- ذكر إسناده عن الهيثم بن حبيب الصرفي
128 paragraphs · vol. 1, p. 398
Page 3 of 4
- vol. 1, p. 420
وأصل الحديث، ورد عن يزيد بن الأسود، على ما رواه أبو داود والحاكم، والبيهقي، بلفظ: "إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الإمام، ولم يصل، فليصل معه، فإنها نافلة" .
-
وفي رواية لأحمد، والترمذي، والنسائي، والبيهقي، عنه أيضاً بلفظ: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد الجماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" .
-
وفي رواية للبيهقي عن ابن عمر، ولفظه: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما الإمام فصليا معه، فيكون لكما نافلة، والتي في رحالكما فريضة.
-
وعن ابن عمر أنه سئل عن الرجل يصلي الظهر في بيته، ثم يأتي المسجد والناس يصلون، فيصلي معهم، فأيتهما صلاته؟ قال: الأولى منهما صلاته، وعن علي في الذي يصلي وحده، ثم يصلي في الجماعة، قال: أيتهما صلاته: قال: الأولى منهما صلاته.
-
وعن علي في الذي يصلي وحده، ثم يصلي في الجماعة، قال: صلاته الأولى، رواه ابن أبي شيبة. وأَمَّا مَا في أبي داود والنسائي، عن سليمان بن يسار، قال: أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون، قلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "لاَ تُصَلُّوا صَلاَةً في يوم مرتين" فمحمول على أنه قد صلى تلك الصلاة جماعة، لما روى مالك في الموطأ، ثنا نافع، أن رجلاً سأل ابن عمر، يسأل، فقال: إني أصلي في بيتي، ثم أدركت
vol. 1, p. 421الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه، فقال ابن عمر: نعم، فقال أيتهما أجعل صلاتي، فقال ابن عمر: ليس ذلك إليك؛ إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء، وقال مالك: هذا من ابن عمر دليل على أن الذي روى عن سليمان بن يسار عنه، إنما أراد كلتيهما على وجه الفرض، إذا صلى في جماعة، فلا يعيد.
قال ابن الهمام: وفيه نفي لقول الشافعية بإباحة الإعادة مطلقاً، وإن صلاها في جماعة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
-
- إذا دخل العشر الأواخر شد صلى الله عليه وسلم الميزر
وبه: (عن الهيثم، عن رجل، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل شهر رمضان نام) أي أحياناً، في أول الليل (وقام) أي للصلاة أحياناً، أو نام أول الليل وقام آخره، وهذه عادته المستمرة (وإذا دخل العشر الأواخر) وهو وقت الاعتكاف (شد الميزر) بكسر الميم، أي ربط الإزار ربطاً شديداً، أو كناية عن ترك الجماع، أو عن كثرة العبادة كما يعبر عنها بالتشمير أيضاً، ويشير إليه قوله (وأحيا الليل) أي غالبه، أو كله، والظاهر هو الأول، إذ لم يرو صريحاً أنه عليه الصلاة والسلام ترك المنام في الليل جميعه.
-
والحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عنها، بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد الميزر.
- vol. 1, p. 422
وروى في حديث مسلم عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره.
-
- حديث الإمارة
وبه (عن الهيثم، عن الحسن) أي البصري، فإنه المراد إذا أطلق عند المحدثين (عن أبي ذر) سبق ذكره (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر الإِمرَة) بكسر الهمزة: الإمارة والحكومة (أمانة) أي عظيم، حيث يتعلق بها حقوق الله وحقوق عباده (فإتيانه فيها خير) ولعل هذا هو المعنى لقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ} (١) الآية. ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: "كُلُّكُمْ رَاعِ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" نعم، يتفاوت مراتب الرعاء (وهي) أي قبول هذه الأمانة الكبرى (يوم القيامة) وهي موقف الحساب والعذاب (خزي) أي فضيحة (وندامة) أي ليس فيها منفعة (إلا من أخذها من حقها) أي على وجه استحقاقها، علماً وحلماً، لا تسلطاً وظلماً (وأدَّى الذي عليه) أي من الواجب في حكومته عن العدالة (وأنَّى ذلك) استفهام استبعاد، أي يستبعد وجود ذلك غالباً فيها هنالك، فعلى العاقل أن لا يرمي نفسه في المهالك.
-
(وفي رواية عن أبي حنيفة، عن أبي عَسَّال) بفتح العين، وتشديد السين
vol. 1, p. 423(عن الحسن، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لي: الإِمرةُ أمانةٌ، وهي يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلا من أخذها من حقها، وأدى الذي عليه، وأنَّى ذلك يا أبا ذر) .
-
والحديث بعينه، إلا باختلاف تقديم يا أبا ذر، وتأخره، وهذا يدل على كمال ضبط الإمام وحفظه في اختلاف المتن، وتعدد الإسناد، فعلم أنه خير أمة، عالم واحد في إيراد المراد.
-
- المستحب في اللحية، قدر القبضة
وبه (عن الهيثم، عن رجل، أن أبا قحافة) بضم قاف، وخفة مهملة، ثم فاء، فهاء، وهو عثمان بن عامر، والد الصديق الأكبر القرشي التيمي الملكي، أسلم يوم الفتح، وعاش إلى خلافة عمر، ومات سنة أربع عشرة، وله تسع وتسعون سنة، روى عنه الصديق وأسماء بنت أبي بكر (أتى النبي صلى الله عليه وسلم ولحيته قد انتشرت) أي باعتبار كثرة شعرها (قال) أي الراوي (فقال) يعني النبي صلى الله عليه وسلم (لو أخذتم) أي لو أخذ بعضكم أيها الصحابة، لكان حسناً، ولو للتمني، ولا يحتاج إلى جواب (وأشار) أي النبي صلى الله عليه وسلم (بيده إلى نواحي لحيته) فالإشارة قامت مقام العبارة.
-
فالتقدير: لو أخذتم نواحي لحيته طولاً وعرضاً، وتركتم قدر المستحب، وهو مقدار القبضة، وهي الحد المتوسط بين الطرفين المذمومين من إرسالهما مطلقاً، ومن حلقها
vol. 1, p. 424وقصها على وجه استئصالها، وفي حديث الترمذي، عن ابن عمر، أنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ من لحيته، من عرضها وطولها.
-
- من مات يوم الجمعة وُقِيَ عذاب القبر
وبه (عن الهيثم، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ مَاتَ يوم الجمعة) أي مؤمناً، (وُقِيَ) بصيغة المجهول، أي حفظ (عذاب القبر) أي مطلقاً، أو شدته، أو بخصوصه، أو كل يوم جمعة.
-
والحديث رواه ابن ماجه، عن عكرمة بن خالد المخزومي، قال: مَنْ مَاتَ
يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، أو ليلة القدر، وختم بخاتم الإيمان، وقي عذاب القبر.
-
وأخرجه الترمذي، والطبراني، وأبو نعيم، عن عبد الله مرفوعاً: مَنْ مَاتَ يوم الجُمُعَةِ وُقِيَ من فتنة القبر.
-
ورواه أبو نعيم. في الحلم، وعن جابر بلفظ: مَنْ مَاتَ يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة أخر من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء.
-
ووقع في بعض الروايات، من مات يوم الجمعة كتب له أجر شهيد، ووقي من فتنة القبر.
-
وفي رواية لأحمد والترمذي عن عائشة مرفوعاً، ما من مسلم مات يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله تعالى فتنة القبر.
- vol. 1, p. 425
- حديث الدخان
وبه (عن الهيثم، عن السبعي، عن مسروق، عن عبد لله) أي ابن مسعود، (قال: قد مضى الدخان والبطشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) لا أنهما يأتيان في آخر الزمان.
-
اختلفوا في الدخان والبطشة المذكورين في قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِين} (١) وقوله تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} (٢) ففي البخاري، سأل محمد بن كثير عن سفيان بن منصور، والأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق، وقال بينما رجل يحدث في كندة، فقال يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعود، وكان متكئاً، فنهض، فجلس، فقال من علم شيئاً فليقل، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم، لا أعلم، الله ورسوله أعلم فإن الله تعال قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفين} (٣) وإن قريشاً أبطأوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف. فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة، والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فقرأ: {فَارتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخّانٍ مُبِينٍ} إلى قوله {عائدون} فتكشف عنهم عذاب الآخرة إذا
vol. 1, p. 426جاء، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله {يَوْمَ نَبْطِشُ الَبطْشَةَ الكُبْرى} يعني يوم بدر.
وقال البغوي: وهذا قول ابن مسعود، وأكثر العلماء، وقال الحسن {يوم نبطش البطشة الكبرى} ، يوم القيامة، وروى عكرمة ذلك عن ابن عباس، قال: يوم الدخان يجيء قبل قيام الساعة، ولم يأت بعد، فيدخل في أسماع الكفار والمنافقين، ويقترن المؤمن كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار، وهو قول ابن عباس وابن عمر، والحسن.
-
وفي البخاري، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول آيات الدخان، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن اليمن تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم حيث قالوا، قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان، فتلا هذه الآية {فَارْتَقِب يَوْمَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ} تملأ ما بين المشرق والمغرب، تمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن، فيصيبه منه الزكام، وأما الكافر كهيئة السكران، يخرج من منخريه وأذنيه، ودبره، ولا يخفى أن قول ابن مسعود أصبح في تفسير الآية؛ إذ قوله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُوا العَذَابَ قَليلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون} (١) كالتصريح بمقصوده، فإنه لا يتصور كشف عذاب الآخرة لا قليلاً ولا كثيراً، وكذا عودهم إلى شدة الكفر غير متصور حينئذ. فتعيَّن أن يحمل على عذاب الدنيا، وأنهم عائدون في كفرهم نقضاً لعهدهم.
-
ويؤيده أيضاً قوله: {يَومَ نَبْطُشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا منتقمون} إنه يوم بدر، ولا يبعد حمل الآية على المعنى الأعم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
-
- وهذه الكذبة: ربما إنها يقال ليست بمذمة من وجه
وبه (عن الهيثم، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله قال: ما كذبت
vol. 1, p. 427منذ أسلمت، إلا واحدة) أي مرة أو كذبة واحدة، ثم بينها بقوله (كنت أرحِّل) بتشديد الحاء المهملة، أي أصنع رحل الدابة، وهي للبعير بمنزلة السرج للفرس.
-
وفي القاموس: رحل البعير كمنع حُطَّ عليه الرحل (لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى) أي جاء (المدينة رحال) بتشديد الحاء المهملة، أي صانع الرحل المشهور في صنعته العلم بطريقته (من الطائف) وهو موضع معروف من الحجاز (فقال) أي مشيراً إليَّ أو مستشيراً عليَّ (أي الراحلة) أي، أيُّ صاحبة الرحل، وإلا فقد يطلق الراحلة على الناقة الجيدة، مع قطع النظر عن رحلها، كما ورد الناس، كإبل مائة لا تجد فيها راحلة (أحبُّ إلى رسول الله) أي أعجب وأحسن لديه (قلت: الطائفية المكية) ومآلهما متحد في الكيفية (قال) أي ابن مسعود (كان) أي النبي صلى الله عليه وسلم (يكرهها) وإنما كان يحب المدينة، نظراً إلى حب أهلها في مقام رحلها (فلما رحل) أي الناقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم (أتى بها) أي الراحلة (فلما رآها على غير حالها المعتاد في رحالها، قال: "من رحلنا هذه الراحلة" ) استفهام إنكار وتعجب (قال:) أي أحد من الحاضرين، او ابن مسعود على التفات (رحالك الذي أتيت به من الطائف) أي على زعم أن رحله مستحسن (فقال: "ردوا الراحلة لابن مسعود" ) أي ليرحل على معرفته بها، وهذه الكذبة ربما يقال إنها ليست مذمومة من وجه، إذ هي في سبيل الله ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث خاف أن يفوته هذه الخدمة المعظمة.
-
ونظير هذه القضية، أنه عليه الصلاة والسلام تزوج بامرأة، وهي من أجمل
vol. 1, p. 428النساء فخفن الأزواج المطهرات أن تغلبهن عليه، فقلن لها: إنه يحب إذا دنا منك أن تقولي: أعوذ بالله منك، فقالت ذلك، فقال: "قد عذت بمعاذ، وطلقها وسرحها إلى أهلها" ، وكانت تسمي نفسها الشقية.
-
- احتياط مال اليتيم
وبه (عن الهيثم، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما نزلت: {إنَّ الذينَ يأكُلُون أَمْوَالَ اليَتامَى ظُلماً} ) أي متعدياً ( {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهم} ) أي ملئها ( {نَاراً} ) والتقدير يأكلون ناراً واقعة في بطونهم، كما هي كائنة في ظهورهم، وسُمي مال اليتيم ناراً باعتبار مآله إذا أكل ظلماً ( {وسيصلون} ) بصيغة المعروف، أو المجهول، أي وسيدخلون ( {سَعيراً} ) (١) أي ناراً تُسَعَّرُ لَهُم وتتوقد عليهم (عدل) أي تأخر (من كان يتولى أموال اليتامى فلم يقربوها) أي خوفاً من وقوع الظلم الموجب لدخول النار (وشق عليهم حفظها) أي بلسان شق عليهم ضبطها بانفرادها (وخافوا الإثم على أنفسهم) أي في خلطها، أو مطلقاً (فنزلت الآية) أي الآتية، (فخفف عليهم) أي القضية، وهي قوله تعالى: ( {يسألونك} ) أي يتساءلون الحال أو بيان المقال ( {عن اليتامى} ) أي أخذ أموالهم والاختلاط معهم في أحوالهم ( {قُلْ إصلاحٌ لهم} ) أي لأموالهم ( {خير} ) أي من تركها الموجب لضياع
vol. 1, p. 429أموالهم ( {وإن تخالطوهم} ) أي في حال الأكل، الآية ( {فإخوانكم} ) أي فهم إخوانكم حقيقة، أو حكماً، فإن المؤمنين أخوة، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ( {والله يعلم المفسد} ) في أعماله ( {من المصلح} ) في أحواله، وفي هذا وعد ووعيد لمربي اليتيم وأمثاله ( {ولو شاء الله لأَعْنَتَكُمْ} ) (١) أي لأوقعكم في العنت، وهو المشقة والمحنة، بعدم جواز المخالطة. ولكن ما شاءها، فلم يقع العنت، لأنه سبحانه قال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَج} (٢) وقال تعالى: {يُريدُ الله بكُم اليُسْرَ وَلاَ يُريدُ بِكُمُ العُسْرَ} (٣) وقال عز وجل: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسَاً إِلاَّ وُسْعَهَا} (٤) أي طاقتها ( {إنَّ الله عَزِيْزٌ} ) أي غالب على أمره ( {حَكيم} ) في تدبيره.
-
وفي تفسير البغوي، قال ابن عباس، وقتادة: "لما نزلت الآية: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنَ} (٥) وقوله: {إِنَّ الذين يَأْكُلُون أَمْوَالَ اليتامى ظلْماً} (٦) الآية تَحَرَّج المسلمون من أموال اليتامى تحرجاً شديداً، أي تحولوا اليتامى عن أموالهم، حتى كان يصنع لليتيم طعام، فيفضل منه شيء، فيتركونه، ولا يأكلونه حتى يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {قُلْ إِصْلاَحٌ لهم خَيْر} أي الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض خير وأعظم أجراً.
قال مجاهد: يوسع عليه من طعام نفسه، ولا يتوسع من طعام اليتيم {وإن تخالطوهم} ، هذا إباحة المخالطة، أي أن تشاركوهم في أموالهم وتخالطوهم بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضاً من قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم {فإخوانكم} ، والإخوان يعين بعضهم بعضاً، ويصيب بعضهم من مال بعض على وجه الإصلاح، {والله يعلم
vol. 1, p. 430المفسد} لأموالهم {من المصلح} لها، يعني الذي يقصد بالمخالطة الخيانة، وإفساد مال اليتيم وآكله بغير حق من الذي يقصد الإصلاح.
-
وبه (عن الهيثم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحَّى) بتشديد الحاء (بكبشين) أي الحمل، او الأنثى، إذا طلعت رباعيته (أشعرين) أي شعرهما كثير (أملحين) الملحة بالضم، بياض يخالط سواداً (أحدهما عن نفسه) الشريفة، على خلاف في أن الأضحية كانت واجبة عليه، أو مستحبة مندوبة إليه، (والآخر) عمن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله (من أمته) أي ممن لم يقدر على التضحية.
-
(وفي رواية نحوه) أي بمعناه أو بسنده (ولم يذكر جابر بن عبد الله) فيكون الحديث مرسلاً.
-
- إسناده عن قيس بن مسلم
- لبن البقر دواء
ذكر إسناده عن قيس بن مسلم أحد أجلاء التابعين.
-
أبو حنيفة: (عن قيس، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود، عن
vol. 1, p. 431النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بألبان البَقَر" ) جمع اللبن، باعتبار أنواعها، أو مقابلة الجمع بالجمع. والبقر اسم جنس، فيذكر ويؤنث، ولذا قال (فإنها) أو الضمير راجع إلى المفردة المفهومة من الجنس أي، فإن البقر (ترم) بضم الراء وكسرها، وتشديد الميم، أي تأكل وترعى (من كل شجرة) أي فيكون كالمعجون المركب المعتدل الموافق بمزاج كل أحد، وفيه تنبيه على الاحتراز من لبن البقرة الجلالة (وفيها) أي في ألبانها (شفاء) أي من كل داء، أو في الجملة، وظاهر الإطلاق الأول، فهو المنقول.
-
ويؤيده رواية الحاكم، عن ابن مسعود، بلفظ: عليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر، وهو شفاء من كل داء.
-
- لم ينزل الله داء إلا أنزل معه الدواء
وبه (عن قيس، عن طارق، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم ينزل الله دَاءً إلاَّ أَنْزَلَ مَعَهُ الدَّوَاء" ) أي لذلك الداء "إلا الهرم" بفتحتين، وهو كبر السن وما يترتب عليه من ضعف القوى (فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من الشجر) .
-
والحديث رواه الحاكم عن ابن مسعود، بلفظ: إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاء، الحديث.
-
(وفي رواية: إن الله لم يجعل في الأراضي داءً إِلاَّ جعل له دواء، إلا الهرم والسأم) أي الموت. (فعليكم بألبان البقر فإنها) أي ألبانها (تخلط من كل شجر) .
- vol. 1, p. 432
(وفي رواية: ما أنزل الله من داء إلا أنزل معه دواء إلا السأم والهرم، فعليكم بألبان البقر، فإنها) أي ألبانها (تخلط من كل الشجر) أي من كل نوع من جنسها.
-
وروى ابن ماجه، عن أبي هريرة قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل شفاء، وروى ابن السني، وأبو نعيم، والحاكم بسند صحيح، عن ابن مسعود: عليكم بألبان البقر فإنها دواء، وألبانها شفاء، وإياكم ولحومها، فإنها داء.
-
وفي رواية لابن السني، وأبي نعيم، عن صهيب بلفظ: عليكم بألبان البقر، فإنها شفاء، وسمنها دواء، ولحمها داء.
-
وفي رواية (إنَّ الله لم يَضَع في الأرض داءً، إلا وَضَعَ لَهُ شِفاءً، ودواءً، غَير السأم، فعليكم بألبان البقر، فإنها تخلط من كل الشجر) .