أيوب السختياني، بصري

150 paragraphs · vol. 1, p. 597

Page 3 of 4

  1. وهذا اضطرابٌ عظيمٌ من ابنِ شهابٍ في حديثِ ذي اليَدَينِ (٢) ؛ قال مُسلمُ بنُ الحجَّاج في كتاب "التمييزِ" له: قولُ ابنِ شهابِ: إنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يسجُدْ يومَ ذي اليدين سجدتي السهوِ، خطأٌ وغلطٌ (٣) .

    vol. 1, p. 631
  2. وقد ثبَت عن النبيِّ عليه السلامُ أنَّه سجَد سجْدَتَي السَّهوِ ذلك اليومَ من أحاديثِ الثِّقاتِ؛ ابنِ سيرينَ وغيرِه.

    vol. 1, p. 632قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من أهلِ العلم بالحديثِ المصنِّفينَ فيه عوَّل على حديثِ ابنِ شهابٍ في قصةِ ذي اليَدَينِ؛ لاضطرابِه فيه، وأنَّه لم يُتِمَّ له إسنادًا ولا متْنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأنِ، فالغلطُ لا يَسلمُ منه أحدٌ، والكمالُ ليس لمخلوقٍ، وكلُّ أحدٍ يُؤخذُ من قولِه ويتركُ إلَّا النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فليس قولُ ابنِ شهابٍ أنَّه المقتولُ يومَ بدرٍ بحُجَّةٍ؛ لأنَّه قد تَبَيَّن غلطُه في ذلك.

  3. وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عبدُ اللَّه بنُ عبيدِ اللَّه بنِ أبي مُليكةَ، أَنَّه سمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ فذكرَ خبرَ ذي اليدَيْنِ، قال: فأدرَكه ذُو اليَدَينِ أخو بني سُليم.

    قال أبو عُمر: ذُو الشمالين المقتولُ يومَ بدرٍ خُزاعيٌّ، وذُو اليَدَينِ الذي شهِد سهوَ النبيِّ عليه السلامُ سُلَمِيٌّ، وممَّا يَدُلُّ على أنَّ ذا اليَديْنِ ليس هو ذا الشِّمالين المقتولَ ببدرٍ ما أخبَرناه عبدُ اللَّه بنُ محمَّدٍ (٢) ، قال: أخبَرنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الأثرمُ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ بَحْرٍ، قال: حدَّثنا معدِيّ بنُ سُليمانَ السعدِيُّ البصرِيُّ، قال: حدَّثني شُعيثُ بنُ مُطَيْرٍ، ومُطَيرٌ حاضرٌ يُصدِّقُه بمقالتِه، قال: يا أبتَاه، أخبرتَني أنَّ ذا اليدين لَقِيَكَ بذي خُشُبٍ (٣) ، فأخبَركَ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى بهم إحدَى صلاتي العشِيِّ، وهي العصرُ، فصلَّى ركعتين، ثم سلَّم، فقامَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتبِعه أبو بكرٍ وعمرُ، وخرَج سَرَعَانُ الناسِ، فلَحِقَه ذو اليدينِ، وأبو بكرٍ

    vol. 1, p. 633وعمرُ مُبتدَّيْه (١) ، فقال: يا رسولَ اللَّه، أقَصرَتِ الصلاةُ أم نسِيتَ؟ فقال: "مَا قَصُرَتِ الصلاةُ وما نسيتُ" . ثم أقبَل رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أبي بكرٍ وعمرَ فقال: "ما يقولُ ذو اليدين؟ " قالا: صدَق يا رسولَ اللَّه. فرجَع رسولُ اللَّه، وثابَ الناسُ، فصلَّى ركعتين، ثم سلَّم، ثم سجَد سجدتي السهو (٢) .

  4. وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا مَعْدِيُّ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثنا شُعيثُ بنُ مُطيرٍ، ومُطيرٌ حاضرٌ يُصَدِّقُه بمقالتِه. فذكرَ مثلَ ما تقدَّم سواءً إلى آخرِه (٣) .

  5. وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه (١) أنَّ أباه أخبَره، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ (٢) ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو سُليمانَ معدِيُّ بنُ سُليمانَ صاحبُ الطعام، قال: كنا بوادِي القُرَى، فقيلَ: إنَّ هاهُنا شيخًا قديمًا، قد بلَغ بضعًا ومئةَ سنةٍ، فأتينَاه فإذا رجلٌ يُقالُ له: مُطيرٌ. وإذا ابنٌ له يقالُ له: شُعيثٌ، ابنُ ثمانينَ سنةً، فقلْنا لابنِه: قُلْ له يُحدِّثْ بحديثِ ذي اليدَينِ، فثَقُلَ على الشيخ، فقال ابنُه: أليس حدَّثتنا أنَّ ذا اليدَينِ تَلَقَّاكَ بذِي خُشُبٍ، فقال: صلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إحدَى صلاتي العشيِّ، وهي العصرُ؟ ثم ذكَر معنَى حديثِ عليِّ بنِ بَحْرٍ (٣) .

    vol. 1, p. 634
  6. أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: أخبَرنا أبي، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: سمِعتُ العباسَ بنَ يزيدَ يقولُ: حدَّثني مَعديُّ بنُ سُليمانَ الحنَّاطُ، وكانوا يرون أنَّه من الأبدال.

  7. فهذا الحديث يُبَيِّنُ لكَ أنَّ ذا اليدين عُمِّرَ عُمرًا طويلًا، وأنَّه غيرُ المقتولِ ببدرٍ، وفيما قدَّمْنا من الآثارِ الصحاح كفايةٌ لمنْ عُصِمَ من العصبيَّةِ (٤) .

  8. وقد قيلَ: إنَّ ذا اليَدَينِ عُمِّرَ إلى خلافةِ مُعاويةَ، وإنَّه تُوُفِّي بذي خُشُبٍ. فاللَّهُ أعلم.

    vol. 1, p. 635
  9. ولو صحَّ للمخالفين ما ادَّعَوه؛ من نسخ حديثِ أبي هريرةَ بتحريم الكلام في الصلاةِ (١) لم يكنْ لهم في ذلك حُجَّةٌ؛ لأنَّ النهيَ عن الكلام في الصلاةِ إنما توجَّهَ إلى العامدِ القاصدِ، لا إلى الناسِي؛ لأنَّ النسيانَ مُتجاوزٌ عنه، والناسِي والساهِي ليسَا ممَّن دخَل تحتَ النهي لاستحالةِ ذلك في النظر.

  10. فإنْ قيلَ: فإنكم تُجِيزونَ الكلامَ في الصلاةِ عامدًا إذا كان في شأنِ إصلاحِها. قيلَ لقائلِ ذلك: أجَزْنَاه من بابٍ آخرَ قياسًا على ما نُهيَ عنه من التسبيح في غيرِ موضعِه من الصلاةِ، وإباحتُه للتنبيهِ على ما أغفَله المصلِّي من صلاتِه ليستدرِكَه، واستدلالًا بقصةِ ذي اليدين أيضًا في ذلك (٢) . واللَّهُ أعلم.

  11. وهذا المعنَى قد نزَع به أبو الفرج وغيرُه من أصحابِنا، وفيما قدَّمْنا كفايةٌ إن شاء اللَّه.

  12. وقد تَدْخُلُ على أبي حنيفةَ وأصحابِه مُناقضةٌ في هذا البابِ؛ لقولِهم: إنَّ المشيَ في الصلاةِ لإصلاحِها عامدًا جائزٌ، كالراعِفِ -ومَن يجري مجرَاه عندَهم- للضَّرورر إلى خُروجِه، وغسلِ الدم عنه، ووضوئِه عندَهم، وغيرُ جائزٍ فعلُ مثلِ

    vol. 1, p. 636ذلك في غير إصلاح الصلاةِ وشأنِها. فكذلك الكلامُ يجوزُ منه لإصلاح الصلاةِ وشأنِها ما لا يجوزُ لغيرِ ذلك؛ إذِ الفِعْلان منهيٌّ عنهما، واللَّهُ أعلم.

  13. وممَّن قال من السَّلفِ بمعنَى حديثِ ذي اليَدَيْنِ، ورأى البناءَ جائزًا لمن تكلَّم في صلاتِه ساهيًا؛ عبدُ اللَّه بنُ الزُّبيرِ، وابنُ عباسٍ، وعُروةُ، وعطاءٌ، والحسنُ، وقتادةُ، والشعبيُّ. ورُوِيَ أيضًا عن الزبيرِ بنِ العوام، وأبي الدرداءِ مثلُ ذلك (١) ، وقال بقول أبي حنيفةَ في هذا البابِ إبراهيمُ النخعِيُّ، وحمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ، ورُويَ عن قتادة أيضًا مثلُه، والحجةُ عندَنا في سُنّةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فهي القاضيةُ فيما اختُلِف فيه، وباللَّه التوفيق.

  14. وفي هذا الحديثِ أيضًا إثباتُ حُجَّةِ مالكٍ وأصحابِه في قولِهم: إذا نَسِيَ الحاكمُ حُكمَه فشهِد عليه شاهدان نفَّذه وأمضَاه، وإنْ لم يذكرْه؛ لأنَّ النبيَّ عليه السلامُ رجَع إلى قولِ ذي اليَدَين ومَن شهِد معه، إلى شيءٍ لم يذكُرْه.

    وقال الشافعِيُّ وأبو حنيفةَ: لا يُنفِّذُه حتى يَذكرَ حُكمَه به على وجهِه.

  15. وفيه إثباتُ سجودِ السهوِ على من سَهَا في صلاتِه.

  16. وفيه أنَّ السجودَ يكونُ بعدَ السلام إذا زادَ الإنسانُ في صلاتِه شيئًا سهوًا، وبه استدلَّ أصحابُنا على أنَّ السجودَ بعدَ السلام فيما كان زيادةً من السَّهوِ في الصلاة.

  17. وفيه أنَّ سجدَتَي السَّهْوِ يُسلَّمُ منهما ويكبَّرُ في كُلِّ خفضٍ ورفع فيهما، وهذا موجودٌ في حديثِ أبي هريرةَ، وعِمرانَ بنِ حُصينٍ، في قصةِ ذي اليدَيْنِ من وُجُوِهٍ ثابتةٍ، وسنذكُرُ اختلافَ الفقهاءِ في سُجودِ السَّهوِ وموضعِه من الصلاةِ في بابِ

    vol. 1, p. 637زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسار (١) . ويأتي منه ذكرٌ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن الأعرجِ (٢) ، عن ابنِ بُحَيْنَةَ (٣) إن شاء اللَّه.

  18. واختلَف المتأخِّرون من الفقهاءِ في رُجوع المسَلِّم ساهيًا في صلاتِه إلى تمام ما بقِيَ عليه منها؛ هل يحتاجُ في ذلك إلى إحرام أم لا؟

    فقال بعضُهم: لا بُدَّ أن يُحدِثَ إحرامًا، يُجددُه لرجوعِه إلى تمام صلاتِه، وإنْ لم يَفعلْ لم يُجْزِئْه.

    وقال بعضُهم: ليس ذلك عليه، وإنما عليه أن يَنويَ الرجوعَ إلى تمام صلاتِه، فإنْ كبَّرَ لرُجُوعِه فحسَنٌ؛ لأنَّ التكبيرَ شعارُ حركاتَ المصلِّي، وإنْ لم يُكبِّرْ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ أصلَ التكبيرِ في غيرِ الإحرام إنما كان لإمام الجماعةِ، ثم صارَ سُنَّةً، بمواظبةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى لقيَ اللَّهَ. وسنذكُرُ هذا المعنَى مُمهدًا في بابِ ابنِ شهابِ، عن أبي سلمةَ (٤) ، وعن عليِّ بنِ حُسينٍ (٥) إن شاء اللَّه.

  19. وإنما قُلْنا: إنَّه إذا نوَى الرُّجوعَ إلى صلاتِه ليتِمَّها فلا شيءَ عليه، وإنْ لم يُكبِّرْ؛ لأنَّ سلامَه ساهيًا لا يُخرجُه عن صلاتِه، ولا يُفسِدُها عليه عندَ الجميع، وإذا كان في صلاةٍ يبني عليها، فلا معنَى للإحرام هاهُنا؛ لأنَّه غيرُ مُستأنِفٍ لصلاتِه، بل هو مُتِمٌّ لها بانٍ فيها، وإنما يُؤمرُ بتكبيرةِ الإحرام المبتدئُ وحدَه، وباللَّه التوفيق.

  20. حديثٌ ثانٍ لأيُّوب السَّختيانيِّ مسندٌ صحيحٌ

    مالِكٌ (١) ، عن أيُّوبَ بنِ أبي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانيِّ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَّةِ، أنَّها قالَتْ: دَخَل علينا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ تُوفِّيَتِ ابنَتُه، فقال: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أو خمسًا، أو أكثرَ من ذلك، بماءٍ وسِدْرٍ، واجعلْنَ في الآخِرةِ كافُورًا، أوْ شيئًا مِنْ كافُورٍ، فإذا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّني" . قالت: فلمَّا فَرَغْنا آذَنَّاه، فأعْطَانا حَقْوَه، فقال: "أشْعِرْنَهَا إيَّاه" قال مالك: يعْني بحَقْوِه: إزَارَه.

    قال أبو عُمر: قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْل السِّيَرِ والعِلْم بالخَبَر: إنَّ ابنةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- التي شَهِدَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ غَسْلَها هي أمُّ كُلْثُوم (٢) ، فاللَّهُ أعلم.

    vol. 1, p. 638
  21. وكلُّ مَن روَى هذا الحديثَ فيما عَلِمْتُ عن مالكٍ عن "المُوَطَّأ" (٣) يقولون

    vol. 1, p. 639فيه بعدَ قولِه: "أو أكْثَرَ مِن ذلك" . "إن رَأيْتُنَّ ذلك" . وسقَطَ ليحيى: "إن رَأيْتُنَّ ذلكَ" . ليس في روايَتِه، ولا في نُسْخَتِه في "المُوَطَّأ" ، ولا أعلمُ أحدًا مِن أصْحابِ أيُّوبَ أيضًا إلَّا وقد ذكَرَ هذه الكَلِمَةَ في حَدِيثه هذا؛ قولَه: "إنْ رَأَيْتُنَّ ذلك" .

  22. وقد روَى هذا الحَدِيثَ عن أيُّوبَ جماعَةٌ، أثْبَتُهم فيه حمَّادُ بنُ زيدٍ وابنُ عُلَيَّهَ، وروايَتُهما لهذا الحديثِ كرِوَايَةِ مالِكٍ سواءً إلى آخِرِه، إلَّا أنَّهما زَادَا فيه؛ فقالا: قال أيُّوبُ: وقالتْ حَفْصةُ بِنْتُ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ في هذا الحديثِ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أو خَمْسًا، أوْ سَبْعًا، أو أكْثَرَ مِن ذلك، إن رأيْتُنَّ ذلك" . قال: وقالتْ حَفْصَةُ: قالتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: مَشَطْناها ثَلاثةَ قُرُون (١) .

    قال أبو عُمر: كانت حَفْصَةُ بنتُ سِيرينَ قد روَتْ هذ الخَبَرَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ بأكْمَلِ ألْفاظٍ، فكان محمدُ بنُ سِيرينَ يَرْوي عن أُخْتِه حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ مِن ذلك ما لم يَحْفَظْه عن أُمِّ عَطِيَّةَ، فمِمَّا كان يَرْوِيه عن حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ قَولها: ومَشَطْناها ثَلاثةَ قُرُونٍ. لم يسْمَع ابنُ سِيرِينَ هذه اللَّفْظَةَ مِن أُمِّ عَطِيَّةَ، فكان يَرْويها

    vol. 1, p. 640عن أُخْتِه حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ. حدَّثَ بذلك عن أيُّوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ - قَوْمٌ؛ منهم ابنُ عُيَيْنَةَ (١) ، ويَزِيدُ بنُ زُريْع (٢) .

  23. وقد روَى أيُّوبُ هذا الحديثَ، عن حَفْصَةَ بنتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ، وعن محمدِ بنِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ. فكان يَرْوي عن كلِّ واحدٍ منهما حَدِيثَه على وَجْهِه، وكانَ مِن أحْفَظِ الناس.

  24. قرَأْتُ على عبدِ الوارِثِ بنِ سفيانَ، أنَّ قاسِمَ بنَ أصْبَغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ محمدٍ القاضِي البِرْتيُّ ببَغْدَاَد، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ (٣) ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ (٤) ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن حَفْصَةَ بنتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: دخَل علينا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن نَغْسِلُ ابْنَةً له، فقال: "اغْسِلْنَها بِمَاءٍ وسِدْرٍ، واغْسِلْنَها وترًا؛ ثَلاثًا، أوْ خَمْسًا، أوْ سَبْعًا، أوْ أكْثَرَ مِنْ ذلك، إنْ رَأيْتُنَّ ذلك، واجعَلْنَ في آخِرِهنَّ كافُورًا، أو شَيئًا مِن كافُورٍ، فإذا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي" . فلمَّا فَرَغْنا ألقَى إلينا حَقْوَه، فقال: "أشْعِرْنَها إيَّاه" . قالت: فمَشَطْناها. أو قالت: ضَمَمْنَا رأْسَها ثَلاثةَ قُرُون (٥) .

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ هو أصْلُ السُّنَّةِ في غَسْلِ الموْتَى، ليس يُرْوَى عن النبيِّ عليه السَّلامُ في غَسْلِ الميِّتِ حديثٌ أعَمُّ منه ولا أصَحُّ، وعليه عَوَّلَ العُلماءُ في ذلكَ، وهو أصلُهم في هذا الباب.

  25. وأمَّا رِوايَةُ حَفْصَةَ، عن أُمِّ عطية في هذا الحديثِ: "أو سَبْعًا، أو أكْثَرَ مِنْ ذلك، إن رَأيْتُنَّ ذلك" . فإنَّ ذِكْرَ السَّبْع وما فَوْقَها لا يُوجَدُ مِن حَدِيثِ أُمِّ عَطيَّةَ إلَّا مِن رِوايَةِ حَفْصةَ بنتِ سِيرِين (١) .

    vol. 1, p. 641
  26. ولا أعْلَمُ أحدًا مِن العُلَماء قال بمُجَاوَزَةِ سَبْع غَسَلاتٍ في غَسْلِ المَيِّتِ، وقد روَى أنَسٌ، عن أُمِّ عطيِّةَ، هذا الحَدِيثَ بما يَدُلُّ على أنَّ الغَسَلاتِ لا يُتَجاوَزُ بها سَبْعٌ، وذلك مُوافِقٌ لرِوايَةِ محمدِ بنِ سيرين (٢) .

  27. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفْيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ العَوَقِيُّ أبو بكر، قال: حدَّثنا هَمَّامٌ، قال: حدَّثنا قَتَادَة، عن أنسٍ، أنَّه كان يأْخُذُ ذلك عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: غسَلْنَا ابْنَةَ النبيِّ عليه السَّلامُ، فأمَرَنَا أنْ نَغْسِلَها بالسِّدْرِ ثَلاثًا، فَإنْ أنْجَتْ (٤) ، وإلَّا فخَمْسًا، وإلَّا فأكْثَرَ مِن ذلك. قال: فرَأيْنا أنْ أكْثَرَ مِن ذلك سَبْعٌ.

  28. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في البُلُوغِ بغَسْلِ الميِّتِ إلى سَبْع غَسَلاتٍ؛ فقال منهم قائلون: أقْصَى ما يُغْسَلُ الميِّتُ ثلاثُ غسَلاتٍ، فإن خرَجَ منه شيءٌ بعدَ الغَسْلَةِ الثالثَةِ غُسِلَ ذلك الموْضِعُ وحدَه، ولا يُعَادُ غسْلُه. ومِمَّنْ قال هذا؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّوْريُّ (١) ، وإليه ذهَبَ المُزَنيُّ (٢) ، وأكْثَرُ أصْحابِ مالكٍ (٣) .

    vol. 1, p. 642
  29. ومنهم مَن قال: يُوَضَّأُ إذا خرَج منه شيءٌ بعدَ الغَسْلَةِ الثالثَةِ، ولا يُعَادُ غَسْلُه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ الجُنُبِ إذا اغْتَسَلَ وأحْدَثَ بعدَ الغَسْلِ، اسْتَنْجَى بالأحْجارِ أو بالماءِ ثم تَوَضَّأَ، فكذلكَ الميِّتُ. وقال ابنُ القاسِم: إنْ وُضِّئَ فحَسَنٌ، وإنَّما هو الغَسْلُ.

    قال أبو عُمر: لأنَّها عِبادَةٌ على الحَيِّ قد أدَّاها، وليس على المَيِّتِ عِبادَةٌ.

    وقال الشافِعِيُّ: إنْ خرَجَ منه شيءٌ بعدَ الغَسْلَةِ الثالثَةِ أُعِيدَ غسْلُه (٤) .

  30. وتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مالكٍ (٥) ، أنَّه إذا جاءَ منه الحَدَثُ بعدَ كَمالِ غَسْلِه، أُعِيدَ وُضوؤه للصَّلاةِ ولم يُعَدْ غَسْلُه (٦) .

    وقال أحمدُ بنُ حَنْبَل (٧) : يُعَادُ غَسْلُه أبَدًا إذا خرَجَ منه شيءٌ إلى سَبعْ غَسَلاتٍ، ولا يُزَادُ على سَبْع، وإنْ خرَجَ منه شيءٌ بعدَ السَّابِعَةِ، غُسِلَ الموْضِعُ وحدَه، وإن

    vol. 1, p. 643خرَجَ منه شيءٌ بعدَ ما كُفِّنَ، رُفِعَ، ولم يُلْتَفَتْ إلى ذلك. وهو قولُ إسْحاقَ (١) . وكُلُّ قَوْلٍ مِن هذه الأقوالِ قد رُوي عن جَماعَةٍ مِن التَّابِعِينَ.

  31. ذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٢) ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أيُّوبِ، عن ابنِ سِيرِينَ، قال: يُغْسَلُ المَيِّتُ ثلاثًا، فإنْ خرَجَ منه شيءٌ بعدَ الثلاثِ غَسَلُوه خَمْسًا، فإن خرَجَ منه شيءٌ غُسِلَ سبْعًا.

    قال (٣) : وأخْبَرَنا هِشَامٌ، عن ابنِ سِيرِينَ مثلَه. قال هِشَامٌ: وقال الحَسَنُ: يُغْسَلُ ثلاثًا، فإنْ خرَجَ منه شيءٌ، غُسِلَ ما خرَجَ منه ولم يُزَدْ على الثَّلاث.

    قال (٤) : وأخْبَرَنا ابنُ جُرَيْج، قال: سَمِعْتُ أبا جَعْفَرٍ محمدَ بنَ عليٍّ يقولُ: غُسِلَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثَ غَسَلاتٍ، كلُّهُنَّ بماءٍ وسِدْر.

    قال (٥) : وأخْبَرَنا الثَّوْريُّ، عن الزُّبَيْرِ بنِ عَدِيٍّ، عن إبْراهيمَ قال في غَسْلِ الميِّتِ: الأُولَى بمَاءٍ قَرَاح (٦) ؛ يُوَضِّئُه وُضُوءَ الصلاةِ، والثانيةُ بماءٍ وسِدْرٍ، والثالثةُ بماءٍ قَرَاح، وتُتَّبَع مَساجِدُه (٧) بالطِّيبِ (٨) .

    قال أبو عُمر: كان إبراهيمُ النَّخَعِيُّ لا يَرَى الكَافُورَ في الغَسْلَةِ الثالِثةِ، ولا يُغْسَلُ الميِّتُ عندَه أكثرَ مِن ثلاثٍ، ليس في شيءٍ منها كافُورٌ، وإنَّما الكافُورُ

    vol. 1, p. 644عندَه في الحَنُوطِ لا في شيءٍ مِن الماءِ. وإلى هذا ذهَبَ أبو حَنِيفَةَ وأصْحابُه (١) . ولا معْنَى لذلك؛ لأنَّه قد ثبَتَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّه قال للنِّساءِ اللاتي غَسَلْنَ ابْنَتَه: "اجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كافُورًا" . وعلى هذا جُمْهُورُ العُلَماءِ، أنْ يُغْسَلَ الميتُ الغَسْلَةَ الأُولَى بالماءِ القَرَاح، والثانِيةَ بالماءِ والسِّدْر، والثالثةَ بماءٍ فيه كافُور (٢) .

  32. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٤) ، حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا هَمَّامٌ، قال: حدَّثنا قَتَادَةُ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّه كانَ يأْخُذُ الغَسْلَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ: يُغْسَلُ بالماءِ والسِّدْرِ مرَّتَيْنِ، والثالثَةَ بالماءِ والكافُور.

  33. ومِن أهْلِ العِلْم مَن يَذْهَبُ إلى أنَّ الغسَلاتِ الثَّلاثَ كلَّها بالسِّدْرِ، على ما جاءَ في الحديثِ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غُسِلَ ثلاثَ غسَلاتٍ، كلُّهُنَّ بماءٍ وسِدْرٍ.

    وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ: تذهَبُ إلى السِّدْرِ في الغسَلاتِ كلِّها؟ قال: نَعَمْ؛ السِّدْرُ فيها كلِّها على حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ: "اغْسِلْنها ثَلاثًا، أو خَمْسًا، أو أكثرَ مِن ذلك، إنْ رأيْتُنَّ ذلكَ، بماءٍ وسِدْرٍ" ، وحديثِ ابنِ عباسٍ: "بماءٍ وسِدْرٍ" (٥) . ثم قال: ليس في غَسْلِ الميِّتِ أرْفَعُ مِن حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ولا أحْسَنُ منه، فيه: "ثَلاثًا، أو خَمْسًا، أو سَبْعًا، وابْدَأْنَ بِمَيَامِنِها" . ثم قال: ما أحْسَنَه!

  34. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَةَ، قال (١) : حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ الحَذَّاء، عن حَفْصَةَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لَهُنَّ في غَسْلِ ابْنَتِه: "ابْدَأْنَ بِمَيامِنها ومَوَاضِع الوُضُوءِ منها" .

    قال أبو عُمر: تَطْهِيرُ الميِّتِ تَطْهِيرُ عِبادَةٍ لا لإزالةِ نَجاسَةٍ، وإنَّما هو كالجُنُبِ، وغَسْلُه كغُسْلِ الجُنُبِ سواءً، فأوَّلُ ما يَبْدَأُ الغاسِلُ به مِن أمْرِه بعدَ سَتْرِه جهْدَه، أن يَعْصِرَ بَطْنَه عصْرًا خَفِيفًا رَفِيقًا، فإنَّ الاسْتِنْجاءَ يُقَدَّمُ في الوُضُوءِ على كلِّ شيءٍ منه (٢) ، فإن خرَجَ منه شيءٌ، تَناوَلَ غَسْلَ أسْفَلِه وعلى يَدِه خِرْقَةٌ، ولا يَحِلُّ له أنْ يُبَاشِرَ قُبُلَه ولا دُبُرَه إلَّا وعلى يَدِهٌ خِرْقَة مَلْفُوفَةٌ، يُدْخِلُ بها يَدَه مِن تحتِ الثَّوبِ الذي يُسَجَّى به الميِّتُ ويُسْتَرُ به للغَسْلِ، فيَغْسِلُ فَرْجَيْه غَسْلًا ناعمًا، ويُوالَى بصَبِّ الماءِ على يَدِ الغاسلِ حتى يَصِحَّ إنْقاؤُه، ثم يَبْتَدِئُ فيُوَضِّئُه وضوءَ الصَّلاة.

    قال أبو الفَرَج حاكِيًا عن مالكٍ: يَجْعَلُ الغاسِلُ خِرْقَةً على يَدِه يُباشِرُ بها فَرْجَ الميِّتِ إنِ احْتاجَ إلى ذلك. وكذلك قال الوَقَّار (٣) .

    قال أبو عُمر: اخْتَلفَ العُلَماءُ في مَضْمَضةِ الميِّتِ عندَ وُضُوئِه، وفي غَسْلِ أنْفِه، ودَلْكِ أسْنانِه؛ فرَأى ذلك منهم قَوْمٌ، وأباه آخرونَ. ولا وَجْهَ لقولِ مَن أبى من ذلك.

    vol. 1, p. 645
  35. فإذا فرَغَ بوُضُوئِه، بدَأ بغَسلِ شِقِّه الأيْمَنِ مِن رَأْسِه إلى طرَفِ قَدَمِه اليُمْنَى، ثم يَصْرِفُه برِفْقٍ على شِقِّه، فيَغْسِلُ شِقَّه الأيْسَرَ مِن قَرْنِ رَأْسِه إلى طرَفِ قَدَمِه حتى يأْتِيَ الغَسْلُ على جَمِيعِه بالمَاءِ القَرَاحِ، وإنْ كانَ فيه سِدْرٌ فحَسَنٌ، ثم يَغْسِلُه غَسْلَةً ثانِيَةً بماءٍ فيه وَرَقُ سِدْرٍ مَدْقُوقٌ، أو بسِدْرٍ يجْعَلُه في رَأْسِه ولِحْيَتِه ويَغْسِلُه به، ويَبْدَأُ برَأْسه قبلَ لِحْيَتِه، فإنْ لم يكنْ سِدْرٌ فبِالأُشْنَانِ، أو بالخَطْميِّ، أو بالحُرُضِ، أو الماءِ القَرَاحِ، حتى يأتي أيضًا على تَمام غَسْلِه كغُسْلِ الجنابَةِ، وهو في ذلك كلِّه يَسْتُرُه طاقَتَه، ويَغُضُّ بصَرَه عن عَوْرَته كما يُفْعَلُ بالحيِّ، وإنْ كان به قُروحٌ أو جِراحٌ أخَذَ عَفْوَه، ومِن أهْلِ العِلْم مَن يَسْتَحِبُّ أنْ يُوَضِّئَه في كُلِّ غَسْلَةٍ، ومنهم مَن يقولُ: الوُضوءُ في أوَّلِ مرَّةٍ يكْفِي (١) . ثم يَغْسِلُ الثالثَةَ بماءِ الكافُورِ كما غَسَلَه في الأُولى، فإذا أكْمَلَ غَسْلَه جفَّفَه، وحشَا داخلَ إزارِه قُطْنًا وهو على مُغْتَسَلِه، ثم شَدَّ عليه شِدادتَهُ مِن خلفِه إلى مُقَدَّمِه، ثم حمَلَه رفْقًا في ثَوْبِه إلى نَعْشِه، وأدْرَجَه في أكفانِه.

    vol. 1, p. 646
  36. ووجْهُ العَملِ أنْ يَبْدَأَ الغاسِلُ بتَهْذِيبِ اكْفانِه، ونَشْرِها، وتَجْمِيرِها (٢) قبلَ أخْذِه في غَسْلِه. والوتْرُ عندَهم في الغَسَلاتِ مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجبٍ عندَ الجميع، وليسَ الوتْرُ في غَسْلِ الميِّتِ كالوتْرِ في الاسْتِنْجاءِ بالأحْجارِ عندَ مَن أوْجَبَ ذلك.

  37. ذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٣) ، عن ابنِ جُرَيْج، عن عَطَاءٍ قال: يُغْسَلُ الميِّتُ وتْرًا؛ ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، كلُّهُنَّ بماءٍ وسِدْرٍ، وفي كُلِّ غَسْلَةٍ يُغْسَلُ رأْسه مع سائرِ جَسَدِه. قلتُ: وتُجْزِئ واحِدَةٌ؟ قال: نعم، إذا أنْقَوْا.

    vol. 1, p. 647قال (١) : وأخبَرنا مَعْمَر، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابَةَ وابنِ سِيرِينَ قالا: إذا طالَ مرَضُه ولم يَجِدُوا سِدْرًا، غَسَلُوه بالأُشْنَانِ إنْ شاءُوا.

  38. ويُقالُ: إنَّ أعْلَمَ التَّابِعينَ بغَسْلِ الميتِ، ابنُ سِيرِينَ، ثم أيُّوبُ، وكِلاهُما كانَ غاسِلًا مُتَوَلِّيًا لذلك بنَفْسِه، مُحْسِنًا مُجِيدًا.

  39. ذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٢) ، قال: أخبَرنا مَعْمَر، عن أيُّوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ في الميِّتِ يُغْسَلُ، قال: تُوضَعُ خِرْقَةٌ على فَرْجِه وأُخْرَى على وَجْهِه، فإذا أرادَ أنْ يُوضِّئَه كشَفَ الخِرْقَةَ عن وَجْهِه، فيُوضِّئُه بالماءِ وُضُوءَ الصلاةِ، ثم يَغْسِلُه بالماءِ والسِّدْرِ مَرَّتَينِ مِن رأْسِه إلى قدَمِه؛ يبدَأُ بميَامِنِه، ولا يكْشِفُ الخِرْقَةَ التي على فَرْجِه، ولكِنْ يَلُفُّ على يَدِه خِرْقَةً إذا أرادَ أنْ يَغْسِلَ فَرْجَه، ويَغْسِلُ ما تحتَ الخِرْقَةِ التي على فَرْجِه بماءٍ، فإذا غسَلَه مرَّتَيْنِ بالماءِ والسِّدْرِ غسَلَه المرَّةَ الثالثةَ بماءٍ فيه كافُورٌ. قال: والمَرْأَةُ أيضًا كذلك. قال: فإذا فَرَغَ الغاسِلُ اغْتَسَلَ إنْ شاءَ أو تَوَضَّأ.

    قال أبو عُمر: لا غُسْلَ ولا وُضُوءَ على الغاسِلِ واجبًا عندَ جماعَةِ الفُقَهاءِ وجُمْهُورِ العُلَماءِ، وهو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالكٍ، والمَعْمُولُ به عندَ أصْحابِه على حَدِيثِ أسْماءَ بنتِ عُمَيْسِ حينَ غسَلَتْ أبا بكر (٣) . وستَأْتي هذه المَسْألةُ في بابِها مِن هذا الكتابِ إنْ شاءَ اللَّه (٤) .

    قال أبو عُمر: إنَّما قال ابنُ سِيرِينَ: يضَعُ خِرْقَةً على وَجْهِه سَتْرًا له؛ لأنَّ الميِّتَ رُبَّما تغيَّرَ وَجْهُه بالسَّوادِ ونحوِه عندَ المَوْتِ؛ وذلك لداءٍ أو لغَلَبَةِ دَم، فيُنْكِرُه

    vol. 1, p. 648الجُهَّالُ، وقد رُويَ عن النبيِّ عليه السَّلامُ مِن مَراسلِ الثِّقاتِ؛ الشعبيِّ وغيرِه، أنَّه قال: "مَنْ غَسَلَ مَيِّتًا ولم يُفْشِ عليه، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِه كيومَ ولَدَتْه أُمُّهُ" (١) .

    وقال أبو بكرٍ الأثْرَمُ: قيلَ لأحمدَ بنِ حَنْبَل: يُغَطَّى وجْهُ الميِّتِ؟ قال: لا، إنَّما يُغَطى ما بينَ سرَّتِه إلى رُكبتَيْه.

  40. وأمَّا قولُه في هذا الحديثِ: أعطَانَا حَقْوَه، فقال: "أشْعِرْنَها إيَّاه" . فالحَقْوُ: الإزارُ، كما قال مالكٌ (٢) . وقيل: المِئْزَرُ. قال مُنْقذ (٣) بنُ خالدٍ الهُذَليُّ (٤) :

    مُكبَّلَة قد خرَّقَ الرِّدْفُ حقْوَها ... وأُخْرَى عليها حقْوُها لم يُخَرَّقِ

    والحِقْوُ مكْسُورُ الحاءِ بلُغَةِ هُذَيْلٍ، وقد قيلَ: حَقْوها، بالفَتْح، وجمْعُه حُقِيٌّ، وأحْقاءٌ، وأحْقٍ (٥) (٦) .