الفصل الثاني: الطور الثاني لكتب علوم الحديث (كتاب ابن الصلاح فما بعده)
152 paragraphs · vol. 1, p. 211
Page 2 of 4
- ولذلك مثالان:
-
الأول: في مبحث (الحديث المعَل) ، قال ابن الصلاح في تعريف العلة والحديث المعل، قال: ((وهي (يعني العلة) : عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه. فالحديث المعلل: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها)) (٢) .
- (٢)علوم الحديث لابن الصلاح (٩٠) .
-
كذا قيد ابن الصلاح (العلة) في الاصطلاح بقيد الخفاء وقيد القدح، مع أن ابن الصلاح نفسه يعلم أن اصطلاح المحدثين أوسع من ذلك بكثير!!!
قال ابن الصلاح في آخر مبحث (المعل) أيضاً: ((ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه، من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ (العلة) في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح: بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح.
-
وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.
-
ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح، من وجوه الخلاف. نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة
vol. 1, p. 221الضابط، حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ)) (١) .
- (١)علوم الحديث لابن الصلاح (٩٢-٩٣) .
-
إذن فابن الصلاح كان يعلم أن استخدام المحدثين للفظ (العلة) شامل: للعلة الخفية والظاهرة، والقادحة وغير القادحة؛ فلم قصره ابن الصلاح في (العلة الخفية القادحة) ؟!!!
-
ثم ما هي فائدة هذا التدخل في تفسير المصطلح؟!!
-
ثم كم سيشوش هذا المعنى الذي ذكره ابن الصلاح لـ (العلة) ، في فهم تعليلات الأئمة، فيما لو فهم كلامهم على ذلك المعنى الضيق المخالف لسعة معنى المصطلح
عندهم؟!!!
-
ثم انظر: كم قلد ابن الصلاح ممن جاء بعده في هذا التدخل؟!!
-
ولئن ذكر ابن الصلاح أن تفسيره لـ (العلة) في اصطلاح المحدثين يخالفه اصطلاحهم!!! فإن من جاء بعده ألقى بأقوال المحدثين المخالفة لذلك التفسير، واقتصر في تعريف (العلة) على تفسير ابن الصلاح لها (٢) !!
- (٢)علوم الحديث لابن الصلاح (٨١) .
-
وبذلك تزداد الهوة، ويفدح الخطر!!!
-
أما المثال الثاني: في مبحث (المنكر:
فيقول ابن الصلاح في هذا المبحث: ((وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أن النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثيرٍ من أهل الحديث، والصواب فيه التفصيل..)) (٣)
- (٣)علوم الحديث لابن الصلاح (٨١) .
- vol. 1, p. 222
ويكفي هذا!
-
فإذا كان الحكم بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجوداً في كلام كثيرٍ من أهل الحديث، فكيف يكون صواب الاصطلاح خلاف ما عليه أهل الاصطلاح!!!
-
وغاية ما يمكن أن يدعى في الدفاع عن ابن الصلاح (مع أنه ليس في حاجةٍ إلى دفاع، لأنه معذور مأجور إن شاء الله تعالى!) ، أن يقال: إن القول الذي نقل ابن الصلاح أنه قول كثير من أهل الحديث، يخالفه قول الأكثرين من أهل الحديث، ولذلك صوبه ابن الصلاح.
-
فأقول: هذه دعوى! فالبينة البينة؟!
-
وعلى افتراض صحة هذه الدعوى، فلا يحق ـ مع ذلك ـ لأحدٍ أن يخطىء الكثيرين من أهل الحديث، وأن يصوب قول الأكثرين منهم فقط؛ أولاً: لأن أولئك كثيرون، وليسوا قليلين لتكون أقوالهم وإطلاقاتهم شاذةً غير مغتبرة. وثانياً: لأن المصطلح لا مشاحة فيه، فالواجب علي فهمه على ما هو عليه عند: (الكثرين) و (الأكثرين) ، إن صح ذلك الافتراض!
-
كيف إذا علمت أن من أولئك (الكثرين) الذين أطلقوا لفظ (النكارة) على (التفرد) : الإمام أحمد، والنسائي (١) ؟ !! وهما من هما: إمامةً في السنة، واعتماداً عليهما وعلى أقوالهما في علوم
vol. 1, p. 223الحديث المبثوثة المنتشرة في أصول ومصنفات السنة.
- (١)النظر النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦٧٤) .
-
وبهذا المثال وسابقه نستدل على محاولة ابن الصلاح تطوير المصطلح، وأنه كان معتنقاً لـ (فكرة تطوير المصطلحات) !
-
ومع هذه المؤخذات على كتاب ابن الصلاح، إلا أن قرب عهد ابن الصلاح من أسلاف المحدثين (بالنسبة إلى من جاء بعده) ، ورأيه المباشر في علم المنطق، واعتماده على كتب الخطيب البغدادي؛ كل ذلك قلص من اتساع الخرق بين معاني المصطلحات الحديثية والمعاني التي ذكرها لها ابن الصلاح. فلم يزل كتابه ـ في غالبه ـ رابطاً حسناً ومهماً بين المتقدمين والمتأخرين، وقائداً أميناً إلى فهم عبارات القوم وألقاب علمهم.
-
أما بعد ابن الصلاح: فقد أصبح كتابه هماً للاحقين: شرحاً، واختصاراً، ونظماً، وانتقاداً، وانتصاراً، متأثرين بمنهجه، سائرين على دربه. ولئن كان تأخر الزمان كافياً للدلالة على زيادة ضعف تلقي العلوم النقلية، وعلى تعمق أثر العلوم العقلية عليها أكثر من ذي قبل = فإن ظهور بعض المؤخذات المنهجية على كتاب ابن
الصلاح، جعلها مناهج سليمةً صحيحةً عند من جاء بعده، لإمامة ابن الصلاح وإمامة كتابه في علوم الحديث. مما خطا بعلوم الحديث خطوةً أخرى إضافية إلى التأثر بالعلوم الأجنبية عنها، وبالتوسع في تلك المؤخذات المنهجية خلال تفسير وتقعيد مصطلح الحديث وأصوله.
-
وليس أدل على ذلك من انتقادهم لابن الصلاح وغيره ممن تكلم في علوم الحديث قبله، بعدم انضباط تعريفه على قواعد الأصوليين، وعدم تحريرها على صناعة المناطقة!!
-
فهذا تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد (ت ٧٠٢هـ) ، في كتابه (الاقتراح في
vol. 1, p. 224بيان الاصطلاح) ، ينتقد تعريف ابن الصلاح للحديث الصحيح، فيقول: ((وزاد أصحاب الحديث: أن لا يكون شاذاً ولا معللاً، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيراً من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث، لا تجري على أصول الفقهاء.. (إلى أن قال: ) لن من لا يشترط مثل هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف، ومن شرط الحد أن يكون جامعاً مانعاً)) (١) .
- (١)الاقتراح لابن دقيق العيد (١٥٣- ١٥٥) .
-
وغاب عن ابن دقيق العيد هنا، أن الكلام عن مصطلح الحديث عند أهل الحديث!! ثم لا وزن لغير أهل الحديث إذا خالفوا أهله فيه!!!
-
وانتقد ابن دقيق العيد أيضاً الإمام الخطابي في تعريفه للحديث الحسن، فقال: ((وهذه عبارة ليس فيها كبير تلخيص، ولا هي على صناعة الحدود والتعاريف) ) (٢) .
- (٢)الاقتراح (١٦٣- ١٦٤) .
-
وبالنظر السابق نفسه، بل وباللفظ نفسه أيضاً، انتقد الإمام الذهبي (ت ٧٤٨هـ) تعريف الخطابي، فقال في (الموقظة) : ((وهذه عبارة ليست على صناعة الحدود والتعريفات، إذ الصحيح ينطبق ذلك عليه) ) (٣) .
- (٣)الموقضة للذهبي (٢٦) .
-
والغريب أن كلاً من ابن دقيق العيد والذهبي ممن نصر القول بدخول الحسن في الصحيح، وأن كل صحيحٍ حسن، وليس كل حسن صحيح (٤) .
- (٤)انظر الاقتراح (١٦٥- ١٦٧) ، والموقظة (٢٧- ٣٢) .
- vol. 1, p. 225
وذلك فيه بعض النقاقض، والذي قادهما إليه التزام صناعة الحدود المنطقية!!
-
ويستمر هذا النظر، بالانتقاد نفسه، إلى الحافظ ابن حجر. فعندما ذكر الحافظ تعريف الخطابي للحديث الحسن، وما وجه إليه من انتقاد، ذكر جواباً عن ذلك الانتقاد للحافظ العلائي (خليل بن كيكلدي، الموفى سنة ٧٦١هـ) . فقال الحافظ ابن حجر، مشيراً إلى جواب العلائي: ((وعلى تقدير تسليم هذا الجواب، فهذا القدر غير منضبط، فيصح ما قال القشيري (يعني ابن دقيق العيد) : أنه على غير صناعة الحدود والتعريفات)) (١) .
- (١)النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (١/٤٠٤) .
-
فالانتقاد المتوجه على تعريف الخطابي للحديث الحسن، عند الحافظ ابن حجر: أنه على غير صناعة الحدود المنطقية!
-
ثم يهاجم علامة اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير (ت ١١٨٢هـ) الحافظ ابن حجر، فيقول في (توضيح الأفكار) : ((ويقال للحافظ: وكذلك تعريفك (الحسن) في النخبة وشرحها بقولك: (فإن خف: أي قل الضبط، مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح فحسن لذاته) = غير منضبطًٍ أيضاً، فإن خفة الضبط أمر مجهول)) (٢) .
- (٢)توضيح الأفكار للأمير الصنعاني (١/ ١٥٥) .
-
ثم أخذ الأمير في بيان العموم والخصوص المذكور بين (الصحيح) و (الحسن) ، وتوسع غاية التوسع في شرح (العموم) و (الخصوص) عند الأصوليين (٣) ، حتى إن الناظر في كلامه ليعجب من هذا المبحث الأصولي البحت، ما الذي جاء به إلى مبحث (الحديث الحسن) ؟
vol. 1, p. 226ثم ينتقل الأمير إلى علم المنطق الخالص: إلى الكلام عن الحدود والرسوم، والفرق بينهما، وعلاقتهما بالمعرفات.. وغير ذلك من علم المنطق الصرف (١) ؛ وهذا كله في مبحث (الحديث الحسن)
وخلال كلام الأمير هذا، جاءت كلمة ابن الوزير الفاصلة، والقول الحق، الذي كنا قد ذكرناه سابقاً، وهو قوله: ((وذكر الحدود المحققة أمر أجنبي عن هذا الفن، فلا حاجة إلى التطويل فيه) ) (٢)
- (٣)انظر توضيح الأفكار (١/١٥٦- ١٥٨) .
- (١)انظر توضيح الأفكار (١/١٥٨) .
- (٢)المصدر السابق، وانظر (ص ١٦٤- ١٦٥) .
-
وأكتفي بهذا القدر اليسير في حجمه، العظيم في دلالته، من الكلام عن منهج من جاء بعد ابن الصلاح، لنقف عند تحولٍ جديد وأعمق في هذا العلم.
-
ونحن في هذه الوقفة، عند هذا التحول في منهج التصنيف في علوم الحديث، لنرى (فكرة تطوير المصطلحات) ماثلةً أمام أعيننا، ونمسك أثر علوم المنطق وأصول الفقه متجسداً في أحد تصانيف هذا العلم.
-
أعني بهذا كتاب (نزهة النظر (٣) في توضيح نخبة الفكر) ، كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) . و (النخبة) وشرحها هذان، من حين ما صنفا، احتلاً مكان الصدارة في كتب علوم الحديث، (فلا يحصى كم ناظمٍ لها
vol. 1, p. 227ومختصر، ومستدرك عليها ومقتصر، ومعارضٍ لها ومنتصر) (١) . لذلك كان للمنهج الذي سار عليه الحافظ فيهما أكبر الأثر فيمن جاء بعده، إلى عصري هذا
وقبل دخولي في بيان المؤخذات على (نزهة النظر) ، أحيل القارىء الكريم إلى كلامٍ سابقٍ لي، اعتذرت فيه عن تكرير ديباجة الاعتذار عند كل نقدٍ علمي موضوعي (٢) ، فلا تأثم - لا أثمت - بسوء النية قبل الوقوف عليها
أقول هذا لما لـ (تزهة النظر) من قدسيةٍ لا تنال عند أهل عصري، وكأنها كتاب ناطق أو سنة ماضية
وليس عندي - بحمد الله - لغير كتاب الله وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أرشدا إليه قدسية، فالكتاب وحده الذي اختص بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الثابتة وحدها المعصوم صاحبها صلى الله عليه وسلم، وما أرشدا إليه وحده هو شرع الله العظيم الكامل التام.
- (٣)يشكك بعض طلبة العلم في أن يكون اسم (شرح النخبة) : (نزهة النظر) ، وقد رد على هذا الظن محقق (النزهة) الشيخ الفاضل علي بن حسن الحلبي في مقدمة تحقيقه (ص ٢٤) .
- (١)من كلام الحافظ ابن حجر في (نزهة النظر) عن كتاب ابن الصلاح (ص ٥١) .
- (٢)انظر (ص ٢٠٥- ٢٠٦) .
-
وليس عندي أيضاً ـ بحمد الله ـ أدنى شك في أهمية كتاب (نزهة النظر) ، وفي كثيرٍ من مباحثه الجليلة العظيمة النفع.
-
كل ما في الأمر أني رأيت لـ (نزهة النظر) في بعض مباحثه منهجاً غريباً على علوم السنة، وغاية أغرب في تفسير مصطلحاتها. وأحسب هذا المنهج والغاية خطيرين على السنة النبوية وعلومها، فلم أر الأمر يسعني بالسكوت عن ذلك.
-
وإياك إياك أن تتفرس الأسطر، وتقرأ ما بينها (بزعمك) ،
vol. 1, p. 228لتقول علي ما لم أقل، وتنسب 'لي ما لا علاقة لي به. فمرادي هو المنطوق دون المفهوم ولازم مذهبي بلازم
والله يعينني وإياك على طريق الحق وقبوله
وأقول هذا، لنه قد بلغ الأمر على درجة أن الناظر في (نزهة النظر) يحسب أن الحافظ يصنف في بيان مصطلحه الخاص به، أو أن للحافظ الحق في التحكم بمصطلحات المحدثين، بتصويب هذا وتخطيء ذاك، وباختيار مدلول دون آخر، وبابتداع فروق وقيود جديدة على المصطلحات ومعانيها
بل لقد قيل لي مرة، عندما عرضت رأيي من هذه المسألة، وهوجم ـ بالطبع للدفاع عن (النزهة) ، قيل لي: لا مشاحة في الاصطلاح، والحافظ حر فيما يقول ويصطلح
فقلت جواباً عن هذا ـ ولا حاجة لهذا إلى جواب، بعد بيان خطر (فكرة تطوير المصطلحات) وخططها (١) ـ: لقد سمى الحافظ كتابه بـ (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) ، ولم يقل: في (مصطلح)
أما أدلة هذا الهجوم (عند من لا يعرفني مع الحافظ والنزهة) ، والبيان والتوضيح للحق (عند من يعرفني معها) ،
- (١)انظر (ص ١٧٦- ١٧٨) .
- فالآتي:
-
حيث يبدأ عمق التأثر بعلم المنطق بالوضوح، من حيث النظر في ترتيب (النزهة) ، الترتيب المغاير لكل الكتب السابقة في علوم الحديث.