المبحث الرابع دراسة أشهر مصادر ابن رجب في العلل

176 paragraphs · vol. 1, p. 59

Page 3 of 5

  1. - عبد الله بن الإمام أحمد، ومسائله مشهورة، وأكثرها وصل إلينا (ت ٢٩٠هـ) .

    vol. 1, p. 71
  2. - أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، (ت ٢٦٥هـ) وهو الإمام المشهور.

  3. وأما ما وصلنا من هذه المسائل فقليل، وما وصل لم يسلم منه إلا أجزاء يسيرة، فيما عدا كتاب العلل ومعرفة الرجال، وكتاب مسائل الإمام أحمد فقد وصلا كاملين. وأما المسائل الأخرى فقد سلم منها:

    (أ) جزء من مسائل الميموني.

  4. (ب) جزء من مسائل صالح بن الإمام أحمد.

  5. (ج) جزء من مسائل المروزي، في العلل.

  6. (د) جزء من مسائل الأثرم في العلل.

  7. والجدير بالذكر أن هذه الكتب متشابهة في طريقة العرض، وهي غير مرتبة ولا مبوبة بينما نجد المسائل الفقهية قد دخل عليها التبويب والترتيب كمسائل

    vol. 1, p. 72المروذي في الفقه والجزء الأول من مسائل أحمد، لأبي داود السجستاني. ولمعرفة محتويات هذه الكتب وبيان منهج الإمام أحمد فيها نختار منها كتابا كاملا هو "العلل ومعرفة الرجال" . وهو نموذج يمثل كل ما ورد عن الإمام أحمد في العلل.

  8. وهذا الكتاب يرويه عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، وتوجد منه نسخة كاملة في مكتبة أيا صوفيا تحت (رقم ٣٣٨٠) ، وهذه النسخة يرويها أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن بن الصواف (ت ٣٥٩هـ) عن عبد الله بن الإمام أحمد، وقد قام الدكتور طلعت فوج بيكيت والدكتور إسماعيل جراح أوغلي بتحقيق الجزء الأول من هذا الكتاب، وقد وجدت في خزانة المكتبة الظاهرية بدمشق الجزء الثاني عشر من العلل ومعرفة الرجال، ولكنه من رواية أبي بكر مكرم بن أحمد بن مكرم عن عبد الله، وعلى هذا الجزء سماع ابن أبي يعلى الفراء.

  9. وفي هذا الكتاب أسئلة وسماعات يقول فيها عبد الله: سألت أبي، وسمعت أبي وحدثني أبي، ومادة الكتاب عرضت بلا ترتيب ولا تصنيف. وحتى الخطوط الرئيسة والأقسام الكبيرة، التي رأيناها في علل ابن معين وابن المديني، حتى هذه معدومة في كتاب "العلل ومعرفة الرجال" ، ولكن هذا ليس عيبا في الكتاب لأنه إجابات وأخبار عن القضايا اليومية التي تعترض الإمام وتلاميذه، وغزارة المادة والانشغال بالمتابعة والسماع يجعل مهمة التصنيف والترتيب عسيرة.

  10. وقد استفاد كل من جاء بعد الإمام أحمد من هذا الكتاب، وكل أخذ منه

    vol. 1, p. 73ما يدخل في اهتمامه، ومن أكثر الكتب اعتمادا عليه: "كتاب الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم وكتاب "الضعفاء" للعقيلي.

  11. أما موضوعات الكتاب فإنها متنوعة، وأستطيع أن أجزم بأن مادته اشتملت على كل أبواب علوم الحديث، ففيه الكلام عن الثقات والرواة عنهم، والضعفاء، والمبتدعة، والمتروكين والمجاهيل، وفيه أخبار المدلسين، والكلام عمن أرسل الحديث، وكثير من تراجم رجال الأخبار فيذكر وفياتهم ومواطنهم، والقسم الأعظم والأكبر هو الكلام عن الأسانيد والمتون المعلة. ولهذا حق لنا أن نقول: إن كتب العلل هي الكتب الأولى لعلوم الحديث.

  12. وكما سبق القول، فإن القسم الأعظم من هذا الكتاب يتعلق بروايات الثقات، سواء بذكر علل حديثهم، أو بذكر مراتب الرواة عنهم، أو ما يتعلق بتراجمهم مما له علاقة بحديثهم من رحلة أو اختلاط أو تدليس أو إرسال. والجدير بالذكر أنه يسوق مجموعة كبيرة من الأخبار محورها أحاديث شيخ واحد ويطيل في ذلك فهو يذكر علل أحاديث هشيم بن بشير، شيخه، في قرابة العشرين صفحة من صفحات الكتاب وفيها يلي بعض هذه الأحاديث التي ذكر علتها.

    قال عبد الله:

    "حدثني أبي قال: حدثنا هشيم، عن سيار عن أبي وائل، قال: " لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ".

    قال أبي: لم يسمعه هشيم من سيار.

  13. "سمعت أبي يقول: حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور، يعني ابن زاذان عن نافع أن امرأة صبحت قوما في سفر.. سمعت أبي يقول: لم يسمع منصور من نافع شيئا".

  14. "حدثني أبي: قال، حدثنا هشيم عن مغيرة عن سماك - يعني ابن سلمة - قال: " رأيت ابن عمرو وابن عباس يتربعان في الصلاة " سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من مغيرة" .

    vol. 1, p. 74
  15. وهكذا فإن الإمام أحمد يستعرض الكثير من حديث هشيم ويكشف عن انقطاع أو تدليس فيه، وقد يثبت السماع النادر له، كأن يقول: هذان الحديثان سمعهما هشيم من جابر الجعفي، وكل شيء حدث عن جابر مدلس إلا هذين: عن أبي جعفر عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقدر يغلي فأخذ منها عرقا أو كتفا فأكله، ثم صلى ولم يتوضأ" . وذكر حديثا آخر.

  16. وفي موضع آخر نجد ذكرا مستفيضا لحصين بن عبد الرحمن المديني ويميزه عن حصين بن عبد الرحمن الحارثي الكوفي. وفي موضع ثالث نجده يستعرض حديث وكيع بن الجراح، من ذلك:

    "حدثني أبي قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن أبي كثير، عن أبي المنهال عن ابن عباس، قال أبي: كذا قال وكيع، وهو خطأ: إنما هو عبد الله بن كثير" .

  17. ثم نجده يعود فيتكلم عن حديث وكيع، رواية ونقدا، في موضع آخر ويفيض في ذلك.

  18. ولو قدر لهذا الكتاب أن ترتب مادته، بحيث يجمع ما يتعلق بوكيع، وما يتعلق بشعبة، وما يتعلق بهشيم وغيرهم، لو قدر له ذلك، لكان على غاية من الفائدة لما يذكره من دقائق المعارف عن هؤلاء، وما يعالجه من أحاديثهم رواية ونقدا. وهو ما لا يوجد في كتاب من كتب التراجم المعروفة.

  19. ومن القضايا المهمة في هذا الكتاب حصر الرواة عن شيخ ما، كأن يقول:

    "هذه تسمية من روى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عن هـ - من أهل مكة، روى عن عمر بن الخطاب من أهل مكة: يعلى بن أمية، وعبد الله بن الزبير، وأبو الطفيل، وعبد الله بن صفوان، وعبيد بن عمير. وأملى علي أبي: ومن أهل المدينة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ... " ويذكر عشرات الأسماء.

    vol. 1, p. 75
  20. وخلال ذكره لهذه الأسماء يقف عند من اختلفت الأقوال في سماعه عن عمر، فيقول مثلا: وحميد روى عن عمر فلا أدري سمع منه أم لا، وقال ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد: رأيت عمر.

  21. ثم يواصل ذكر الرواة عن عمر - رضي الله عن هـ - من أهل البصرة، ثم من روى عن علي - رضي الله عن هـ - من أهل البصرة، ثم من روى عن عثمان من أهل المدينة، ثم من روى عن عمر من أهل الكوفة.

  22. وهذا اللون من فنون الحديث نجده عند الإمام أحمد في علله يرتقي إلى أسلوب يدل على معرفته الواسعة، فهو يقول:

    "هؤلاء الرجال من روى عنهم مسعر من أهل الكوفة وغيرهم، لم يسمع منهم شعبة: عمير بن سعد، وعبد الرحمن بن الأسود، وأبو بكر بن عمرو بن عتبة ... " وهكذا.

  23. وفي موضع آخر يقول:

    "وهؤلاء من روى عنهم شعبة، ولم يسمع منهم سفيان: المنهال بن عمرو، وطلحة بن مصرف، والحكم بن عتبة وأبو عمرو يحيى بن عبيد ... " وهكذا.

  24. وفي موضع ثالث يقول:

    حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو عن شعبة قال:

    رأيت محمد بن المنتشر، وحبيب بن سالم والحسن بن أبي الحسن البصري ... ويذكر ما يزيد على المائتين.

    vol. 1, p. 76
  25. وفي موضع رابع يقول:

    "هؤلاء من روى عنهم سفيان ولم يحدث عنه شعبة ... " ويذكر ما يزيد على المائة.

  26. وأما الجزء الثاني عشر الذي وجدته في الظاهرية بدمشق فهو من رواية القاضي أبي بكر مكرم بن أحمد بن مكرم البزاز عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل.

  27. ومادة هذا الجزء تشبه مادة النسخة الأولى، فهي مسائل وسماعات متفرقة غير منتظمة بترتيب معين. وتجمع بين التضعيف والتوثيق وذكر العلل، والكنى.

  28. وفيما يلي مثال من هذا الجزء يدور حول علة حديث:

    قال أبي كنا عند سليمان بن حرب، فذكرنا المسح على الخفين، فذكرنا أحاديث، فجعل سليمان يقول: ذا لا يحتمل، وذا ما أدري. قلنا إيش عندك؟ قال: خالد عن أبي عثمان عن عمر، قال: "يمسح حتى يأوي إلى فراشه" . قلنا: قال بعض الناس خالد لم يسمع من أبي عثمان شيئا، يقول ذلك بعض الناس، "ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوقت" . ويقول: خالد عن أبي عثمان! كأنه لم يرض منه بذلك".

  29. ونلاحظ في هذا النص النقد الذي وجهه الإمام أحمد لرواية سليمان بن حرب هذه، وسليمان بن حرب من الثقات الحفاظ.

  30. [المطلب الرابع علل الترمذي الكبير]

    vol. 1, p. 77
  31. اشتهر الترمذي - رحمه الله - ونبغ في هذا الفن من فنون الحديث حتى جاء كتابه الجامع كتابا معللا، فكانت ميزة خاصة له دون سائر كتب السنة، وقد ربط الإمام الكبير ربطا محكما بين الحديث وعلله فجعل لجامعه ملحقا سماه "العلل" وضمنه الكلام عن منهجه في الرواية والدراية، سندا ومتنا، وقد رأيت في هذا الكتاب - الصغير في حجمه، الكبير في أهدافه ومعارفه - فلسفة كاملة "للجامع" أولا وللحديث ثانيا، وفيه كشف الترمذي أسانيده وخطته ومصطلحاته ومذهبه في النقد والتعليل، وكما يصلح هذا الكتاب لجامع الترمذي فإنه يصدق في أكثر جوانبه على كتب الحديث الأخرى. وقد تكلمنا عن منهجه ومقاصده في المباحث السابقة.

  32. على وجه الإجمال والاختصار، وذلك لأن "العلل الصغير" من خلال شرح ابن رجب، هو موضوع رسالتي هذه، فسأترك الكلام عليه لمن هو أهله، وكفى بابن رجب أهلا لذلك، وسنلتقي به - إن شاء الله - في ستمائة صفحة بعد هذه الدراسة. وأما العلل الكبير، فصفته الكبير تشير إلى أنه أكبر من سابقه وأشمل. وقد كان يظن إلى عهد قريب أنه مفقود، وجاء ذلك في كتاب الدكتور نور الدين العتر "الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين" والذي نال به درجة الدكتوراه من كلية أصول الدين، جاء في هذا الكتاب قوله: "لكن يد الحدثان

    vol. 1, p. 78طوت عنا هذا الكتاب، حتى لا نجد منه إلا النقول عنه، ولولا وفرة هذه النقول لما أمكن أن نكتب هذا البحث ".

  33. ولقد قادت هذه النقول الأستاذ الفاضل إلى القول: "وهذا كتاب صنفه أبو عيسى على الأبواب - فيما يبدو لنا ".

  34. وبحمد الله وجدت هذا الكتاب باسم:
  35. "كتاب فيه علل الترمذي الكبير، رتبه على أبواب الجامع أبو طالب القاضي " وهو من مخطوطات مكتبة أحمد الثالث بتركيا وتحت رقم (٥٣٠) .

  36. وجاء في مقدمة هذا الكتاب: "قال الفقيه القاضي أبو طالب وفقه الله:

    هذا كتاب قصدت فيه ترتيب كتاب العلل لأبي عيسى الترمذي - رحمه الله - على نسق كتاب الجامع له حتى يسهل فيه طلب الحديث، إذ الأحاديث فيه مفرقة منثورة، فلا تضبطها أبواب. فنظرت فيها فرددت أحاديث كتاب العلل إلى ما يليق بها من كتب الجامع، فجعلت الطهارة في كتاب الطهارة، وهكذا إلى آخر الجامع. إلا أن يكون كتاب لم يكن فيه في كتاب العلل حديث فأني أسقطه، وأدخلت أحاديث هذه الكتب تحت أبوابها التي هي تبويب الترمذي على ما أذكره، وذلك إما أن يكون الحديث المذكور في العلل مذكورا بعينه في ذلك الباب من كتاب الجامع، وإما بأن ينبه عليه أبو عيسى بأن يقول: في الباب عن فلان من الصحابة، ويكون الحديث في العلل مخرجا عن ذلك الصحابي، وإما أن يكون مطابقا للحديث الذي تضمنه الباب، وفي معناه فعلى هذا النحو جعلت الأحاديث تحت الأبواب وأسقطت من تراجم الأبواب ما لم يكن في كتاب العلل فيه أحاديث.

  37. وقد تجيء في كتاب العلل أحاديث لا يذكرها أبو عيسى في الجامع ولا يبوب فيه بابا يقتضي أن تجعل فيه، فأفردت لما كان من هذا النوع فصولا في أواخر الكتب التي تكون تلك الأحاديث منها. ونبهت على أنها ليست في الجامع إذ تبين من مطالعة الكتابين ما زاد كتاب العلل على كتاب الجامع. وذلك هو الأقل. وما كان فيه من كلام على رجال جرى ذكرهم في سند حديث فإني سقته حيث سقت الحديث. وما كان من الكلام على رجال لم يقع ذكرهم في حديث، وإنما جاء ذلك منثورا في أثناء الكلام، فإني ذكرت ذلك في آخر الكتاب، في باب الجامع يأتي ذكره هنالك إن شاء الله.

    vol. 1, p. 79
  38. ولقد كان يتجه أن يسقط من كتاب العلل ما كان مذكورا في الجامع، حتى لا يذكر فيه إلا ما ليس في الجامع، غير أنا كرهنا أن نسقط منه شيئا فتركناه على ما هو عليه فربما يجيء الباب ويكون فيه الحديث الذي في ذلك الباب من الجامع بنحو الكلام الذي تكلم عليه في الجامع بلا مزيد على ذلك ".

  39. وفي نهاية هذه المقدمة التفصيلية، التي بين فيها عمله ومنهجه، ذكر إسناد كتاب العلل إلى الترمذي والجدير بالذكر أنه رواه عن شيخه أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال٠

    ومن هذه المقدمة الوافية الضافية تبين لنا ما يلي:

    ١ - إن الترمذي لم يرتب كتابه "العلل الكبير" على الأبواب، بل ترك مادته منثورة مفترقة.

  40. ٢ - إن الذي رتبه على الأبواب هو القاضي أبو طالب، وذلك ليسهل الرجوع إلى الحديث فيه.