الحديثَ بإسنادِهِ، في آخِرِ بابِ زيْدِ بن أسْلَمَ، من كِتابِنا هذا.

  40. وفيه دليلٌ على أنَّهُ لا بُدَّ من الإجابَةِ على أحدِ هذه الأوجُهِ الثَّلاثةِ، فعَلَى هذا، يكونُ تأويلُ قولِ الله عزَّ وجلَّ - واللهُ أعلمُ -: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعام: ٤١] أنَّهُ يَشاءُ، وأنَّهُ لا مُكْرِهَ لهُ، ويكونُ قولُهُ عزَّ وجلَّ: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: ١٨٦] على ظاهِرِهِ وعُمُومِهِ، بتأويلِ حديثِ أبي

    vol. 7, p. 131سعيدٍ المذكُورِ، واللهُ أعلمُ بما أرادَ بقولِهِ، وبِما أرادَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، والدُّعاءُ خيرٌ كلُّهُ وعِبادةٌ، وحُسنُ عمل، واللهُ لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملًا.