زيادة الثقة
69 paragraphs · vol. 1, p. 630
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 630
قال أبو عيسى ـ رحمه الله ـ:
ورب حديث أستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زكاة الفطر في رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير.
-
فزاد مالك في هذا الحديث "من المسلمين" .
-
وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر، ولم يذكر فيه من المسلمين".
-
وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه.
-
وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به: منهم الشافعي
vol. 1, p. 631وأحمد بن حنبل، قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد زكاة الفطر عنهم، واحتجا بحديث مالك.
-
فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه.
-
هذا أيضاً نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهوراً لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب. وقد ذكر الترمذي أن الزيادة إن كانت من حافظ يعتمد على حفظه فإنها تقبل، يعني: وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد على حفظه لا تقبل زيادته.
-
وهذا ـ أيضاً ـ ظاهر كلام الإمام أحمد، قال في رواية صالح: قد أنكر على مالك هذا الحديث، يعني زيادته "من المسلمين" . ومالك إذا انفرد بحديث هو ثقة.
-
وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه، يعني في الحديث.
vol. 1, p. 632وقال: قد رواه العمري الصغير والجمحي ومالك.
-
فذكر أحمد أن مالكاً يقبل تفرده، وعلل بزيادته في التثبيت على غيره، وبأنه قد توبع على هذه الزيادة.
-
وقد ذكرنا هذه الزيادة، ومن تابع مالكاً عليها في كتاب الزكاة. ولا تخرج بالمتابعة عن أن تكون زيادة من بعض الرواة، لأن عامة أصحاب نافع لم يذكروها.
-
وقد قال أحمد في رواية عنه: كنت أتهيب حديث مالك "من المسلمين" يعني حتى وجده من حديث (العمريين) قيل له: أمحفوظ هو عندك "من المسلمين" ؟ قال: نعم.
-
وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة (واحد من الثقات) ، ولو كان مثل مالك، حتى يتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك، ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار.
-
وسيأتي فيما بعد ـ إن شاء الله ـ عن يحيى القطان نحو ذلك أيضاً.
-
وكلام الترمذي ههنا يدل على خلاف ذلك وأن العبرة برواية مالك، وأنه لا عبرة ممن تابعه ممن لا يعتمد على حفظه.
-
وفي حديث ابن عمر في صدقة الفطر زيادات أخر لا تثبت، منها ذكر القمح، وكذلك في حديث أبي سعيد في صدقة الفطر زيادات، وقد ذكرنا ذلك كله مستوفى في كتاب الزكاة.
وقال أحمد أيضاً: في حديث ابن فضيل عن الأعمش، عن عمارة بن
vol. 1, p. 633عمير، عن أبي عطية، عن عائشة في تلبية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكر فيها: "والملك لا شريك لك" ، قال أحمد: وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة، إنما تعرف عن ابن عمر، وذكر أن أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها: وخرجه البخاري بدونها أيضاً من طريق الثوري، عن الأعمش وقال: تابعه أبو معاوية.
قال الخلال: أبو عبد الله لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري، وذكر أن هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضاً ـ عن الأعمش.
-
وكذلك قال أحمد في رواية الميموني: حديث أبي هريرة في الاستسعاء
vol. 1, p. 634يرويه ابن أبي عروبة. وأما شعبة وهمام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء.
-
فالذي يدل عليه كلام الإمام أحمد في هذا الباب: إن زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات إن لم يكن مبرزاً في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة، ولم يتابع عليها، فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزاً في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عنه روايتان، لأنه قال مرة في زيادة مالك "من المسلمين" : كنت أتهيبه حتى وجدته من حديث العمريين.
وقال مرة: إذا انفرد مالك بحديث هو ثقة، وما قال أحد بالرأي أثبت منه.
-
وقال في حديث أيوب عن نافع، عن ابن عمر المرفوع: من حلف فقال:
vol. 1, p. 635إن شاء الله فلا حنث عليه". خالفه الناس، عبيد الله وغيره فوقفوه.
-
وأما أصحابنا الفقهاء، فذكروا في كتب أصول الفقه في هذه المسألة روايتين عن أحمد: بالقبول مطلقاً، وعدمه مطلقاً، ولم يذكروا نصاً له بالقبول مطلقاً مع أنهم رجحوا هذا القول، ولم يذكروا به نصاً عن أحمد، وإنما اعتمدوا على كلام له، لا يدل على ذلك، مثل قوله في فوات الحج: جاء فيه روايتان، إحداهما: فيه زيادة دم، قال: والزائد أولى أن يؤخذ وهذا ليس مما نحن فيه، فإن مراده أن الصحابة روى بعضهم فيمن يفوته الحج أن عليه القضاء، وعن بعضهم عليه القضاء مع الدم، فأخذ بقول من زاد الدم، فإذا روي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين) ، وإنما قد يكون أحياناً من باب المطلق والمقيد.
-
وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا فصورتها: إن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة.
-
ومن الأصحاب من قال في هذه المسألة: إن تعدد المجلس الذي نقل فيه الحديث قبلت الزيادة وإن كان المجلس واحداً وكان الذي ترك الزيادة جماعة
vol. 1, p. 636لا يجوز عليهم الوهم لم تقبل الزيادة وإن كان ناقل الزيادة جماعة كثيرة قبلت، وإن كان راوي الزيادة واحداً والنقصان واحداً قدم أشهرهما (وأوثقهما) في الحفظ والضبط.
قالوا: وإن خالفت الزيادة ظاهر المزيد عليه، لم تقبل. وحملوا كلام أحمد في حديث السعاية على ذلك.
-
وليس في كلام أحمد تعرض لشيء من هذا التفصيل، وإنما يدل كلامه على ما ذكرناه أولاً.
-
وأما الفرق بين أن يكون المجلس متحداً أو متعدداً فإنه مأخوذه مما ذكره بعضهم في حديث أبي موسى "في النكاح بلا ولي" فإن شعبة وسفيان أرسلاه عن أبي إسحاق، عن أبي بردة وإسرائيل وصله. ويقال إن سماع شعبة وسفيان كان واحداً، والذين وصلوه جماعة، فالظاهر أنهم سمعوه في مجالس متعددة. وقد أشار الترمذي إلى هذا في كتاب النكاح، كما تقدم.
- vol. 1, p. 637
وحكى (أصحابنا الفقهاء) عن أكثر الفقهاء والمتكلمين قبول الزيادة إذا كانت من ثقة، ولم تخالف المزيد وهو قول الشافعي.
-
وعن أبي حنيفة أنها لا تقبل.
-
وعن أصحاب مالك في ذلك وجهان.
-
(وفي حكاية ذلك عن الشافعي نظر، فإنه قال في الشاذ: هو أن يروي ما يخالف الثقات. وهذا يدل على أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء أنه يكون ما انفرد به عنهم شاذاً غير مقبول، والله أعلم) .
-
ولا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، كما ذكرنا في حديث النكاح بلا ولي، وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك، والأحفظ ـ أيضاً ـ.
-
وقد قال أحمد في حديث أسنده حماد بن سلمة: أي شيء ينفع وغيره يرسله؟.
-
وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث.
-
وهذا يخالف تصرفه في المستدرك.
-
وقد صنف (في ذلك) الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفاً حسناً سماه "تمييز المزيد في (متصل) الأسانيد" وقسمه قسمين: أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها.
- vol. 1, p. 638
والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.
-
ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء.
-
وهذا يخالف تصرفه في كتاب "تمييز المزيد" .
-
(وقد عاب تصرفه في كتاب "تمييز المزيد" ) بعض محدثي الفقهاء وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب الكفاية. وذكر في الكفاية، حكاية عن البخاري، أنه سئل عن حديث أبي إسحاق في "النكاح بلا ولي" .
قال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة.
-
وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث. وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري تبين له قطعاً أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة.
-
(وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة) ، ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد.
-
فدل على أن مرادهم زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزاً في الحفظ.