مراسيل ابن شهاب عن نفسه

421 paragraphs · vol. 7, p. 388

Page 2 of 11

  1. ورُوِيَ عن قَتادةَ: أنَّ ذلكَ كان قبلَ أن تَنْزِل سُورةُ بَراءَةٌ، بقطع العُهُودِ بَيْنهُم وبين المُشرِكينَ (٢) .

    وقال الزُّهرِيُّ: كان هذا قبلَ أن تنزِلَ الفرائضُ (٣) . ورَوى عنهُ سُفيانُ بن حُسينٍ: أنَّ أبا العاصِ بن الرَّبيع أُسِرَ يومَ بَدْرٍ، فأُتِي به رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَردَّ عليه

    vol. 7, p. 400امرأتهُ (١) . وفي هذا أنَّهُ ردَّها عليه وهُو كافِرٌ، فمن هُناكَ قال ابنُ شِهاب: إنَّ ذلكَ كان قبلَ أن تَنْزِلَ الفَرائضُ (٢) .

    وقال آخرُون: قِصَّةُ أبي العاصِ هذه منسُوخةٌ بقولِهِ عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار} الآيةَ إلى قولِه: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠] .

    vol. 7, p. 399
  2. ومِمّا يدُلُّ على أنَّ قِصَّةَ أبي العاص مَنْسُوخةٌ بقولِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} إلى قولِهِ: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠] إجماعُ العُلماءِ على أنَّ أبا العاصِ بن الرَّبيع كان كافِرًا، وأنَّ المُسلمةَ لا يَحِلُّ أن تكون زَوْجَةً لكافرٍ، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} ، وقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - للمُلاعِنِ: "لا سبِيلَ لكَ عليها" (٣) .

  3. روى سعِيدُ بن جُبيرٍ وعِكرِمةُ، عن ابن عبّاس، قال: لا يعلُو مُسلمةً مُشرِكٌ، فإنَّ الإسلامَ يَظْهرُ، ولا يُظهرُ عليهِ (٤) .

  4. وفي قولِ الله عزَّ وجلَّ: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ما يُغنِي ويكفِي والحمدُ لله.

    قال أبو عُمر: ولم يختلِفْ أهلُ السِّيرِ أنَّ هذه الآيةَ المذكُورةَ نزلت في الحُديبِيةِ، حِينَ صالَحَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قُرَيشًا، على أن يَرُدَّ عليهِم من جاءَ بغيرِ إذنِ وليِّهِ، فلمّا هاجَرْنَ، أبَى اللهُ أن يُرْدَدْنَ إلى المُشرِكِينَ، إذا امتُحِنَّ بمِحنةِ الإسلام، وعُرِف أنَّهُنَّ جِئنَ رَغْبةً في الإسلام.

    vol. 7, p. 401
  5. وذكَرَ مُوسى بن عُقبةَ، أنَّ أبا العاصِ بن الرَّبِيع كان قد أذِنَ لامرأتِهِ زينَبَ بنتِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حِينَ خرَجَ إلى الشّام، أن تَقْدَمَ المدِينةَ، فتكونَ معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذكُر مَتَى كان خُرُوجُهُ إلى الشّام، وذكَرَ أنَّهُ في رُجُوعِهِ من الشّام مرَّ بأبي جَنْدلٍ وأبي بَصِيرٍ في نَفَرٍ من قُريشٍ، فأخذُوهُم ومن معهُم، ولم يقتُلُوا منهُم أحَدًا، لِصِهرِ أبي العاصِ من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقَدِمَ المدِينةَ على امْرأتِهِ زينبَ (١) .

  6. فقد أجمَعَ العُلماءُ، أنَّ الزَّوجينِ إذا أسْلَما معًا في حالٍ واحِدةٍ، أنَّ لهُما المُقامَ على نِكاحِهِما، إلّا أن يكونَ بينهُما نَسَبٌ أو رَضاعٌ يُوجِبُ التَّحرِيم، وأنَّ كلَّ من كان لهُ العَقْدُ عليها في الشِّركِ، كان لهُ المُقامُ مَعَها إذا أسْلَما معًا، وأصلُ العَقْدِ مُعْفًى (٢) عنهُ، لأنَّ عامَّةَ أصْحابِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كانُوا كُفّارًا، فأسلمُوا بعد التَّزوِيج، وأُقِرُّوا على النِّكاح الأوَّلِ، ولم يُعتَبرْ في أصلِ نِكاحِهِم شُرُوطُ الإسلام، وهذا إجماعٌ وتَوقِيفٌ.

  7. وإنَّما اخْتَلَف العُلماءُ في تقدُم إسلام أحَدِ الزَّوجينِ، على ما نذكُر هاهُنا إن شاءَ الله.

    vol. 7, p. 402قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ، أنَّ الكافِرةَ إذا أسْلَمت، ثُمَّ انْقَضَتْ عِدَّتُها، أنَّهُ لا سبِيلَ لِزَوْجِها إليها إذا كان لم يُسْلِمْ في عِدَّتِها، إلّا شَيءٌ رُوِي عن إبراهِيمَ النَّخَعِيِّ (١) ، شذَّ فيه عن جَماعةِ العُلماءِ، ولم يتبَعهُ عليه أحدٌ من الفُقهاءِ، إلّا بعضُ أهلِ الظّاهِر، فإنَّهُ قال: أكثرُ أصحابِنا لا يُفْسِخُ النِّكاحَ لِتقدُّم إسلام الزَّوجةِ، إلّا بمُضِيِّ مُدَّةٍ يتَّفِقُ الجميعُ على فسخِهِ (٢) ، لِصِحَّةِ وُقوعِهِ في أصْلِهِ، ووُجُودِ التَّنازُع في حَقِّهِ (٣) . واحتجَّ بحديثِ ابن عبّاسٍ، بأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ردَّ زَيْنبَ على أبي العاصِ بالنِّكاح الأوَّلِ (٤) ، بعد مُضِيِّ سَنَتينِ لهِجرتِها.

  8. وأظُنُّهُ مالَ فيه إلى قِصَّةِ أبي العاصِ، وقِصَّةُ أبي العاصِ لا تخلُو من أن يكونَ أبو العاصِ كافِرًا، إذ ردَّهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ابنتِهِ زينبَ على النِّكاح الأوَّلِ أو مُسلمًا، فإن كان كافِرًا، فهذا ما لا شَكَّ فيه، أنَّهُ كان قبلَ نُزُولِ الفَرائضِ وأحكام الإسلام في النِّكاح، إذ في القُرآنِ والسُّنَّةِ والإجْماع تحرِيمُ فُرُوج المُسلماتِ على الكُفّارِ، فلا وَجْهَ هاهُنا للإكثار.

  9. وإن كان مُسلمًا، فلا يخلُو من أن يكونَ كانت حامِلًا، فتمادَى حملُها ولم تَضَعهُ حتَّى أسلَمَ زوجُها، فَردَّهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إليها في عِدَّتِها، وهذا ما لم يُنْقَلْ في خَبَر.

  10. أو تكونَ قد خَرَجت من العِدَّةِ، فيكونَ أيضًا ذلك منسُوخًا بالإجماع؛ لأنَّهُم قد أجمعُوا أنَّهُ لا سبِيلَ لهُ إليها بعدَ العِدَّةِ، فكيفَ كان ذلك؟

  11. فخَبرُ ابن عبّاسٍ في ردِّ أبي العاصِ إلى زَيْنبَ بنتِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، خَبرٌ مترُوكٌ لا يجُوزُ العَملُ به عندَ الجميع، فاستُغنِي عن القولِ فيه.

    vol. 7, p. 403
  12. وقد يحتمِلُ قولُهُ: "على النِّكاح الأوَّلِ" يُرِيدُ: على مِثلِ النِّكاح الأوَّلِ من الصداقِ، على أنَّهُ قد رَوَى عَمرُو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ زينبَ إلى أبي العاصِ بنِكاح جدِيدٍ (١) .

  13. وكذلكَ يقولُ الشَّعبِيُّ على عَملِهِ بالمغازِي: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرُدَّ أبا العاصِ إلى ابنتِهِ زينبَ إلّا بنِكاح جدِيد (٢) ، وهذا يَعضدُهُ الأُصُولُ.

  14. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عن حجّاج، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ ابنتَهُ زينبَ على أبي العاصِ بن الرَّبيع بنِكاح جدِيد (٣) .

  15. وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في الحربِيَّةِ تخرُجُ إلينا مُسلمةً (٤) ، فإنَّ مالكًا قال: إن أسْلَمَ الزَّوجُ قبلَ أن تحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فهِي امرأتُهُ، وإن لم يُسلِم حتّى حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ، فقد وَقَعتِ الفُرقةُ.

  16. ولا فرقَ عِندهُ بين دارِ الإسلام ودارِ الحرب، وهُو قولُ الشّافِعيِّ (١) سواءٌ، ولا حُكم للدّارِ عندَهُ، وكذلك قال الأوزاعِيُّ واللَّيثُ بن سعدٍ اعتبرا العِدَّةَ.

    vol. 7, p. 404
  17. وقال أبو حنِيفةَ في الحربِيَّةِ تخرُجُ إلينا مُسلمةً، ولها زوجٌ كافِرٌ بدارِ الحربِ: فقد وَقَعتِ الفُرقةُ بينهُما، ولا عِدَّةَ عليها (٢) .

    وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: أمّا الفُرقةُ فقد وَقَعت بينهُما ولا سبِيلَ لهُ إليها إلّا بنِكاح جدِيد، ولكِنَّ العِدَّةَ عليها. وهُو قولُ الثَّورِيِّ (٣) .

  18. وأمّا اختِلافُهُم في الذِّمِّيَّينِ إذا أسلَمَ أحدُهُما قبلَ صاحِبِهِ، فقولُ مالكٍ، والشَّافِعيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بن حيٍّ، والأوزاعِيِّ: اعتِبارُ العِدَّةِ في وُقوع الفُرقةِ على ما ذكَرْنا عنهُم في الحربِيّةِ.

  19. إلّا أنَّ الأوزاعِيَّ يقولُ: إذا أسْلَمتِ المرأةُ، ولم يُسلِم زوجُها إلّا بعد انقِضاءِ العِدَّةِ، فهِي تطليقةٌ (٤) ، وهُو خاطِبٌ (٥) .

  20. وفي قولِ مالكٍ، والشّافِعيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بن حيٍّ: إذا انْقَضت عِدَّتُها، فلا سبِيلَ لهُ إليها.

  21. وليستِ الفُرقةُ عندَهُم طلاقًا، وإنَّما هُو: فَسْخٌ بغيرِ طلاقٍ.

  22. وإذا أسلَمَ في عِدَّتِها، فهُو أحقُّ بها عندَ مالكٍ، والشّافِعيِّ، واللَّيثِ، والأوزاعِيِّ، والحسنِ بن حيٍّ.

    vol. 7, p. 405
  23. وسواءٌ كانتِ المرأةُ قبلَ أن تُسلِمَ (١) كِتابِيَّةً أو مجُوسِيّةً، زوجُها أحقُّ بها أبدًا، إن أسلَمَ في عِدَّتِها.

  24. فإن كانا مجُوسِيَّينِ، وأسلَمَ الرَّجُلُ قبلُ، فإنَّ مالكًا قال (٢) : يُعرَضُ عليها الإسلامُ في الوقتِ، فإن أسْلَمت، وإلّا وَقَعتِ الفُرقةُ بينهُما.

    قال إسماعيلُ بن إسحاق: إذا أسلَمَ الرَّجُلُ وزوجتُهُ مجُوسِيَّةٌ غائبةٌ، فإنَّ الفُرقةَ تَقعُ بينهُما حِينَ يُسلِمُ ولا يَنْتظِرُ بها؛ لأنَّهُ لوِ انْتَظرَ بها كان مُتَمسِّكًا بعِصمَتِها، وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠] .

    قال: والحاضِرةُ إذا عُرِضَ عليها الإسلامُ، فليسَ الرَّجُلُ مُمسِكًا بعِصْمتِها؛ لأنَّهُ لا ينتظِرُ بها شيئًا غير حاضِرٍ، إنَّما هُو كَلامٌ وجوابٌ، فكأنَّها إذا أسْلَمت في هذه الحالِ، قد أسْلَمت معَ إسلامِهِ، إذ كان إنَّما ينتظِرُ جوابَها. ألا ترى الآيةَ لمّا نَزَلت، وَقَعتِ الفُرقةُ بين المُسلمِينَ الذين كانُوا بالمدِينةِ وبين أزواجِهِمُ اللّاتي كُنَّ بمكَّةَ، ولم يُنْتَظر أن يُعرَضَ عليهِنَّ الإسلامُ، وقد كانَ ذلك مُمكِنًا في ذلك الوقتِ، للهُدنةِ التي كانت بينهُم، إلى أن نَقَضُوا العهدَ بعد سِنِينَ من الصُّلح؟

    قال: والكَوافِرُ التي أنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيهِنَّ هذا، هُنَّ: المُشرِكاتُ من العَرَبِ، فكان سبِيلُ المجُوسِيّاتِ سَبِيلَهُنَّ، فليسَ يجُوزُ للمُسلم أن يُمسِكَ بعِصمةِ كافِرةٍ من غيرِ أهلِ الكِتابِ، كانت مَعهُ في دارِ الإسلام، أو في غيرِ دارِ الإسلام.

    vol. 7, p. 406قال: والفُرقةُ بينهُما بغيرِ طلاقٍ؛ لأنَّهُما مَغْلُوبانِ على الفسخِ، وليسَ يُراجِعُها في العِدَّةِ إن أسْلَمت، بخِلافِهِ إذا كان هُو المُتقدِّم الإسلام؛ لأنَّ إسلامهُ قَبْلها أشْبَهُ بالمُفارِقِ يَرْتجعُ، والارتِجاعُ إنَّما هُو بالرِّجالِ، لا بالنِّساءِ.

    وقال الشّافِعيُّ، والأوزاعِيُّ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ، والحسنُ بن حيٍّ: لا فَرْقَ بين المرأةِ والرَّجُل في ذلكَ، وأيُّهُما أسلَمَ قبلُ، ثُمَّ أسْلَمَ صاحِبُهُ في العِدَّةِ، كانا على نِكاحِهِما (١) .

  25. وسَواءٌ عندَهُم أهلُ الكِتابِ في ذلك، أو غيرُ أهلِ الكِتابِ.

  26. وكذلك سواءٌ عندَهُم تقدَّم إسلامُ الرَّجُلِ، أو تقدَّم إسلامُ المرأةِ؛ لأنَّ أبا سُفيانَ بن حربٍ وحكِيمَ بن حِزام أسْلَما قبلُ، ثُمَّ أسْلَمتِ امرأتاهُما، فاسْتَقرَّت كلُّ واحِدةٍ منهُما عندَ زوجِها بالنِّكاح الأوَّلِ، إذ أسلَمَتْ في العِدَّةِ (٢) .

  27. وأسْلَمتِ امرأةُ صَفْوانَ وامرأةُ عِكْرِمةَ، فاستقرَّتا بالنِّكاح الأوَّلِ، وذلك قبلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ (٣) .

  28. وهذا يدُلُّ على أنَّ قولَهُ عزَّ وجلَّ: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: ١٠] في حالٍ دُونَ حالٍ، وذلك التَّمادِي في الإمْساكِ بعد العِدَّةِ على ما بيَّنَتْ وأحكَمَتْ في ذلك السُّنَّةُ.

    وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ في الذِّمِّيَّينِ (٤) : إذا أسْلَمتِ المرأةُ، عُرِضَ على الزَّوج الإسلامُ، فإن أسلمَ، وإلّا فُرِّقَ بينهُما.

    vol. 7, p. 407قالوا: ولو كانا حَرْبِيَّيْنِ وأسْلَمت هُناكَ، كانتِ امرأتَهُ حتَّى تحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فإن لم يُسلِم، وَقَعتِ الفُرقةُ. وفرَّقوا بين حُكم دارِ الإسلام، ودارِ الحربِ.

    وقال ابنُ شُبرُمةَ في النَّصرانِيِّ تُسلِمُ امرأتُهُ قبلَ الدُّخُولِ: يُفرَّقُ بينهُما، ولا صَداقَ لها، ولو كانتِ المرأةُ مجُوسِيَّةً، وأسلَمَ الزَّوجُ قبلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ لم تُسلِم المرأةُ حتَّى انْقَضَت عِدَّتُها، فلَها نِصفُ الصَّداقِ، وإن أسْلَمت قبلَ أن تَنْقضِيَ عِدَّتُها، فهُما على نِكاحِهِما (١) .

  29. وقال الثَّورِيُّ كقولِ أبي حنِيفةَ، في عَرْضِ الإسلام على الزَّوج إذا أسْلَمتِ امرأتُهُ، فإن أسلمَ، وإلّا فُرِّق بينهُما (٢) . وقال في المهرِ: إن أسلَمَتْ وأبَى، فلَها جميعُ المهرِ، إن كان دَخلَ بها، وإن لم يَكُن دَخلَ بها، فلها النِّصفُ، وإن أسلَمَ وأبَتْ وهِي مجُوسِيّةٌ، فلا مَهْرَ إن لم يدخُل بها.

  30. وقال مالكٌ (٣) في النَّصرانِيَّةِ تكونُ تحتَ النَّصْرانيِّ فيخرُجُ إلى بعضِ الأسْفارِ، فتُسلِمُ امرأتُهُ وهُو غائبٌ، فإنَّها تُؤمَرُ بالنِّكاح إذا انْقَضَت عِدَّتُها، ولا ينتظِرُ بها، وليسَ لهُ منها شيءٌ إن قَدِمَ بعد انقِضاءِ عِدَّتِها وهُو مُسلمٌ، نَكَحت أو لم تَنْكِح، هذا إذا أسلَمَ بعد انقِضاءِ عِدَّتِها، فإن أسلَمَ قبل انقِضاءِ عِدَّتِها في غَيْبتِهِ، فإن نَكَحت قبلَ أن يَقْدَمَ زَوْجُها أو يبلُغَها إسلامُهُ، فلا سبِيلَ لهُ إليها، وإن أدْرَكها قبلَ أن تَنْكِح، فهُو أحقُّ بها.

    قال: وإن كانتِ الغيبةُ قرِيبةً، استُؤنِي بتَزْوِيجِها، وكُتِبَ للسُّلطانِ فلعلَّهُ قد أسلَمَ قبلها، وإن كانت بعِيدةً فلا.

  31. وجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ في صَداقِ الكِتابِيَّةِ والمجُوسِيَّةِ إذا أسْلَمَت قبلَ البِناءِ، أنَّهُ لا صداقَ لها، ولا شيءَ منهُ مُعجَّلٌ ولا مُؤَجَّلٌ، فإن قَبَضتهُ ردَّتهُ؛ لأنَّ الفِراقَ من قِبَلِها، ولو بَنَى بها كان لها صَداقُها كامِلًا، وكذلكَ المُرتدَّةُ في الصداقِ.

    vol. 7, p. 408
  32. ذكرَ إسماعيلُ بن أبي أُويسٍ، عن مالكٍ، قال: الأمرُ عندَنا في المرأةِ تُسلِمُ وزَوْجُها كافِرٌ قبلَ أن يدخُلَ بها ويَمسَّها، أنَّهُ لا صَداقَ لها، سَمَّى لها أو لم يُسمِّ، وليسَ لزَوْجِها عليها رَجْعةٌ؛ لأنَّهُ لا عِدَّةَ عليها، ولو دخَلَ بها، كان لهُ عليها الرَّجْعَةُ ما دامَتْ في عِدَّتِها، وكان لها صَداقُها كامِلًا، فإن بَقيَ لها عليه شيءٌ من مَهْرِها، فلها بقِيَّتُهُ، أسلَمَ في عِدَّتِها أو لم يُسلِم.

    قال: وقال مالكٌ في المجُوسِيّةِ يتَزوَّجُها المجُوسِيُّ، ثُمَّ يُسلِمُ أحدُهُما ولم يدخُل بها، فرَضَ لها أو لم يَفْرِض: إنّهُ لا صَداقَ لها إن أسْلَمَت قَبلهُ وأبى هُو أن يُسلِمَ، أو أسلَمَ قبلها فأبَتْ هِيَ أن تُسلِمَ في الوَجْهينِ (١) .

  33. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد (٣) ، عن إسرائيل، عن سِماكٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: أسْلَمتِ امرأةٌ على عَهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 7, p. 409فتَزوَّجت (١) ، فجاءَ زوجُها إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نَبِيَّ الله، إنِّي قَدْ أسلمتُ وعلِمَتْ بإسلامِي، فانْتَزَعها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من زَوْجِها الآخَرِ، ورَدَّها إلى زَوْجِها الأوَّلِ.

  34. ورواهُ حَفْصُ بن جُميع (٢) وسُليمانُ بن مُعاذٍ (٣) ، وهذا لفظُهُ:

    عن سِماكٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: أسْلَمتِ امرأةٌ على عهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهاجَرَتْ وتَزوَّجَت، وكان زَوْجُها قد أسلمَ، فَردَّها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زَوْجِها. ذكر البزّارُ.

  35. وحدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله (٤) بن مُوسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: أسْلَمتِ امرأةٌ على عَهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَتزوَّجت، فجاءَ زوجُها إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي قد أسْلَمتُ مَعَها، وعَلِمَتْ بإسْلامِي، فنَزعَها (٥) رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من زوجِها الآخَرِ، وردَّها إلى زَوْجِها الأوَّلِ (٦) .

    قال أبو عُمر: احتجَّ الطَّحاوِيُّ (٧) لأبي حنِيفةَ وأصْحابِهِ والثَّورِيِّ، بأن

    vol. 7, p. 410قال: خَبرُ ابن شِهاب مُنقطِعٌ، وفي الأُصُولِ أنَّ العِدَّةَ إذا وُجِّهت على الطَّلاقِ، فإنَّما تجِبُ بعدَ ارتفاع النِّكاح، وأمّا مع بَقاءِ النِّكاح فلا عِدَّةَ.

    قال أبو عُمر: لوِ ارتفَعَ النِّكاحُ، ما كان يُعرضُ الإسلامُ على الثّانِي منهُما معًا، وقد أجمعُوا على ذلك في الفورِ.

  36. رُوِيَ عن عُمرَ، وابن عبّاسٍ الفُرقةُ بين الزَّوجينِ إذا أسْلَمتِ المرأةُ الذِّمِّيَّةُ وأبىَ زوجُها أن يُسلِمَ، ولم يَعْتبِرِا العِدَّةَ (١) .

  37. وذكر ابنُ أبي شيبةَ، قال (٢) : حدَّثنا مُعتمِرٌ، عن أبيهِ، عن الحسنِ وعُمرَ بن عبدِ العزيز، قالا في النَّصرانِيَّةِ تُسلِمُ تحت زَوْجِها: أخرَجَها عنهُ الإسلامُ.

  38. ورَوى حمّادُ بن سَلَمةَ، عن زِيادٍ الأعلم، عن الحسنِ، عن النَّصرانِيَّةِ تكونُ تحتَ النَّصرانِيِّ فتُسلِمُ قبل الدُّخُولِ، قال: فرَّق بينهُما الإسلامُ.

  39. ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ نحوُ قولِ مالكٍ والشّافِعيِّ.

  40. وحسبُك بقولِ ابن شِهاب: أنَّهُ لم يبلُغْهُ غيرُ مما حَكَى، في حديثهِ المذكورِ في هذا البابِ: وأنَّهُ أحقُّ بها إن أسلَمَ في عِدَّتِها.