المبحث الثاني نظرة في مناهج كتب العلل المتقدمة
8 paragraphs · vol. 1, p. 44
- vol. 1, p. 44
تعرضنا في الفصل الأول من هذا الباب لمفهوم العلة والجهود التي بذلها علماء العلل، وذكرنا أكثر الكتب التي صنفت في هذا المضمار، كل ذلك على طريقة المسح الزمني. أما من حيث المناهج التي سارت عليها هذه المصنفات فقد تنوعت إلى مناهج عدة:
أولاً: فمنها ما كان على طريقة المسائل المتفرقة، والمعارف غير المبوبة، وذلك بأن يجيب إمام من أئمة هذه الصنعة على أسئلة تلاميذه، ثم ينشط واحد من هؤلاء التلاميذ فيجمع هذه المسائل المنثورة المتفرقة في كتاب. وذلك كما فعل عباس الدوري في أجوبه يحيى بن معين وأقواله حيث جمعها في كتاب "التاريخ والعلل" وكذلك فعل عثمان الدارمي، وابن الجنيد، وابن محرز، فكل واحد من هؤلاء أسهم بجمع هذه المسائل المتفرقة.
-
وكما نقلت مسائل يحيى بن معين فقد نقلت مسائل أحمد وأقواله في العلل، إذ قام عدد من تلاميذه يجمعون هذا النوع من المعارف الحديثية، منهم عبد الله بن أحمد الذي جمع مسائل والده في "العلل ومعرفة الرجال" وكذلك فعل صالح بن الإمام أحمد، والميموني، وابن هانئ، والأثرم، كل واحد من هؤلاء له كتاب جمع فيه مسائل في العلل عن الإمام أحمد.
-
ثانيا: ومنها ما كان على طريقة المسانيد المعللة، وذلك بان يصنف إمام معتبر علل الحديث على مسانيد الصحابة، فيذكر حديث الصحابي الواحد، ثم
vol. 1, p. 46يذكر علة كل حديث بعد الفراغ منه، وذلك كما فعل يعقوب بن شيبة في "المسند المعلل" وأبو بكر البذار في "المسند الكبير المعلل" والدارقطني في "العلل الواردة في الأحاديث النبوية" .
-
ثالثا: ومنها ما كان على "طريقة الأبواب المعللة" وذلك بأن يصنف الحديث على الأبواب الفقهية، ثم تذكر علل كل باب بعد الفراغ منه أو علة كل حديث بعده، وذلك كما فعل أبو عيسى الترمذي في كتابه "الجامع" المشهور "بسنن الترمذي" وكما فعل عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه "علل الحديث" .
-
رابعا: ومنها ما كان على طريقة جمع الحديث المعلل لشيخ واحد، وذلك كما فعل علي بن المديني عندما صنف في علل الحديث ابن عيينة. وهذه الطريقة مفيدة في معرفة نسبة العلل في حديث هذا الشيخ.
-
خامسا: ومنها ما كان على طريقة التراجم المعللة، وقد تكون هذه التراجم إما على الطبقات أو على الترتيب الهجائي، وفيها يعمد المصنف إلى الرواة فيذكرهم ويذكر بعض العلل التي عرف بها المترجم. وذلك ككتاب العقيلي "الضعفاء" الذي احتوى على تراجم مرتبة ترتيبا هجائيا، و "الكامل في ضعفاء المحدثين وعلل الحديث" لابن عدي، كذلك.
-
سادسا: أما كتب مصطلح الحديث "كمعرفة علوم الحديث" للحاكم، و "مقدمة ابن الصلاح" ومن تابعهما من المصنفين في المصطلح فقد جعلوا الحديث المعلل نوعا من الأنواع التي تعرضوا لها، وذكروا شيئا من تعريف العلة وأنواعها، ولكنه على غاية من الاختصار، وهذا يناسب موضوع كتب المصطلح والهدف منها، وهو التعريف بعلوم الحديث عامة.
-
وهذه هي الرمز المنهجية لكتب العلل، وأما كتاب ابن رجب ففي المطلب الثاني تفصيل لمنهجه وبيان لمزاياه، ان شاء الله تعالى