مالك، عن أبي الزبير المكي

189 paragraphs · vol. 8, p. 5

Page 2 of 5

  1. ومن حُجَّةِ هؤُلاءِ في تجويزِهِمُ البَدَنةَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعةٍ، قد وجبَ على كلِّ واحِدٍ منهُم دمٌ: حديثُ أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، المذكُورُ في هذا البابِ، وقد رواهُ عن جابرٍ غيرُ واحِدٍ، وهُو حديثٌ صحيحٌ.

    vol. 8, p. 16
  2. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن قَيْسٍ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نحَرَ البدنةَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعة (١) .

  3. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ، قال: حدَّثنا مُجالِدٌ، قال: حدَّثني الشَّعبيُّ، عن جابرٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سَنَّ الجَزُورَ عن سَبْعةٍ، والبَقَرةَ عن سَبْعة (٢) .

  4. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٣) : أخبرنا يَعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال:

    vol. 8, p. 17حدَّثنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، قال: كُنّا نتَمتَّعُ مع رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فنَذْبحُ البَقَرةَ عن سبْعةٍ نَشْترِكُ فيها.

  5. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا مُجالِدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثني الشَّعبيُّ، قال: سألتُ ابنَ عُمرَ، قلتُ: الجَزُورُ والبَقَرةُ تُجزِئُ عن سبْعةٍ؟ قال: فقال: يا شعبيُّ، ولها سبْعةُ أنفُسٍ؟ قال: قلتُ: إنَّ أصحابَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - يزعُمُونَ أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سنَّ الجزُورَ والبَقَرةَ عن سبعةٍ، قال: فقال ابنُ عُمر لرجُل: أكذلكَ يا فُلانُ؟ قال: نَعَم. قال: ما سمِعتُ بهذا (١) .

  6. وروى الزُّهريُّ، عن عُروةَ، عن مَرْوانَ والمِسْوَرِ بن مَخْرمةَ ورافِع بن خَدِيج (٢) ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "البَدَنةُ عن عَشَرة" .

  7. ورَوَى الزُّهريُّ، عن عُروةَ، عَن (٣) مَرْوان والمِسورِ: أنَّهُم كانوا يومَ الحُدَيبيةَ بِضْعَ عَشْرَ مئة (٤) .

  8. ورَوَى محمدُ بن إسحاق: أنَّهُم كانوا سبعَ مئةٍ، ونحَرَ عنهُم سبعينَ بَدَنةً (١) .

    vol. 8, p. 18
  9. ورُوِيَ عن جابرٍ، قال: كُنّا يومَ الحُدَيبيةِ ألفًا وأربع مئة (٢) .

    وقال أبو جعفرٍ الطَّبريُّ: اجْتَمعتِ الحُجَّةُ على أنَّ البَقرةَ، والبَدَنةَ، لا تُجزِئُ عن أكثرَ من سَبْعةٍ.

    قال: وفي ذلك دليلٌ على أنَّ حديثَ ابن عبّاس (٣) ، وما كان مِثلهُ، خَطأٌ ووَهمٌ، أو منسُوخٌ.

    وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٤) : قدِ اتَّفقوا على جَوازِها عن سَبْعةٍ، واختلفُوا فيما زادَ، فلا تثبُتُ الزِّيادةُ إلّا بتوقيفٍ لا مُعارِضَ لهُ واتِّفاقٍ.

    قال الأثرمُ: قيل لأحمد: ضحَّى ثمانيةٌ ببقرةٍ؟ قال: لا يُجزِئُ.

  10. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَروانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ بن داود المُطرِّزُ أبو عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو القاسم جعفرُ بن محمدٍ الجَرَويُّ (٥) ، قال: حدَّثنا أبو الأشْعَثِ، قال حدَّثنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ، قال: سمِعتُ أبي يُحدِّثُ، قال: حدَّثنا

    vol. 8, p. 19قَتادةُ، عن أنَسِ بن مالكٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومَ الحُدَيبيةِ: "دَعُوني فأنطلِقَ بالهَدْي فأنْحَرَهُ" ، فقال المِقْدادُ بن الأسودِ: لا والله لا نكونُ كالملأ من بني إسرائيلَ إذ قالوا لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: ٢٤] ولكنّا نقولُ: اذْهَب أنتَ وربُّك فقاتِلا إنّا معكُم مُقاتِلُونَ.

    قال: فنحَرَ الهَدْيَ بالحُدَيبيةِ. قال قَتادةُ: كانت معهُم يومَئذٍ سبعُونَ بَدَنةً، بينَ كلِّ سَبْعةٍ بَدَنةٌ (١) .

  11. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن يحيى القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عليِّ بن الجارُودِ، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الله بن هاشِم، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن ابن جُرَيْج، عن أبي الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: اشْتَركنا معَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحجِّ والعُمرةِ، كلُّ سَبْعةٍ في بَدَنة.

  12. حديثٌ ثانٍ لأبي الزُّبيرِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن أكْلِ لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ، ثُمَّ قال: "كُلُوا، وتَزوَّدُوا، وادَّخِرُوا" .

    vol. 8, p. 20
  13. وقد تقدَّمَ القولُ في مَعْنَى هذا الحديثِ مُسْتَوعبًا، في بابِ ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ، وهُو الحديثُ الحاديَ عَشَر من حديثِهِ، في كِتابِنا هذا، فلا وجَهَ لتكْرارِ القولِ فيه هاهُنا.

  14. حديثٌ ثالثٌ لأبي الزُّبيرِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن يأكُلَ الرَّجُلُ بشِمالِهِ، أو يَمْشيَ في نَعْلٍ واحِدةٍ، وأن يَشْتمِلَ الصَّمّاءَ، وأن يَحْتَبيَ (٢) في ثوبٍ واحِدٍ، كاشِفًا عن فَرْجِهِ.

    vol. 8, p. 21
  15. قد مَضَى القولُ في الأكلِ بالشِّمالِ، في بابِ ابن شِهاب، عن أبي بكر بن عُبيدِ الله بن عبدِ الله (٣) بن عُمرَ.

  16. وليسَ في الأكلِ بالشِّمالِ ما يحتاجُ إلى تفسيرٍ؛ لأنَّ كلَّ سامِع لهُ يَسْتوُونَ في فهمِهِ.

  17. وكذلك النَّهيُ عن المَشْي في نَعْلٍ واحِدةٍ، يَسْتوي أيضًا لفظُهُ ومعناهُ في الفَهْم.

  18. ومن فعلَ شيئًا من ذلك، عالِمًا بالنَّهي، مُستخِفًّا به، فهُو لله عاصٍ، وأمرُهُ إليهِ، إن شاءَ غَفَر لهُ، وإن شاءَ عذَّبهُ. فلا يَنْبغي للمرءِ أن يَمْشِي في نعلٍ واحِدةٍ.

  19. وقد رُوِيَ عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّها كانت تُنكِرُ على أبي هُريرةَ حديثَهُ بهذا (٤) . وليسَ في إنكارِ من أنكَرَ حُجَّةً على من علِمَ.

  20. وقد رُوي عنها (٥) ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّها رأتهُ يَمْشى في نَعْلٍ واحِدةٍ. ولا يصِحُّ حديثُها ذلك.

  21. وقد رَوى هذا الحديثَ معَ جابرٍ: أبو هُريرةَ وغيرُهُ، وهُو صحيحٌ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    vol. 8, p. 22
  22. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا زُهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا انقطعَ شِسعُ أحدِكُم، فلا يمشِ في نعلٍ واحِدةٍ حتّى يُصلِحَ شِسعَهُ، ولا يَمْشِ في خُفٍّ واحِدةٍ، ولا يأكُل بشِمالِهِ" .

  23. وروى مالكٌ (٢) عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَمْشينَّ أحدُكُم في النَّعلِ الواحِدةِ" .

  24. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "وأن يَشْتمِلَ الصَّمّاءَ" فللعُلماءِ وأهلِ اللُّغةِ في ذلكَ أقوالٌ، وقد جاءَ في الآثارِ المرفُوعةِ ما هُو أوْلَى ما قيلَ به فيها إن شاءَ الله.

    قال ابنُ وَهْب: اشتِمالُ الصَّمّاءِ: أن يرميَ بطَرَفي الثَّوبِ جميعًا على شِقِّهِ الأيسرِ، وقد كان مالكُ بن أنسٍ أجازها على ثَوْبٍ، ثُمَّ كَرِهها (٣) .

  25. وفي سَماع ابن القاسم: سُئلَ مالكٌ عن الصَّمّاءِ، كيف هي؟ قال: يَشْتمِلُ الرَّجُلُ، ثُمَّ يُلقي الثَّوبَ على مَنْكِبيهِ، ويُخرِجُ يدَهُ اليُسرَى من تحتِ الثَّوبِ، وليسَ عليه إزارٌ. قيل لهُ: أرأيتَ إنْ لُبِسَ هكذا، ولُبِسَ (٤) عليه إزارٌ؟ قال: لا بأسَ بذلك.

    vol. 8, p. 23قال ابنُ القاسم: ثُمَّ كرِههُ بعد ذلكَ، وإن كان عليه إزارٌ. قال ابنُ القاسم: وتَرْكُهُ أحبُّ إليَّ، للحديثِ، ولستُ أراهُ ضيِّقًا، إذا كان عليه إزارٌ (١) .

    قال مالكٌ: والاضْطِباعُ، أن يَرْتديَ الرَّجُلُ، فيُخرِجَ ثَوْبَهُ من تحتِ يدِهِ اليُمنى. قال ابنُ القاسم: وأُراهُ من ناحيةِ الصَّمّاءِ.

    وقال أبو عُبيد (٢) : قال الأصمعيُّ: اشتِمالُ الصَّمّاءِ عِندَ العربِ: أن يَشْتمِلَ الرَّجُلُ بثوبه، فيُجلِّلَ به جسدَهُ كلَّهُ، ولا يرفعَ منهُ جانِبًا، فيُخرِج منهُ يدهُ، ورُبَّما اضْطَجعَ فيه على تلك الحالِ.

    قال أبو عُبيدٍ: كأنَّهُ يَذْهبُ إلى أنَّهُ لا يَدْري لعلَّهُ يُصيبُهُ شيءٌ يُريدُ الاحتِراسَ منهُ، وأن يَقِيَهُ بيدِهِ، فلا يَقْدِرُ على ذلك لإدخالِهِ إيَّاها في ثيابِهِ، فهذا كلامُ العربِ.

    قال: وأمّا تفسيرُ الفُقهاءِ، فإنَّهُم يقولونَ: هُو أن يشتمِلَ الرَّجُلُ بثَوْبٍ واحِدٍ ليسَ عليه غيرُهُ، ثُمَّ يرفعَهُ من أحَدِ جانِبيهِ، فيَضَعَهُ على مَنْكِبِهِ، فيبدُوَ منهُ فرجُهُ.

    قال أبو عُبيدٍ: والفُقهاءُ أعلمُ بالتَّأويلِ في هذا، وذلكَ أصَحُّ معنًى في الكلام.

    وقال الأخْفَشُ: الاشْتِمالُ: أن يلتفَّ الرَّجُلُ برِدائهِ أو بكِسائهِ، من رَأسِهِ إلى قَدَميهِ، يرُدُّ طرفَ الثَّوبِ الأيمنِ على مَنكِبِهِ الأيسرِ، هذا هُو الاشتِمالُ، فإنْ لم يرُدَّ طَرْفَهُ الأيمنَ على مَنكبِهِ الأيسرِ، وترَكهُ مُرسلًا إلى الأرضِ، فذلك: السَّدلُ الذي نُهي عنهُ.

    قال: وقد رُويَ في هذا الحديثِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ برجُلٍ وقد سدَلَ ثَوْبَهُ، فعَطَفَهُ عليه، حتّى صارَ مُشْتمِلًا (٣) .

    vol. 8, p. 24قال: فإن لم يَكُن على الرَّجُلِ إلّا ثوبٌ واحِدٌ، فاشتملَ به، ثُمَّ رفعَ الثَّوبَ عن يَسارِهِ، حتّى ألقاهُ عن مَنْكِبِهِ، فقدِ انكشَفَ شِقُّهُ الأيسرُ كلُّهُ، وهذا هُو اشتِمالُ الصَّمّاءِ، الذي نُهي عنهُ، فإن هُو أخذَ طَرَفَ الثَّوبِ الأيْسرِ من تحتِ يَدِهِ اليُسرى، فألقاهُ على مَنْكِبِهِ الأيمن، وألقى طَرَفَ الثَّوبِ الأيمنِ من تحتِ يدِهِ اليُمنى (١) على مَنْكِبِهِ الأيسرِ، فهذا: التَّوشُّحُ الذي جاءَ عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ صلَّى في ثَوْبٍ واحِدٍ مُتوشِّحًا به (٢) .

    قال: وأمّا الاضْطِباعُ، فإنَّهُ للمُحرِم، وذلكَ أنَّهُ يكونُ مُرتديًا بالرِّداءِ، أو مُشتمِلًا، فيكشِفُ مَنْكِبَهُ الأيمنَ، حتّى يصيرُ الثَّوبُ تحتَ إبِطَيه.

  26. وهذا معنى الحديثِ الذي جاءَ عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ طافَ وسَعَى مُضْطبِعًا ببُردٍ أخضَرَ (٣) . ويُروَى عن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ مِثلُهُ.

    قال: والارتداءُ، أن تأخُذَ بطَرَفي الثَّوبِ، فتُلقيَهُما على صَدْرِكَ ومَنْكِبيك، وسائرُ الثَّوبِ خلفَكَ.

    قال أبو عُمر: الذي جَعَلهُ أبو داود (٤) تفسيرَ اللُّبسةِ الصَّمّاءِ: حديثُ الأعْمَش،

    vol. 8, p. 25عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن لُبستينِ: أن يَحْتبيَ الرَّجُلُ مُفْضيًا بفرجِهِ إلى السَّماءِ، ويَلْبَسَ ثوبًا واحِدًا جانِبُهُ خارجٌ، ويُلقيَ ثَوْبَهُ على عاتِقِهِ. ذكرهُ عن عُثمان بن أبي شَيْبةَ، عن جريرٍ، عن الأعمشِ.

  27. وقد أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بن شُعيبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: أخبرني عامرُ بن سعدٍ، أنَّ أبا سَعيدٍ الخُدريَّ قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن لُبستينِ: اشْتِمالِ الصَّمّاءِ، والصَّمّاءُ: أن يجعَلَ طَرَفي ثوبه على أحَدِ عاتِقيهِ، ويبدُو أحَدُ شِقَّيهِ، ليسَ عليه ثوبٌ، واللُّبسةُ الأُخرى: احْتِباؤُهُ بثَوْبٍ وهُو جالِسٌ، ليسَ على فَرْجِهِ منهُ شيءٌ (١) .

  28. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: أخبرنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بن يزيد، عن أبي سعيدٍ، قال: نَهى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن لُبْسَتينِ: اشتِمالِ الصَّمّاءِ، وأن يَحتبيَ الرَّجُلُ بثوبٍ واحِدٍ، ليس على عورتهِ منهُ شيءٌ.

  29. وأخبرنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا كثيرُ بن هشام، قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرْقانَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن لُبْسَتينِ:

    vol. 8, p. 26الصَّمّاءِ، وهُو أن يَلْتحِفَ بالثَّوبِ الواحِدِ، ثُمَّ يَرْفعَ جانِبَهُ على مَنْكِبيهِ ليس عليه ثوبٌ غيرُهُ، أو يَحْتبيَ الرَّجُلُ في الثَّوبِ الواحِدِ، ليسَ بين فَرْجِهِ وبين السَّماءِ شيءٌ. يعني: سِتْرًا (١) .

  30. وعن مالك (٢) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَشْتمِلَ الرَّجُلُ بالثَّوبِ الواحِدِ على أحَدِ شِقَّيهِ.

  31. وبهذا فسَّرَ ابنُ وَهْبٍ الصَّمّاءَ، والله أعلمُ، إلّا أنَّهُ قال: على شِقِّهِ الأيسرِ. وسيأتي من هذا المعنى ذِكرٌ كافٍ، في بابِ أبي الزِّنادِ، وقد مَضَى القولُ مُسْتَوعبًا في سَتْرِ العَوْرةِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، والحمدُ لله.

  32. وأمّا كشفُ الفرج، فحرامٌ في هذه اللُّبسةِ وفي غيرِها، لا يحِلُّ لأحَدٍ أن يُبْديَ عَوْرتَهُ، ويَكْشِفَ فَرْجَهُ إلى آدميٍّ ينظُرُ إليهِ، من رَجُلٍ، أو امرأةٍ، إلّا من كانت حليلتَهُ: امْرَأتَهُ، أو سُرِّيَّتَهُ، وهذا ما لا أعلمُ فيه خِلافًا بين المُسلمين، وحسبُك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: ٣١] وأجمعُوا أنَّهُ أرادَ بذلك سَتْرَ العَوْرةِ؛ لأنَّهُم كانوا يطُوفُون عُراةً، فنزلت هذه الآيةُ، وأجمعُوا على أنَّ سترَ العَوْرةِ فَرْضٌ عن عُيُونِ الآدميِّين. واختلفُوا: أهي من فرائضِ الصلاةِ، أم لا؟ وقد ذكَرْنا ذلك في غيرِ هذا الموضِع.

  33. وقد كانوا يَسْتحِبُّونَ أن لا يَكْشِفَ أحدٌ عَوْرتهُ في الخَلاءِ. وقد رَوَينا أنَّ في بعضِ ما أوحَى اللهُ عزَّ وجلَّ، إلى إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنِ اسْتَطعتَ أن لا تُرِيَ الأرضَ عَوْرتَك فافْعَل، فاتَّخَذَ السَّراويلَ، وهُو أوَّلُ منِ اتَّخذها، وقال اللهُ تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: ٧٨] .

  34. حديثٌ رابعٌ لأبي الزُّبيرِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أغلِقوا البابَ، وأوكُوا السِّقاءَ، وخمِّرُوا الإناءَ، أو أَكْفِئُوا (٢) الإناءَ، وأطْفِئُوا المِصْباحَ، فإنَّ الشَّيطانَ لا يفتحُ غَلَقًا (٣) ، ولا يَحُلُّ وِكاءً، ولا يَكْشِفُ إناءً، وإنَّ الفُوَيسِقةَ تُضرِمُ على النّاسِ بَيْتهُم" .

    vol. 8, p. 27
  35. هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: "تُضرِمُ على النّاسِ بيتَهُم" . وتابَعهُ ابنُ القاسم، وابنُ وَهْب (٤) ، وقال ابنُ بُكَيرٍ: "بُيُوتَهُم" . وقال القعنبيُّ: "بيتَهُم، أو بُيُوتَهُم" على الشَّكِّ.

  36. والفُوَيسِقةُ: الفَأرةُ، سمّاها رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فاسِقةً" في هذا الحديثِ وغيرِهِ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خَمْسٌ فَواسِقُ تُقتلُ في الحَرم" (٥) ، فذكَرَ منهُنَّ الفأرةَ.

  37. وكلُّ من آذى مُسلمًا إذا تابَعَ ذلكَ، وكَثُر منهُ، وعُرِفَ به، فهُو فاسِقٌ، والفأرةُ أذاها كثيرٌ.

  38. وأصلُ الفِسْقِ: الخُرُوجُ عن طاعةِ الله، ومن الخُرُوج عن طاعَةِ الله، أذَى المُسلم، والفأرةُ مُؤذيةٌ، فلذلك سُمِّيت فاسِقةً، وفُوَيسِقةً، والرَّجُلُ الظّالِمُ الفاجِرُ، فاسِقٌ، والمُؤذي بيَدِهِ، ولسانِهِ، وفِعْلِهِ، وسَعيهِ، فاسِقٌ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ:

    vol. 8, p. 28{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: ٥٨] .

  39. وقولُهُ: "تُضرِمُ" أي: تُشعِلُ وتُحرِقُ.

    وقال ابنُ وَهْب: أمّا قولُهُ: "الفُوَيسِقةُ تُضرِمُ على النّاسِ بَيتَهُم" فإنَّما تحمِلُ الفَتِيلةَ وهي تتَّقِدُ، حتّى تجعَلَها في السَّقفِ.

    وقال أحمدُ بن عِمْران الأخفشُ: الفُوَيسِقةُ: الفأرةُ. وقولُهُ: "تُضرِمُ على النّاسِ بيتَهُم" : تُشعِلُ البيتَ عليهم بالنّارِ، وذلك أنَّها إذا تَناوَلَتْ طرفَ الفَتيلةِ وفيها النّارُ، فلعلَّها تمُرُّ بثيابٍ، أو بحَطَبٍ، فتُشعِلُ النّار فيها، فيَلْهَبُ البيتُ على أهلِهِ، وقد أصابَ ذلك أهلَ بيتٍ بالمدينةِ، فذُكِر ذلك لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من الغَدِ فقال: "إنَّ هذه النّارَ عدُوٌّ لكُم، فإذا نِمتُم فأطفِئوها عنكُم" . قال: حدَّثنا بذلك أبو أُسامةَ، عن بُرَيدِ، عن (١) أبي بُردةَ، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

    قال أبو عُمر: ثبتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ ابن عُمرَ وغيرِهِ، أنَّهُ قال: "لا تترُكُوا النَّارَ في بُيُوتِكُم حين تنامُونَ" . وكان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالمُؤمنين رؤُوفًا رحيمًا.

  40. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثني قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (٣) . وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (٤) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن حنبل (٥) . وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ،

    vol. 8, p. 29قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (١) ، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تترُكُوا النّارَ في بُيُوتِكُم حينَ تَنامُونَ" .