الفصل الثاني: الطور الثاني لكتب علوم الحديث (كتاب ابن الصلاح فما بعده)

152 paragraphs · vol. 1, p. 211

Page 3 of 4

  1. فالكتاب مبني في ترتيبه على أساس (التقسيم العقلي) (١) . عند المناطقة، أو ما يشبه (السبر والتقسيم) (٢) المعروف عند الأصوليين في مسالك العلة من باب القياس.

    1. (١)التقسيم العقلي: هو تقسيم المقسم إلى لاشيء ونقيضه، أو إلى الشيء وما يشبه نقيضه. مثاله: في الأول: (الموجود ـ المعدوم) ، وفي الثاني (العدد: زوج ـ فرد) . انظر آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (٢/٩ - ١٠) .
    2. (٢)السبر والتقسيم: هو حصر الأوصاف، وإبطال كل علةٍ علل بها الحكم المعلل، إلا واحدة فتتعين. انظر البرهان للجويني (٢/٨١٥) ، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/١٤٢) .
    vol. 1, p. 229
  2. وليس في هذا الترتيب مؤاخذة على الحافظ، لكن ذلك يدل على تغلغل أثر (علم المنطق) وتعمق (الأصول) في فكر الحافظ ومنهجيته،، إلى درجة بناء الكتاب في ترتيبه على أساسها. ثم أول ما يبدأ به الكتاب: تقسيم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، وقد خطا الحافظ في هذا التقسيم خطوةً جديدة، دالةً على مزيد تأثره بأصول الفقه على ابن الصلاح. وقد سبق ذكر بعض ما يتعلق بذلك (٣) ، وقي أشياء لا أطيل بها ‍

    وفي أثناء هذا التقسيم، وعند كلامه عن أقسام (الآحاد) ، حصر الحافظ (العزيز) فيما لم يروه أقل من أثنين عن اثنين (٤) ، و (المشهور) فيما رواه ثلاثة فصاعداً، ما لم يبلغ حد التواتر (٥) .

    1. (٣)انظر (ص ١٢٣-١٢٧) .
    2. (٤)نزهة النظر (ص ٦٤) .
    3. (٥)نزهة النظر (ص ٦٢) .
  3. مع أن الذي قرره أبو عبد الله ابن منده (ت ٣٠١هـ) ، وهو من (أهل الاصطلاح) ، وتابعه ابن الصلاح: أن (العزيز) ما رواه

    vol. 1, p. 230اثنان أو ثلاثة (١) .

    1. (١)علوم الحديث لابن الصلاح (٢٧٠) ، وانظر فتح المغيث للسخاوي (٤/ ٨) ، وتدريب الراوي للسيوطي (٢/١٦٧) .
  4. فما حجة الحافظ في ذلك الحصر؟ ‍‍ وفي مخالفة أهل الاصطلاح؟ ‍‍‍

    وفي أثناء ذلك المبحث أيضاً، بل في آخره، تعرض الحافظ لمصطلحي (المرسل) و (المنقطع) ، كما أنه تعرض لهذين المصطلحين في موضعهما من بيان أنواع السقط في الإسناد.

  5. وخلاصة ما ذهب إليه هو أن:
  6. (المرسل) : ما سقط من آخره من بعد التابعي (٢) .

    1. (٢)نزهة النظر (١٠٩) .
  7. و (المنقطع) : ما سقط من أثنائه واحد، أو أكثر بشرط عدم التوالي (٣) .

    وقال: ((أكثر المحدثين على التغاير، لكنه عندإطلاق الاسم. وأما عند استعمل الفعل المشتق فيستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان، سواء كان ذلك مرسلاً أو منقطعاً.

    1. (٣)انظر نزهة النظر (١١٢) .
  8. ومن ثم أطلق غير واحدٍ، ممن لم يلاحظ مواضع استعماله، على كثيرٍ من المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع. وليس كذلك، لما حررناه)) (٤) .

    1. (٤)نزهة النظر (٨١- ٨٢) .
  9. فالحافظ ـ بدءاً ـ يعترف بأن المغايرة بين (المرسل) و (المنقطع) ، ليس إجماعاً من المحدثين، وإنما ذلك ـ بزعمه ـ عند أكثر المحدثين. فربما قابلهم كثيرون لا يغايرون، أو قليلون ‍

    vol. 1, p. 231إذن فحصره المصطلح في أحد معانيه عند بعضهم دون بعضٍ تحكم لا دليل ولا مسوغ له، والواجب علي فهم أن في الاصطلاح اختلافاً في مدلوله بين المحدثين، حتى يمكنني تنزيل كلامهم منزلته وفهمه على وجهه.

  10. وأحسب أن الحافظ أراد بنقده (لمن لم يلاحظ مواضع الاستعمال) ـ كما قال ـ الخطيب البغدادي، حيث قال في (الكفاية) : ((أما (المرسل) : فهو ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال:

    ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم)) (١) .

    1. (١)الكفاية (٣٧) .
  11. وكلام الخطيب هذا هو الصواب في تعريف (المرسل) ، وهو من بديع كلام الخطيب في شرح مصطلح الحديث.

  12. والتدلي على صوابه يكون بالرد على الحافظ ابن حجر!

  13. فالحافظ يزعم أن المغايرة بين (المرسل) و (المنقطع) تظهر في الاسم، دون الفعل المسشتق، كما سبق نقل كلامه.

  14. فأين الحافظ في زعمه هذا عن (المراسيل) لأبي داود؟ !

  15. وفيه من رواية التابعي عمن لم يدركه من الصحابة روايات عدة (٢) . فهي عند الحافظ من (المنقطع) دون (المرسل) ، مع ذلك ذكرها أبو داود في (المراسيل) ، و (المراسيل) اسم لا فعل!!

    1. (٢)انظر المراسيل لأبي داود (رقم ٤٧، ١١٠، ١٥٤، ١٩٣، ٢٤١) ، وغيرها.
  16. كلا.. لا (أين) ! فالحافظ كان عالماً برأي أبي داود هذا (٣) !! لكن يبدو أنه ألغاه من الاعتبار في شرح المصطلح،

    vol. 1, p. 232لأنه من الكثيرين الذي خالفوا الأكثرين!!!

    1. (٣)انظر انكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٢/٥٤٤) .
  17. أم كيف غاب عن الحافظ (المراسيل) لا بن أبي حاتم، وجله في الانقطاع قبل الصحابي؟!!! وفيه أقوال بالغة الكثرة لأئمة كثيرين من أهل الحديث، يعبرون فيها عن عدم سماع راوٍ

    من راوٍ بأنه (مرسل) ، كذا بالصيغة الاسمية!!

  18. ثم أخيراً: أين (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) للعلائي عن الحافظ؟! وهو على نمط سابقه!!

  19. وهذا كله في إطلاق (المرسل) بالصيغة الاسمية على (المنقطع) عند الحافظ، فماذا يقول؟!!

    وأما إطلاق (المنقطع) على (المرسل) ، فوارد في صريح كلام الإمام الشافعي في (الرسالة) ، حيث قال: ((المنقطع مختلف: فمن شاهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فحدث حديثاً منقطعاً عن النبي= اعتبر عليه بأمور ... ) ) (١) .

    1. (١)الرسالة للشافعي (رقم ١٢٦٣- ١٢٦٤) .
  20. هذا هو الكلام الذي نقل عن الحاكم، وفهم منه أن الحاكم يحصر مصطلح (المرسل) في الصورة التي ذكرها، وهي رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل ظاهر كلام الحاكم، أن الإجماع منعقد على ذلك.

    لكن سبب الخطأ في فهم كلام الحاكم على ذلك أنه حذف منه أوله! حيث ابتدأ الحاكم هذا النوع بقوله: ((النوع الثامن من هذا العلم: معرفة المراسيل المختلف في الاحتجاج بها ... ) ) (١) .

    1. (١)معرفة علوم الحديث (٢٥) .
    vol. 1, p. 233
  21. فالحاكم إذن لا يتكلم عن (المرسل) بإطلاق، إنما يتكلم عن (المرسل) الذي وقع الاختلاف في الاحتجاج به.

  22. هذا ظاهر كلام الحاكم، وصريح عبارته!!

  23. ثم يؤده إطلاق الحاكم في غير موطن من كتبه لفظ (المرسل) واشتقاقاته على غير ما حصر فيه. وذلك في مثل قوله عن حديثٍ للحسن البصري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    vol. 1, p. 234((إسناد صحيح الرواة، مرسل عن علي) ) (١) ، وكقوله أيضاً على حديث آخر للحسن عن عائشة رضي الله عنها: ((هذا حديث صحيح إسناده، لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة) ) (٢) .

    1. (١)انظر مبحث علي بن أبي طالب في كتابي (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) .
    2. (٢)المستدرك (٤/٥٧٨) .
  24. ونحو الحاكم في هذه المسألة الحافظ ابن عبد البر، وكلامه عن (المرسل) في كتابه (التمهيد) (٣) !!

    1. (٣)التمهيد (١/١٩) .
  25. وأكتفي بهذه الإشارة والدلالة، عن التطويل في الإيضاح والبيان.

  26. وننتقل عن هذه المسألة إلى دليل آخر على تبني الحاغفظ لـ (فكرة تطوير المصطلحات) .

  27. ففي تعريف الحافظ لـ (العلة) في اللاصطلاح تغير لمدل المصطلح عند أهله، كما سبق بيانه فيما تقدم من هذا الباب (٤) .

    1. (٤)انظر (ص ٢٢٠- ٢٢١) .
  28. ثم نقف عند مصطلحي (المنكر) و (الشاذ) ، وما يقابلهما (المعروف) و (المحفوظ) .

  29. أما (المنكر) و (الشاذ) ، فقد فرق بينهما الحافظ، وقصر مدلوليهما وقده بوقوع مخالفة، فإن كانت مخالفة مقبول فهو (الشاذ) ، وإن كان ضعيفاً فهو (المنكر) (٥)

    1. (٥)نزهة النظر (٩٧- ٩٨) .
  30. مع أن ابن الصلاح قبله لم يفرق بين (المنكر) و (الشاذ) (٦) !

    1. (٦)علوم الحديث لابن الصلاح (٧٦- ٨٢) .
  31. بل والحافظ نفسه يعترف بعدم انضباط هذا التعريف في استخدامات المحدثين، وأنهم يطلقونهما على مدلولات أوسع مما ضيقها فيها الحافظ (١) .

    1. (١)انظر النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/٦٧٤- ٦٧٥) .
    vol. 1, p. 235
  32. ومما سبق ذكره، ويعرفه الحافظ، أن الإمام أحمد والنسائي يطلقان النكارة على مطلق التفرد (٢) . وقد سبق الكلام عن خطأ إغفال هذا الاستعمال في شرح مصطلح (المنكر) (٣) ، فضلاً عن غيره من استعمالاته واستعمالات (الشاذ) .

    1. (٢)انظر (ص ٢٢٢) .
    2. (٣)الموضع السابق.
  33. ثم إن الحاكم أبا عبد الله، وهو من أهل الاصطلاح، عرف (الشاذ) ، وضرب

    له أمثلة. فلم لم يلتزم الحافظ تعريفه (٤) ؟!

    1. (٤)معرفة علوم الحديث للحاكم (١١٩- ١٢٢) .
  34. وأيضاً فقد عرف (المنكر) الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون بن روح الرديجي (ت ٣٠١هـ) ، وهو من أهل الاصطلاح. فبأي حق يخالفه الحافظ (٥) ؟!

    1. (٥)علوم الحديث لابن الصلاح (٨٠) .
  35. أما دعوى أن مقابل (الشاذ) (المحفوظ) ، وأن مقابل (المنكر) (المعروف) ، كذا قسمةً باتة= فأجزم أنها من كيس الحافظ، وانه لم يسبق إليها، ولا هناك ما يدل عليها!!!

  36. وكتب العلل مليئة بإطلاق (المحفوظ) و (المعروف) دون التفات إلى هذا التقسيم، أو اعتباره (٦) !!

    1. (٦)انظر مثالاً على ذلك في العلل للدار قطني (٢/٨٧رقم ١٢٩) .
  37. وقد نبه إلى ذلك ابن قطلوبغا في حاشيته على (نزهة) !

  38. قال ابن قطلوبغا عند تقسيم الحافظ وتعريفه لـ (المنكر) و (الشاذ) وما يقابلهما: ((وما ذكره في توجيهه ليس على حد ما عند القوم) ) (١) .

    1. (١)حاشية ابن قطلوبغا (القول المبتكر) = (ص ١٠١) .
    vol. 1, p. 236
  39. وقال ابن قطلوبغا أيضاً معلقاً على قول الحافظ ((وقد غفل من سوى بينهما) ) ، قال: ((قد أطلقوا في غير موضع (النكارة) على رواية الثقة مخالفاً لغيره، من ذلك: حديث نزع الخاتم (٢) ، حيث قال أبو داود: ((هذا حديث منكر) ) (٣) ، مع أنه من رواية همام بن يحيى، وهو ثقة احتج به أهل الصحيح. وفي عبارة النسائي، ما يفيد ـ في هذا الحديث بعينه ـ أنه (أي المنكر) يقابل (المحفوظ) (٤) . وكأن (المحفوظ) و (المعروف) ليسا بنوعين حقيقيين، تحتهما أفراد مخصوصة عندهم، وإنما هي ألفاظ تستعمل في التضعيف، فجعلها المؤلف أنواعاً، فلم توافق ما وقع عندهم)) (٥) .

    1. (٢)هو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)) .
    2. (٣)سنن أبي داود (رقم ١٩) .
    3. (٤)حيث قال النسائي عن هذا الحديث الذي وصفه أبو داود بأنه (منكر) : ((غير محفوظ)) كما في السنن الكبرى (٥/٤٥٦رقم ٩٥٤٢) .
    4. (٥)حاشية ابن قطلوبغا (١٠٣) ، ووقع فيه تصحيف صوبته من اليواقيت والدرر للمناوي (١/٢٩٠) ، كما وقع في الثاني تصحيف أيضاً!
  40. فانظر إلى هذا (الجديد) و (التطوير) لمعاني المصطلحات، وتنبه إلى نتائج ذلك وأخطاره!!