المبحث الأول التعريف بأصل الكتاب وصاحبه
30 paragraphs · vol. 1, p. 41
- vol. 1, p. 41
[تمهيد]
-
لما كان منطلق هذه الدراسة كتاب "شرح علل الترمذي" فإنه منطق البحث يلزمنا أن نعرف بأصل الكتاب وصاحبه. وسيكون هذا - إن شاء الله - على وجه الإجمال والاختصار، وذلك لأن الأصل الذي هو "العلل الصغير" مبثوث في شرح ابن رجب، وقد تكلم عليه فأجاد وأفاد. وأما صاحبه فهو الإمام الترمذي وهو غني عن التعريف والبيان.
-
وقد جعلت هذا المبحث في مطلبين اثنين:
[المطلب الأول التعريف بكتاب العلل الصغير]
-
صنف الإمام الترمذي كتابه المسمى بـ "الجامع" على الأبواب المعللة، ثم ختم كتابه بكتاب صغير في العلل، بين فيه مقاصده، ومصادره ورجاله ومصطلحاته.
-
ومع أن هذا الكتاب مسبوق بجهود متفرقة في علم الدراية، كما هو مسبوق بمقدمة صحيح مسلم، التي حددت مقاصد مسلم ورجاله، وبعض آرائه، رغم كل هذا فإن كتاب العلل الصغير للترمذي جاء أتم وأكمل، وجاز لنا أن نعتبره أول مصنف في علوم الحديث، وموضوعاته أشمل وأدق من موضوعات "المحدث الفاصل" للرامهرمزي الذي قيل فيه: أنه أول مصنف في علوم الحديث.
- vol. 1, p. 42
ولما كنت سأكل الكلام عن هذا الكتاب لشارحه فسأقتصر هنا على ذكر مقاصد الكتاب. وهي كما يلي:
١ - بين الترمذي أن الأحاديث المذكورة في كتابه معمول بها كلها ما عدا اثنين ذكرهما.
-
٢ - حدد الترمذي أسانيده إلى الفقهاء الذين ذكر مذاهبهم في كتابه.
-
٣ - بين الترمذي فيه مقصده العام من كتابه "الجامع" ، وأنه كتاب معلل.
-
٤ - ساق فيه الترمذي أدلة كثيرة على جواز الكلام في الرجال والعلل، بل على وجوبه.
- ٥ - قسم الرواة فيه إلى أربعة أقسام:
-
(أ) قوم من الثقات الحفاظ الذين يندر الخطأ في حديثهم.
-
(ب) قوم من الثقات الذين يكثر الغلط والخطأ في حديثهم.
-
(ج) قوم من جلة أهل العلم غلب عليهم الخطأ والوهم فلا يحتج بحديثهم إذا انفردوا.
-
(د) قوم من المهتمين وأصحاب الغفلة، وهؤلاء لا يحتج بهم.
-
وفي الكلام عن الرواة ركز الترمذي على تفاوت الحفاظ في الضبط، وأثر ذلك على رواياتهم. وهذا لب علم العلل كما سنرى فيما بعد - إن شاء الله -.
-
٦ - تكلم الترمذي على الرواية بالمعنى واللفظ، ووضع شروطا لجواز الرواية بالمعنى.
-
٧ - فصل الكلام في أنواع التحمل.
-
٨ - تكلم عن الاختلاف في توثيق الرواة وتضعيفهم. وفي هذه إشارة منه إلى أن صاحب الكتاب قد يأخذ عن رجل ضعيف عند غيره، ولكنه ثقة عنده.
- vol. 1, p. 43
٩ - تكلم الترمذي عن المرسل وحكمه واختلاف العلماء في قبول المراسيل.
-
١٠ - تكلم عن اصطلاح "الحسن" في كتابه وحدد مفهومه له، وكذلك ما اشتق منه.
-
١١ - تكلم عن الغريب وأنواعه، وتكلم عن زيادة الثقة في المتن والإسناد.
-
هذه هي مقاصد الترمذي في كتابه العلل. وعند كل مقصد من هذه المقاصد يذكر الترمذي جملة من الأخبار المسندة.
-
وهذه المقاصد تخدم حديث الثقات وتلقي ضوءا باهرا على كتاب الترمذي المعلل، فكانت بهذا داخلة في علم العلل، وهي بلا شك البواكير النظرية لهذا العلم.
-
[المطلب الثاني التعريف بالإمام الترمذي (٢٠٩ - ٢٧٩هـ) ]
-
هو الإمام محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، أبو عيسى السلمي نسبة إلى بني سليم، الضرير، الترمذي، البوغي، نسبة إلى بوغ، قرية من قرى ترمذ.
-
ولد هذا الإمام سنة تسع ومائتين على أرجح الأقوال وكان ذلك بترمذ، وتلقى العلم في صباه على شيوخ بلدته والقادمين إليها وإلى ما جاورها. وكان من أوائل شيوخه إسحاق بن راهويه. ثم رحل إلى الآفاق يتلمس العلم رواية ودراية، فتتلمذ على مشاهير عصره، كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبي داود السجستاني، وكان البخاري أكثر الشيوخ تأثيرا فيه، وعنه أخذ الترمذي علم العلل.
- vol. 1, p. 44
أما تلاميذه: فقد روى عنه واستفاد منه كثير من علماء عصره منهم مكحول بن الفضل، والهيثم بن كليب الشاشي، وأبو العباس المحبوبي، والحسين بن يوسف الفربري وقد تلقى عنه هؤلاء كتابه "الجامع" وكتاب "الشمائل" وكتاب "العلل الكبير" وقد ذكر في العلل الصغير أن له كتابا آخر جعله للآثار الموقوفة.
-
وقد امتاز الإمام الترمذي بحافظة قوية حتى كان يضرب المثل بحفظه وضبطه. وكان مع هذا على جانب من الورع والاحتياط في الدين والزهد في الدنيا، وأما علمه بالحديث رواية ودراية فكتابه الجامع شاهد على طول باعه، وحسن تصنيفه، وبراعته في العلل والرجال.
-
وثناء العلماء عليه كثير، حتى قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: "الحافظ العلم، أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع ثقة مجمع عليه. ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم في الفرائض انه مجهول فإنه ما عرف ولا درى بوجود الجامع ولا العلل التي له" .
-
وقد توفي - رحمه الله - بعد ما كف بصره، وكانت وفاته في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. ***