(ب) الحالة الاجتماعية
19 paragraphs · vol. 1, p. 226
- vol. 1, p. 226
في معرض الكلام عن الحالة الاجتماعية في العصر المماليكي سنتكلم إن شاء الله على ناحيتين بارزتين مؤثرتين في المجتمع:
الأولى: فئات الناس الاجتماعية وأوضاعها المعيشية.
-
الثانية: الأوبئة والمجاعات التي كان يتعرض لها المجتمع.
- vol. 1, p. 227
أما عن الأولى: فإن الباحث في تاريخ هذا العصر يجد أمامه فئات من الناس، كل فئة لها حالتها الاجتماعية الخاصة، وهذه الفئات هي: المماليك، والعلماء، والتجار، والعامة، والفلاحون، والعربان.
-
فالمماليك هم الطبقة الأولى في المجتمع وهم أصحاب السلطان والجاه في الدولة، ويرجع هؤلاء في أصلهم إلى جنسيات مختلفة، فمنهم التركي، ومنهم الجركسي، ومنهم المغولي، ومنهم الصيني، وينسب هؤلاء إلى سيدهم الذي اشتراهم إن كان سلطان من السلاطين أو تاجرا من التجار، كالمماليك الأشرفية والخليلية نسبة للسلطان الأشرف خليل، وكبرقوق العثماني، نسبة للتاجر الذي اشتراه.
-
ولقد اعتنى السلاطين عناية فائقة بمماليكهم، وحرصوا على تربيتهم تربية سليمة، فإذا اشترى السلطان عددا من المماليك فإنه يرسلهم إلى الفحص أولا، للتأكد من سلامة أبدانهم، وبعد ذلك ينزل كل مملوك في طبقة جنسه، وكان في القلعة طباق، خصص لكل جنس من أجناس المماليك طبقة معينة. ويقوم بتربية هؤلاء المماليك مجموعة من الطواشية ويتردد عليهم الفقهاء والقراء ويعلمونهم القرآن والفقه كما يعلمونهم الخط
وكان هؤلاء المماليك يتقلبون في رغيد العيش، ويلقون من سلاطينهم كل تكريم وحنو، ولم يكن ينظر إليهم كالعبيد الأرقاء، وإنما ينظر إليهم بعين الإحسان والتربية، وهذا يعلل قوة ارتباطهم بأسانيدهم.
-
وعندما يبلغ المملوك سن البلوغ يتلقى فنون الفروسية والحرب، وبعدها يخرج من الطباق، ثم يتدرج في الخدمة السلطانية، ويترقى حتى يصل إلى رتبة الأمراء.
-
ولقد حرص السلاطين والأمراء على بقاء الانفصال تاما بين المماليك وسائر الناس، ومن مظاهر هذا الانفصال منع الزواج بين هذه الفئة وغيرها من
vol. 1, p. 228فئات المجتمع، وكان السلاطين يؤيدون هذا الانفصال بالتحذيرات المستمرة، وفرض العقوبات الرادعة.
-
وهذه العزلة أوجدت هوة كبيرة بين المماليك الذين هم الحكام من جهة، وبين المحكومين من جهة أخرى، وأصبح الشعب لا يبالي بما يجري من الأحداث ولا تحركه أشجان السلاطين ومآسيهم إذا دارت الدائرة عليهم.
-
ولم تسجل الكتب التي بين أيدينا موقف حاسمة لجماهير الناس فيما عدا بعض المواقف النادرة كنصرة العامة للسلطان الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧٠٨هـ عندما تحالف زعيما البحرية والبرجية للتخلص منه، ولم يكن معه إلا عدد قليل من المماليك، ولم يخلصه من هذه الورطة - التي أوشكت أن تودي بحياته - إلا العامة الذين ثبتوا في أماكنهم وهم يصرخون "يا ناصر يا منصور، الله يخون من يخون ابن قلاوون" وهذا من الموقف النادرة التي شارك فيها الناس لتأييد سلطانهم.
-
وأما العلماء: فقد لقي هؤلاء تكريم سلاطين المماليك، وكان للعلماء كلمتهم المسموعة، وسلطانهم الكبير على العامة، وهذا السلطان مكن بعضهم من الوقوف في وجه السلاطين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويصدعون بالحق، كالعز ابن عبد السلام، وشمس الدين الحريري قاضي الحنفية، وابن تيمية الحراني.
-
وأما التجار: فقد شعر السلاطين بأن التجار هم المصدر الأول الذي يعتمدون عليه في سد حاجاتهم في الأوقات العصبية، لذا فقد كانت هذه الفئة تتمتع بمكانة مرموقة، وقد نشط السلاطين الحركة التجارية في بلادهم، وأعطوا التجار الأجانب امتيازات وتسهيلات تجارية، كل ذلك فتح الباب أمام التجار المسلمين لأن يجمعوا ثروات طائلة لانعكاس تلك التسهيلات عليهم، وقد
vol. 1, p. 229استفادوا كثيرا من ذلك المركز التجاري الممتاز، الذي جعل بلاد المماليك ملتقى النشاط التجاري العالمي آنذاك.
-
والجدير بالذكر أنه بالرغم من هذه المكانة التي حظي بها التجار عند السلاطين، إلا أنهم كانوا يتعرضون لسطوتهم، فيؤخذ منهم المال الوفير بين الحين والآخر.
-
وأما العامة: فتتألف من العمال، والصناع، والسقائين، والسوقة، والمكاريين، وكان أفراد هذه الفئة على درجة كبيرة من الفقر والحاجة.
-
وأما الفلاحون: وهم سواد الناس، فلم يكن نصيبهم سوى الإهمال، وقد وصلت أحوالهم إلى درجة كبيرة من السوء، وزاد من هذا السوء كثرة المغارم، التي حلت بهم، والضرائب التي فرضت عليهم، علاوة على أنهم لم يسلموا من فئة العربان وبطشهم.
-
وأما العربان فهؤلاء لهم شخصيتهم المتميزة، وهم المنافس الوحيد لفئة المماليك، ولذلك فهم يثورون بين الفينة والفينة، وفي بعض الأوقات يتمنعون عن دفع الضرائب والخراج.
-
ومن أشهر ثورات هؤلاء الأعراب ثورة بدر بن سلام سنة ٧٧٩هـ، الذي هاجم دمنهور وفتك في أهلها، ولم تتمكن الدولة من إخماد هذه الثورة إلا بعد ثلاث سنين، أي سنة ٧٨٢هـ.
-
ولقد جرب العربان حظهم مرة أخرى بالثورة، ومعهم الخليفة المتوكل والمماليك الأشرفية، وحاولوا قتل السلطان برقوق وتنصيب الخليفة المتوكل سلطانا، ولكن هذه المحاولة لم تفلح.
- vol. 1, p. 230
وأما الناحية الثانية من المؤثرات الاجتماعية: فهي الأوبئة والمجاعات:
وما كان يتعرض له الناس في هذا القرن من الأوبئة والمجاعات فإن الحديث عنه يطول، ولا بد أن يكون لهذه الأوبئة أثرها على النفوس، فتوجهها نحو بارئها بالتضرع والخشية كلما قسمت القلوب، أو طال عليها الأمد. فهذا طاعون سنة ٧٤٩هـ ملأت مآسيه الصفحات، وما أصاب الناس من جرائه من العنت سجله المؤرخون، وعلى رأسهم عماد الدين بن كثير فقال: "وكثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزادت الأموات كل يوم على المائة، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج حتى يموت أكثرهم، ثم زاد الموتى على المائتين في كل يوم، وتعطلت مصالح الناس" . ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يزداد الضنك على الناس حتى تكاد القلوب تخرج من صدورها، فيقول ابن كثير: "وفي يوم الاثنين ثاني عشر رجب حصل بدمشق وما حلوها ريح شديدة، أثارت غبارا شديدا، اصفر الجو منه، ثم اسود، حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس يستجيرون الله، ويستنصرون، ويبكون، مع ما هم فيه من شدة الموت، وبلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي نحو المائة وخمسين" .
-
ويودع الناس هذا الموت الأسود، ويتنفسون الصعداء، وما إن تهل عليهم سنة ٧٦٥هـ حتى تأتي موجة أخرى منه، يصاحبها الجراد والغلاء، يقول ابن كثير: "واستهل شهر شوال سنة ٧٦٥هـ والجراد قد أتلف شيئا كثيرا من البلاد، ورعى الخضراوات والأشجار، وأوسع أهل الشام في الفساد، وغلت الأسعار واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وفقدت كثيرا من الأصحاب والأصدقاء" .