- ذكر إسناده عن علقمة بن مرثد

164 paragraphs · vol. 1, p. 326

Page 2 of 5

  1. - حديث السخي

    وبه (عن علقمة، عن ابن بريدة، عن أبيه؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم) أي مرفوعاً

    vol. 1, p. 345(قال) أي بريدة (أتى رجل) أي جاءه صلى الله عليه وسلم (فاستحمله) أي طلب منه ما يحمله من دابة (فقال: "ما عندي ما أحملك عليه) ما الأولى نافية، والثانية موصولة، أو موصوفة (ولكن سأدلك على من يحملك) أي لأنه ذو جود، وهو في الكرم مشهور (انطلق إلى مقبرة بني فلان) بفتح الباء، وتضم أي محل قبورهم، وفناء دورهم (فإن فيها شاباً من الأنصار يترامى) أي يتغالب في باب الرمي (مع أصحاب له) أي من الرماة (ومعه بعير له) أي عنده، أو في تصرفه (فاستحمله) بصيغة الأمر، على سبيل الاستدعاء (فإنه سيحملك) أي لما فيه من شيم الكرم (فانطلق الرجل) أي فذهب إلى المقبرة المعروفة (فإذا) للمفاجأة (به) أي بذلك الشاب (يترامى مع أصحاب له؛ فقص عليه الرجل قول النبي صلى الله عليه وسلم، ففرح به) غاية الفرح، حيث شهد له صلى الله عليه وسلم بالجود، والكرم. (فاستحلفه بالله، قال: هذا) أي القول (رسول الله صلى الله عليه وسلم) اطمئناناً لقلبه (فحلف له مرتين أو ثلاثاً) زيادة لمطلوبه من إفادة مرغوبه (ثم حمله) أي علي بعيره (فمر به) أي بالمحمول (إلى النبي صلى الله عليه وسلم) أي عليه (قال) أي الراوي (فأخبره) أي الرجل للنبي (الخبر) أي خير عطائه (فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنطَلِقْ فإِنَّ الدَّالَ على الخَيْرِ كفاعِلِهِ) وقد روى البزار عن ابن مسعود والطبراني، عن سهل بن سعد، عن أبي مسعود مرفوعاً: الدال على الخير كفاعله.

    vol. 1, p. 344
  2. وزاد أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، وأيضاً عن بريدة، وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، عن أنس: إن الله يحب إغاثة اللهفان، أي المكروب.

    vol. 1, p. 346
  3. (وفي رواية) أي أخرى لأبي حنيفة (أن رجلاً جاءه) أي جاء النبي صلى الله عليه وسلم (يستحمله، فقال: والله أقسم) تأكيداً (ما عندي من شيء) زيد من للاستغراق (أحملك عليه، ولكن انطلق إلى مقبرة بني فلان فإنك ستجد ثم) بفتح المثلثة، وتشديد الميم، هنالك (شاباً من الأنصار يترامى مع أصحاب له، فاستحمله، فإنه سيحملك، فانطلق الرجل حتى أتى المقبرة التي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي أخبره بها (فقص) أي الرجل (عليه) أي على الأنصاري (القصة) أي المذكورة بتمامها (فاستحلفه، فقال: ) أي الرجل (والله الذي لا إله إلا هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليك) أي لأن أستحملك (فأعطاه بعيراً له، فانطلق به الرجل، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له) رسول الله صلى الله عليه وسلم (انطَلِقْ، فإِنَّ الدَّالَ على الخَيْر كَفَاعِلِهِ) والمقصود من تكرار الإسناد في المتن، فإن كان مؤداهما واحداً، تقوية الحديث، وتأكيد ثبوته.

  4. وبه (عن علقمة مرسلاً، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحاجُّ مغْفُورٌ لَهُ" ) أي من

    vol. 1, p. 347الصغائر، وفي تحت مشيئته الكبائر، إلا ما يمكن تداركه هنالك من قضاء صلاة وصوم ورد مظالم ونحو ذلك (ولمن استغفر) أي الحاج له (إلى انسلاخ المحرم) أي إلى فراغ شهر محرم الحرام، فإنه كان أبعد مسافة من مكة، في تلك الأيام.

  5. وقد روى أحمد في مسنده مرفوعاً: إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه وأمره أن يستغفر له قبل أن يبيته، فإنه مغفور له.

  6. وروى الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي أمامة مرفوعاً الحاج في ضمان الله تعالى، مقبلاً ومدبراً. وروى البيهقي عن أنس مرفوعاً: الحاج والعمار وفد الله تعالى، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم ويخلف عليهم ما أنفقوا الدرهم ألف ألف.

  7. وزاد في رواية: والذي بعثني بالحق، الدرهم الواحد منها، أثقل من جبلكم هذا، وأشار إلى أبي قبيس.

  8. - حديث الرجم

    وبه (عن علقمة، عن أبي بريدة، عن أبيه، أن ماعز بن مالك) وهو الأسلمي، معدود في الكوفيين، وهو الذي رجمه النبي صلى الله عليه وسلم.

  9. وروى عنه عبد الله حديثاً واحداً، كذا ذكره صاحب المشكاة في أسماء رجاله (أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الآخر) أي المتأخر عن الخير، وفي معناه الأبعد، كما في رواية: وهو كناية عن نفسه بوصف ذمه لارتكاب (جرمه قد زنى، فأقم عليه الحد، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه الثانية) أي في يوم أو في غده (فقال

    vol. 1, p. 348له مثل ذلك) أي من الإقرار، والرد، كما فعل هنالك (ثم أتاه الثالثة والرابعة فقال: إن الآخر قد زنى، فأقم عليه الحد، فسأل عنه) أي عن حاله (أصحابه) أي أصحابه المخصوصين به العارفين بكسبه (هل تنكرون من عقله) أي شيئاً من حاله، فيكون مجنوناً، مخبوطاً أو معتوهاً (قالوا: لا، قال: انطلقوا به فارجموا) وذلك لأنه كان محصناً.

  10. (قال) : أي الراوي (فانطلق به) بصيغة المجهول (فرجم بالحجارة) لكن ذلك المقام قليل الحجارة، فأتم له الرجم وحصل له زيادة الغم (فلما أبطأ عليه القتل) أي الموت بالرجم (انصرف) أي عن ذلك المكان (إلى مكان كثير الحجارة) تهويناً عليه وتسهيلاً لمن حضر لديه في رجمهم إليه، فقام فيه إتمام رجمه (فأتاه المسلمون) أي فتبعوه (فرجموه بالحجارة حتى قتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلا خليتم سبيله) أي هلا تركتم رجمه حين انصرف من محله، فيه إشعار بأنه لو رجع عن إقراره قبل الجلد، أو بعد ما أقيم عليه بعض حده، سقط، كما هو مذهبنا، وهو المسطور في كتب الشافعية.

  11. وعن أحمد كقوله: وعن مالك في قبول رجوعه روايتان، وعدم قبوله هو قول ابن أبي ليلى.

  12. ولنا أن الرجوع خبر يحتمله الصدق، وليس أحد يكذبه فيه، فيستحق به الشبهة في الإقرار السابق عليه، فيندرىء بالشبهة، لأنه أرجح من الإقرار السابق.

  13. هذا ويستحب للإمام أن يلقن المقر الرجوع لقوله عليه الصلاة والسلام لماعز: لعلك مسستها، لعلك قبلتها.

    vol. 1, p. 349
  14. وعند البخاري: لعلك قبلت أو غمزت، أو نظرت، (فاختلف الناس فيه) ، أي في حقه من جهة قدحه ومدحه، (فقال قائل: هذا ماعز أهلك نفسه) أي تسبب لهلاك نفسه بعدم ستره في ما وقع له من أمره (وقال قائل:) أي منهم النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية (أنا أرجو أن يكون) أي ما فعل في حقه (توبة) أي عظيمة مقبولة (لو تابها) أي لو تاب مثل هذه التوبة (فئام) بكسر الفاء فهمزة، وقد يبدل ياء أي جماعات (من الناس يقبل منهم) بصيغة المجهول. (فلما بلغ ذلك) الكلام الصادر عنه عليه الصلاة والسلام (قومه وطعموا فيه) أي في حقه من الثواب (فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم ما يصنع بجسده) بصيغة المجهول، أو بالمتكلم، مع الغير معروفاً، قال اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم من الكفن) أي من التكفين (والصلاة عليه) أي بعد غسله (والدفن) في قبور المسلمين (قال: فانطلق به أصحابه) أي قومه كما في رواية (فصلوا) وفي صحيح البخاري من حديث جابر، في أمر ماعز، قال: ثم أمر به فرجم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيراً، وصلى عليه، ورواه الترمذي، وقال هذا حسن صحيح، ورواه غير واحد منهم أبو داود، وصححوه.

  15. وأما ما رواه أبو داود من حديث أبي برزة الأسلمي، أنه عليه الصلاة والسلام لم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه، ففيه مجاهيل، نعم، حديث جابر في الصحيحين في ماعز، وقال له خيراً، ولم يصل عليه معارض صريح في صلاته عليه، ولكن المثبت أولى من النافي.

  16. وأما صلاته عليه الصلاة والسلام على الغامدية، فأخرجه الستة، إلا البخاري من عمران بن الحصين، أن امرأة من جهينة، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً، فأقمه علي، الحديث بطوله، إلى أن قال: ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: أتصلي عليها يا نبي الله، وقد زنت، فقال: لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جاءت إليه بنفسها.

    vol. 1, p. 350
  17. (وفي رواية) أي لأبي حنيفة (قال) أي بريدة (أتى ماعز بن مالك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقر بالزنا فرده، ثم عاد فأقر بالزنا، فرده، ثم عاد فأقر بالزنا، فرده، ثم عاد الرابعة) أي في المرة الرابعة (فسأل النبي صلى الله عليه وسلم) أي أصحابه عن حاله (هل تنكرون من عقله شيئاً) أي من خلله، (قالوا: لا، قال: فأمر به) أي أن يرجم (فرجم موضع قليل من الحجارة، قال) أي الراوي (فأبطأ عليه الموت، فانطلق يسعى) أي يسرع (إلى موضع كثير الحجارة، واتبعه) بتشديد التاء، أي تبعه ولحقه (الناس، فرجموه حتى قتلوه، ثم ذكروا شأنه) أي حاله وما صنع من ذهابه (لرسول الله صلى الله عليه وسلم) متعلق بذكروا (فقال: لولا خليتم سبيله، قال: فاستأذن قومٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم في دفنه والصلاة عليه) أي بعد غسله، والواو لمجرد الجمعية (فأذن لهم في

    vol. 1, p. 351ذلك، قال) أي الراوي (وقال عليه الصلاة والسلام: لقد تَابَ) أي ماعز (توبة لو تابها فِئام مِنَ النَّاسِ قُبِلَ مِنْهُمْ) .

  18. (وفي رواية: قال) : أي الراوي، وهو بريدة (لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بماعز بن مالك أن يرجم، قام في موضع قليل الحجارة، فأبطأ عليه القتل فذهب به) أي بنفسه (مكاناً كثير الحجارة، واتبعه الناس) أي ورجموه (حتى رجموه) أي أتموا رجمه، يعني قتلوه (فبلغ ذلك) أي خبر ذهابه (النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألاَّ) بفتح الهمزة وتشديد اللام لغة في هلا (خليتم سبيله) ، واستدل به على إخراجه إلى أرض من فضاء.

  19. وفي الحديث الصحيح: فرجمناه، يعني ماعزاً، بالمصلى.

  20. وفي مسلم وأبي داود، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، وكأن المصلى كان به، لأن المراد به مصلى الجنازة، فيتفق الحديثان، وأما ما في الترمذي من قوله: فأمر به في الرابعة، فأخرج إلى الحرة، فرجم بالحجارة، فإن لم يتناول كمل على أنه اتبع حين هرب حتى أخرج إلى الحرة، وإلا فهو غلط، لأن الصحاح والحسان متظافرة على أنه صار إليها هارباً، لا أنه ذهب إليها ابتداء ليرجم بها، ولأن الرجم بين الجدران يوجب عدواً من بعض الناس للبعض للضيق.

  21. (وفي رواية: قال: لما هلك) أي مات (ماعز بن مالك بالرجم، اختلف

    vol. 1, p. 352الناس فيه) أي في ذمه ومدحه، (فقال قائل: هلك ماعز) أي بارتكاب ذنبه (وأهلك نفسه) بعدم ستره، (وقال قائل تاب) أي وله حسن مآب (فبلغ ذلك) أي ما ذكراه من نوعي الجواب (رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد تاب توبة لو تابها صاحب مكس) أي عشار ظالم متعد بالجور على الناس (لقبل منه، أو تابها فئام الناس لقبل منهم) وأو إما للشك الراوي، أو للتنويع المروي.

  22. (وفي رواية قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس) جملة حالية، وفائدة ذكرها التنبيه على تنبيه الراوي بالقضية (فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأقم الحد علي، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك أربع مرات كل ذلك) أي في كل المراتب، هنالك (يرده النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرض عنه) أي عن الحكم في حقه (فقال في الرابعة: أنكرتم) بهمزة الاستفهام، أو بتقديرها في الكلام (من عقل هذا شيئاً؟ قالوا: ما نعلم) أي ما نعرفه موصوفاً بحال (إلا عاقلاً، وما نعلم) أي في أفعاله (إلا خيراً: قال: فاذهبوا به فارجموه. قال: فذهبوا به فأتوا به في مكان قليل الحجارة، فلما أصابته الحجارة، جزع) ، أي حين أبطأ عليه الموت (قال) أي

    vol. 1, p. 353الراوي (فخرج) أي فذهب (يشتد) أي أسرع في المشي (حتى أتى الحرة) بفتح الحاء المهملة والراء المشددة، وهي موضع كثير الحجارة خارج المدينة (فثبت لهم) أي وقف لرجمهم قال: أي الراوي (فرموه بجلاميد بيدها) بفتح الجيم وجمع الجلمود، وهو الصخر كالجمة (حتى سكت) أي مات (قال) : أي الراوي (فقالوا) أي بعض أصحابه (يا رسول الله، ماعز حين أصابته الحجارة جزع فخرج يشتد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا خليتم سبيله" قال): أي الراوي (فاختلف الناس في أمره، فقالت طائفة: هلك ماعز) أي بالإصرار (وأهلك نفسه) أي بالإقرار، فذموه بعدم ستره على نفسه، أي بالإقرار، وأنه ممن قال تعالى فيه {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلى التّهْلُكَة} (١) فأخطأوا في اجتهادهم في شأنه (وقالت طائفة: بل تاب الى الله توبة) أي مقبولة (لو تابها فئام من الناس لقبل منهم) أي فأصابوه، ووافقهم عليه الصلاة والسلام في مقالهم (قالوا: يا رسول الله فما نصنع به) أي هل نصنع به ما نصنع بالكفار، بلفه في خرقة وستره في حفرة أو نصنع به ما نصنع بالأبرار، من تكفينه وغسله والصلاة عليه ودفنه في قبور المسلمين وإنما سألوه، لأنه كان أول قضية، (قال: اصنعوا به كما تصنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط) أي أنواع الطيب، والصلاة عليه والدفن، فإنه من التائبين.

  23. ولكون الزنا وغيره من الكبائر ما يخرج صاحبه من الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة من المبتدعة.

    vol. 1, p. 354
  24. وقد روي هذا الحديث بروايات مختلفة، أي وعبارات مؤتلفة نحو ما تقدم أي في معناه وإن اختلف مبناه منها ما أخرجه أبو داود وعبد الرزاق في مصنفه بعد قوله، فيعرض عنه، فأقبل في الخامسة، فقال: أنكتها، قال نعم، قال: حتى غاب ذلك منك إلى ذلك منها، قال نعم، كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البير، قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً مثل ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به، فرجم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه، حتى رجم رجم الكلب، فسكت عنهما، ثم ساره ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه، فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: نحن ذان يا رسول الله، فقال: أقبلا وكلا من جيفة الحمار، فقال: أو من يأكل من هذا يا رسول الله؟ قال: فما نلتما من عرض أخيكما أنفاً أشد من أكل منه والذي نفسي بيده، إنه الآن لفي أنهار الجنة يتغمس فيها، واستدل بهذا الحديث على استفسار المقر وكذا الشاهد عن الكيفية، ومنها ما أخرجه أبو داود، عن يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه، قال: كان ماعز بن مالك في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: إيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنعت، لعله أن يستغفر لك، فأتاه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأقم علي كتاب الله، فأعرض عنه، فعاد حتى قالها أربع مرات، فقال عليه الصلاة والسلام، إنك قد قلتها أربع مرات فيمن قال بفلانة؟، قال: هل ضاجعتها، قال: نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم، قال: هل باشرتها؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم فأخرج إلى الحرة، فلما وجد من الحجارة، خرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد عجز أصحابه، فنزع بوظيف بعير، فرماه به،

    vol. 1, p. 355فقتله، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فقال له: هلا تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه.

  25. ورواه عبد الرزاق في مصنفه، وقال فيه: فأمر به أن يرجم، فلم يقتل، حتى رماه عمر بن الخطاب بلحي بعير، فأصاب رأسه فقتله، واستدل به على استفسار المزنية، ثم اعلم أن الحكم قد اختلف في اشتراط تعدد الإقرار، فنفاه الحسن وحماد بن سليمان، ومالك والشافعي وأبو ثور.

  26. واستدل بحديث العسيف حيث قال عليه الصلاة والسلام: اغده يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، ولم يقل أربع مرات، ولأن الغامدية لم تقر أربعاً، وإنما ورد ماعز لأنه شك في أمره، فقال: أبك جنون؟. أين فلان وفلان

    - يرجم بعد إقرار أربع مرات

    وذهب كثير من العلماء إلى اشتراط الأربع، واختلفوا في اشتراط كونها في أربعة مجالس، أو مجلس، فقال به علماؤنا، ونفاه ابن أبي ليلى وأحمد فيما ذكر عنه، واكتفوا بالأربع في المجلس الواحد، وما في الصحيحين ظاهر فيه، وهو ما عن أبي هريرة، قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى بين ذلك أربع مرات، فلما أشهد على نفسه أربع شهادات، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال لا، قال: هل أحصنت؟ قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه فرجمنا بالمصلَّى فما أزلقته الحجارة، وهرب فأدركناه بالحرة، فرجمناه.

  27. قال ابن الهمام، فهذا ظاهر في أنه كان في مجلس واحد، قلت: نعم، هو أظهر منه في إفادة أنها في مجالس ما في صحيح مسلم عن بريدة أن ماعزاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فرده، ثم أتاه الثانية من الغد، فرده، ثم أرسل إلى قوم، هل تعلمون بعقله شيئاً، فقالوا: ما نعلمه إلاَّ وفي العقل من صالحنا، فأتاه الثالثة، فأرسل

    vol. 1, p. 356عليهم أيضاً، فسألهم، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله فلما كان الرابعة، حفر له حفيرة فرجمه.

  28. وأخرج أحمد وإسحاق بن راهويه في مسنديهما، وابن أبي شيبة، في مصنفه: حدثنا وكيع، عن اسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الرحمن بن ابزى، عن أبي بكر قال: أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم، فاعترف، وأنا عنده مرة، فرده، ثم جاء فاعترف عنده فرده، ثم جاء، فاعترف عنده، فرده، ثم جاء الثالثة، فرده، فقلت له، لو اعترفت الرابعة رجمك، قال: فاعترف الرابعة، فحبسه ثم سأل عنه فقالوا: لا نعلم إلا خيراً، فأمر به.

    قال ابن الهمام: فصرح بتعدد المجيء، وهو يستلزم غيبة، ونحن إنما قلنا أنه إذا تغيب، ثم عاد فهو مجلس آخر.

  29. وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: أنها جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الأبعد قد زنى، فقال له: ويلك، وما يدريك، وما الزنا، فأمر به، فطرد، فأخرج فقال: ثم أتاه الثانية، فقال مثل ذلك، فقال: أدخلت وخرجت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم فهذا وغيره مما يطول ذكره، ظاهره في تعدد المجالس، فوجب أن يحمل الحديث الأول عليها، وأن قوله، فتنحى تلقاء وجهه، معدود مع قوله الأول إقرار واحد، لأنه في مجلس واحد، وقوله حتى بين ذلك أربع مرات، أي في أربعة مجالس، فإنه لا ينافي ذلك.

  30. وقد دلت الأحاديث على تعدد المجالس، فيحمل عليه، وأما كون الكلام مع المكتفين بمرة واحدة فنقول: الغامدية لم تقر إلا مرة واحدة ممنوع، بل أقرت أربعة. يدل عليه ما عند أبي داود، والنسائي، فإنه كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون أن الغامدية، وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما، وإنما رجمهما بعد الرابعة، فهذا تصريح في إقرارها أربعاً، غاية ما في الباب أنه لم ينقل

    vol. 1, p. 357تفاصيلهما، والرواة كثيراً ما يحذفون بعض الصور الواقعة، على أنه روى البزار في مسنده، أنها أقرت أربع مرات، وهو يردها، ثم قال: اذهبي حتى تلدي، الحديث.

  31. غير أن فيه مجهولاً، تنجبر جهالته بما يشهد له من حديث أبي داود والنسائي، وأما كون رد ماعز أربعاً لاستربته في العقل، فإن سلم، لا يتوقف علم ذلك على الأربع، ومما يدل على ذلك، ترتيبه عليه السلام الحكم عليها، وهو مشعر بعليتها، وكذا الصحابة، فمن ذلك قوله في الحديث: هذا، لأنك قد قلتها أربعاً، فمبين، وهو حديث أخرجه أبو داود والنسائي، والإمام أحمد، عن يزيد بن نعيم ابن هزال عن أبيه قال، كان ماعز بن مالك في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال: أيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  32. وزاد فيه أحمد، قال هشام: فحدثني يزيد بن نعيم، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين رآه: والله يا هزال، لو كنت سترته بثوبك لكان خيراً لك مما صنعت به، ومن ذلك، في لفظ لأبي داود، عن ابن عباس: إنك شهدت على نفسك أربع مرات، وفي لفظ لابن أبي شيبة: أليس إنك قلتها أربع مرات؟

  33. - اختصار الراوي

    وتقدم من مسند أحمد، عن أبي بكر أنه قال بحضرته عليه الصلاة والسلام، إن اعترفت الرابعة رجمك، وأما كونه روى في الصحيح، رده مرتين أو ثلاثاً، فمن اختصار الراوي، ولا شك أنه أقر أربعاً، وأما قوله في الحديث العسيف، فإن اعترفت فارجمها، فمعناه الاعتراف في الزنا بناء على أنه كان معلوماً بين الصحابة، خصوصاً لمن كان قريباً من الخاصة.

  34. وأما حديث أبي بريدة في استفسار ماعز أنه رجمه بعد الخامسة، فتأويله أنه عدا حد الإقرار، فإن منها إقرارين في مجلس واحد، كما قدمناه في الجمع، فكانت خمساً.

  35. وأما ما روي أن الغامدية قالت له عليه الصلاة والسلام: أتردني كما رددت ماعزاً، والله إني لحبلى من الزنا، فليس فيه دليل لأحد، بل لما قالته، قال: أما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدته أتته بصبي في خرقة، قالت: هذا ولدته، قال فاذهبي فارضعيه حتى تفطميه، فأتت بالصبي في يده كسرة خبز، قالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر بها إلى صدرها، وأمر الناس أن يرجموها، فقتلها خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبه إياها، فقال: مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس، لغفر له.

    vol. 1, p. 358
  36. - على الرجم إجماع الصحابة

    ثم اعلم أن الرجم عليه إجماع الصحابة، ومن تقدم من علماء الأمة، وإنكار الخوارج الرجم، باطل، لأنهم أنكروا حجية إجماع الصحابة فجهل مركب بالدليلين، من هو إجماع قطعي، وإن أنكروا وقوعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواتراً، بمعنى كشجاعة على وجود حاتم، والآحاد في تفاصيل صورة خصوصياته.

  37. أما أصل الرجم فلا شك فيه، ولقد كوشف بهم عمر، وكاشف بهم حيث قال: حيث يطول بالناس زمان، حتى قال قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، أولاً، وأن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، رواه البخاري.

  38. وروى أبو داود أنه خطب، وقال: إن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا من بعده، وإني خشيت أن يطول بالناس فيقول قائل: لا نجد الرجم، الحديث، وقال لولا أن عمر زاد في كتاب الله، لثبتناها على حاشية المصحف.

  39. وحاصله، أن آية الرجم، وهي قوله تعالى: وَالْشَّيْخُ وَالْشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا ألبتَّة، {نَكَالاً مِنَ الله إنَّ الله عَزْيزٌ حَكِيم} (١) منسوخ المبنى محكم

    vol. 1, p. 359المعنى، وفي الحديث الصحيح عن ابن مسعود مرفوعاً: لا يحل دم امرءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الزنى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.

  40. وروى الترمذي عن عثمان: أنه أشرف عليهم يوم الدار، وقال: آنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، وارتداد بعد إسلام، وقتل نفس بغير حق، وقالوا: اللهم نعم، قال: فعلام تقتلوني، الحديث.