[باب النهي عن بيوع الغرر]
21 paragraphs · vol. 5, p. 175
- vol. 5, p. 175
حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي إسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ إرْسَالٌ بَيْنَ الْمُسَيِّبِ وَعَبْدِ اللَّهِ وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ: اُخْتُلِفَ فِيهِ وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخَطِيبُ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حَدِيثًا مَرْفُوعًا.
-
وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ فَهُوَ شَاهِدٌ لِهَذَا.
-
قَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ) اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ فَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَثْوَابِ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْحَصَاةُ وَيَرْمِي الْحَصَاةَ، أَوْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ مَا انْتَهَتْ إلَيْهِ فِي الرَّمْيِ وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ إلَى أَنْ يَرْمِيَ الْحَصَاةَ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَ الرَّمْيِ بَيْعًا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَعْنِي: إذَا قَذَفَ الْحَصَاةَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَبِرَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ. وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ مِنْهَا الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ، وَمِنْهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ. وَمِنْهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. وَمِنْهَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَمِنْ جُمْلَةِ بَيْعِ الْغَرَرِ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمَعْدُومُ وَالْمَجْهُولُ وَالْآبِقُ وَكُلُّ مَا فِيهِ الْغَرَرُ مِنْ الْوُجُوهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَيُسْتَثْنَى مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَدْخُلُ فِي الْمَبِيعِ تَبَعًا بِحَيْثُ لَوْ أَفْرَدَهُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ. وَالثَّانِي: مَا يُتَسَامَحُ بِمِثْلِهِ، إمَّا لِحَقَارَتِهِ أَوْ لِلْمَشَقَّةِ فِي تَمْيِيزِهِ أَوْ تَعْيِينِهِ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بَيْعُ أَسَاسِ الْبِنَاءِ وَاللَّبَنِ فِي ضَرْعِ الدَّابَّةِ وَالْحَمْلِ فِي بَطْنِهَا وَالْقُطْنِ الْمَحْشُوِّ فِي الْجُبَّةِ. قَوْلُهُ: (حَبَلِ الْحَبَلَةِ) الْحَبَلُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ، وَغَلَّطَ عِيَاضٌ مَنْ سَكَّنَ الْبَاءَ وَهُوَ مَصْدَرُ حَبِلَتْ.
- vol. 5, p. 176
٢١٧٢ - (وَعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا إلَّا بِكَيْلٍ وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْهُ: شِرَاءُ الْمَغَانِمِ وَقَالَ: غَرِيبٌ) .
-
٢١٧٣ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ)
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
تَحْبَلُ، وَالْحَبَلَةُ بِفَتْحِهَا أَيْضًا جَمْعُ حَابِلٍ مِثْلُ ظَلَمَةٍ وَظَالِمٍ وَكَتَبَةٍ وَكَاتِبٍ وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْحَيَوَانُ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ تَقْضِي بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.
-
وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَالْخَطِيبُ: هُوَ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الذَّاهِبِينَ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ لَحْمَ الْجَزُورِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إلَى أَنْ يَلِدَ وَلَدُ النَّاقَةِ. وَقِيلَ: إلَى أَنْ يَحْمِلَ وَلَدُ النَّاقَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ وَضْعُ الْحَمْلِ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّنْبِيهِ، وَتَمَسَّكَ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْبَابِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا ذِكْرُ أَنْ يَلِدَ الْوَلَدُ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا بِلَفْظِ: «كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا» وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ أَنْ يَلِدَ الْوَلَدُ وَمُشْتَمِلٌ عَلَى زِيَادَةٍ فَيَتَرَجَّحُ.
-
وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ بَيْعُ وَلَدِ النَّاقَةِ الْحَامِلِ فِي الْحَالِ، فَتَكُونُ عِلَّةُ النَّهْيِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَهَالَةَ الْأَجَلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: بَيْعَ الْغَرَرِ لِكَوْنِهِ مَعْدُومًا وَمَجْهُولًا وَغَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ. وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: لُحُومَ الْجَزُورِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَبْتَاعُونَ الْجَزُورَ قَالَ ابْنُ التِّينِ: مُحَصَّلُ الْخِلَافِ هَلْ الْمُرَادُ الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ أَوْ بَيْعُ الْجَنِينِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ وِلَادَةُ الْأُمِّ أَمْ وِلَادَةُ وَلَدِهَا؟ وَعَلَى الثَّانِي: هَلْ الْمُرَادُ بَيْعُ الْجَنِينِ الْأَوَّلِ أَوْ جَنِينِ الْجَنِينِ؟ فَصَارَتْ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ، كَذَا فِي الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (أَنْ تُنْتَجَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ، وَالْفَاعِلُ النَّاقَةُ، قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا الْفِعْلُ وَقَعَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى صِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُسْنَدِ إلَى الْمَفْعُولِ. قَوْلُهُ: (الْجَزُورِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّ الزَّايِ وَهُوَ الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
- vol. 5, p. 177
٢١٧٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .
-
٢١٧٥ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَاعَ ثَمَرٌ حَتَّى يُطْعَمَ أَوْ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ أَوْ سَمْنٌ فِي لَبَنٍ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَقَدْ ضَعَّفَ الْحَافِظُ إسْنَادَهُ، وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ فِيهِ مَقَالٌ تَقَدَّمَ. وَقَدْ حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ مَا أَخْرَجَهُ مِنْهُ. وَيَشْهَدُ لِأَكْثَرِ الْأَطْرَافِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا أَحَادِيثُ أُخَرُ مِنْهَا أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَمَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ، وَمَا وَرَدَ فِي حَبَلِ الْحَبَلَةِ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إسْنَادِ أَبِي دَاوُد رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَفِي إسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ انْتَهَى، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ وَكِيعٍ مُرْسَلًا أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ. قَالَ: وَوَقَفَهُ غَيْرُهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَقَالَ: لَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِ الْمَاشِيَةِ قَبْلَ أَنْ تُحْلَبَ، وَعَنْ الْجَنِينِ فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ، وَعَنْ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَعَنْ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» .
-
قَوْلُهُ: (عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْحَمْلِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَالْعِلَّةُ الْغَرَرُ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا) هُوَ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهِ. قَبْلَ انْفِصَالِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ، إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ كَيْلًا، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْت مِنْكَ صَاعًا مِنْ حَلِيبِ بَقَرَتِي، فَإِنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ لِارْتِفَاعِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ الْهَادِي وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو طَالِبٍ: إنَّهُ يَصِحُّ مَوْقُوفًا عَلَى التَّسْلِيمِ.
-
وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥] وَهُوَ مِنْ التَّمَسُّكِ بِالْعَامِّ فِي مُقَابَلَةِ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَعِلَّةُ النَّهْيِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ إنْ كَانَتْ عَيْنُ الْعَبْدِ الْآبِقِ مَعْلُومَةً، وَإِلَّا فَمَجْمُوعُ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ. قَوْلُهُ: (وَشِرَاءِ الْمَغَانِمِ) مُقْتَضَى النَّهْيِ عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ عَلَى مَا هُوَ الْأَظْهَرُ
vol. 5, p. 178٢١٧٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الْآخَرُ بِثَوْبِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
-
٢١٧٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَاضَرَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُزَابَنَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ قَبْلَهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ بَيْعُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِهِ، وَقَدْ خُصِّصَ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ الْمُصَّدِّقُ، فَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الصَّدَقَاتِ قَبْلَ قَبْضِهَا، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ إلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّ هَذَا الْعُمُومَ، وَجَعْلُ التَّخْلِيَةِ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، عَلَى تَسْلِيمِ قِيَامِهَا مَقَامَ الْقَبْضِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
-
قَوْلُهُ: (وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ) الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ مَنْ يَعْتَادُ الْغَوْصَ فِي الْبَحْرِ لِغَيْرِهِ: مَا أَخْرَجْتُهُ فِي هَذِهِ الْغَوْصَةِ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا مِنْ الثَّمَنِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ. قَوْلُهُ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَاعَ ثَمَرٌ حَتَّى يُطْعَمَ» سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي بَابِ النَّهْيِ عَنْ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ. قَوْلُهُ: (أَوْ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الصُّوفِ مَا دَامَ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْعِتْرَةُ وَالْفُقَهَاءُ، وَالْعِلَّةُ الْجَهَالَةُ وَالتَّأْدِيَةُ إلَى الشِّجَارِ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ. قَوْلُهُ: (أَوْ سَمْنٌ فِي لَبَنٍ) يَعْنِي: لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ) هُمَا مُفَسَّرَانِ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ فِي اللِّبَاسِ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ فُسِّرَا بِأَنَّ الْمُلَامَسَةَ: أَنْ يَمَسَّ الثَّوْبَ وَلَا يَنْظُرَ إلَيْهِ وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَطْرَحَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ وَيَنْظُرَ إلَيْهِ، وَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلِأَبِي عَوَانَةَ عَنْ يُونُسَ: أَنْ يَتَبَايَعَ الْقَوْمُ السِّلَعَ لَا يَنْظُرُونَ إلَيْهَا وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا، أَوْ يَتَنَابَذُ الْقَوْمُ السِّلَعَ كَذَلِكَ، فَهَذَا مِنْ أَبْوَابِ الْقِمَارِ.
-
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: الْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَقُولَ: أَلْقِ إلَيَّ مَا مَعَكَ وَأُلْقِي إلَيْكَ مَا مَعِي. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْمُلَامَسَةُ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَبِيعُكَ ثَوْبِي بِثَوْبِكَ