الحديث الثالث

5 paragraphs · vol. 6, p. 712

  1. «أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أُتِي بِجنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَل عَلَى صَاحبكُم من دين؟ فَقَالُوا: نعم دِينَارَانِ. فَقَالَ أَبُو قَتَادَة: هما عليَّ يَا رَسُول الله. قَالَ: فَصَلى عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -» .

    vol. 6, p. 712
  2. هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذْ أُتِي بِجنَازَة فَقَالُوا: صل عَلَيْهَا، فَقَالَ: عَلَيْهِ دين؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هَل ترك شَيْئا؟ قَالُوا: لَا. فَصَلى عَلَيْهِ. ثمَّ أُتِي بِجنَازَة أُخْرَى فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، صل عَلَيْهَا. قَالَ: هَل عَلَيْهِ دين؟ قيل: نعم. قَالَ: هَل ترك شَيْئا؟ قَالُوا: ثَلَاثَة

    vol. 6, p. 713دَنَانِير. فَصَلى عَلَيْهَا، ثمَّ أُتِي بثالثة فَقَالُوا: صل عَلَيْهَا. قَالَ: هَل ترك شَيْئا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هَل عَلَيْهِ دين؟ قَالُوا: ثَلَاثَة دَنَانِير. قَالَ: صلوا عَلَى صَاحبكُم. قَالَ: أَبُو قَتَادَة: صل عَلَيْهِ يَا رَسُول الله وعليَّ دينه. فَصَلى عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْجِنَازَة الأولَى بعد قَوْله «ثَلَاثَة دَنَانِير قَالَ: (ثَلَاث) كيات» .

  3. وَأخرجه أَحْمد و (أَبُو) دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث جَابر، وَفِيه أَن الدَّين كَانَ (دينارين) وَفِي رِوَايَة أَحْمد: «فَلَمَّا فتح الله - عَزَّ وجَلَّ - عَلَى رَسُوله، قَالَ: أَنا أولَى بِكُل مُؤمن من نَفسه؛ من ترك دينا فعليَّ، وَمن ترك مَالا فلورثته» وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي قَتَادَة بِدُونِ تعْيين قدر الدَّين. وَأخرجه أَحْمد وَابْن مَاجَه من حَدِيثه أَيْضا

    vol. 6, p. 714بِتَعْيِين مِقْدَاره، وَهُوَ تِسْعَة عشر أَو ثَمَانِيَة عشر درهما وَفِيه: «أَن الْمَيِّت رجل من الْأَنْصَار» . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ: «سَبْعَة عشر» بدل «تِسْعَة عشر» ولعلها تصحيفًا. وَفِي رِوَايَتَيْنِ لَهُ من هَذَا الْوَجْه «أَن الدَّين كَانَ دينارين» .

  4. وأخرجها أَحْمد أَيْضا، وَأخرج رِوَايَة ثَالِثَة وَهِي الْجَزْم بِكَوْنِهِ «ثَمَانِيَة عشر درهما» وَفِي (ثِقَات ابْن حبَان) عبد الْملك بن رَاشد قَالَ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة يَقُول: «توفّي رجل عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأتي بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ليُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَل ترك عَلَيْهِ دينا؟ قَالُوا: نعم، ترك دينارين. فَقَالَ: صلوا عَلَى صَاحبكُم. فَقَالَ رجل من الْقَوْم: أَنا أقضيها عَنهُ يَا رَسُول الله. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ: قَضَاء غير بَقَاء؟ فَقَالَ الرجل: نعم. فَصَلى عَلَيْهِ» . رَوَى عَنهُ بَقِيَّة بن الْوَلِيد، وَقَالَ بَقِيَّة: «غير بَقَاء (غير) مطل» .

    قَالَ الرَّافِعِيّ: وَجَاء فِي رِوَايَة أَن عليًّا لما قَضَى (عَنهُ) دينه (قَالَ) : «الْآن برَّدت عَلَيْهِ جلده» .

    قلت: هَذَا غَرِيب، وَالْمَعْرُوف أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ ذَلِكَ

    vol. 6, p. 715لأبي قَتَادَة. كَذَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» من حَدِيث جَابر رَضي اللهُ عَنهُ، وَقَالَ الْحَاكِم: إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ «قَبره» بدل «جلده» . وَالْمُصَنّف تبع الْغَزالِيّ؛ فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي الْوَصَايَا من «وسيطه» وَنبهَ النَّوَوِيّ فِي «تهذيبه» عَلَى أَنه من أَوْهَامه وَأَن صَوَابه «قَالَ لأبي قَتَادَة» كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَالْحَاكِم فِي حَدِيث جَابر هَذَا «فَجعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول لأبي قَتَادَة: هما عَلَيْك وَفِي مَالك، وَالْمَيِّت مِنْهُمَا بَرِيء. فَقَالَ: نعم» . قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَنه لما ضمن أَبُو قَتَادَة الدينارين عَن الْمَيِّت قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ: هما عَلَيْك حق الْغَرِيم وَبرئ الْمَيِّت. قَالَ: نعم. فَصَلى عَلَيْهِ» .

    قلت: هَذِه الرِّوَايَة أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل قَالَ: قَالَ جَابر: «توفّي رجل فغسلناه وكفناه، ثمَّ أَتَيْنَا بِهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ليُصَلِّي عَلَيْهِ، فتخطى خطا ثمَّ قَالَ: هَل عَلَيْهِ دين؟ قَالُوا: نعم. قَالَ: فَانْصَرف، فتحملها أَبُو قَتَادَة، فأتيناه فَقَالَ أَبُو قَتَادَة: الديناران عليَّ. فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: حق الْغَرِيم وَبرئ مِنْهُمَا الْمَيِّت. قَالَ: نعم. فَصَلى عَلَيْهِ ... » ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث، وَفِي آخِره: «الْآن برَّدت عَلَيْهِ جلده - حِين ذكر أَنه قضاهما» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد أخبر عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ فِي هَذِه الراوية أَنه بِالْقضَاءِ برد عَلَيْهِ جلده.

    vol. 6, p. 716قَالَ الرَّافِعِيّ: وَقَوله: «حق الْغَرِيم ... » إِلَى آخِره إِن كَانَ حفظه ابْن عقيل؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا عني - وَالله أعلم - للْغَرِيم مطالبتك بهما وَحدك إِن شَاءَ، كَمَا لَو كَانَ لَهُ عَلَيْك حق من وَجه آخر، وَالْمَيِّت مِنْهُ بَرِيء كَانَ لَهُ مطالبتك بِهِ وَحدك إِن شَاءَ.

  5. فَائِدَة: قَوْله: «برَّدت عَلَيْهِ جلده» هُوَ بتَشْديد الرَّاء، قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْجَنَائِز من «خلاصته فِي الْأَحْكَام» : وَإِنَّمَا ضبطتها لِأَن بعض المصنفين غلط فِي ضَبطهَا. قَالَ الرَّافِعِيّ: ثمَّ نقل الْعلمَاء أَن هَذَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام لم يكن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُصَلِّي عَلَى من لم (يخلف) وَفَاء (من) المديونين؛ لِأَن صلَاته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ شَفَاعَة مُوجبَة للمغفرة، وَلم يكن حِينَئِذٍ فِي المَال سَعَة، فَلَمَّا فتح الله - عَزَّ وجَلَّ - الْفتُوح قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ: «أَنا أولَى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم» وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضحا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة.