مالك، عن أبي الزبير المكي

189 paragraphs · vol. 8, p. 5

Page 3 of 5

  1. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي نُعْم، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنَّهُ قال: الفأرةُ فُوَيسِقةٌ. قيل لهُ: لِمَ قيلَ لها الفُوَيسِقةُ؟ قال: لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَيقظَ وقد أخذَتْ فَتِيلةً لتَحرِقَ بها البيتَ.

    vol. 8, p. 29
  2. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا سُليمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن أبي طَلْحةَ، قال: حدَّثنا أسباطٌ، عن سِماكٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: جاءَت فَأرةٌ فأخَذتْ تجُرُّ الفَتِيلةَ، فجاءَتْ بها فألْقَتها بينَ يَدَي رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - على الخُمْرةِ التي كان

    vol. 8, p. 30قاعِدًا عليها، فأحْرَقَتْ منها مِثلَ مَوْضِع الدِّرهم، فقال: "إذا نِمتُمْ فأطْفِئُوا سُرُجَكُم (١) ، فإنَّ الشَّيطانَ يدُلُّ مثلَ هذه، على هذا، فتَحْرِقُكُم" .

  3. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "وأوْكِئُوا السِّقاءَ" . فالسِّقاءُ: القِربةُ وشِبهُها، والوِكاءُ: الخيطُ الذي تُشَدُّ بهِ.

  4. فكأنَّهُ قال عليه السَّلامُ: اربُطُوا فمَ الإناءِ إذا كان مِمّا يُربَطُ مِثلُهُ، وشُدُّوهُ بالخيطِ.

  5. وأمّا قولُهُ: "أَكْفِئُوا الإناءَ" . فإنَّهُ يُريدُ: اقلِبُوهُ، وكُبُّوهُ، وحوِّلُوهُ إذا كان فارِغًا، لا تَدعُوهُ مفتُوحًا ضاحيًا، يُقالُ: كَفأتُ الإناءَ: إذا قَلبتَهُ، وهي كلِمةٌ مَهْمُوزةٌ، وأنا أكفُؤُهُ، قال ابنُ هَرْمةَ:

    عِندي لهذا الزَّمانِ آنيةٌ ... أملؤُها مرَّةً وأكفُؤُها (٢)

  6. وكذلك قولُهُ: "أطفِئُوا المِصباح" مهمُوزٌ أيضًا، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: ٦٤] .

    وقال الشّاعِرُ:

    بَرَزتُ في غايتي وشايَعني ... مَوْقِدُ نارِ الوَغَى ومُطفِؤُها

    وقال غيرُهُ:

    وعاذِلةٍ (٣) هبَّت (٤) تلُومُ ولومُها ... لِنيرانِ شَوْقي مُوقِدٌ غيرُ مُطفِئ

    vol. 8, p. 31وأمّا قولُهُ: "وخمِّرُوا الإناءَ" فالتَّخميرُ هاهُنا: التَّغطيةُ، وما خمَّرتَهُ، فقد غطَّيتَهُ، وإنَّما يُكفَأُ من الأواني، ما لا يُمكِنُ تَغْطيتُهُ وتخميرُهُ.

  7. وقولُهُ في حديثِ مالك: "خمِّرُوا الإناءَ، أو أكْفِئُوا الإناءَ" يَحتَمِلُ أن يكون التَّخييرُ في تخميرِ الإناءِ وتحويلِهِ، ويَحتَمِلُ أن يكون شكًّا من المُحدِّث.

  8. وفي هذا الحديثِ من العِلم أيضًا: أنَّ الشَّيطانَ لم يُعطَ معَ ما به من القوَّةِ أن يفتحَ غَلَقًا، ولا يَحُلَّ وِكاءً، ولا يكشِفَ إناءً، رحمةً من الله تعالى بعِبادِهِ، ورِفقًا بهِم.

  9. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سحنُونُ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني ابنُ لَهيعة واللَّيثُ، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ أبا حُميدٍ السّاعِديَّ أتَى رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بقَدَح لَبنٍ من البَقِيع لم يُخمِّرهُ، فقال رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هلّا خمَّرتَهُ ولو بعُودٍ تَعْرُضُهُ (١) عليه؟ " (٢) .

  10. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جُرَيْج، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أطفِئ مِصْباحَك،

    vol. 8, p. 32واذكُرِ اسمَ الله، وخمِّرْ إناءَكَ ولو بعُودٍ تَعْرُضُهُ عليه واذكُرِ اسمَ الله، وأوْكِ سِقاءَكَ واذكُرِ اسمَ الله " (١) .

  11. وبه، عن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن القَعْقاع بن حكيم، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إيّاكُم والسَّمَرَ بعد هَدْأةِ الرِّجل، فإنَّ أحدَكُم لا يَدْري ما يبُثُّ اللهُ من خَلْقِهِ، وأغْلِقوا الأبوابَ وأوْكِئُوا السِّقاءَ، وخمِّرُوا الإناءَ، أو الآنيةَ (٢) ، وأطْفِئُوا المِصباحَ " (٣) .

    قال أبو عُمر: "هدأةُ الرِّجل" مهمُوزةٌ، قال الشّاعِرُ:

    يُؤَرِّقُني ذِكراكِ في كلِّ ليلةٍ ... كأنِّيَ قد أقْسَمتُ في تركِ مَهْدئي

    أُعاذِلُ، إنَّ العَذْلَ مِمّا يزيدُني ... وُلُوعًا بشَوْقي فاترُكِ العَذْلَ واهْدَئي

  12. وأنشدَ أبو زَيْد (٤) :
  13. ونارٍ قد حَضَأْتُ (٥) بُعَيْدَ هَدْأٍ (٦) ... بدارٍ ما أُريدُ بها مُقاما

    vol. 8, p. 33سِوَى ترحيلِ راحِلةٍ وعينٍ ... أُكالِئُها مخافةَ أن تناما

    وقال إبراهيمُ بن هَرْمةَ:

    خَوْدٌ تعاطيكَ بعد رَقْدتِها ... إذا يُلاقي العُيُونَ مهدؤُها (١)

  14. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني حَيْوةُ بن شُرَيح وابنُ لَهيعة، عن عُقيلٍ، عن ابن شِهاب، أنَّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سمِعتُمُ النِّداءَ وأحدُكُم على فِراشِهِ، أو أيْنَما كان فاهدَؤوا، فإنَّ الشَّياطينَ إذا سَمِعتِ النِّداءَ اجتمعُوا وعشَّوا (٢) " .

    قال: وحدَّثنا حيوةُ بن شُرَيح، عن عُقَيلٍ، عن ابن شِهاب، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا جَنحَ اللَّيلُ، فاحبِسُوا أولادَكُم، فإنَّهُ يُبَثُّ في اللَّيلِ ما لا يُبَثُّ في النَّهارِ" . وقال عُقيلٌ: يُتَّقى على المرأةِ أن تتوضَّأ عِندَ ذلك.

  15. ورَوى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يزيدَ بن عبدِ الله بن أُسامةَ بن الهادِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن جعفر (٣) بن عبدِ الله بن الحَكَم، عن القَعْقاع بن حكيم، عن جابِرٍ قال: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "غطُّوُا الإناءَ، وأَوْكِئُوا السِّقاءَ، فإنَّ في السَّنةِ ليلةً ينزِلُ فيها وباءٌ، لا يمُرُّ بإناءٍ ليسَ عليه غِطاءٌ، أو سِقاءٍ ليسَ عليه وِكاءٌ، إلّا نزلَ فيه ذلكَ الوَباءُ، ووقَعَ فيه من ذلك الدّاءِ" (٤) . قال اللَّيثُ: والأعاجِمُ يتَّقونَ ذلك في كانُونَ الأوَّلِ.

  16. وروى أبو عاصِم النَّبيلُ، عن شَبيبِ بن بِشْر (١) ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: دخَلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المخرَجَ، ثُمَّ خرَجَ، فإذا بتَوْرٍ (٢) مُغطًّى، فقال: "من صنَعَ هذا؟ " فقال عبدُ الله: أنا، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ علِّمْهُ تأويلَ القُرآنِ" (٣) .

    vol. 8, p. 34
  17. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا الخضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمِعتُ أحمدَ بن حَنْبل سُئلَ عن الرَّجُلِ يَضَعُ الوُضُوءَ باللَّيلِ غيرَ مخُمَّرٍ، فقال: لا يُعجِبُني، إلّا أن يُخمَّر؛ لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خمِّرُوا الآنيةَ" .

    وقال أبو داود: قلتُ لأحمدَ بن حَنْبل: الماءُ المكشُوفُ يُتَوضَّأُ بهِ؟ قال: إنَّما أمرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُغطَّى الإناءُ، ولم يَقُل: لا تتَوضَّئُوا بهِ.

  18. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٤) : حدَّثنا عبدُ الأعلى بن عبدِ الأعلى، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارثِ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: سَمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إذا سَمِعتُم نُباحَ الكِلابِ، أو نُهاقَ الحَميرِ، فتَعوَّذُوا بالله من الشَّياطينِ، فإنَّهُم يَرونَ ما لا تَرونَ، وأقِلُّوا الخُرُوجَ إذا هَدَأتِ الرِّجلُ، فإنَّ اللهَ يبُثُّ من خَلْقِهِ في ليلِهِ ما شاءَ، وأجيفُوا

    vol. 8, p. 35الأبوابَ، واذكُرُوا اسْمَ الله عليها، فإنَّ الشَّيطانَ لا يفتحُ بابًا أُجِيفَ، واذكُرُوا اسْمَ الله عليه، وغطُّوا الجِرارَ، وأكفِئُوا الآنيةَ، وأوْكِئُوا القِرَبَ ".

  19. وحدَّثنا سعيدٌ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن نُمَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو (١) أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو بُرْدَة (٢) بن أبي بُردةَ، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ هذه النّارَ عدُوٌّ لكُم، فإذا نِمْتُم فأطفِئُوها " (٣) .

  20. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ بن إسحاقَ بن مِهْرانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن بَدْرِ بن النَّفّاح (٤) أبو الحسنِ الباهِليُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن كثيرِ بن شِنْظيرٍ، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "خمِّرُوا الآنيةَ وأوْكِئُوا الأسْقيَةَ، وأجِيفُوا الأبوابَ، وكُفُّوا صِبْيانَكُمْ عِندَ المساءِ، فإنَّ للجِنِّ انتِشارًا وخَطْفَةً" (٥) .

    vol. 8, p. 36قال أبو عُمرَ: في معنى قولِهِ هذا: "وخَطْفَةَ" ما قد ذكرهُ ابنُ أبي الدُّنيا (١) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا خالدُ بن الحارِثِ الهُجيميُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أبي نَضْرةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبى لَيْلَى، أنَّ رَجُلًا من قَومِهِ خرجَ ليُصلِّيَ مع قَومِهِ صلاةَ العِشاءِ ففُقِدَ، فانْطَلقتِ امْرأَتُهُ إلى عُمرَ بن الخطّابِ، فحدَّثتهُ بذلكَ، فسألَ عن ذلك قَوْمَها فصدَّقوها، فأمَرَها أن تَتربَّصَ أربعَ سِنينَ، فتربَّصَتْ، ثُمَّ أَتَتْ عُمرَ فأخْبَرتهُ بذلكَ، فسألَ عن ذلكَ قَوْمَها فصدَّقوها، فأمَرَها أن تَتزوَّج، ثُمَّ إنَّ زَوْجَها الأوَّلَ قَدِمَ فارْتَفعُوا إلى عُمرَ بن الخطّابِ، فقال عُمرُ: يَغِيبُ أحدُكُمُ الزَّمانَ الطَّويلَ، لا يعلَمُ أهلُهُ حَياتهُ؟ قال: إنَّ لي عُذرًا. قال: فما عُذرُكَ؟ قال: خَرَجتُ أُصلِّي معَ قَوْمي صلاةَ العِشاءِ، فسَبَتني الجِنُّ. أو قال: أصابَتْني الجِنُّ، فكُنتُ فيهم زَمانًا، فغَزاهُم جِنٌّ مُؤمنُونَ، فقاتَلُوهُم، فظَهرُوا عليهم وأصابُوا لهُم سَبايا، فكُنتُ فيمَنْ أصابُوا، فقالوا: ما دينُكَ؟ قلتُ: مُسلمٌ، قالوا: أنتَ على دينِنا، لا يحِلُّ لنا سَبْيُكَ، فخيَّرُوني بينَ المُقام وبين القُفُولِ، فاخترتُ القُفُولَ، فأقبلُوا معي، باللَّيلِ بَشَرٌ يُحدِّثونني (٢) وبالنَّهارِ إعصارُ ريح أتْبَعُها. قال: فما كان طعامُكَ؟ قال: الفُولُ، وما لم يُذكَرِ اسمُ الله عليه. قال: فما كان شرابُكَ؟ قال: الجَدَفُ. قال قتادةُ: الجَدَفُ: ما لم يُخمَّر من الشَّرابِ. قال: فخيَّرهُ عُمرُ بين المرأةِ والصَّداقِ.

    قال أبو عُمر: هذا خبرٌ صحيحٌ من رِوايةِ العِراقيِّينَ والمكِّيِّينَ مشهُورٌ.

  21. وقد روى مَعناهُ المدنيُّون في المفقودِ، إلّا أنَّهُم لم يذكُرُوا معنى اختِطافِ الجِنِّ للرَّجُل، ولا ذَكرُوا تخييرَ المفقودِ بينَ المرأةِ والصَّداقِ، وإنَّما ذَكْرناهُ هاهُنا،

    vol. 8, p. 37من أجْلِ تخميرِ أواني الشَّرابِ والطَّعام، وهي لَفْظةٌ لم أرَها في هذا الحديثِ في غَيرِ هذا الإسنادِ. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ بإسنادِهِ، من غيرِ رِوايةِ قَتادةَ، في بابِ صيفيٍّ، والحمدُ لله.

    قال أبو عُمر: يُروى هذا الجَدَفُ في هذا الحديثِ، الجَدَفُ بالدّالِ، وقال أبو عُبيد (١) : هُو كما جاءَ في الحديثِ: ما لا يُغطَّى من الشَّرابِ. قال وقد قيلَ: هُو نباتٌ باليَمنِ لا يَحتاجُ أكلُهُ إلى شُرْبِ الماءِ. وأنكرَ ابنُ قُتيبةَ (٢) هذا، وزعَمَ أنَّهُ: زَبَدُ الشَّرابِ ورَغْوةُ اللَّبنِ. قال: وسُمِّي جَدَفًا لأنَّهُ يُقطَعُ ويُرمى عن الشَّرابِ. قال: وقد يجُوزُ أن يُقال لما لا يُغطَّى من الشَّرابِ: جَدَفٌ، كأنَّ غِطاءهُ جُدِفَ، أي: قُطِعَ (٣) .

  22. حديثٌ خامِسٌ لأبي الزُّبيرِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزُّبير المكِّيِّ، عن طاووس اليَمانيِّ، عن ابن عبّاس، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُعلِّمُهُم هذا الدُّعاءَ، كما يُعلِّمُهُمُ السُّورةَ من القُرآنِ، يقولُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ من عَذابِ جَهنَّم، وأعُوذُ بكَ من عَذابِ القَبْرِ، وأعُوذُ بكَ من فِتْنةِ المسيح الدَّجّالِ، وأعُوذُ بكَ من فِتْنةِ المَحْيا والمماتِ" .

    قال أبو عُمر: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُعلِّمُ أصْحابَهُ الدُّعاءَ فيحُضُّهُم عليه ويأمُرُهُم به، ويقولُ: "إنَّ الدُّعاءَ هُو العِبادةُ" . ويتلُو: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (٢) [غافر: ٦٠] .

    vol. 8, p. 38
  23. وقد قالوا: إنَّ الدُّعاءَ مخُّ (٣) العِبادةِ؛ لأنَّ فيه (٤) الإخْلاصَ، والضَّراعةَ، والإيمانَ، والخُضوعَ.

  24. واللهُ يُحِبُّ أن يُسألَ، ولذلك أمرَ عِبادَهُ أن يَسْألُوهُ من فَضْلِهِ، وقد كان لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنواعٌ من الدعاءِ يُواظِبُ عليه ويَدْعُو به، لا يقومُ به كِتابٌ لكَثْرتِهِ.

  25. وفي هذا الحديث: الإقرارُ بعَذابِ القَبْرِ. ولا خِلافَ بينَ أهلِ السُّنّةِ في جَوازِ تَصْحيحِهِ، واعْتِقادِ ذلكَ، والإيمانِ بهِ. وكذلك الإيمانُ بالدَّجّالِ. وقد ذكَرْنا الأخبارَ في عَذابِ القَبْرِ، في بابِ هشام بن عُرْوةَ وغيرِهِ من هذا الكِتابِ، وذكَرْنا أخبارَ الدَّجّالِ في بابِ نافِع، والحمدُ لله.

  26. وأمّا فِتَنُ المَحْيا فكَثِيرةٌ جِدًّا، في الأهلِ، والمالِ، والدِّينِ، والدُّنيا، أجارَنا الله من مُضِلّاتِ الفِتَنِ.

    vol. 8, p. 39
  27. وأمّا فِتَنُ المماتِ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ إذا احتُضِرَ، ويحتَمِلُ أن يكونَ في القَبْرِ أيضًا.

  28. ومِمّا كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُواظِبُ عليه من الدُّعاءِ:

    ما أخبرناهُ خَلَفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا عُبادَةُ بن مُسْلم الفَزاريُّ، قال: حدَّثني جُبَيرُ بن أبي (١) سُليمان بن جُبيرِ بن مُطعِم، أنَّهُ كان جالِسًا مع ابن عُمرَ، فقال: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ في دُعائهِ حين يُمْسي وحينَ يُصبِحُ، لم يَدَعْهُ حتّى فارقَ الدُّنيا وماتَ: "اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ العافيةَ في الدُّنيا والآخِرةِ، اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ العَفْو والعافيةَ، في دِيني ودُنْياي، وأهلي ومالي، اللَّهُمَّ اسْتُر عَوْراتي، وآمنْ رَوْعاتي، اللَّهُمَّ احْفَظْني من بينِ يَدَيَّ، ومنْ خَلْفي، وعن يَمِيني، وعن شِمالي، ومن فَوْقي، وأعُوذُ بكَ من أن أُغتالَ من تحتي" . قال جُبيرٌ: وهُو الخَسْفُ. قال عُبادةُ: فلا أدري أقولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أو قولُ جُبَير (٢) ؟

  29. حديثٌ سادِسٌ لأبي الزُّبيرِ

    مالكٌ (١) عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ من جَوْفِ اللَّيلِ يقولُ: "اللَّهُمَّ لكَ الحَمْدُ، أنتَ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ، ولكَ الحَمْدُ، أنتَ قَيّامُ السَّماواتِ والأرضِ، ولكَ الحَمْدُ، أنتَ ربُّ السَّماواتِ والأرض ومن فيهِنَّ، أنتَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ووعدُكَ الحقُّ، ولِقاؤُكَ حقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ (٢) والنّارُ حقٌّ، والسّاعةُ حقٌّ، اللَّهُمَّ لكَ أسْلَمتُ، وبكَ آمَنتُ، وعليكَ تَوكَّلتُ، وإليكَ أَنَبْت، وبكَ خاصَمتُ، وإليكَ حاكمْتُ، فاغْفِر لي ما قَدَّمتُ وأخَّرتُ، وأسْرَرتُ وأعْلَنتُ، أنتَ إلهي، لا إلَهَ إلّا أنتَ" .

    vol. 8, p. 40
  30. وفي هذا الحديث: ما كان عليه رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من المُداومةِ على قِيام اللَّيلِ، والإخْباتِ عِندَ قيامِهِ، والدُّعاءِ، والتَّضرُّع، والإخْلاصِ، والثَّناءِ على الله عزَّ وجلَّ بما هُو أهلُهُ، والإقْرار بوَعدِهِ ووَعيدِهِ، والتَّسليم، والابتِهالِ، وفيه - صلى الله عليه وسلم - الأُسوةُ الحَسَنةُ، فطُوبَى لمَن وُفِّق وأُعينَ على ذلك.

  31. وقد رَوَى هذا الحديثَ بعضُ من جَمعَ حديثَ مالكٍ، فذَكَرهُ عن مالكٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاس، وذلك خَطأٌ، والحديثُ صحيحٌ لمالكٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ، كما رواهُ يحيى، وسائرُ رُواةِ "المُوطَّأ" لا يختلِفُونَ في ذلك فيما علِمتُ (٣) ، وليسَ في هذا الحديثِ معنًى يُشكلُ إن شاءَ الله.

  32. وأمّا قولُهُ: "أنتَ قيّامُ السَّماواتِ والأرضِ" فقيّامٌ، وقيُّومٌ، وقيِّمٌ، بمعنًى واحِدٍ، وهُو الدّائمُ الذي لا يزُولُ، وقيّامٌ: فَيْعالٌ، وقيُّومٌ: فَيْعُولٌ، وقيِّمٌ: فَيْعِلٌ.

    vol. 8, p. 41
  33. وأمّا الرَّبُّ، فمعلُومٌ عِندَ النّاسِ أنَّهُ المالكُ، سُبحانَ مالكِ (١) الدُّنيا والآخِرةِ، وملِكِهِما، ونُورِهِما.

  34. قولُهُ: "الحقُّ" ؛ لأنَّ اللهَ هُو الحقُّ المُبينُ، وقد قال: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} [ص: ٨٤] .

  35. وأمّا الإقرارُ بالجنَّةِ والنّارِ، فواجِبٌ مُجتَمَعٌ عليه، ألا تَرى أنَّ ذلك مِمّا يُكتَبُ في صُدُورِ الوَصايا، مع الشَّهادةِ بالتَّوحيدِ، وبالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد قُرِئَتِ: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: ٢٥٥] و "الحيُّ القيّامُ" (٢) ، وفي مُصحفِ ابن مَسْعُودٍ: "القيِّمُ" (٣) ؟ وكلُّ ذلك حَسَنٌ.

  36. وأمّا قولُهُ: "وإليكَ أنبتُ" فالإنابةُ: الرُّجُوعُ إلى الخَيرِ، ولا يكونُ الرُّجُوعُ إلى الشَّرِّ إنابةً، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} [الزمر: ٥٤] أي: عُودُوا إلى ما يَرْضَى به عنكُم من التَّوبةِ.

  37. وأمّا قولُهُ: "اللَّهُمَّ لكَ أسلمتُ" فمعناهُ: اسْتَسلمتُ لحُكمِكَ وأمرِكَ، وسلَّمتُ، ورَضِيتُ، وآمنتُ، وصدَّقتُ، واسْتَيقنتُ، والله أعلمُ. وقد مَضَى معنى الإسلام والإيمانِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سالِم، والحمدُ لله.

  38. ورَوى هذا الحديثَ سُفيانُ بن عُيينةَ، عن سُليمانَ الأحولِ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَهُ (١) .

    vol. 8, p. 42
  39. وطاووسٌ يُكْنَى أبا عبدِ الرَّحمنِ، وهُو من جُلَّةِ التّابِعينَ دينًا، وورعًا، وفَضْلًا، وعِلمًا، وهُو: طاووسُ بن كَيْسانَ، ويُقالُ: طاووسُ بن أبي حَنِيفةَ، مولى بَحِير (٢) بن رَيْسانَ الحِميريِّ اليمانيِّ، يُقالُ: إنَّهُ لم يَنفرِدْ أحدٌ بابنِ عبّاسٍ من أصحابِهِ، غيرُ طاووس، كان لهُ منهُ مجلِسٌ خاصٌّ، وكان يُواظِبُ مَجْلسَهُ مع العامّةِ، وماتَ طاووسُ بمكّةَ قبلَ التَّرويةِ بيوم، سنةَ سِتٍّ ومئةٍ وهُو ابنُ بضع وتِسعينَ سنةً، وصلَّى عليه هشامُ بن عبدِ الملكِ، وهُو خليفةٌ، كان حجَّ في ذلكَ العام.

  40. حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ الدِّينوريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يوسُف الهرويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن المُعلَّى الأسديُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن يزيد، يُعرفُ بابنِ أبي طَلْحةَ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بن ربيعةَ، عن ابن شَوْذب، قال: شَهِدتُ جِنازةَ طاووس بمكّةَ سنةَ سِتٍّ ومئةٍ، فسَمِعتُهُم يقولون: يرحمُ الله أبا عبدِ الرَّحمنِ، حَجَّ أربعينَ حَجَّةً (٣) .