- ذكر إسناده عن الهيثم بن حبيب الصرفي
128 paragraphs · vol. 1, p. 398
Page 2 of 4
- vol. 1, p. 406
- جواز القراءة في الجهر
وبه: (عن الهيثم، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، أن أبا بكر وعمر
vol. 1, p. 407رضي الله تعالى عنهما سمرا) بفتح الميم، أي سمرا في أول الليل، وتحدثا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (ذات ليلة) أي ليلة من ليالي (قال) أي ابن مسعود، أو الرجل عنه (فخرجا) أي الشيخان (وخرج) أي النبي صلى الله عليه وسلم (معهما، فمروا) أي ثلاثتهم (بابن مسعود) فيه وضع الظاهر موضع الضمر، على أنه نوع التفات منه على الأول، فتأمل، (وهو يقرأ) ، أي والحال، أن ابن مسعود يقرأ القرآن في صلاة أو غيرها بصوت حسن، وأداء مستحسن.
-
وفي رواية ابن عبد الله: وافتتح بالنساء (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره) أي أعجبه (أن يقرأ القرآن كما أنزل) أي مرفَّلاً طرياً معدلاً، لا تغييراً ولا تبديلاً (فليقرأ) أي القرآن (على قراءة ابن أم عبد) يعني ابن مسعود، وفيه منقبة عظيمة في حضرة جماعة جسيمة، (وجعل) أي وشرع النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لهُ) أي لابن مسعود وهو غائب عنه (سل) أي اطلب (ما شئت تعطيه) بصيغة المجهول (فأتاه أبو بكر وعمر) أي بعد مفارقتهما صلى الله عليه وسلم، إما في آخر الليل، وإما في أول النهار (يبشرانه) أي يريدان بإتيانهما إليه أن يبشراه بما صدر عن صدر الأنبياء من مدح قراءته، وأمره بالدعاء وإجابته (فسبق أبو بكر أو عمر إليه) أي في النزول عليه، وفي الكلام لديه (فبشره) أي إجمالاً (وأخبره) أي تفصيلاً (أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالدعاء، فقال) أي ابن مسعود (في دعائه: اللهم إني أسألك إيماناً دائماً) أي مستمراً مستقراً (لا يزول) تفسير لما قبله، أو تأكيد له، وفي رواية: إيماناً لا يرتد، وهذا يدل على كمال خوفه من سوء الخاتمة. (ونعيماً لا تنفذ) بفتح الفاء، فدال المهملة، أي لا يفنى ولا يحول، وهذا يشير إلى كمال زهده في الدنيا، ورغبته في نعيم العقبى (ومرافقة نبيك في جنة الخلد)
- vol. 1, p. 408
وهذا يشير إلى علو همته، ورفعة مرتبته، حيث أراد قرب المولى بوسيلة المصطفى.
-
وفي رواية أبي عبد الله، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حزيم، وابن أبي داود، وابن الأنباري معاً، في المصحف وعبد الرزاق، وابن حبان، والدارقطني في الأفراد، وابن عساكر، وابن نعيم في الحلية، وأبي يعلى عن قيس ابن مروان أنه أتى عمر، فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركت بها رجلاً يملي المصاحف من ظهر قلبه، فغضب، وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شفتي الرجل، فقال: ومن هو ويحك؟ قلت: عبد الله بن مسعود، فقال: فما زال يطفأ ويسر عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك، والله ما أعلم بقي من الناس أحد هو أعلم بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في الأمر من أمر المسلمين، وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد " ثم جلس الرجل يدعو فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سل تعط، قلت: والله لأغدون إليه فلأبشرنه، فغدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه، فبشره والله ما سابقته إلى خير إلا سبقني إليه".
-
ورواه ابن عساكر، عن كميل، قال: قال عمر بن الخطاب: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر، ومن شاء الله، فمررنا بعبد الله بن مسعود وهو يصلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا الذي يقرأ؟ فقيل له: هذا عبد الله بن أم عبد، فقال: إن عبد الله يقرأ القرآن غضاً كما أنزل، فأثنى عبد الله على ربه وحمده كأحسن ما أثنى عبد على ربه، ثم سأله، فاحتجى المسألة، وسأله كأحسن مسألة سألها عبد ربه، ثم قال: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ويقيناً لا ينفد، ومرافقة محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين في جنات الخلد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سل تعطه، فانطلقت لأبشره، فوجدت أبا بكر قد سبقني، وكان سباقاً بالخير.
قال ابن عساكر: وهذا غريب، والمحفوظ عن عمر ما تقدم أول، واشتهر
vol. 1, p. 409كذا في الجامع الكبير، ولا مانع من الجمع بالحمل على تعدد القضاء، والله سبحانه أعلم.
-
(وفي رواية عن الهيثم، عن عبد الله) أي ابن مسعود، ولم يذكر رجلاً، فيحتمل أن الحديث موصُولاً من وجه، مقطوعاً من وجه آخر، فتدبر، وعلى كل تقدير، فهو معمول عندنا، (أن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما سمرا عند النبي صلى الله عليه وسلم) أي في ليلة المشاورة في قضية (فخرجا، وخرج معهما، فمروا بابن مسعود) أي في المسجد (وهو يقرأ القرآن في الصلاة) أي صلاة التهجد (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحَبَ أَنْ يَقْرأَ الْقُرآنَ غَضّاً" أي طرياً (كما أنزل) أي من غير تغير من لحن وغيره (فليقرأ على قراءة ابن أم عبد الله) يعني ابن مسعود (وجعل) أي النبي صلى الله عليه وسلم عند دعاء ابن مسعود بعد فراغ قراءته (يقول) أي في حقه (سل تُعْطه) شهادة له أن قراءته مقبولة، ودعوته مستجابة (وذكر) أي الهيثم (تمام الأول) أي بقية الحديث السابق كما تقدم والله أعلم.
-
- أكل الأرنب
وبه (عن الهيثم، عن موسى بن طَلْحَة) يكنى بأبي عيسى التيمي، القرشي، سمع جماعة من الصحابة، مات سنة أربع مائة (عن أبي الحوكية) بفتح مهملة، وسكون واو وكسر قاف، وتحتية مشددة، أحد أجلاء التابعين (عن عمر
vol. 1, p. 410رضي الله عنه، قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي جيء (بأرنب) بفتح الهمزة والنون، وهو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين، طويل الرجلين، وهو اسم جنس، يقع على الذكر والأنثى، فأمر أصحابه، فأكلوا، فيه تنبيه على أنه أتي مطبوخاً، وليس فيه ما يدل صريحاً على أنه عليه الصلاة والسلام ما أكله، لكن رواه أبو دواد في سننه من حديث خالد بن الحويرث، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأرنب: إنها تحيض، وخالد بن الحويرث قال ابن مسعود: لا أعرفه.
-
وذكره ابن حبان في الثقات، ولا يعرف له إلا هذا الحديث.
-
ويؤيده أنه روى البيهقي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جيء له بأرنب، فلم يأكلها، ولم ينه عنها، وزعم أنها تحيض، انتهى، والظاهر أن ضمير زعم، لابن عمر، فتدبر، ولو صح امتناعه عليه الصلاة والسلام عن أكله بمقتضى طبعه فحيث أمر أصحابه بأكله دل على أنه حلال في أصله (وقال للذي جاء بها: ما لك) أَيْ أَيُّ مانع لك حال كونك (لاتأكل منها) بمقتضى الطبع، أو لمانع من الشرع (قال: إني صائم، قال: وما صومك) أي فرض بقضاء، أو نذر، أو غيرهما (قال: تطوع) أي هو نافلة، وكان في غير الأيام الفاضلة، (قال: فهذا) أي اخترت (البيض) أي أيامها، باعتبار لياليها المقمرة، من الثلاث عشر والأربع عشر والخمسة عشر، وفيه ترغيب الأفضل والأكمل فتامل.
-
واعلم أن أكل الأرنب يحل عند العلماء كافة، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى، أنهما كرها أكلها، وحجة الجمهور ما رواه الجماعة، عن أنس، قال: أنفخنا أرنباً بمر الظهران، فسعى القوم عليها فغلبوا،
vol. 1, p. 411فأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذها، فقبله، زاد البخاري في كتاب الهبة، وأكل منه، ولفظ أبي داود: وكنت غلاماً خزوراً، بتشديد الزاء وتخفيفها، أي مرهقاً، فصدت أرنباً فشويتها، فبعث معي أبو طلحة بعجزها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سئل صلى الله عليه وسلم فقال: هي حلال.
-
وروى أحمد والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان عن محمد بن صفوان، أنه صاد أرنبين، فذبحهما بمروتين وأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره بأكلها.
-
واحتج ابن أبي ليلى، ومن وافقه، بما رواه الترمذي عن حبان بن جزء، عن أخيه خزيمة بن جزء، قال: قلت يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه. قال: قلت: ولم يا رسول الله؟ قال: إني أحسب أنها تدمى، قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في الضبع، قال: ومن يأكل الضبع؟ قال الترمذي: وإسناده ليس بالقوي، ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة.
-
وفي بعض الروايات، وسألته عن الذئب؟ فقال: لا يأكل الذئب أحد فيه خير، وليس في شيء من الأحاديث، وإن ضعفت، ما يدل على تحريم الأرنب، وغاية هذين الخبرين، استقذارها مع جواز أكلها.
-
وبه (عن الهيثم، عن عامر) أي شراحيل (الشعبي) بفتح فسكون، وهو الكوفي، أحد الأعلام ولد في خلافة عمر، روى عن خلق كثير، وعنه أمم، قال: أدركت خمسمائة من الصحابة، وقال: ما كتبت سواداً في البيضاء قط، ولا حدثت بحديث إلا حفظته، قال ابن عيينة: كان ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه.
وقال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة،
vol. 1, p. 412والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام، مات سنة أربع ومائة، وله اثنتان وثمان سنة.
-
(قال) أي الهيثم (كان) أي الشعبي (يحدث عن المغازي) أي غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وما يتعلق بها من سراياه، وما يجري مجراه (وابن عمر يسمعه قال) أي عمر (حين سمع حديثه) أي حديث الشعبي في المغازي (إنه) أي الشعبي، أو الشأن (يحدث) أي الشعبي (كأنه شهد القوم) أي حضر مع الذين كانوا في تلك الغزوات وشاهدوا تلك الحركات والسكنات.
-
وبه (عن الهيثم، عن أم ثور، إحدى التابعيات، عن ابن عباس، أنه قال: لا بأس أن تصل المرأة شعرها بالصوف) أي ونحوه من الحرير، والكتان وأمثالهما (إنما نهى) أي وصلها إياه (بالشعر فإنه من باب الغش) ، وروى من غشنا فليس منا.
-
(وفي رواية) أي لها عنه (لا بأس بالوصل) أي بوصل الشعر (إذا كان) أي الموصول به (شعر بالرأس) أي بشعره، فعموم حديث: لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، على ما رواه أحمد، وأصحاب الكتب الستة عن ابن عمر، تكون مخصوصاً بهذا.
- vol. 1, p. 413
- أكبر بناته صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله عنها، وقيل رقية رضي الله عنها.
-
وبه (عن الهيثم عن) موسى (ابن كثير) أحد أكابر التابعين (أن عمر مر بعثمان رضي الله عنهما وهو) أي والحال أن عثمان (حزين) أي آثار الحزن ظاهر عليه (قال: ما يحزنك) ؟ بضم الياء، فكسر الزاي، وبفتح الياء، وضم الزاي، أي شيء يوقعك في الحزن (قال: ألا أحزن) بفتح الهمزة والزاء، وهو لازم، أي لا أهتم (وقد انقطع الصهر) أي نعت التصاهر (بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي بحسب الظاهر (وذلك) أي القول (حدثان) بفتح الحاء والدال، ونصب النون، أي أوائل (ماتت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهي رقية ولدت سنة ثلاث وثلاثين من مولده عليه الصلاة والسلام.
-
وقد ذكر الزبير بن بكار، وغيره، أنها أكبر بناته عليه الصلاة والسلام، وصححه الجرجاني، والأصح الذي عليه الأكثرون، أن زينب أكبرهن (وكانت) أي رقية (تحته) أي في عصمة نكاح عثمان، فتوفيت، والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر.
-
وعن ابن عباس، لما أخبرني النبي عليه الصلاة والسلام برقية، قال: الحمد لله، دفن البنات من المكرمات، أخرجه الدولاني. (فقال له عمر: أزوجك حفصة ابنتي، فقال) : أي عثمان (له حتى أستأمر) أي أستأذن (رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه) أي جاء عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (فقال له) أي لعمر (رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل لك أن أدلك على صهر هو خير لك من عثمان، وأدل عثمان على صهر هو خير له منك، فقال) :
vol. 1, p. 414أي عمر (نعم، فقال: "زوجني حفصة، وأزوج عثمان ابنتي) أي أم كلثوم فقال: (نعم، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي كلا الأمرين.
-
وفي رواية أخرجها الخجندي، أنه لما توفيت رقية، خطب عثمان ابنة عمر، فرده، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمر، أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خير له منك، قال: نعم يا نبي الله، فقال: تزوجني ابنتك، وأزوج عثمان ابنتي، انتهى.
-
ولا يبعد أن يجمع بين الروايتين، أن عمر رده أولاً، ثم عرض عليه ثانياً، وكان تزويج عثمان بأم كلثوم سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة تسع منها، وبهما لقب عثمان بذي النورين.
-
وروي أنه عليه الصلاة والسلام، قال له: والذي نفسي بيده، لو أن عندي مائة بنت، يمتن واحدة بعد واحدة، لزوجتك أخرى، هذا جبرائيل أخبرني أن الله يأمرني أن أزوجكها. رواه الفضائلي.
-
- أداء النافلة بالجماعة
وبه (عن الهيثم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى برجل) أي إماماً له (فصلى) أي الرجل (خلفه) أي وراءه، ويحتمل أنه وقف عن يمينه
vol. 1, p. 415متأخراً، فتصرف عليه، وصلى وراءه (وامرأة) أي وصلت امرأة (خلف ذلك) أي الرجل، مراعاة لحق الصف، ولئلا تبطل صلاة الرجل، لو حاذته في صلاة مشتركة أداء، وتحريمه بشروط المذكورة في كتب الفقه (صلاتهم جماعة) جملة حالية، أو استئنافية.
-
والظاهر، أن هذه الصلاة، كانت نافلة، فدل على جوازها إذا لم تكن علانية، وهذا وقد أجمعوا على أن أقل الجمع الذي ينعقد به صلاة الجماعة في الفرض والنفل، غير الجمعة اثنان، إمام ومأموم قائم عن يمينه، إلا أن عند أحمد، إذا كان المأموم واحداً، ووقف عن يسار الإمام، فإنه صلاته تبطل.
-
ولعله استدل بما وقع لابن عباس في اقتدائه بالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة التهجد عند بيتوته في بيت ميمونة خالته أم المؤمنين، وقد وقف عن يساره عليه الصلاة والسلام، فأداره إلى يمينه الكريمة. والحديث رواه الشيخان وغيرهما.
-
- حديث القدر
وبه (عن الهيثم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجيء قوم يقولون: لا قدر) أي تقدير الله في الأشياء قبل خلقها، وقد قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الأَرْضِ وِلاَ في أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتاَب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها} (١) .
- vol. 1, p. 416
- الزندقة هو الخروج عن الشريعة باطناً مع أنه يؤيدها ظاهراً
وهذا دليل صريح على أن القدرية المذمومة هم النافون للقدر، لا المثبتون له (ثم يخرجون منه) أي من هذا الابتداع الناشىء عن ترك الاتباع (إلى الزندقة) وهي الخروج عن الشريعة، باطناً، مع انقيادها ظاهراً. (فإذا لقيتموهم فلا تسلموا عليهم) والظاهر أنهم إن سلموا علينا، لا يستحقوا الرد زجراً عليهم. فإن المبتدعة شر من الفسقة، وكان فرض الكفاية يسقط لأعذار شرعية كما يدل عليه قوله: "وإن مرضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشيعوهم" ومن جملة التشييع، الصلاة عليهم، وحضور دفنهم (فإنهم شيعة الدجال) أي أشياعه، وأتباعه، أو مقدمته (ومجوس هذه الأمة) أي أمة الدعوة، أو الإجابة، بناء على خلاف في كفرهم.
-
وإنما شبهوا بالمجوس، لأن المجوس يقول بإلهين، وهم يقولون: بأن أفعال العباد مستقلة لهم، فكأنهم يقولون بتعدد الآلهة، لأن الله سبحانه وتعالى، وهو المنفرد، بأنه فعال لما يريد، ولا خالق سواه، هل من خالق غير الله (حق على الله) أي ثابت في حكمه أو واجب عليه بمقتضى أخباره، إذ لا خلف في وعده ووعيده (أن يلحقهم) أي القدرية (بهم) أي بالمجوس (في النار) ولو لم يكونوا مخلدين فيها كما يشير إليه الإلحاق، فإن النار أعدت للكافرين بالأصالة، وللفاجرين بالتبعية.
-
والأحاديث في ذم القدرية من المعتزلة وغيرهم من أهل البدعة، مشهورة، وفي كتب الحديث مسطورة.
- vol. 1, p. 417
- عائشة رضي الله تعالى عنها مبشرة بالجنة
وبه (عن الهيثم، عن عكرمة) وهو مولى ابن عباس، وسبق ذكره (عن ابن عباس أنه استأذن على عائشة) أي ليعودها في مرضها (فأرسلت إليه) أي اعتذرت (إني أجد غماً) أي هماً كثيراً (وكرباً) أي قبضاً كبيراً (فانصرف) أي ارجع، فإني لم أرد أن أقابلك في هذا الحال، وأكالمك على هذا المنوال (فقال للرسول: ما أنا بالذي ينصرف حتى أدخل) قصد أن يفرج كربها ويزيل غمها بما يلائم مقامها (فرجع الرسول، فأخبرها بذلك) أي بما صدر عن ابن عباس هنالك (فأذنت له) أي بالدخول (فدخل عليها) من وراء حجابها (فقالت: إني أجد غماً وكرباً) أي شديداً (وأنا مشفقة) أي خائفة (مما) أي عن حال (أخاف) أي أعلم وأظن (أن أهجم عليه) أي من الموت على ما صدر لي من بعض النقصان أو الفوت (فقال لها ابن عباس: أبشري، فوالله لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عائشة في الجنة) ولا شك أن تكوني معه عليه الصلاة والسلام في الدرجة العالية (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على الله أن يزوجه جمرة من جمر جهنم) فيه إشارة إلى بشارة عدم سبق العذاب لها على دخول الجنة لها (فقالت: فرجت عني) أي أزلت عني غمي وكربي (فرج الله عنك) أي كل كرب وغم، أو عند الموت، جزاءً وفاقاً، وقد ورد أحاديث كثيرة في
vol. 1, p. 418فضلها، منها: قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة، رواه الحاكم في مسنده.
-
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: "إني ليهوِّن عَليَّ الموتَ أني رأيتك زوجتي في الجنة" ، رواه الطبراني في الكبير.
-
- أداء الصلاة مع الجماعة بعد أدائها مفردة
وبه (عن الهيثم، عن جابر بن الأسود، أو الأسود بن جابر، عن أبيه) أي جابر، وهو إذا أطلق، فالمراد به جابر بن عبد الله الأنصاري، والله سبحانه وتعالى أعلم، (أن رجلين) أي من أهل المدينة (صليا الظهر في بيوتهما) أي منفردين (على عهد النبي صلى الله عليه وسلم) أي في زمانه عليه الصلاة والسلام (وهما يريان) بضم أوله، أي يظنان (أن الناس قد صلوا) أي في المسجد جماعة (ثم أتيا في المسجد) أي بعد فراغ صلاتهما (فإذا) للمفاجأة (رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة) أي في أولها أو آخرها (فقعدا ناحية من المسجد، وهما يريان) أن يتوهمان الصلاة أي إعادتها والاقتداء بها نافلة، لا تحل لهما، حيث أنهما قد صليا (فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورآهما) أي على حالهما المشابه بحال المنافقين، أو الكافرين، (أرسل إليهما) أي بطلبهما (فجيء بهما وفرائصهما ترتعد) جمع فريصة، وهي أوداج العنق واللحمة بين الجنب والكتف، لا تزال ترتعد (مخافة أن يكون قد حدث) أي نزل (في أمرهما شيء) أي من الوحي الجلي أو الخفي، ويكون موجباً لغضبه عليه الصلاة
vol. 1, p. 419والسلام عليهما (فسألهما) أي عن وجه امتناع اقتدائهما (فأخبراه الخبر، فقال: إِذَا فَعَلْتُمَا ذَلِكَ فَصَلِّيا مع الناس، واجعلا الأولى هي الفريضة) أي والثانية نافلة.
-
وفيه إشارة إلى أنه إنما يصلي نافلة، إذا لم يكن الوقت مكروهاً لأدائها، فلا يصلي بعد الصبح، ولا بعد العصر، ولا بعد المغرب، لامتناع ثلاث ركعات نفلاً، ولعدم اقتصاره على ركعتين، وازدياد على ثلاث، للزوم مخالفة الإمام.
-
وعن ابن عمر قال: إن كنت قد صليت في أهلك، ثم أدركت الصلاة في المسجد مع الإمام، فصل معه غير صلاة الصبح، وصلاة المغرب، فإنهما لا يصليان مرتين، رواه عبد الرزاق، والعصر في حكم الصبح.
-
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: إذا أعاد المغرب، يشفع بركعة، رواه ابن أبي شيبة، وهو محمول على فرض وقوعه، فإنه أولى من الاقتصار على الثلاثة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
-
وفي الحديث، دليل على أن الجماعة ليست شرطاً لصحة الصلاة، كما قاله أحمد، وإلا كانت الثانية فرضاً.
-
وفيه تنبيه، على أن الإعادة ممنوعة، وأن القول بأن الثانية هي الفريضة، ضعيف. وكذا القول، بأنه مبهم مفوض إلى الله سبحانه وتعالى، إذ لا بد أن يكون الصلاة متعينة لتكون الأحكام عليها متفرعة.
-
(قيل: قد روى هذا الحديث جماعة) أي من الرواة (عن أبي حنيفة، عن
vol. 1, p. 420الهيثم، فلم يجاوزوا الهيثم) أي في إسنادهم (فقالوا: عن الهيثم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم) فيكون الحديث مرسلاً أو مقطوعاً، وهو حجة عندنا.