المبحث الثالث منهج ابن رجب في شرح علل الترمذي

62 paragraphs · vol. 1, p. 47

Page 2 of 2

  1. وأما قواعد ابن رجب في العلل، والتي نحن بصدد التعليق عليها، فهي ولا شك بدع في موضوعها، وأسلوب جديد في عرض علوم الحديث. وهو وإن لم يأتي بجديد في هذه القواعد إلا أنه جمع قواعد مبددة، ولم شعث فروع متشابهه فكان بهذا أول من علمناه صنف كتابا أفرد فيه قواعد العلل في الحديث. ويكون بهذا قد لفت نظر الباحثين إلى اتجاه جديد في دراسة علوم الحديث ينصب على التقعيد، وممن سار على مثل هذا النهج العلامة ظفر أحمد العثماني التهانوي في كتابه "قواعد في علوم الحديث" وعبد الحي اللكنوي في كتابه

    vol. 1, p. 55"الرفع والتكميل" .

    vol. 1, p. 54
  2. وفيما يلي أمثلة من القواعد التي أودعها ابن رجب كتابه هذا:

    "قاعدة: الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط.

  3. قاعدة: الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون الحديث.

  4. قاعدة: إذا روى الحفاظ الأثبات حديثا بإسناد واحد، وانفراد واحد منهم بإسناد آخر، فإن كان المنفرد منهم ثقة حافظاً فحكمه قريب من حكم زيادة الثقة في الأسانيد والمتون".

  5. قاعدة: قتادة، عن الحسن، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه السلسلة لم يثبت منها حديث أصلا من رواية الثقات ".

  6. قاعدة: "يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصح منها شيء مسندا ".

  7. قاعدة: "كل شيء روى عبيدة السلماني، سوى رأيه فهو عن علي ".

  8. قاعدة: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل منهم لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان".

  9. [المطلب الثالث ملاحظات عامة على منهج ابن رجب في الكتاب]

    vol. 1, p. 56
  10. سبق أن عرضنا بعض ملاحظاتنا الخاصة بكل قسم من أقسام الكتاب، وفيما يلي عرض للملاحظات العامة على منهج ابن رجب في كتاب شرح علل الترمذي كله:

    أولا: منهج ابن رجب في شرح علل الترمذي منهج نظري تطبيقي، ونقصد بالنظري أنه يذكر جوانب الموضوع الواحد المتكامل في بناء نظري ضمن تقسيمات علمية دقيقة، ثم لا يترك هذا البناء بعيدا عن التطبيق العملي بل يزوده بالأمثلة المتنوعة معتمدا في ذلك على حشد هائل من مراجع السنة سواء الصحيح منها أو ما كتب في العلل، ولا يترك ابن رجب - رحمه الله - قضية نظرية إلا ويؤيدها بشاهد عملي، ففي موضوع مراتب الرواة جعلهم ابن رجب أربع مراتب:

    ١ - الثقات الحفاظ الذين يندر الغلط في حديثهم.

  11. ٢ - الثقات الذين يكثر في حديثهم الوهم والغلط.

  12. ٣ - الرواة الذين يغلب عليهم الوهم والغلط.

  13. ٤ - المتهمون بالغفلة وكثرة الغلط أو الكذب.

  14. ومع كل زمرة من هذه الزمر نماذج من الرواة وبيان شاف كاف لأحوال ورواياتهم.

  15. وهذا كله في القسم الأول، وكذلك الحال في القسم الثاني الذي هو تعقيبات لابن رجب على الكتاب. ففي موضوع مراتب الثقات، ومعرفة قول من منهم يقدم عند الاختلاف، يذكر مراتب هؤلاء، ثم يعرض حشدا من الأسانيد التي وقع الخلاف بين العلماء في ترجيح بعضها على بعض.

  16. وكذلك إذا ذكر القاعدة النظرية فإنه يبتعها بالعديد من الأمثلة التي تجلي هذه القاعدة وتوضحها.

    vol. 1, p. 57
  17. وكل باحث في شرح الترمذي سيجد أن الفرق واسع بينه وبين كتب المصطلح السابقة وذلك في حدود المواضيع التي تناولها، وسيلاحظ أن الكتب السابقة تجنح إلى الجانب النظري أكثر من الجانب العملي، وأما كتاب ابن رجب ففيه توازن بديع بين هذين الجانبين.

  18. ثانيا: وبالرغم من ميل ابن رجب إلى الناحية التطبيقية إلا أنه يورد الأحاديث والأسانيد على درجة بالغة في الاختصار والإيجاز، فيوعر طريق الباحث ويجهده في الوصول إليها. وقل أن نجد حديثا واضحا بإسناده ومتنه يمكنك من سرعة الوصول إليه، بل تجده يقول: "ومنها حديث التيمم إلى نصف الذراعين" ، أو يقول: ومنها حديث أنس في أكل البرد للصائم، أو يقول: "حديث ابن عمر في الصلاة" ولا يزيد على هذا. وقد بذلت جهدي لتخريج هذه الأحاديث والأسانيد، فأكملت عمل ابن رجب في هذا الكتاب، ولله الحمد والمنة.

  19. ثالثا: وابن رجب يغترف مادته وأمثلته من مجموعة كبيرة من المصادر الأصلية ولا يذكر شيئا من كتاب معاصريه أو سابقيه من رجال قرنه. حتى ابن تيمية والذهبي والمزي وابن القيم، حتى هؤلاء لا يوجد لهم ذكر في كتابه. وأكثر اعتماده على رجال القرون الأربعة الأولى. وقد أخذ من كتب العلل السابقة بنصب وافر، وأكثر اعتماده على مسائل الإمام أحمد.

  20. وأما اعتماده على كتب التواريخ والرجال فكبير جدا. ومن مصادره الأساسية تواريخ البخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والكامل لابن عدي، والضعفاء للعقيلي وأمثال هذه الكتب.

  21. وقد لاحظت أثناء تخريج نقول ابن رجب من هذه الكتب دقة الرجل في النقل وأمانته العلمية في نسبة كل قول إلى قائله.

    vol. 1, p. 58
  22. ولما كانت كتب العلل من أهم مصادر ابن رجب، ولأهميتها في هذه الدراسة ولصلتها المباشرة بشرح علل الترمذي فقد أفردت الحديث عنها مبحث مطول