مراسيل ابن شهاب عن نفسه
421 paragraphs · vol. 7, p. 388
Page 8 of 11
- vol. 7, p. 475
هكذا هُو في "المُوطَّأ" عندَ جميع رُواتِهِ، فِيما علِمتُ (٢) .
-
وقد رَوَى هذا الحديثَ عن ابن شِهاب مُسندًا: عُقيل وغيرُهُ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بن شُعيب، قِراءَةً عليه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ وسعِيدُ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، أنَّهُ قال: أَتَى رَجُلٌ من المُسلمِينَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهُو في المسجِدِ، فناداهُ فقال: يا رَسُولَ الله، إنِّي قد زَنَيتُ، فأعرضَ عنهُ، حتّى ثنَّى ذلكَ أربعَ مرّاتٍ، فلمَّا شَهِدَ على نفسِهِ أربعَ مرّاتٍ، دَعاهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أبِكَ جُنُونٌ؟ " ، فقال: لا، قال: "فهَلْ أحصنْتَ؟ " ، قال: نعم، قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اذْهَبُوا به فارجُمُوهُ" . قال ابنُ شِهاب: فأخْبَرني من سمِعَ جابر بن عبدِ الله يقولُ: فكُنتُ فيمَنْ رَجَمهُ، فلمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجارةُ هَرَب، فأدركناهُ بالحرَّةِ فرَجَمناهُ (٣) .
-
هكذا قال عُقيلٌ: عن ابن شِهاب، عن سعِيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هُريرةَ.
-
وبعضُهُ عن جابرٍ، وقد جوَّدهُ إن شاءَ الله.
- vol. 7, p. 476
ورواهُ مَعْمر ويُونُسُ، عن ابن شِهاب، عن أبي سَلَمةَ، عن جابرٍ.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن عليٍّ وابنُ أبي السَّرِيِّ (١) العَسْقلانِيُّ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢) : أخبرنا مَعْمر، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أن رَجُلًا من أسلَمَ جاءَ إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فاعترفَ بالزِّنا، فأعرَضَ عنهُ، ثُمَّ اعترَفَ، فأعرضَ عنهُ، حتّى شهِدَ على نفسِهِ أربَعَ شهاداتٍ، فقال لهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أبِكَ جُنُون؟ " ، قال: لا، قال: "أحصنْتَ؟ " ، قال: نعم، قال: فأمرَ به النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فرُجِمَ في المُصلَّى، فلمَّا أذْلَقتهُ الحِجارةُ فرَّ، فأُدرِكَ، فرُجِمَ حتّى ماتَ، فقال لهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خيرًا، ولم يُصلِّ عليه.
-
وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ بن تميم، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكِين. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قالا (٣) : حدَّثنا سحنُون، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، عن يُونُس بن يزِيدَ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ رَجُلًا من أسلمَ أتى رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهُو في المسجِدِ، فناداهُ وحدَّثهُ أنَّهُ زنى، فأعرَضَ عنهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فتَنَحَّى لِشِقِّهِ الذي أعرضَ
vol. 7, p. 477قِبَلَهُ، فأخبَرَهُ أنَّهُ زنى، وشهِدَ على نفسِهِ أربعَ مرّاتٍ، فدعاهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هل بكَ جُنُون؟ " ، فقال: لا، قال: "فهَلْ أحصنْتَ؟ " (١) ، قال: نعم، قال: فأمرَ به رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُرجَمَ بالمُصلَّى، فلمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجارةُ جمَزَ (٢) حتّى أُدرِكَ بالحِجارةِ (٣) فقُتِل بها رجمًا (٤) .
-
وقد رَوى هذا الحدِيثَ في رَجْم الأسلمِيِّ، وهُو ماعِزٌ، جماعةٌ من الصَّحابةِ، منهُم:
أبو هُريرةَ، رواهُ عنهُ: ابنُ عمِّهِ عبدُ الرَّحمنِ بن الصامِتِ (٥) وأبو سَلَمةَ (٦) .
-
ومنهُم: جابرُ بن عبدِ الله، رُوِي عنهُ من طُرُقٍ شتَّى.
-
وابنُ عبّاسٍ (٧) ، رُوِي عنهُ أيضًا من وُجُوهٍ كثِيرةٍ.
-
وجابرُ بن سمُرةَ، وسهلُ بن سعدٍ (٨) ، ونُعيمُ بن هزّالٍ، وأبو سعِيدٍ الخُدرِيُّ (٩) ، وبُرَيدةُ الأسلمِيُّ.
- vol. 7, p. 478
وأكثرُهُم يقولُ: إنَّهُ اعترَفَ أربَعَ مرّاتٍ.
-
وفي حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ: ثلاثَ مرّاتٍ.
-
وفي حديثِ جابرِ بن سَمُرةَ: أنَّهُ اعترَفَ مرَّتينِ، ثُمَّ أمرَ به فرُجِمَ. هكذا رواهُ شُعبةُ (١) وإسرائيلُ (٢) وأبو عَوانةَ (٣) ، عن سِماكٍ، عن جابرِ بن سمُرةَ.
-
واختلف الفُقهاءُ في عَددِ الإقرارِ بالزِّنا (٤) .
فقال مالكٌ، واللَّيثُ، والشّافِعيُّ وعُثمانُ البتِّيُّ: إذا أقرَّ مرَّةً واحِدةً حُدَّ. وهُو قولُ داود والطَّبرِيِّ. ومن حُجَّتِهِم، ما رُوِيَ من الآثارِ المذكُورِ فيها الرَّجمُ بإقرارٍ مرَّتينِ، وثلاث. وهُو دُونَ الأربع، وحديثُ ابن شِهاب، عن عُبيدِ الله، عن أبي هُريرةَ وزيدِ بن خالدٍ في قِصَّةِ العَسِيفِ، قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "واغدُ يا أُنيسُ على امرأةِ هذا، فإنِ اعْتَرفتْ، فارجُمها" فاعْتَرفت فرَجَمها (٥) . ولم يُقل: إنِ اعْتَرفت أربعَ مرّاتٍ، فكلُّ اعتِرافٍ على ظاهِرِ هذا الحديثِ، يُوجِبُ الرَّجمَ، مرَّةً كانَ أو أكثرَ.
-
وقد أجمعُوا أنَّ الإقرارَ في الحُقوقِ، يجِبُ بالمرَّةِ الواحِدةِ، وكذلك الحُدُودُ في القِياسِ، وليسَ الشَّهاداتُ من بابِ الإقرارِ في شيءٍ، لإجْماعِهِم على أنَّ الإقرارَ في الحُقوقِ لا يجِبُ تَكْرار مرَّتينِ، قِياسًا على الشّاهِدينِ، وكذلك لا يجِبُ الإقرارُ في الزِّنا أربع مرّاتٍ، قِياسًا على الشُّهُودِ الأربعة.
vol. 7, p. 479وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ (١) : لا يجِبُ الرَّجمُ بالإقرارِ، حتّى يُقِرَّ بالزِّنا أربعَ مرّاتٍ، في مجالِسَ مُفترِقةٍ، وهُو أن يغِيبَ عن مجلِسِ القاضِي، حتّى لا يراهُ، ثُمَّ يعُودَ فيقرَّ.
وقال الحسنُ بن حيٍّ: يُقِرُّ أربع مرّاتٍ. ولم يذكُر: مجالِس مُفترِقةً (٢) .
وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: يُحدُّ في الخمرِ بإقراره مرَّةً واحِدةً. وقال زُفرُ: لا يُحدُّ حتّى يُقِرَّ مرَّتينِ في مَوْطِنينِ.
وقال أبو حنِيفةَ، وزُفرُ، ومحمدُ بن الحسنِ: إذا أقرَّ مرَّةً واحِدةً في السَّرِقةِ، صحَّ إقرارُهُ. وقال أبو يُوسُف: لا يصِحُّ حتّى يُقِرَّ مرَّتينِ (٣) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ، قال (٤) : حدَّثنا عبدُ الله بن نُمير، قال: حدَّثنا بشِيرُ بن المُهاجِرِ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن بُريدةَ، عن أبيهِ: أنَّ ماعِزَ بنَ مالكٍ الأسلمِيَّ أتى رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسُولَ الله، إنِّي قد ظَلَمتُ نفسِي وزَنَيتُ، وأنا أُرِيدُ أن تُطهِّرنِي. فردَّهُ، فلمَّا كانَ من الغَدِ أتاهُ أيضًا، فقال: يا رسُولَ الله، إنِّي قد زَنيتُ. فردَّهُ الثّانِيةَ، فأرسلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قومِهِ، فقال: "أتعلمُونَ بعَقلِهِ بأسًا؟ أتنكِرُونَ منهُ شيئًا؟ " قالوا: لا نعلمُهُ إلّا وفيَّ العَقْلِ من صالحينا فيما نَرَى. قال: فأتاهُ الثّالِثةَ، فأرسلَ إليهم أيضًا، فسألَ عنهُ، فأخبرُوهُ أنَّهُ لا بأسَ به ولا بعَقلِهِ، فلمَّا كان الرّابعةُ حفَرَ لهُ حُفرةً، ثُمَّ أمرَ به فرُجِمَ.
- vol. 7, p. 480
وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن مُجالدٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن جابرٍ، قال: جاءَ ماعِزُ بن مالكٍ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنَّهُ قد زَنَى. فقال: "أما لهذا أحَدٌ؟ " فردَّه (٢) . ثُمَّ جاءَ ثلاث مرّاتٍ، فقال: "أما لهذا أحدٌ؟ " فردَّه (٣) ، فلمَّا كانتِ الرّابعةُ قال: "ارجُمُوهُ" . فرماهُ ورميناهُ، وفرَّ واتَّبعناهُ. قال عامرٌ: فقال لي جابرٌ: فهاهُنا قَتلناهُ (٤) .
-
حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن أبجَرَ، قال: حدَّثنا مُوسى بن هارُونَ، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن الوليدِ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سِماكِ بن حَرْبٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ ماعِزًا حتّى شهِدَ وأقرَّ أربعَ مرّاتٍ، ثُمَّ أمرَ برجمِهِ (٥) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ (٦) ، عن سِماكٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بن سَمُرةَ يقولُ: أتى رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -
vol. 7, p. 481رجُلٌ أشْعَرُ (١) قصِيرٌ لهُ عَضَلاتٌ، فأقرَّ أنَّهُ قد زنَى، فردَّهُ مرَّتينِ، ثُمَّ أمَرَ به فرُجمَ (٢) ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كلَّما نَفَرنا غازِين في سبِيلِ الله، تخلَّفَ أحدُهُم لهُ نبِيبٌ (٣) كنبِيبِ التَّيسِ، يمنحُ إحداهُنَّ الكُثْبةَ، لا أُوتَى بأحَدٍ منهُم، إلّا جعلتُهُ نكالًا" (٤) .
قال أبو عُمر: في بعضِ هذه الأحادِيثِ ما يَدُلُّ على أنَّ إقْرارهُ كان في مجالِس مُفْترِّقةٍ.
-
وفي حديثِ ابن عبّاسٍ أيضًا، وجابرِ بن سمُرةَ، وأبي هُريرةَ، ما يدُلُّ على أنَّهُ أقرَّ على نَفسِهِ في مجلِسٍ واحِدٍ مرَّتينِ، أو أربع مرّاتٍ، أعرضَ عنهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - منها في الثَّلاثِ، وبعضُهُم يقولُ: شَهِدَ على نفسِهِ أربَعَ شهاداتٍ.
-
والآثارُ في ذلك كثيرةٌ طرقُها جِدًّا، قد ذكَرَها المُصنَفون، وفيما ذكرْنا منها كِفايةٌ، وإنَّما غَرضُنا أن نذكُرَ حديثَ ابن شِهاب مُتَّصِلًا لا غيرَ، ولكِنّا ذكَرْنا غيرَهُ، لأَنهُ من حُجَّةِ المُخالِفِ، وفيما ذكَرْنا من الحُجَّةِ لمذهبِنا شِفاءٌ إن شاءَ الله.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في رُجُوع المُقِرِّ بالزِّنى، وشُربِ الخمرِ، وما ليسَ من حُقوقِ الآدمِيِّين (٥) .
- vol. 7, p. 482
فقال مالكٌ، واللَّيثُ، والشّافِعيُّ، والثَّورِيُّ، والحسنُ بن حيٍّ، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: يُقبَلُ رُجُوعُ المُقِرِّ بالزِّنى، والسَّرِقةِ، وشُربِ الخمرِ (١) .
وقال ابنُ أبي ليلى وعُثمانُ البتِّيُّ: لا يُقبلُ رُجُوعُهُ في شيءٍ من ذلك كلِّهِ.
-
وقال الأوزاعِيُّ - في رَجُلٍ أقرَّ على نفسِهِ بالزِّنا أربعَ مرّاتٍ، وهُو مُحصنٌ، ثُمَّ ندِمَ وأنكرَ أن يكونَ أَتَى ذلك -: إنه يُضرَبُ حَدَّ الفِريةِ على نفسِهِ، فإنِ اعترَفَ بسرِقةٍ، أو شُربِ خَمْرٍ، أو قتلٍ، ثُمَّ أنكرَ، عاقبهُ السُّلطانُ دُونَ الحدِّ.
قال أبو عُمر: إذا أقرَّ الرَّجُلُ بسرِقةٍ، من مالِ رَجُلٍ، فأنكرَ الرَّجُلُ المُقرُّ لهُ ذلك، ولم يدَّعِهِ، وكذَّبَ السّارِق، أو أقرَّ بسرِقةٍ من مالِ غائبٍ، ثُمَّ رجعَ: لم يُقطَع؛ لأنَّهُ لا حقَّ لآدمِيٍّ هاهُنا، وحُكمُهُ حُكمُ المُقِرِّ بالزِّنا.
-
واختلفَ قولُ مالكٍ في المُقِرِّ بالزِّنا، أو شُربِ الخمرِ، يُقامُ عليه الحدُّ، فيرجِعُ تحتَ العذابِ، فمرَّةً قال: إذا أقِيمَ عليه أكثرُ الحدِّ، أُتِمَّ عليه؛ لأنَّ رُجُوعَهُ نَدَمٌ منهُ. ومرَّةً قال: يُقبلُ منهُ رُجُوعُهُ أبدًا، ولا يُضرَبُ بعد رُجُوعِهِ، ويرفعُ عنهُ (٢) .
-
وهُو قولُ ابن القاسم، وعليه النّاسُ؛ لأنهُ مُحالٌ أن يُقامَ حدٌّ على أحَدٍ بغيرِ إقرارٍ ولا بيِّنةٍ، وإذا أكذَبَ نفسَهُ قبلَ تمام الحدِّ، فما بَقِي من الحدِّ لا يُتَمُّ عليه؛ لأنهُ حِينئذٍ يُضرَبُ بغيرِ إقرارٍ ولا بيِّنةٍ، وظُهُورُ المُسلمِين ودِماؤُهُم حِمًى، إلّا بيقِينٍ، ولا وجهَ لِقولِ من جعَلَ رُجُوعهُ نَدَمًا، لإجماعِهِم على أنَّ رُجُوعَهُ قبلَ أن يُقامَ عليه الحدُّ ليس بندَم، ولا فرقَ في القِياسِ والنَّظرِ بينَ أوَّلِ الحدِّ وآخِرِهِ، وإذا جازَ أن يُقبَلَ رُجوعُه بعد سَوْطٍ واحِدٍ، جازَ أن يُقبَلَ بعد سبعِينَ، والله أعلمُ.
قال أبو عُمر: ثبتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من حديثِ أبي هُريرةَ، وجابرٍ، ونُعيم بن هزّالٍ، ونصرِ بن دَهْرٍ، وغيرِهِم: أنَّ ماعِزَ بن مالكٍ لمّا رُجِمَ ومَسَّتهُ الحِجارةُ،
vol. 7, p. 483هرَبَ، فاتَّبعُوهُ، فقال لهُم: رُدُّونِي إلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. فقَتلُوهُ رَجْمًا، وذكرُوا ذلك للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "فهلّا تَرَكتُمُوهُ، لعلَّهُ يتُوبُ، فيتُوبَ الله عليه؟ " . ففي هذا أوضحُ الدَّلائلِ، على أنَّهُ يُقبَلُ رجُوعُه إذا رجعَ، والله أعلمُ، وقد جعلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هُرُوبَهُ رُجُوعًا، وقال: "فهلّا تركتُمُوهُ؟ " ، وقال: "إنَّهُ لفِي أنهارِ الجنَّةِ يَنْغمِسُ فيها" (١) .
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي شيبةَ، قال (٢) : حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن محمدِ بن إسحاق. وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٣) : حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُريع، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بن إبراهِيم التَّيمِيُّ، عن أبي الهيثم بن نصرِ بن دَهْرٍ الأسْلَمِيِّ، عن أبيهِ، قال: كُنتُ فيمَنْ رَجَمهُ، يعني: ماعِز بن مالكٍ، فلمَّا وجدَ مسَّ الحِجارة جزع جَزَعًا شدِيدًا، قال: فذَكَرنا ذلك لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فهلّا تركتُمُوهُ؟ " . وفي حديثِ سعِيدٍ، حديثِ ابن أبي شيبةَ: فلمَّا وجَدَ مسَّ الحِجارة قال: رُدُّوني إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
- vol. 7, p. 484
حديثٌ حادِيَ عَشَرَ من مَراسِيلِ ابن شِهاب
مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ نشدَ النّاس بمِنًى: من كان عندَهُ عِلمٌ من الدِّيةِ أن يُخْبِرنِي، فقامَ الضَّحَّاكُ بن سُفيانَ الكِلابِيُّ، فقال: كتبَ إليَّ رسُوُل الله - صلى الله عليه وسلم - أن أُورِّثَ امرأةً أشْيمَ الضِّبابيِّ من دِيةِ زَوْجِها. فقال لهُ عُمرُ: ادخُلِ الخِباءَ حتّى آتِيكَ، فلمَّا نزلَ عُمرُ بن الخطّابِ، أخبرهُ الضَّحَّاكُ، فقَضى بذلكَ عُمرُ بن الخطّابِ.
قال ابنُ شِهاب: وكان قَتْلُ أشْيمَ (٢) خَطَأً.
-
هكذا روى هذا الحديث جَماعةُ أصحابِ مالكٍ، فِيما عَلِمتُ في "المُوطَّأ" وغيره (٣) ، ورواهُ أصحابُ ابن شِهاب عنهُ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ. وهُو صحِيحٌ عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ.
-
ورِوايةُ سعِيدِ بن المُسيِّبِ عن عُمَرَ، قد تكلَّمنا فيها، في غيرِ هذا الموضِع، وأنَّها تَجْرِي مجرَى المُتَّصِلِ، وجائزٌ الاحتِجاجُ بها عندَهُم، لأنَّهُ قد رآه، وقد صحَّحَ بعضُ العُلماءِ سَماعهُ منهُ، ووُلِدَ سعِيدُ بن المُسيِّبِ لسنَتينِ مَضَتا من خِلافةِ عُمر.
وقال سعِيدٌ: ما قَضى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقضيَّةٍ، ولا أبو بكرٍ، ولا عُمرُ، إلّا وأنا أحفظُها.
-
وهذا الحديثُ عندَ جماعةِ أهلِ العِلم صحِيحٌ، معمُولٌ بهِ، غيرُ مُختَلفٍ فيه، سُنَّةٌ مسنُونةٌ عندَهُم، فأغْنَى ذلك عن الإكثارِ والبيانِ، والله المُستعانُ.
- vol. 7, p. 485
حدَّثني سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ. وحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا الميمُونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزنِيُّ، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ (١) . وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ (٢) ، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّ عُمرَ كان يقولُ: الدِّيةُ للعاقِلةِ، ولا تَرِثُ المرأةُ من دِيَةِ زَوْجِها، حتّى كتبَ إليه الضَّحَّاكُ بن سُفيانَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ورَّثَ امرأةً أشْيمَ من دِيَةِ زَوْجِها.
-
وأخبرنا خلفُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: أخبرنا إسحاقُ بن إبراهِيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٤) : أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن ابن المُسيِّبِ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال: ما أرَى الدِّيةَ إلّا للعَصَبةِ، لأنَّهُم يَعْقِلُون عنهُ، فهَلْ سمِعَ أحدٌ منكُم من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلكَ شيئًا؟ فقال الضَّحَّاكُ بن سُفيان الكِلابِيُّ، وكان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - اسْتَعملهُ
vol. 7, p. 486على الأعْرابِ: كتبَ إليَّ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن أُورِّث امرأةً أشْيمَ الضِّبابِيِّ من دِيَةِ زَوْجِها. فأخَذَ بذلكَ عُمرُ.
-
وذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (١) أيضًا، عن ابن جُرَيْج، عن الزُّهرِيِّ، عن ابن المُسيِّبِ، عن عُمر مِثلهُ سَواءً، وزاد فيه: وكان قَتْلُ أشْيمَ خطأً.
-
وهذا يحتمِلُ أن يكون قولُهُ: "وكان قتلُ أشْيمَ خَطأً" من قولِ سعِيدِ بن المُسيِّبِ أيضًا، ويحتمِلُ أن يكونَ من قولِ ابن شِهاب، كما قال مالكٌ، وهُو المعرُوفُ من ابن شِهاب، إدخالُهُ كلامهُ في الأحادِيثِ كثِيرًا، وهُو الذي يُشبِهُ أن يكونَ من قولِ ابن شِهاب، كما قال مالكٌ، لا من قَوْلِ سعِيدٍ.
-
وقد رُوِيَ عن ابن المُباركِ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنسٍ قال: كان قَتْلُ أشْيمَ خطأً. وهُو غرِيبٌ من حديثِ مالكٍ جِدًّا.
-
حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهِيمَ بن حَيُّونَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ بن أبانٍ مُشكُدانةُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المُباركِ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنسٍ قال: كان قَتْلُ أشْيمَ خَطَأً (٢) .
-
هكذا رواهُ مُشكُدانةَ، عن ابن المُباركِ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنسٍ.