المبحث الرابع دراسة أشهر مصادر ابن رجب في العلل

176 paragraphs · vol. 1, p. 59

Page 2 of 5

  1. [المطلب الثاني التاريخ والعلل، ليحيى بن معين]

    vol. 1, p. 65
  2. أقول ابن معين التي اعتمد عليها ابن رجب كثيرة جدا، وهي من كتب عديدة لتلاميذ يحيى الذين سجلوا أقواله وأجوبته على أسئلتهم. وأكثر هذه الأقوال من كتاب "التاريخ والعلل" رواية العباس بن محمد الدوري (المتوفى سنة ٢٧١هـ) وهو أكمل الكتب التي جمعت أقوال يحيى، وقد وصل إلينا سليما من كل أذى، ولله الحمد.

  3. ومادة هذا الكتاب مجموعة كبيرة من آراء يحيى وأجوبته في ميدان الرجال والعلل. ويبدأ كل قول بكلام لعباس الدوري يقول فيه: سألت يحيى، أو سمعت يحيى. وأما كلام عباس الدوري الخاص به فقليل جدا، ويذكر أحيانا إذا لزم التعقيب على كلام الشيخ لتصحيح رواية أو لتفسير غريب.

  4. وكما رأينا في علل ابن المديني فإن كتاب يحيى هذا يسير على نفس الطريقة، ومادته غير منظمة والموضوعات المختلفة متداخلة فيه، فهو يتكلم عن الطبقات، والوفيات والجرح والتعديل، والكنى المتشابهة، والأحاديث المسلسلة.

  5. وفيما يلي نص من هذا الكتاب يكشف لنا منهجه: "سمعت يحيى يقول: عمر بن محمد بن زيد صالح الحديث، وكان ينزل عسقلان مرابطا. سألت يحيى عن حديث يحدث به ابن أبي ذئب عن ابن حسنة الجهني فقال يحيى: هو كذا ابن أبي ذئب عن ابن حسنة عن أبي هريرة. سمعت يحيى يقول: لم يسمع محمد بن إسحاق من طلحة بن نافع شيئا، ولم يسمع حديث ابن عباس في البكر، هو حديث ليس له أصل. سمعت يحيى يقول: حديث هشام بن عروة عن أبيه أن بلالا سمع أمية بن خلف يوم بدر، وهو على بعير له وهو يقول: (يا حدراها) ، (ياحدراها) ، قال يحيى: قال أبو عبيدة البصري: يريد: هل أحد رأى مثل هذا. هل أحد رأى مثل هذا. سمعت يحيى يقول:

    vol. 1, p. 66أبو مسلمة بن محمد ليس حديثة بشيء".

  6. وقد دخلت مادة هذا الكتاب في جميع كتب الرجال التي جاءت من بعده. إذ هو من المراجع الأصلية في موضوعه، ولكن هذه المادة دخلت في الكتب الأخرى مبوبة منظمة، فما يتعلق بالضعفاء دخل في كتب الضعفاء وما كان عن الثقات دخل في كتب الثقات.

  7. والحصول على المراد من هذا الكتاب صعب وعسير إلا بقراءته كله، والبحث عن نص واحد فيه يلزم منه قراءة مائة وسبع وستين لوحة، وقد لا تجد ما تريد إذا كان النص من رواية غير العباس الدوري كعثمان الدارمي أو ابن محرز، أو ابن الجنيد.

  8. وكتاب التاريخ والعلل يقع في أحد عشر جزءا استغرقت مائة وسبعا وستين ورقة، وبالرغم من اختلاط المادة فيه وعدم تبويبها إلا أن الكتاب يقع في أربعة أقسام رئيسية:

    ١ - قسم عام: تناول فيه قضايا متفرقة لمختلف البلدان. ويهتم في هذا القسم بالصحابة.

  9. ٢ - أهل الكوفة: وقد أعطى يحيى بن معين أهل الكوفة النصيب الوافر من اهتمامه فزادت اللوحات التي تناولت أهل الكوفة عن مائة، وأخبارهم تعق بين لوحة ٤٣/أ - ١٤٦/أوبهذا تكون الكوفة قد أخذت ثلثي الكتاب، فهو بحق موسوعة كوفية، وهو عمدة لكل من يدرس أسانيد الكوفة والحديث فيها.

  10. ٣ - تسمية أهل واسط والسواد وأهل المدائن وبغداد من لوحة ٤٦/أ - ١٥٢/أ.

  11. ٤ - تسمية الشاميين وأهل البصرة والجزيرة إلى نهاية الكتاب لوحة ١٦٧.

    vol. 1, p. 67
  12. وقد ذكر ابن معين رسالة الليث إلى مالك، ورسالة مالك إلى الليث.

  13. وإلى جانب ما ذكرناه عن مادة هذا الكتاب وأنها مسائل متنوعة في مختلف علوم الحديث وعلله، فإنه يمتاز باحتوائه على مجموعة من الآراء الفقهية المستمدة من السنة، ومن خلالها يظهر مذهب أهل الكوفة الفقهي، وفيما يلي بعضها:

    "قال يحيى: زكاة الفطر لا بأس أن تعطى فضة.

  14. سمعت يحيى يقول: لا بأس بالصلاة على الجنازة بعدما يصلى عليها، ولا بأس بالصلاة على القبر".

  15. ومن ذلك: "سمعت يحيى يقول، وسألته عن هذه المسائل: قلت له: كم يصلى بعد الجمعة؟ قال: أربع لا أفصل بينهن بسلام. سألت يحيى عن القراءة خلف الإمام، قال: لا أقرأ خلفه إن جهر، ولا إن خافت. وإن قرأ إنسان فليس به بأس" .

    قلت ليحيى: ما تقول في التكبير بالعيدين السبع والخمس؟ قال: لا أرى أن أرفع يدي في كل تكبيرة".

  16. ومع أن هذه هي مجموعة من الآراء الفقهية إلا أنها ذات ارتباط وثيق بعلم العلل، لصدورها من رجل كيحيى بن معين، إذ أنه بمثابة التصحيح والتضعيف لمجموعة من الأحاديث الواردة في هذه الأبواب.

  17. [علل أحاديث من التاريخ والعلل:]

  18. وقد اشتمل هذا الكتاب على عدد كبير من الأحاديث المعلة، وبعضها علل في الإسناد والبعض الآخر علل في المتن، ونختار منها بعض الأمثلة:

    vol. 1, p. 68(أ) (سمعت يحيى يقول: حديث هشام عن أبيه عن عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية" ، إنما هو عن هشام عن أبيه فقط) وبهذا يكون يحيى قد كشف علة الحديث. فهو مرسل، وليس بمتصل، لأن التابعي وهو عروة بن الزبير، يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    (ب) (سمعت يحيى يقول: كان محمد بن عبيد الطنافسي يصحف في هذا الحديث، عن عبد الملك، عن عطاء: "من قرأ جزءا من القرآن" ... وإنما يريد من قرأ حرفا من القرآن) .

  19. (ج) "سمعت يحيى يقول: سعيد بن المسيب قد رأى عمر، وكان صغيرا، قلت ليحيى: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر. وقال يحيى: ابن ثماني سنين يحفظ شيئا! ثم قال: ههنا قوم يقولون: إنه أصلح بين علي وعثمان. وهذا باطل" .

  20. والكتاب مليء بالأسانيد المعلة التي يناقشها يحيى بأسلوب الحوار مع تلميذه، أو جوابا على سؤاله، وفي كل مرة يكشف عن الخطأ ويبين الصواب.

  21. [الجرح والتعديل في التاريخ والعلل:]

  22. يعتبر هذا الكتاب من المصادر الرئيسة في الجرح والتعديل، وقل أن تجد رجلا لم يعط يحيى بن معين رأيا فيه وقد تنوعت في هذا الكتاب أسباب الجرح وأنواعه وألقابه وكذلك التعديل. وقل مبتدع لا تجد له ذكرا في هذا الكتاب. وقد ظهر رأي ابن معين جليا في هذا النص: "قلت ليحيى: هكذا نقول في كل داعية يكتب حديثه إن كان قدريا أو رافضيا، أو غير ذلك من أهل الأهواء، من هو داعية؟ قال: لا يكتب عنهم إلا أن يكونوا ممن يظن بهم ذاك، ولا يدعوا

    vol. 1, p. 69إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر، ولا يدعو إليه ".

  23. أما الألفاظ التي يستعملها في التعديل والتجريح فكثيرة منها ثقة: "سألت يحيى عن مسلم بن خالد الزنجي، فقال: ثقة ثقة ولكن ليس بحجة. محمد بن إسحاق ثقة، ولكنه ليس بحجة ".

  24. "ليس به بأس: وإنما كان فيه شيء، زعموا أنه كان طفيليا ".

  25. صدوق: "محمد بن أسباط الذي كان بالشام رجل صدوق ".

  26. وأما ألفاظ التجريح فمنها: ليس بثقة، ليس بشيء، ولا يسوى فلسا، ولا يكتب عنه، لم يكن بثقة ولا مأمون، رجل سوء، بين يدي عدل.

  27. [اختلاف الأقوال في الجرح والتعديل عند يحيى:]

  28. يلاحظ من يقرأ كتاب ابن معين أنه يعطي عدة أحكام على الرجل الواحد، فقد جاء في هذا الكتاب قولان مختلفان في الحارث الأعور:

    "سمعت يحيى يقول: الحارث الأعور، هو الحارث بن عبد الله، ليس به بأس "، فإننا نراه يقول في موضع آخر: حدثنا جرير عن حمزة الزيات، قال: سمع قرة الهمذاني من الحارث الأعور شيئا، فقال له: اقعد حتى أخرج إليك، فدخل مرة الهمذاني واشتمل على سيفه، وأحس الحارث بالشر فذهب" . كما ضعف يحيى أسامة بن زيد بن أسلم أكثر من مرة، ثم قال عنه: ثقة.

  29. ومع أن هذه الدراسة ليست موجهة للجرح والتعديل، إلا أن الكلام عن منهج الكتاب لا يكتمل إلا بهذا، بالإضافة إلى أن من العلل ما يرتبط بالجرح، كأن يروي الثقة عن ضعيف أو مجهول وغير ذلك.

    vol. 1, p. 70
  30. [المطلب الثالث علل الإمام أحمد بن حنبل]

  31. اعتمد ابن رجب اعتمادا كبيرا على أقوال الإمام أحمد في العلل، وهذا أمر لا بد منه لأن الإمام أحمد يعتبر بحق أستاذ فن العلل، وقد شاعت أقواله فيه وذاعت حتى استعصت على الإحاطة والحصر، ومرجع ذلك علمه الوفير، وشخصيته الفذة يضاف إليه ما امتاز به الإمام أحمد إذ أقبل عليه كثرة من التلاميذ الأوفياء الأذكياء العلماء، فسألوا الكثير، وكتبوا عنه الكثير. وقد كان بعض هؤلاء التلاميذ ممن يشار إليه بالفضل والفقه قبل التحاقه بصحبة الإمام أحمد. وقد اشتهر من هؤلاء عدد تناقل الناس مسائلهم، وجاء ذكرهم كثيرا في "شرح علل الترمذي" لابن رجب، منهم:

    - مهنا بن يحيى الشامي، كتب عن أحمد بضعة عشر جزءا من المسائل، ولزمه ثلاثا وأربعين سنة، وأول لقيه له في مجلس سفيان بن عيينة.

  32. - عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، صحب الإمام أحمد من (سنة ٢٠٢ - ٢٢٧هـ) وكان في أحمد مثل ابن جريح في عطاء لكثرة مسائله.

  33. - أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروزي (ت ٢٧٥هـ) .

  34. - أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم، نقل عن الإمام أحمد مسائل وصنفها ورتبها أبوابا.

  35. - أبو طالب، أحمد بن حميد، المتخصص بصحبة الإمام أحمد ومسائله (ت ٢٤٤هـ) .

  36. - الحربي أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق (ت ٢٨٥هـ) .

    vol. 1, p. 71
  37. - حنبل بن هاني (ت ٢٦٥هـ) .

  38. - إسماعيل بن سعيد الشالنجي، وله مسائل كثيرة عن أحمد.

  39. - أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ، روى عن أحمد بضعة عشر جزءا من المسائل.

  40. - صالح بن الإمام أحمد بن حنبل، ومسائله كثيرة ومشهورة، (ت ٢٦٦هـ) .