المطلب الثاني: الخبر المردود

584 paragraphs · vol. 1, p. 76

Page 4 of 15

  1. أ- لغة: هو اسم فاعل من "الانقطاع" ضد الاتصال.

    vol. 1, p. 94
  2. ب- اصطلاحا: ما لم يتصل إسناده، على أي وجه كان انقطاعه١.

  3. ٢- شرح التعريف:
  4. يعني أن كل إسناد انقطع من أي مكان كان؛ سواء كان الانقطاع من أول الإسناد، أو من آخره، أو من وسطه، فيدخل فيه -على هذا- المرسل والمعلق والمعضل، لكن علماء المصطلح المتأخرين خصوا المنقطع بما لم تنطبق عليه صورة المرسل، أو المعلق، أو المعضل، وكذلك كان استعمال المتقدمين، في الغالب. ولذلك قال النووي: "وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن الصحابي، كمالك عن ابن عمر" ٢.

  5. ٣- المنقطع عند المتأخرين من أهل الحديث:
  6. هو ما لم يتصل إسناده، مما لا يشمله اسم المرسل، أو المعلق، أو المعضل. فكأن المنقطع اسم عام لكل انقطاع في

    vol. 1, p. 95السند، ما عدا صورًا ثلاثًا من صور الانقطاع، وهي: حذف أو الإسناد، أو حذف آخره، أو حذف اثنين متواليين من أي مكان كان، وهذا هو الذي مشى عليه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها١.

  7. ثم إنه قد يكون الانقطاع في مكان واحد من الإسناد، وقد يكون في أكثر من مكان واحد، كأن يكون الانقطاع في مكانين أو ثلاثة مثلا.

  8. ٤- مثاله:
  9. ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة مرفوعا: "إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين" ٢.

  10. فقد سقط من هذا الإسناد رجل من وسطه، وهو "شريك" سقط من بين الثوري وأبي إسحاق؛ إذ إن الثوري لم يسمع الحديث من أبي إسحاق مباشرة، وإنما سمعه من شريك، وشريك سمعه من أبي إسحاق.

  11. فهذا الانقطاع لا ينطبق عليه اسم المرسل، ولا المعلق، ولا المعضل، فهو منقطع.

  12. ٥- حكمه:
  13. المنقطع ضعيف بإجماع العلماء لفقده شرطا من شروط القبول، وهو اتصال السند، وللجهل بحال الراوي المحذوف.

  14. ب- أنواع السقط الخفي:

    ١- المدلَّس:

    vol. 1, p. 96
  15. ١- تعريف التدليس:
  16. أ- لغةً: المدلس: اسم مفعول، من "التدليس" والتدليس في اللغة: كتمان عيب السلعة عن المشتري، وأصل التدليس مشتق من "الدلس" وهو الظلمة، أو اختلاط الظلام، كما في القاموس١؛ فكأن المدلس لتغطيته على الواقف على الحديث أظلم أمره، فصار الحديث مدلسا.

  17. ب- اصطلاحا: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره٢.

  18. ٢- شرح التعريف:
  19. أي أن يستر المدلِّس العيب الذي في الإسناد، وهو الانقطاع في السند، فيسقط المدلِّس شيخه، ويروي عن شيخ شيخه ويحتال في إخفاء هذا الإسقاط، ويحسن ظاهر الإسناد بأن يوهم الذي يراه بأنه متصل، لا سقط فيه.

  20. ٣- أقسام التدليس:
  21. للتدليس قسمان رئيسيان هما: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.

  22. ٤- تدليس الإسناد:
  23. لقد عرف علماء الحديث هذا النوع من التدليس بتعريفات مختلفة، وسأختار أصحها وأدقها -في نظري- وهو تعريف الإمامين أبي بكر أحمد بن عمرو البزار، وأبي الحسن بن القطان. وهذا التعريف هو:

    أ- تعريفه: أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه١.

  24. ب- شرح التعريف: ومعنى هذا التعريف أن تدليس الإسناد: أن يروي الراوي عن شيخ قد سمع منه بعض الأحاديث، لكن هذا الحديث الذي دلسه لم يسمعه منه، وإنما سمعه من شيخ آخر عنه، فيسقط ذلك الشيخ، ويرويه عن الشيخ الأول بلفظ محتمل للسماع وغيره، كـ "قال" أو "عن" ليوهم غيره أنه سمعه منه. لكن لا يصرح بأنه سمع منه هذا الحديث، فلا يقول: "سمعت" أو "حدثني" حتى لا يصير كذابا بذلك، ثم قد يكون الذي أسقطه واحدًا أو أكثر.

  25. ج- الفرق بينه وبين الإرسال الخفي: قال أبو الحسن بن القطان بعد ذكره للتعريف السابق: "والفرق بينه وبين الإرسال هو: أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه" .

  26. وإيضاح ذلك: أن كلا من المدلِّس والمرسِل إرسالا خفيا يروي عن شيخ شيئا لم يسمعه منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره، لكن المدلس قد سمع من ذلك الشيخ أحاديث غير التي دلسها، على حين أن المرسل إرسالا خفيا لم يسمع من ذلك الشيخ أبدًا، لا الأحاديث التي أرسلها ولا غيرها، لكنه عاصره أو لقيه.

    vol. 1, p. 98
  27. د- مثاله: ما أخرجه الحاكم١، بسنده إلى علي بن خشرم قال: "قال لنا ابن عيينة: عن الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري. حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري" ففي هذا المثال أسقط ابن عيينة اثنين بينه وبين الزهري.

  28. ٥- تدليس التسوية:
  29. هذا النوع من التدليس هو في الحقيقة نوع من أنواع تدليس الإسناد.

  30. أ- تعريفه: هو رواية الراوي عن شيخه، ثم إسقاط راوٍ ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر. وصورة ذلك: أن يروي الراوي حديثا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف، عن ثقة، ويكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة

    vol. 1, p. 99الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل، فيسوي الإسناد كله ثقات.

  31. وهذا النوع من التدليس شر أنواع التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة. وفيه غرر شديد.

  32. ب- أشهر من كان يفعله، هما:
  33. ١- بقية بن الوليد. قال أبو مسهر: "أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية" ١.

  34. ٢- الوليد بن مسلم.

  35. ج- مثاله:
  36. ما رواه ابن أبي حاتم في "العلل" قال: "سمعت أبي -وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية قال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع، عن ابن عمر، حديث: " لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه"- قال أبي: هذا الحديث له أمر قل من يفهمه. روى هذا الحديث

    عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع،

    ثقة ضعيف ثقة

    vol. 1, p. 100عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعبيد الله بن عمرو، كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد كي لا يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة لا يهتدى له"١.

  37. ٦- تدليس الشيوخ:
  38. أ- تعريفه: هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف٢.

  39. ٧- شرح التعريف:
  40. أي أن يروي الراوي المدلس عن شيخ حديثا سمعه منه، يعني لا يوجد إسقاط ولا حذف في تدليس الشيوخ، لكن يوجد تمويه وتغطية لاسم الشيخ، أو كنيته، أو نسبته، أو صفته.