الفصل الثاني: الطور الثاني لكتب علوم الحديث (كتاب ابن الصلاح فما بعده)
152 paragraphs · vol. 1, p. 211
Page 4 of 4
- vol. 1, p. 236
ثم بعد ذلك في (النزهة) ، عند الكلام عن الأحاديث المقبولة المتعارضة، يقول الحافظ: ((فإن أمكن الجمع، فهو النوع
vol. 1, p. 237المسمى (مختلف الحديث) ... )) (١) .
- (١)النزهة (١٠٣) .
-
فقصر الحافظ (مختلف الحديث) في: (الحديث المقبول الذي عارضه مثله معارضةً ظاهريةً وأمكن الجمع) ، كذا بقيد إمكان الجمع، كما هو واضح في كلامه.
-
أما ابن الصلاح قبله، فذكر في نوع (معرفة مختلف الحديث) : ما أمكن فيه الجمع، وما لم يمكن مما قيل فيه بالنسخ أو بالترجيح؛ وهذا كله في (مختلف الحديث) (٢) !
- (٢)علوم الحديث لابن الصلاح (٢٨٤- ٢٨٦) .
-
وهذا أيضاً هو صريح مقال وفعال الإمام الشافعي في كتابه (اختلاف الحديث) (٣) .
- (٣)انظر اختلاف الحديث (٣٩- ٤٠) ، وانظر مثالاً لما صار فيه إلى القول بالنسخ في حديث: ((الماء من الماء)) = (ص ٥٩- ٦٤) ، ولما صار فيه إلى الترجيح، في التيمم (ص ٦٤- ٦٦) .
-
ومثله ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦هـ) ، في كتابه (تأويل مختلف الحديث) (٤) .
- (٤)انظر مثالاً لما صار فيه ابن قتيبة إلى القول بالنسخ في تأويل مختلف الحديث (ص ١٩٤) ، وهو في حد القطع في السرقة.
-
أما استاذي الدكتور أسامة بن عبد الله الخياط في كتابه (مختلف الحديث) ، فتوسط بين الحافظ وغيره، حيث مال إلى أن (مختلف الحديث) شامل لما أمكن فيه الجمع أو الترجيح، دون النسخ (٥) .
- (٥)مختلف الحديث للدكتور أسامة خياط (٣٢) .
-
على أني أعلن أن (مختلف الحديث) ليس من مصطلحات
vol. 1, p. 238أقسام الحديث، التي كان يعبر بها عن حال المروي كـ (الصحيح) و (الضعيف) ونحوهما. وإنما (مختلف الحديث) اسم لمصنفات في شرح أحاديث شملتها صفة واحدة، هي: وقوع اختلاف أو تناقض بينهما وبين غيرها من كتاب أو سنة أو عقل صحيح، لتزيل إشكال ذلك الاختلاف وحرج ذاك التناقض.
-
ومثل (مختلف الحديث) في ذلك مثل (المتفق والمفترق) و (المؤتلف والمختلف) و (المتشابه في الرسم) والمزيد في متصل الأسانيد) ، وغيرها، من أسماء المصنفات، التي أدخلها ابن الصلاح في أنواع كتابه، فتطور الأمر بعده، فظنت أنها مصطلحات متداولة كـ (الصحيح) و (الضعيف) .
-
ثم ننتقل إلى مسألة أخرى، قد أشبعتها بحثاً في نحو سبع مجلدات! إنها مسألة (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) .
-
وما أريد ذكره هنا أن الحافظ صرح بأن السبب من تفريقه بين: (رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه) بتسميته (إرسالاً خفياً) ، و (رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه) بحصر (التدليس) فيها؛ بين أن سبب هذا التفريق هو: ((لتتميز الأنواع) ) (١) ، يعني من أجل (تطوير المصطلحات) !!!
- (١)انظر تعريف أهل التقديس لابن حجر (٢٥) .
-
وفي هذه المسألة يتضح اعتناق الحافظ لـ (فكرة تطوير المصطلحات) ، وأنه كان مؤمناً بها، لا يرى فيها ما يدعو إلى عدم السعي لتحقيقها!!
-
والوقوف على عجائب ذلك وغرائبه، يستلزم منك الوقوف على تلك الدراسة المطولة، المشار إليها آنفاً.
- vol. 1, p. 239
فإذا مضينا مع (النزهة) ، نقف عند أنواع الطعن في الراوي، ومسمى حديث من طعن فيه بأحدها (١) ؛ لتلمح (التطوير) والتحكم في ذلك من النظرة الأولى! فإذا فحصت عن ذلك ظهر لك تأكيد تلك الملامح!!
- (١)انظر نزهة النظر (١٢٢- ١٢٣) .
-
فإذا عجلت المضي في (النزهة) ، يستوقفك قول الحافظ: ((فإن كان ذلك (يعني التغيير) بالنسبة إلى النقط: فـ (المصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل (٢) : فـ (المحرف) ..)) (٣) .
- (٢)المراد بالشكل: الضبط بالحركات والسكنات، كسليم وسليم، وما كنت أحسب أحداً يفهمه على خلاف ذلك، حتى قيل لي مرة: إن مراد الحافظ بـ (الشكل) هيئة الكلمة وصورتها! فقلت: فلا فرق إذن بين (المصحف) و (المحرف) ، لأن (بريداً ويزيداً) و (بشيراً ويسيراً ونسيراً) مع أن التغيير فيها وقع في النقط، فقد تناول هيئة الكلمة وصورتها أيضاً. ولا يتصور تغيير النقط، إلا بتغيير صورة الكلمة أيضاً. وعلى كل حال، فقد اتفقت كلمة شراح (النزهة) على فهم كلام الحافظ ومراده بـ (الشكل) على ما ذكرته. فانظر قفو الأثر لابن الحنبلي ـ وحاشية تحقيقه ـ (٧٧) ، وشرح شرح نخبة الفكر لملا علي القاري (٤٩٠) ، وبلغة الأريب للزبيدي (١٩٥) ، واليواقيت والدرر للمناوي (٢/٤٣١) ، ولقط الدرر للسمين (٩٥) .
- (٣)النزهة (١٢٨) .
-
وهذا التفريق تفريق حادث، واصطلاح خاص بالحافظ، لم يسبقه إليه أحد!!
-
وقد أشار بعض شراح (النزهة)
-
إلى أن هذا التفريق اصطلاح للحافظ دون غيره (٤) .
- (٤)انظر إمعان النظر للنصربوري (١٦٣) ، وبهجة النظر لأبي الحسن الصغير السندي (١٦٤) ، ولقط الدرر للسمين (٩٦) .
-
وقال الإمام العلامة المحدث أحمد بن محمد شاكر بن
vol. 1, p. 240أحمد الشريف الحسيني المصري (١٣٧٧هـ) ، في حاشية تحقيقه لألفية الحديث للسيوطي، بعد ذكره لتفريق الحافظ بين (المصحف) و (المحرف) : ((وهو اصطلاح جديد، وأما المتقدمون فإن عباراتهم يفهم منها أن الكل يسمى بالاسمين، وأن التصحيف مأخوذ من النقل عن الصحف، وهو نفسه تحريف) ) (١) .
- (١)ألفية السيوطي ـ الحاشية ـ (٢٠٣- ٢٠٤) .
-
وتبعه على ذلك عبد الفتاح أبو غدة في تحقيقه لـ (قفو الأثر) (٢) .
- (٢)قفوا الأثر لابن الحنبيلي - الحاشية - (٧٧- ٨٢) .
-
وقد كنت رددت تفريق الحافظ هذا في أصل هذا البحث بالأدلة، ثم طبع حديثاً كتاب (التصحيف وأثره في الحديث والفقه ودجهود المحدثين في مكافحته) للأستاذ أسطيري جمال. وقد أطال في رد هذا التفريق، وفي الاستدلال لنقضه، بما يكفي ويشفي. فاستغنيت عما كنت كتبته، بما أحيل إليه من ذلك الكتاب (٣) .
- (٣)التصحيف لأسطيري - جمال (٢٥-٤١) .
-
والأعجب من ذلك كله، هو موقف بعض شراح (النزهة) . فبعد تقريرهم أن تفريق الحافظ اصطلاح خاص به، قالوا: ((ولا مشاحة في الاصطلاح) ) !!!
-
فأقول: لكن الذي فعله الحافظ هو (المشاحة) !! لأنه يتكلم عن مصطلح أهل الأثر، كما سمى كتابه، وليس يتكلم عن مصطلحه الخاص به!! وتفريقه ذاك مخالف لاصطلاح أهل الأثر، فيقال له هو: ((لا مشاحة في الاصطلاح) ) !!!
-
وهنا أنتهي من كلامي عن (نزهة النظر) ، بما أظهرت به أن
vol. 1, p. 241لـ (النزهة) ـ في مواضع منها ـ منهجاً غير سديد في فهم المصطلح، قائماً على (فكرة تطوير المصطلحات) التي كررنا التأكيد على خطرها وأثرها المدمر على علوم الحديث (١) .
- (١)النظر (ص ١٧٦) .
-
وأرجو ـ بعد ذلك ـ أن يكون مقصودي واضحاً، فلا يفسر على غير ما أردت. إذ إنه ليس غرضاً لي ـ ولم يكن ولن يكون غرضاً لي ـ الحط من كتاب كـ (نزهة النظر) . إنما أردت بيان فضل المنهج السليم في فهم مصطلح الحديث على المناهج الأخرى، وبيان من سار على ذلك المنهج أو تلك المناهج من المصنفين في علوم الحديث.
-
فإذا عدنا إلى سياق كتب علوم الحديث، وتلمس مناهجها، بعد الحافظ ابن حجر، فأقول ـ مختصراً المقال: ـ
إن اشهر الكتب في علوم الحديث بعد الحافظ ابن حجر، هي: (فتح المغيث شرح ألفية الحديث) للسخاوي (ت ٩٠٢هـ) ، و (تدريب الراوي شرح تقريب النواوي) للسيوطي (ت ٩١١هـ) ، و (توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الآثار) للأمير الصنعاني (ت ١١٨٢هـ) .
-
وقد اتخذت هذه الكتب، وغيرها مما وضع في عصرها أو بعده، من (نزهة النظر) للحافظ ابن حجر= أصلاً أصيلاً، ومصدراً أساسياً، في فهم مصطلح الحديث وتقرير قواعده. فتناقلت الكتب ما جاء في (النزهة) ، ونصرته، غالباً.
-
ولقد كان السخاوي مثالاً للتلميذ المتعصب لشيخه: الحافظ ابن حجر، وحق له ـ والله ـ ذاك!! لكن الحافظ عندي إمام، وابن الصلاح إمام، والخطيب إمام، والحاكم إمام، وغيرهم من
vol. 1, p. 242نقاد الحديث أئمة أيضاً. فلا معنى للتعصب عندي لأحدهم دون الآخر!! لذلك رأيت الحق أولى ما ابتغي وسعي إليه، وأحق ما نصر وتعصب له!!
-
أما السيوطي فأخف من غيره تعصباً للحافظ، خاصةً في (تدريب الراوي) ى. ولعل سبب ذلك أنه يشرح كتاباً للنووي في اختصار كتاب ابن الصلاح، ثم هو لم يتتلمذ على الحافظ ابن حجر.
-
وأما الأمير الصنعاني فأبعدهم عن التعصب، لكنه لا يجري مجرى غيره في ممارسة علم الحديث تطبيقاً وعملاً، ثم يؤخذ عليه كثرة تعويله على كتب أصول الفقه وترجيح آراء اصحابها على آراء أصحاب الفن من المحدثين!
-
غير أنه مما يميز هذه الكتب وأشباهها، أنها كتب موسعة، مليئة بالنقول والأمثلة. إضافةً إلى تحريراتٍ وفوائد وفرائد، لا يستغنى عنها إلا من استغنى عن هذا العلم.
-
وبذلك أكون قد انتهيت من هذا العرض، لمناهج كتب علوم الحديث، وتمييز خصائها ومحاسنها من المؤخذات عليها. وقد حاولت جاهداً الاختصار، وإلا فالمجال واسع فسيح، بدراسة كل كتابٍ على حدة، دراسةً شاملةً وافيةً، من خلال الغاية التي سعيت إليها في هذا العرض.
-
ومن هنا أنتقل إلى الباب الآتي.