المطلب الأول: الخبر المقبول
214 paragraphs · vol. 1, p. 43
Page 5 of 6
- vol. 1, p. 68
أ- ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر. فقد احتفَّت به قرائن، منها:
١- جلالتهما في هذا الشأن.
-
٢- تقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما.
-
٣-تلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر.
-
ب- المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة كلها من ضعف الرواة والعلل.
- vol. 1, p. 69
جـ- الخبر المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبا: كالحديث الذي يرويه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي، ويرويه الإمام الشافعي عن الإمام مالك، ويشارك الإمام أحمد غيره في الرواية عن الإمام الشافعي، ويشارك الإمام الشافعي كذلك غيره في الرواية عن الإمام مالك.
- ٣- حكمه:
-
هو أرجح من أي خبر مقبول من أخبار الآحاد، فلو تعارض الخبر المحتفُّ بالقرائن مع غيره من الأخبار المقبولة، قدم الخبر المحتفُّ بالقرائن.
- vol. 1, p. 70
المقصد الثاني: تقسيم الخبر المقبول إلى معمول به، وغير معمول به
ينقسم الخبر المقبول إلى قسمين: معمول به، وغير معمول به، وينبثق عن ذلك نوعان من أنواع علوم الحديث، وهما: "المحكم ومختلف الحديث" ، و "الناسخ والمنسوخ" .
-
١- المحكَم، ومختلِف الحديث:
- ١- تعريف المحكم:
-
أ- لغة: هو اسم مفعول، من "أحكم" بمعنى أتقن.
-
ب- اصطلاحا: هو الحديث المقبول الذي سلم من معارضة مثله١. وأكثر الأحاديث من هذا النوع، وأما الأحاديث المتعارضة المختلفة فهي قليلة جدا بالنسبة لمجموع الأحاديث.
- ٢- تعريف مختلِف الحديث:
-
أ- لغة: هو اسم فاعل، من "الاختلاف" ضد الاتفاق. والمراد بمختلف الحديث: الأحاديث التي تصلنا،
vol. 1, p. 71ويخالف بعضها بعضا في المعنى، أي يتضادان في المعنى.
-
ب- اصطلاحا: هو الحديث المقبول المعارض بمثله، مع إمكان الجمع بينهما١.
-
أي هو الحديث الصحيح، أو الحسن الذي يجيء حديث آخر مثله في المرتبة والقوة، ويناقضه في المعنى ظاهرا، ويمكن لأولي العلم والفهم الثاقب أن يجمعوا بين مدلوليهما بشكل مقبول.
- ٣- مثال المختلف:
-
أ- حديث: "لا عدوي ولا طيرة ... " ٢ الذي رواه مسلم، مع
ب- حديث "فر من المجذوم٣ فرارك من الأسد" اللذين رواهما البخاري٤.
-
فهذا حديثان صحيحان، ظاهرهما التعارض؛ لأن الأول ينفي العدوى، والثاني يثبتها. وقد جمع العلماء بينهما، ووفقوا بين معناها على وجوه متعددة، أذكر هنا ما اختاره الحافظ ابن حجر، ومفاده ما يلي:
- ٤- كيفية الجمع بينهما:
-
وكيفية الجمع بين هذين الحديثين، أن يقال: إن العدوى منفية وغير ثابتة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يعدي شيء شيئا" ١ وقوله لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون بين الأبل الصحيحة، فيخالطها، فتجرب: "فمن أعدى الأول؟ " ٢ يعني: أن الله تعالى ابتدأ ذلك المرض في الثاني، كما ابتدأه في الأول. وأما الأمر بالفرار من المجذوم، فمن باب سد الذرائع؛ أي لئلا يتفق للشخص الذي يخالط ذلك المجذوم حصول شيء له من ذلك المرض بتقدير الله تعالى ابتداء، لا بالعدوى المنفية. فيظن أن ذلك كان بسبب مخالطته له، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الإثم، فأمر بتجنب المجذوم؛ دفعا للوقوع في هذا الاعتقاد الذي يسبب الوقوع في الإثم.
-
٥- ماذا يجب على من وجد حديثين متعارضين مقبولين؟
- عليه أن يتبع المراحل الآتية:
-
أ- إذا أمكن الجمع بينهما: تعين الجمع، ووجب العمل بهما.
- ب- إذا لم يمكن الجمع بوجه من الوجوه:
-
١- فإن علم أحدهما ناسخا: قدمناه، وعملنا به، وتركنا المنسوخ.
- vol. 1, p. 73
٢- وإن لم يعلم ذلك: رجحنا أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح التي تبلغ خمسين وجها أو أكثر، ثم عملنا بالراجح.
-
٣- وإن لم يترجح أحدهما على الآخر -وهو نادر- توقفنا عن العمل بهما حتى يظهر لنا مرجح.
- ٦- أهميته ومن يَكمُلُ له:
-
هذا العلم من أهم علوم الحديث؛ إذ يضطر إلى معرفته جميع العلماء، وإنما يكمل له ويمهر فيه الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة، وهؤلاء هم الذين لا يشكل عليهم منه إلا النادر.
-
وتعارض الأدلة قد شغل العلماء، وفيه ظهرت موهبتهم ودقة فهمهم، وحسن اختيارهم. كما زلت فيه أقدام من خاض غماره من بعض المتطفلين على موائد العلماء.
- ٧- أشهر المصنفات فيه:
-
أ- اختلاف الحديث: للإمام الشافعي، وهو أول من تكلم وصنف فيه.
-
ب- تأويل مختلف الحديث: لابن قتيبة الدينوري.
-
ج- مشكل الآثار: للطحاوي، أبي جعفر أحمد بن سلامة.
- vol. 1, p. 74
٢- ناسخ الحديث ومنسوخه:
- ١- تعريف النسخ:
-
أ- لغة: له معنيان: الإزالة. ومنه: نسخت الشمس الظل. أي أزالته.
-
والنقل، ومنه: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه. فكأن الناسخ قد أزال المنسوخ، أو نقله إلى حكم آخر.
-
ب- اصطلاحا: رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر١.