(أ) الحالة السياسية

12 paragraphs · vol. 1, p. 224

  1. ورث المماليك سلطان الأيوبيين على مصر والشام، بعد مقتل توران شاه سنة ٦٤٨هـ، وفي هذه السنة تولى الملك المعز أيبك التركماني كرسي السلطنة، وبعد بضع سنين، وعلى يد المظفر قطز، حطم المماليك غزو التتار وكان ذلك سنة ٦٥٧هـ، فسلمت البقية الباقية من العالم الإسلامي - بفضل الله وبرحمته - من تلك الهجمة الشرسة. وبذلك حقق المماليك في أوائل عهدهم مفخرة إسلامية كبرى، انضم إليها قضاؤهم على الفلول الصليبية، فطهروا البلاد الشامية من آخر قلاع الصليبيين.

    vol. 1, p. 224
  2. ويضاف إلى ما سبق أثر ثالث لا يقل أهمية عن دحر التتار والصليبيين، وهو إحياء الخلافة الإسلامية، وكان ذلك سنة ٦٥٩هـ، بعد سقوط بغداد بثلاث سنين، حيث نصب أبو القاسم أحمد بن الخليفة الظاهر خليفة للمسلمين.

  3. ومع أن هذا المنصب ظل منصب تشريف، لا يحمل من حقيقة الخليفة إلا الاسم، إلا أنها كانت باردة وجهت قلوب المسلمين نحو هذه الدولة الجديدة، التي أصبحت حامية حمى المسلمين، ومركز خلافتهم بعد بغداد.

  4. وأما الحكم الفعلي فقد تعاقبت عليه فئتان من المماليك هما:

    ١ - المماليك البحرية (أو الأتراك) وحكموا من سنة ٦٤٨ إلى سنة ٧٨٤هـ.

  5. ٢ - المماليك البرجية (أو الجراكسة) وحكموا من سنة ٧٨٤ إلى سنة ٩٢٣هـ.

    vol. 1, p. 225
  6. وقد أدرك الإمام ابن رجب طرفا من كلا العهدين، فعاش في ظل المماليك البحرية من سنة ٧٤٤ - إلى ٧٨٤هـ، وعاش في ظل البرجية من سنة ٧٨٤ - إلى ٧٩٥هـ أي حتى وافاه أجله.

  7. ويتسم عصر المماليك - رغم الانتصارات العسكرية التي حققها - بعدم الاستقرار، وكثرة الفتن، والتنافس على الحكم، أو قل: بالفوضى السياسية الكاملة، إذ في كل صفحة من صفحات تاريخ هذا العصر مخامرة على السلطان، أو صراع بين الأمراء، أو سفك للدماء، أو مصادرة للأموال، وكل هذه أمور عادية، أصبح المؤرخ يتقبلها، ويعرضها، دون استغراب أو تعجب.

  8. أما شكل النظام السياسي في الدولة المملوكية: فقد كانت القاهرة مركز الحكم، وفيها الخليفة العباسي، والسلطان المملوكي، وهو الحاكم الفعلي الذي يصرف الأمور، فيولي ويعزل، ويقطع الإقطاعات، ويسير الجيوش، ويساعد السلطان نائب له في مصر، وقد يستقل هذا النائب بالأمر إذا كان السلطان قاصرا، وغالبا ما يكون النائب من الشخصيات ذات المطامع، يتولى السلطنة وقد يصل عن طريق الفتك بالسلطان، أو يفتك به السلطان قبل أن يصل إلى مراده.

  9. وأما بلاد الشام - التي تعنينا بوجه خاص لأنها موطن ابن رجب - فهي تابعة للنظام في مصر، وتحكم بشكل مماثل، فهي مقسمة إلى عدة نيابات: نيابة دمشق، وحلب، وطرابلس، وحماة، وصفد، والكرك. وكل نائب في نيابته

    vol. 1, p. 226سلطان مختصر، إلا أن دمشق تقف بين النيابات الشامية مقام السلطان في أكثر الأمور، ونائبها هو الذي يكتب عنه التوقيع، مع بقاء بعض المراكز الكبرى في النيابة من اختصاص السلطان، وذلك لضمان عدم الخروج عليه.

  10. وكان في كل نيابة أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، ووزير يتمتع بما يتمتع به الوزير في مصر، ويسمى ناظر النظار.

  11. وأما الدواوين: فأشهرها ديوان الإنشاء، وديوان النظر، وديوان الجيش ويلقب صاحب ديوان الإنشاء بكاتب السر، ويمثل ديوان النظر الإدارة المالية.

  12. ومما يمتاز به عصر المماليك أن الأحداث والمناصب السياسية حكر على عنصر المماليك، لا يشاركهم فيها أحد من عامة الناس، وإنما دور بقية الناس يقف عند مراقبة الأحداث، فإذا تغلب مملوك على آخر فعلى العامة أن تقيم الزينات، وتعلن الابتهاج، وكل ما يحدث في مركز الدولة تتأثر به دمشق وسائر النيابات، ونواب دمشق وغيرها، كسادتهم في القاهرة، بين جديد تقام له الزينات، وطريد غير مأسوف عليه، وهكذا دواليك.