أيوب السختياني، بصري

150 paragraphs · vol. 1, p. 597

Page 4 of 4

  1. وأمَّا قولُه: "وأشْعِرْنَها إيَّاه" . فإنَّه أرادَ: اجْعَلنَه يلي جسَدَها قبلَ سائرِ أكْفَانِها. ومنه قولُ عائشةَ: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُصَلِّي في شُعُرِنا ولا لُحُفِنَا (١) . تعْني ما يلي أجْسَادَنا مِن الثِّيابِ ونحن حُيَّضٌ. ومنه الحدِيثُ: "الأنصارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ" (٢) . فالشِّعارُ هاهُنا أرادَ به ما قَرُبَ مِن القَلْبِ، والدِّثارُ ما فوقَ الشِّعارِ.

    وقال ابنُ وَهْبٍ في قولِه: "أشْعِرْنَها إيَّاه" . إنَّه يُجْعَلُ الإزَارُ شِبْهَ المِئْزَرِ، ويُفْضَى به إلى جِلْدِها.

    vol. 1, p. 649
  2. وذكَرَ عبدُ الرَّزَّاق (١) ، عن ابنِ جُرَيْج قال: قلتُ لأيُّوبَ: ما قولُه: "أشعِرْنَها إيَّاه" . أتُؤزَّرُ؟ قال: لا أُرَاه إلَّا قال: الفُفْنَها فيه. قال: وكذلك كانَ ابنُ سِيرِينَ يأْمُرُ بالمرأةِ أنْ تُشْعَرَ لِفَافَةً ولا تُؤزَّرَ.

    وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: الحَقْوُ فوقَ الدِّرْعِ. وخالفَه الحَسَنُ وابنُ سِيرِينَ والناسُ، فجعَلُوا الحَقْوَ يَلي أسْفَلَها مُباشِرًا لها. وقال ابنُ عُليَّةَ: الحَقْوُ هو النِّطَاقُ الذي تُنَطَّقُ به المَيِّتةُ. وهو سَبَنِيَّةٌ (٢) طويلةٌ، يُجْمَعُ بها فَخِذَاها؛ تَحْصِينًا لها أنْ يخرُجَ منها شيءٌ، كنِطاقِ الحَيْضِ، وهو أحَدُ الخَمْسَةِ الأثْوابِ التي تُكَفَّنُ بها المرأةُ؛ أحدُها دِرْع، وهو القَمِيصُ، ولِفافَتانِ، وخِمارٌ، وهذا النِّطاقُ؛ لأنَّه يُؤْخَذُ بعدَ غَسْلِها قِطْعَةُ كُرْسُفٍ فيُحْشَى به أسْفَلُها، ويُؤْخَذُ النِّطاقُ فَيُلَفُّ على عَجُزِها، وتُجْمَعُ به فَخِذاها كما يُلَفُّ النِّطاقُ عليها، ويُخْرَجُ طَرَفَا السَّبَنِيَّةِ ممَّا يلي عَجُزَها، يُشَدُّ به عليها إلى قَرِيبٍ مِنْ رُكبَتَيْها.

    vol. 1, p. 650
  3. وقد قال عيسَى بنُ دينَار: يُلَفُّ على عَجُزِها وفَخِذَيْها حتى يُسَوَّى ذلك منها بسائرِ جسَدِها، ثم تُدْرَجُ في اللِّفافَتيْنِ كما يُدْرَجُ الرَّجُلُ. قال: ولو لم يكنْ إلَّا ثَوْبٌ واحِدٌ كان الخِمارُ أولى مِن المِئْزَرِ؛ لأنَّها تُصَلِّي في الدِّرْع والخِمَارِ ولا تُصَلِّي في الدِّرْع والمِئْزَر.

    قال أبو عُمر: كيفما صُنِعَ بها ممَّا يكونُ تَحْصِينًا لأسْفَلِها فحَسَنٌ، وليْسَ

    vol. 1, p. 651في ذلك شيءٌ لازِمٌ لا يُتَعدَّى، وقد ذكرنا أقاوِيلَ العُلَماءِ في أكْفَانِ الرِّجالِ والنِّساءِ في بابِ هِشَام بنِ عُرْوَةَ (١) ، والحمدُ للَّه.

  4. وفي هذا الحَدِيثِ ما يَدُلُّ على أنَّ النِّساءَ أوْلى بغَسْلِ المرأةِ مِن الزَّوْج؛ لأنَّ بناتِ رسولِ اللَّه عليه السلامُ اللَّواتي تُوفِّينَ في حياتِه زَيْنَبُ، ورُقَيَّةُ، وأُمُّ كُلْثُوم، ولم يَبْلُغْنا أنَّ إحْداهُنَّ غَسَلَها زَوْجُها.

  5. وأجْمَعَ العُلَماءُ على جَوازِ غَسْلِ المرأةِ زَوْجَها (٢) ؛ وغَسَلَتْ أسماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ زَوْجَها أبا بكرٍ بمَحْضَرِ جِلَّةٍ من الصَّحابَةِ (٣) ، وكذلكَ غَسَلَتْ أبا موسى امْرأتُه (٤) .

  6. واخْتَلَفُوا في غَسلِ الرجلِ امْرأتَه، فأجاز ذلك جُمهورُ العلَماءِ مِن التَّابِعِينَ والفُقَهاءِ. وهو قولُ مالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، والشَّافِعيِّ، وأحمدَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وداود (٥) . وحُجَّتُهم أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ غَسَلَ زَوْجَتَه فاطمَةَ، وقِياسًا على غَسْلِها إيَّاه، ولأنَّه كانَ يَحِلُّ له مِن النَّظَرِ إليها ما لا يَحِلُّ للنِّساءِ.

    vol. 1, p. 652وقال أبو حَنِيفَةَ والثَّوْريُّ، ورُويَ ذلك عن الشَّعْبِيِّ (١) : لا يَغْسِلُها، لأَنَّه ليس في عِدَّةٍ منها. وهذا ما لا مَعْنَى له، لأنَّها في حُكْم الزَّوْجَةِ لا في حُكْم المَبْتُوتَةِ، بدَلِيل الموارَثَةِ. والأصْلُ في هذه المسْألَةِ غَسْلُ عليٍّ فاطِمَةَ رضِيَ اللَّهُ عنهما، روَاه الدَّرَاوَرْديُّ، عن عُمَارَةَ بنِ المُهَاجِرِ، عن أُمِّ عَوْنٍ بنتِ عبد اللَّه بنِ جَعْفَرٍ (٢) ، عن جَدَّتِها أسْمَاءَ بنتِ عُمَيْس قالتْ: أوْصَتْ فاطمةُ رضِيَ اللَّهُ عنها أنْ نَغْسِلَها أنَا وعليٌّ، فغَسَلْتُها أنا وعليٌّ (٣) .

  7. وذكرَ عبدُ الرَّزَّاق (٤) هذا الخَبَرَ فلم يُقِمْ إسْنادَه. وهو خَبَرٌ مَشْهُورٌ عندَ أهْلِ السَّيَر.

    قال عبدُ الرَّزَّاق (٥) : وأخبَرنا الثَّوريُّ قال: سمِعتُ حمَّادًا يقول: إذا ماتَتِ المرأةُ مع القَوْم، فالمرأةُ يَغْسِلُها زَوْجُها، والرَّجُلُ امرأتُه.

    قال سُفْيَانُ (٦) : ونحنُ نقولُ: لا يَغْسِلُ الرَّجُلُ امرأتَه؛ لأَنَّه لو شاءَ تزَوَّجَ أُخْتَها حينَ ماتَتْ، ونقولُ: تَغْسِلُ المرأةُ زَوْجَها؛ لأنَّها في عِدَّةٍ منه.

    vol. 1, p. 653قال عبدُ الرَّزَّاقِ (١) : وأخبَرنا هِشَامٌ، عن الحَسَنِ قال: إذا لم يَجِدُوا امرأةً مُسْلِمَةً، ولا يَهُودِيَّةً، ولا نَصْرانِيَّةً، غسَلَها زَوْجُها وابْنُها.

    قال أبو عُمر: قد رُويَ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: أحَقُّ الناسِ بغَسْلِ المرأةِ والصَّلاةِ عليها زَوْجُها (٢) .

  8. ويَحْتَمِل هذا: مِن الرِّجالِ. فذلك جائزٌ، والنِّساءِ أيضًا، جائز، كُلُّ ذلك، واللَّهُ الموفِّقُ للصَّواب.

  9. وأمَّا غَسْلُ المرأةِ زَوْجَها، فلم يختَلِفُوا فيه، وهو أولَى ما عُمِلَ به.

  10. وروَى سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بنِ دينَارٍ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، أنَّ أبا بكرٍ أوْصَى أسماءَ أنْ تَغْسِلَه وكانَتْ صائمَةً، فعزَمَ عليها لتُفْطِرَنَّ (٣) . وقال أبو بكر بنُ حَفْصٍ: أوْصَى أبو بكرٍ أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ، قال: إذا أنا مِتُّ فاغْسِلني، وأُقْسِمُ عليكِ لتُفْطِرِنَّ؛ ليكونَ أقْوَى لكِ، وليَغْسل عبدُ الرَّحمن ابني (٤) .

  11. حديثٌ ثالثٌ لأيوبَ السَّخْتيانيِّ من غير رواية يحيى

    مالكٌ (١) ، عن أيوبَ السَّختيانيّ، عن محمدِ بنِ سيرين، عن رجلٍ أخبره، عن عبيدِ اللَّه بنِ عباس، أن رجلًا جاء إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: إن أُمِّي عجوزٌ كبيرة، لا تَستطِيعُ أن نُرْكِبَها على البعير، ولا تَسْتمسِكُ، وإن رَبَطْتُها خِفْتُ عليها أن تموت، أفأحُجُّ عنها؟ قال: "نعم" .

    vol. 1, p. 654
  12. هكذا رواه القعنبيُّ (٢) ، ومُطَرِّفٌ، وابنُ وَهْب (٣) ، عن مالك.

  13. واختُلِف فيه على ابنِ القاسم، فمرَّةً قال فيه (٤) : عن عبدِ اللَّه بنِ عباس. وهو الأثبتُ عنه، ومغ قال: عن عُبيدِ اللَّه بنِ عباس (٥) . والصحيحُ فيه من روايةِ مالكٍ عبيدُ اللَّه بنُ عباس.

  14. وقد اختُلِف فيه أيضًا على ابنِ سيرينَ من غيرِ روايةِ مالك، ومن غيرِ روايةِ

    vol. 1, p. 655أيوبَ أيضًا، فقيل عنه فيه: عن عُبيدِ اللَّه بنِ عباس (١) . وقيل عنه: عن الفَضلِ بنِ عباس. وقيل عنه: عن عبدِ اللَّه بنِ عباس. وهم إخْوَةٌ عَدَدٌ؛ الفَضْلُ، وعبدُ اللَّه، وعُبيدُ اللَّه، بنو العباسِ بنِ عبدِ المطلب، ولهم إخوةٌ قد ذكَرْناهم في كتاب "الصحابة" (٢) ، والحمدُ للَّه.

  15. ولم يَسمع ابنُ سيرينَ هذا الحديث، من الفضلِ ولا من غيرِه من بني العباس (٣) ، وإنّما رواه عن يحيى بنِ أبي إسحاق، عن سليمانَ بنِ يسار، عن ابنِ عباس، وهو حديثُ يحيى بنِ أبي إسحاق، مشهور عندَ البصريِّين معروفٌ، رواه عنه جماعةٌ من أئمّةِ أهلِ الحديث، ويحيى بنُ أبي إسحاقَ أصغرُ من ابنِ سيرينَ بكثير، ومثلُه يروي عن ابنِ سيرين.

    وقال بعضُ أصحابِ مالكٍ في هذا الحديث: عن مالك، عن أيوبَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن ابنِ عباس (٤) ، ولم يُسَمِّه. ثم طرَحَه مالكٌ بأخَرةٍ، فلم يَرْوِه

    vol. 1, p. 656يحيى بنُ يحيى صاحبُنا، ولا طائفةٌ من رواةِ "الموطّأ" ، وإنّما طرَحه مالكٌ لأن الاضطرابَ فيه كثيرٌ.

  16. فمن الاضطرابِ فيه ما ذكَره أحمدُ بنُ زهيرٍ في "تاريخه" ؛ حدَّثنا به أبو القاسم عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١) : حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ التُّسْتَريُّ، عن محمدِ بنِ سيرين، عن عُبيدِ اللَّه بنِ العباس، قال: كنتُ رديفَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأتاه رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ أُمَّه عجوزٌ، إن حَزَمها خَشِي أن يَقتُلَها، وإن حمَلها لم تَستَمسِك. قال: فأمَره أن يَحُجَّ عنها.

    قال أحمدُ بنُ زُهير (٢) : ولم يَسمَعْه ابنُ سيرينَ من ابنِ عباس هذا، وبينهما رجُلان، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ يونس، قال: حدَّثثي فُضَيْلُ بنُ عِياض، عن هشام بنِ حسان، عن ابنِ سيرين، عن يحيى بنِ أبي إسحاق، عن سليمانَ بنِ يسار، عن الفَضلِ بنِ عباس، قال: أتاه رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ أُمِّي عجوزٌ، فذَكر الحديثَ.

    vol. 1, p. 657وقال أحمدُ بن زُهير (١) : أسْقَط يزيدُ بنُ إبراهيمَ من إسنادِ هذا الحديثِ رجلين؛ يحيى بنَ أبي إسحاق، وسليمانَ بنَ يسار.

    قال أحمدُ بنُ زُهير (٢) : وحدَّثنا عقبةُ بنُ مُكْرَم البَصْريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا هشامٌ -يعني ابنَ حسان- عن محمدِ بنِ سيرين، عن يحيى بنِ أبي إسحاق، عن سليمانَ بنِ يسار، عن الفضلِ بنِ عباس، أنّه كان رَديفَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكَر الحديثَ.

    قال (٣) : وحدَّثني أبي، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيّة، عن يحيى بن أبي إسحاق، قال: حدَّثني سليمانُ بنُ يسار، قال: حدَّثني أحدُ ابنَي العباس، إمّا عُبيدُ اللَّه، وإمّا الفَضْلُ، أنّه كان رديفَ النبيِّ عليه السلام، فأتاه رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ أُمِّي، أو إنَّ أبي، ثم ذكَر الحديث.

    قال (٤) : وحدَّثنا يحيى بنُ أيوب، قال: حدَّثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ الكَرْمانيُّ،

    vol. 1, p. 658قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلَمة، عن يحيى بنِ أبي إسحاق، قال: قال سليمانُ بنُ يسار: حدَّثني عبيدُ اللَّه بنُ العباس، أن رجلًا أتى النبيَّ عليه السلام، فذكَر الحديث.

  17. كذا قال حمادُ بنُ سلمة، عن عُبيدِ اللَّه بنِ العباس وحدَه. وابنُ عُلَيَّةَ يَشُكُّ في عُبيدِ اللَّه أو الفَضْل. قال: وخالَفه شعبةُ، فجعَله عن الفضلِ بنِ عباس ولم يَشُكَّ (١) .

    قال (٢) : حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال: أخبرنا شعبةُ، عن يحيى بنِ أبي إسحاق، قال: سمِعتُ سليمانَ بنَ يسارٍ يُحدِّثُ، عن الفضلِ بنِ عباس، أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللَّه، إن أبي شيخٌ كبيرٌ، ثم ذكَر الحديث.

    قال أبو عُمر: حديثُ عليِّ بنِ الجَعْدِ هذا عن شعبةَ حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى المقْرِئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ حَبابةَ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال (٣) : أخبرنا شعبةُ. فذكَره.

    قال أبو عُمر: ورواه هشيمٌ، عن يحيى بنِ أبي إسحاق، عن سليمانَ بنِ يسار، عن عبدِ اللَّه بنِ عباس. هكذا قال: عبدُ اللَّه. ولم يَشُكَّ.

  18. حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيم (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا

    vol. 1, p. 659أحمدُ بنُ شعيب (١) . وأخبرناه عبدُ اللَّه بنُ محمد (٢) ، قال: أخبرنا حمزةُ بنُ محمد، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٣) : أخبرنا مجاهدُ بنُ موسى، عن هُشيم، عن يحيى بنِ أبي إسحاق، عن سليمانَ بنِ يسار، عن عبدِ اللَّه بنِ عباس، أن رجلًا سأل النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنّ أبي أدْرَكه الحجُّ وهو شيخٌ كبيرٌ، فذكَر الحديث (٤) .

    قال أبو عُمر: لم يُجَوِّدْ أحدٌ من رواةِ ابنِ سيرينَ هذا الحديثَ إلَّا هشامَ بنَ حَسّان، فإنّه أقام إسنادَه وجوَّده، والقولُ فيه قولُه عن ابنِ سيرينَ خاصةً في إسنادِه.

  19. حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيم (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ الكنانيُّ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٦) : أخبرنا أحمدُ بنُ سليمان، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبرنا هشامٌ، عن محمد، عن

    vol. 1, p. 660يحيى بنِ أبي إسحاق، عن سليمانَ بنِ يسار، عن الفَضلِ بنِ عباس، أنّه كان رَديفَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجاءَه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، إن أُمِّي عجوزٌ كبيرةٌ إن حَمَلْتُها لم تَسْتَمسِكْ، وذكَر الحديث.

    قال أبو عُمر: حدَّث به يزيدُ بنُ زُرَيْع، عن هشام، فقال فيه: عن ابنِ عباس. لم يُسَمِّه.

  20. أخبرنا أبو عبدِ اللَّه يعيشُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ غالبٍ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المِنْهال الضَّرِيرُ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ حسان، عن محمدِ بنِ سيرين، عن يحيى بنِ أبي إسحاق، عن سليمانَ بنِ يسار، عن ابنِ عباس، قال: كنتُ رديفَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتاه رجلٌ، فقال: إنّ أبي أدْرَكه الإسلامُ وهو شيخٌ كبيرٌ لم يَحُجَّ، وإن حَمَلْتُه على البعيرِ لم يثْبُتْ، وإن شَدَدْتُه عليه لم آمَنْ عليه. قال: "هل كنتَ قاضيَ دينٍ لو كان عليه؟ " . قال: نعم. قال: "فحُجَّ عنه" (١) .

    قال أبو عُمر: روَى ابنُ سيرينَ هذا الخبرَ عن يحيى بنِ أبي إسحاق، وهو أصغرُ منه، فهو يَخْرُجُ في روايةِ الكبارِ عن الصغار، وقد روَى ابنُ سيرين عن أيوبَ السَّختيانيِّ حديثَ حكيم بنِ حزام في بيع ما ليس عندَك (٢) ، وهو من ذلك أيضًا.

    vol. 1, p. 661قال أبو عُمر: رُوِيَ عن عبدِ الوارثِ حديثُ ابنِ عباس كما رواه ابنُ عُلَيّةَ على الشكِّ في الفضلِ أو عُبيدِ اللَّه.

  21. أخبرناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ويعيشُ بنُ سعيدِ بنِ محمد، قالا: أخبرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحسنِ الحربيُّ، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ عبدُ اللَّه بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا يحيى -يعني ابنَ أبي إسحاق- قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ يسار، قال: حدَّثنا الفَضلُ بنُ عباس، أو عُبيدُ اللَّه بنُ عباس، قال: كنتُ رديفَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فجاءَه رجلٌ. فذكَر الحديث.

    قال أبو عُمر: الصحيحُ الذي لا يَشُكُّ فيه عالمٌ أن الفَضلَ هو الذي كان رديفَ رسولِ اللَّه عليه السلام عامَ حَجَّةِ الوداع. وقد روَى حمّادُ بنُ زيدٍ هذا الخبرَ كما رواه عبدُ الوارثِ وابنُ عُلَيّةَ على الشكِّ أيضًا:

    حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادٌ -يعني ابنَ زيد- عن يحيى بنِ أبي إسحاق، عن سليمانَ بنِ يسار، قال: حدَّثني الفَضلُ بنُ عباس، أو عبيدُ اللَّه بنُ العباس، أنّ رجلًا قال: يا رسولَ اللَّه، إن أبي، أو أُمِّي عجوزٌ كبيرةٌ؛ إن أنا حمَلْتُها لم تَستَمسِك، وإن رَبَطْتُها خَشِيتُ أن أقتُلَها؟ فقال: "أرأيتَ إن كان على أبيكَ دينٌ -أو على أُمِّكَ دين- أكُنتَ تَقْضِيه؟ " . قال: نعم. قال: "فحُجَّ عن أبيك" (١) .

    قال أبو عُمر: روى هذا الحديثَ ابنُ شهاب، عن سليمانَ بنِ يسار، عن عبدِ اللَّه بنِ عباسٍ من غيرِ شكٍّ، وروايةُ ابنِ شهابٍ لهذا الحديثِ هي التي عليها المدارُ عندَ أهلِ العلم؛ لحفظِ ابنِ شهابٍ وإتقانِه، إلّا أن أكثرَ أصحابِ ابنِ شهابٍ

    vol. 1, p. 662قالوا عنه: عن سليمانَ بنِ يسار، عن ابنِ عباس، ولم يُسَمُّوا. ورَواه عنه مالكٌ (١) ، عن سليمانَ بنِ يسار، عن عبدِ اللَّه بنِ عباس. فسمّاه، وزيادةُ مثل مالكٍ مقبولَةٌ، وتفسيرُه لمُجْمَل غيرِه أوْلى ما أُخِذ به، وهو أثبَتُ الناسِ في ابنِ شهابٍ عندَ أكثرِ أهلِ العلم بالحديث.

  22. وممن رواه عن ابنِ شهابٍ كما ذكَرنا، ولم يُسَمِّ ابنَ عباس؛ عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمة، وابنُ عيينة، والليثُ بنُ سعد.

  23. أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: أخبرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٢) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمة، قال: حدَّثنا ابنُ شهاب، عن سليمانَ بنِ يسار، عن ابنِ عباس، قال: جاءتِ امرأةٌ من خَثْعَمَ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذكَر الحديث. كذا قال: عن ابنُ عباس. لم يُسَمِّ الفَضْلَ، ولا عُبيدَ اللَّه، ولا عبدَ اللَّه.

  24. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٣) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٤) : حدَّثنا سَعْدُوية (٥) وأحمدُ بنُ يونس، قالا: حدَّثنا الليثُ بنُ سعد، عن ابنِ شهاب،

    vol. 1, p. 663عن سليمانَ بنِ يسار، أو عن أبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، أو عن كليهما، عن ابنِ عباس، أنَّ امرأةً من خَثْعَمَ قالت، ثم ذكَر الحديث.

  25. وأخبرنا عبدُ الوارث، قال: أخبرنا قاسمٌ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (١) : حدَّثنا أبي وهارونُ بنُ معروف، قالا: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن سُليمانَ بنِ يسار، عن ابنِ عباس، أنَّ امرأةً من خَثْعَمَ سألتْ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غَدَاةَ النحر - زاد هارونُ في حديثِه: والفضلُ رديفُه- وقالا جميعًا: إنَّ فريضةَ اللَّه أدرَكت أبي وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ أن يَستمسِكَ على الرَّحل، فهل ترَى أن نَحُجَّ عنه؟ قال: "نعم" .

    قال أبو عُمر: الكلامُ في معنى هذا الحديث، وما فيه من الفقه، واختلافِ الفقهاءِ فيه، يأتي مُستوعَبًا في بابِ حديثِ مالك، عن ابنِ شهاب، عن سليمانَ بنِ يسارٍ إن شاء اللَّه (٢) .

  26. حديثٌ رابعٌ لأيوبَ السَّختيانيّ عن محمد بن سيرينَ

    مالكٌ (١) ، عن أيوبَ بنِ أبي تميمةَ السَّخْتيانيِّ، عن محمدِ بنِ سيرين، أن رجلًا جعَل على نفسِه ألّا يَبلُغَ أحدٌ من ولدِه الحَلَبَ، فيَحْلِبَ ويشربَ وَيسْقِيَه إلَّا حَجَّ، وحَجَّ به معه، فبلَغ رجلٌ من ولدِهِ الذي قال الشيخُ، وقد كَبِر الشيخُ، فجاء ابنُه إلى النبيِّ عليه السلام، فأخبَره الخبرَ، وقال: إن أبي قد كَبر، ولا يستطيعُ أن يَحُجَّ، أفأحُجَّ عنه؟ فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم" . هذا حديثٌ مقطوعٌ من روايةِ مالكٍ بهذا الإسناد، وليس عندَ يحيى، ولا عندَ مَن ليس عندَه الحديثُ الذي قبلَ هذا، وهما جميعًا مما رماه مالكٌ بأخَرَةٍ من كتابِه، وهما عندَ مُطَرِّفٍ والقَعْنبيّ، وابنِ وَهْب، وابنِ القاسم في "الموطّأ" .

    vol. 1, p. 664
  27. ومعنى هذا الحديثِ والحديثِ الذي قبلَه سواء، وما ذكَرنا من الأسانيدِ في الحديثِ الذي قبلَه يُغْني عن ذِكْرِها وتكْرارِها هاهنا، إذِ المعنَى فيهما واحدٌ، وهو حجُّ المرءِ عن غيرِه، وهل يَلزَمُ الحَجُّ مَن عجَز عنه ببدنِه، والقولُ في هذا يأتي في بابِ حديثِ ابنِ شهاب، عن سليمانَ بنِ يَسار، في قصّةِ الخثعَمِيّةِ وأبيها (٢) إن شاءَ اللَّه.

  28. أخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة (٣) . وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤) ، قال:

    vol. 1, p. 665حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (١) : حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قالا: أخبرنا وكيعٌ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن النعمانِ بنِ سالم، عن عمرِو بنِ أوس، عن أبي رَزِين العُقَيليُّ، أنه قال: يا رسولَ اللَّه، إن أبي شيخٌ كبيرٌ، لا يستطيعُ الحجَّ، والعُمرة، والظَّعْن. فقال: "حُجَّ عن أبيك، واعتَمِرْ" .

  29. أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٢) ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ ومسلمٌ، قالا: حدَّثنا شعبةُ، عن النعمانِ بنِ

    vol. 1, p. 666سالم، عن عمرِو بنِ أوس، عن أبي رَزِين - قال حفصٌ في حديثه: رجلٍ من بني عامر- أنه قال: يا رسولَ اللَّه، إنّ أبي شيخٌ كبيرٌ، لا يستطيعُ الحجَّ، ولا العمرةَ، ولا الظعنَ. قال: "احجُجْ عن أبيكَ واعتَمِرْ" .

  30. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢) : أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا جريرٌ، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسفَ بنِ الزُّبير، عن عبدِ اللَّه بنِ الزُّبير، قال: جاء رجلٌ من خَثْعَمَ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: إنّ أبي شيخٌ كبيرٌ، لا يستطيعُ الركوبَ، وأدْرَكتْه فريضةُ اللَّه في الحجِّ، فهل يُجزِئُ أن أحُجَّ عنه؟ قال: "أنتَ أكبرُ ولدِه؟ " قال: نعم! قال: "أرأيتَ لو كان عليه دَينٌ، أكُنتَ تَقْضيه؟ " قال: نعم. قال "فحُجَّ عنه" . وهذا المعنى وما فيه من تُنازُع العلماءِ سيأتي في بابِ ابنِ شهاب (٣) إن شاءَ اللَّه.