المبحث الأول في أسباب العلة من خلال كتاب ابن رجب

127 paragraphs · vol. 1, p. 93

Page 1 of 4

  1. لقد حاولت من خلال استقراء "شرح علل الترمذي" لابن رجب، وغيره من كتب العلل أن أحدد أهم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث العلة، إذ الكلام عن هذه الأسباب، منظما مجتمعا، لم يقع لي في كتاب من الكتب التي تعرضت للعلل، ومع أن كتاب ابن رجب هو كتاب العلل الوحيد الذي تكلم على العلل كعلم له قواعده وأقسامه إلا أنه لم يفصل أسباب العلل في مبحث مستقل، وإنما عرض لها في مواضع متفرقة. ولعل دراستنا هذه هي بداية المحاولة في هذا الترتيب النظري لعلم العلل.

    vol. 1, p. 93
  2. وفيما يلي عرض لهذه الأسباب والكلام عليها، مع ذكر كلام ابن رجب في كل منها:

  3. السبب العام:
  4. هو الذي يقف وراء الكثير من هذه العلل، إلا أنه الضعف البشري الذي لا يسلم منه مخلوق، ولا عصمة إلا لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم وما وراء ذلك ناس يصيبون ويخطئون، ويتذكرون وينسون، وينشطون ويغفلون، على ما بينهم من تفاوت في ذلك بين مكثر مقل.

  5. ودخول الوهم والخطأ على الصحابة والتابعين والأئمة المتقدمين شيء معروف عند العامة والخاصة، وقد أشار الترمذي في "علله آخر الجامع" إلى

    vol. 1, p. 94هذا في القسم الرابع من الرواة عنده، وهم الحفاظ الذي يندر أو يقل الغلط في حديثهم، وهؤلاء هم الطبقة العليا من الرواة، فهو لم يصفهم بالضبط التام الكامل، بل قال: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة. فالضبط التام الكامل هو ضبط نسبي يدخل فيه الوهم والخطأ القليل النادر. وهذا احتراز ينبغي أن يدخل صراحة في شرط رجال الصحيح، وإن كان قد تناوله تعريف الحديث الصحيح بصورة غير مباشرة، عند ذكرهم سلامة الحديث من الشذوذ والعلة القادحة.

  6. وقد تناول ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي هذا القسم الرابع الذي ذكره الترمذي بالشرح وذكر أقوال العلماء في أخطاء الثقات وأوهامهم فقال:

    "وذكر الترمذي ههنا حكم القسم الرابع، وهم الحفاظ المتقنون الذين يقل خطؤهم، وذكر أنه لم يسلم من الخطأ كبير أحد من الأئمة، على حفظهم.

    وقال ابن معين: من لم يخطئ في الحديث فهو كذاب.

    وقال أيضا: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب.

    وقال ابن المبارك: ومن يسلم من الوهم وقد وهمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم وقد جمع بعضهم جزءا في ذلك.

  7. ووهم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم".

  8. وذكر ابن رجب في ذلك كلاما لأبي الحسن الدارقطني بعد ذكر بعض الأوهام في روايات الصحابة، وقول الدارقطني: مثل هذا في الصحابة، أي الوهم والخطأ.

  9. وأما أوهام كبار أئمة الحديث، فقد ذكر ابن رجب أقوالا فيها:

    قال أحمد: كان مالك من أثبت الناس وكان يخطئ.

    وقال البرذعي: شهدت أبا زرعة، وذكر عبد الرحمن بن مهدي ومدحه وأطنب في مدحه، وقال: وهم في غير شيء، ثم ذكر عدة أسماء صحفها. وهذه الأسماء ورد النص بها في كتاب البرذعي وهي: قول ابن مهدي: شهاب بن شريفة، وإنما هو شهاب بن شرنقة. وقال: عن هشام عن الحجاج عن عائذ بن بطة وإنما هو ابن نضلة.

    وقال: قيس بن جبير، وإنما هو قيس بن حبتر (وزن جعفر) التميمي.

    vol. 1, p. 95
  10. وفيما يلي عرض لأحاديث وهم فيها كبار الثقات:
  11. منهم شعبة بن الحجاج: وثناء العلماء على شعبة جزيل طويل، فهو أمير المؤمنين في الحديث، ورجل روى عنه شعبة لا يسأل عنه، وكان الثوري يقول: أستاذنا شعبة. وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. ولكن لشعبة أوهاما، وفي حديثه علل، وإن كانت قليلة، وقد وقف النقاد عليها:

    مثال:

  12. أخرج الترمذي في العلل الكبير قال:
  13. حدثنا محمود بن غيلان، قال (أنا) أبو داود، قال: (أنا) شعبة، قال: (أنا) عبد ربه بن سعيد، قال: سمعت أنس بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع بن العمياء، عن عبد الله بن الحارث بن المطلب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة مثنى مثنى، تشهد في ركعتين، وتبؤس، وتمسكن، وتقنع وتقول: اللهم، اللهم، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج" .

    وقال الليث: (أنا) عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن ٩٦

    عبد الله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس.

  14. سمعت محمد بن إسماعيل يقول: رواية الليث بن سعد أصح من حديث شعبة.

  15. وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضيع:
  16. - فقال: عن أنس بن أبي أنس، وإنما هو عمران بن أبي أنس.

  17. - وقال: عن عبد الله بن الحارث، وإنما هو عن عبد الله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث.

  18. - وربيعة بن الحارث هو ابن المطلب، فقال: هو: عن المطلب.

  19. - ولم يذكر فيه: عن الفضل بن العباس.

  20. هذه أوهام لشعبة ذكرها البخاري جوابا على سؤال الترمذي له، وفيها بيان جلي لأخطاء الثقات ولو كانوا بمنزلة شعبة، وقد ذكر ابن أبي حاتم كلاما للإمام أحمد في أوهام شعبة، فقال:

    (قال أحمد: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال.

    وقال أحمد: كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئا قليلا، وربما وهم في الشيء) ، وفي العبارة الأخيرة كشف عن مصدر الوهم والخطأ عند هذا الإمام الفذ.

  21. ورجل آخر شارك شعبة في الفضل والعصر، ولا يقل عنه إن لم يزد في الحفظ والعلم، وهو إمام دار الهجرة مالك بن أنس. وقد ترجم له ابن رجب ترجمة ضافية وافية جمع شتاتها ودورها من كثير من المراجع في التواريخ والرجال، ولكن هذا الفضل لم يمنع أن يسجل النقاد على مالك مآخذ وعللا في بعض رواياته:

    vol. 1, p. 97فقد أخذ عليه الجماهير روايته عن عبد الكريم أبي أمية وهو متهم بالكذب.

  22. وأما مثال العلة في حديثه، فمما ذكره ابن أبي حاتم في علله.

  23. سألت أبي عن حديث رواه مالك، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن فيروز عن البراء، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الضحايا " فقال أبي: نقص مالك من هذا الإسناد، إنما هو سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، عن عبيد بن فيروز، عن البراء، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

  24. واستيفاء لهذا الموضوع نذكر رجلا ثالثا لا يقل عن سابقيه في الإمامة والفضل وهو الليث بن سعد إمام أهل مصر، ومع علو رتبته في الحفظ والضبط إلا أن النقاد سجلوا عليه عللا في حديثه، مثال ذلك، ما رواه ابن أبي حاتم في علله، قال:

    سمعت أبا زرعة، وحدثنا عن يحيى بن بكير، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، أصحاب الحمر، قال: "لم ينزل علي في الحمر إلا هذه الآية الفاذة، (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) إلى آخر السورة. قال أبو زرعة: وهم فيه الليث، إنما هو زيد بن

    vol. 1, p. 98أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

  25. ونختم هذا السبب العام، الذي لا يكاد يخرج من تأثيره أحد من الحفاظ، بما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وهو نص يؤكد وقوع بعض الأوهام في روايات الحفاظ، ويكشف عن القدر من الخطأ الذي يبقى معه الحافظ، الضابط الإمام، على رتبته في الإمامة والضبط:

    (أنا) أبي، أخبرنا سليمان بن أحمد الدمشقي، قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: اكتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: نعم. قيل له: يغلط في عشرين قال: نعم. قلت: فثلاثين؟ قال: نعم. قلت: فخمسين؟ قال: نعم.

  26. وهكذا، فإنه يمكننا أن نرجع قسما، لا بأس به، من علل الحديث لأخطاء مثل هؤلاء الجهابذة، ويعتبر كشف هذه العلل من أعلى مراتب هذا العلم، وذلك لخفائها واستتارها بمنزلتهم في الحفظ والضبط.

  27. وفي هذا درس بالغ لأعداء السنة، والطاغين فيها، ليعلموا أية حراسة حرس الله بها سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وليدركوا أنه ما دامت منزلة كبار الأئمة لم تمنع من تتبع رواياتهم ونقدها وتمحيصها، وبيان الخطأ فيها، فمن باب أولى أن يكشف وهم غيرهم، وعبث العابثين مهما كانت غايتهم، ومهما استخدموا من أساليب التزوير والكذب.

  28. السبب الثاني:
  29. هو ما اتصف به بعض رواة الآثار من خفة الضبط، وكثرة الوهم، مع بقاء عدالتهم. وهؤلاء هم الذين ذكرهم الترمذي في علله (آخر الجامع) بقوله: أهل صدق وحفظ، ولكن يقع الوهن في حديثهم كثيرا.

  30. وعلى أسلوب ابن رجب في توليد الموضوعات من الكلمات، فقد شرح عبارة الترمذي وحشد لها عيون الشواهد من كلام أرباب هذه الصنعة، فقال:

    vol. 1, p. 99(وهم أيضا أهل صدق وحفظ، ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا، ولكن ليس هو الغالب عليهم، وهذا هو القسم الذي ذكره الترمذي ههنا. وذكر عن يحيى بن سعيد أنه ترك حديث هذه الطبقة.

  31. وعن ابن المبارك وابن مهدي ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم، وهو أيضا رأي سفيان وأكثر أهل الحديث، والمصنفين منهم في السنن والصحاح، كمسلم بن الحجاج وغيره فإنه ذكر في مقدمة كتابه أنه لا يخرج حديث من هو متهم عند أهل الحديث، أو عند أكثرهم، ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط.

  32. وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ والإتقان، وأنهم على ضربين:

    أحدهما: من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش.

  33. والثاني: من هو دونهم في الحفظ والإتقان، وشملهم اسم الصدق والستر، وتعاطى العلم كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم) .

  34. من كل هذا نعلم أن حديث هؤلاء الذين كثر غلطهم، مقبول عند جماهير علماء الحديث، ولا يعين قبول حديثهم أن يؤخذ دونما تمييز بين الصواب والخطأ بل استطاع النقاد أن يحصوا ما لهم من أوهام ويسجلوا شوارد أخبارهم شواذها، فكان نصيب كتب العلل من هذه الأوهام كبيرا. وكثيرا ما نقرأ الحديث في هذه الكتب ثم تذكر علته، ويقال بعد ذلك، أخطأ فيه شريك، وهم فيه عطاء الخراساني ... وهكذا.

  35. وقد ذكر ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي عددا من هؤلاء الثقات الذين يكثر الخطأ في حديثهم، مع ترجمة قصيرة لكل منهم، فأنار سبيل سالك هذا الدرب بمعرفتهم، وأتاح لدارسي الكتاب فرصة كشف كثير من العلل.

  36. فذكر من هذا الصنف، محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وعبد الرحمن بن حرملة المدني، وشريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة، وأبا بكر بن عياش المقرئ الكوفي، والربيع بن صبيح، ومبارك بن فضالة، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وحماد بن سلمة، وغيرهم.

    vol. 1, p. 100
  37. وسيرا على المنهج التطبيقي الذي التزمته في هذه الدراسة، فسأمثل لحديث هؤلاء الرواة، وأذكر عللا سجلها النقاد في مصنفاتهم عليهم:

    ومثال ذلك ما ذكره الترمذي في علله قال

    (حدثنا علي بن نصر الجهضمي، (نا) بشر بن عمر، (نا) شعيب بن زريق أبو شيبة، قال: حدثنا عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

    "عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله" .

  38. سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: شعيب بن زريق مقارب الحديث، ولكن الشأن في عطاء الخراساني، ما أعرف لمالك بن أنس رجلا يروي عنه مالك يستحق أن يترك غير عطاء الخراساني. قلت له: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة.

  39. ثم ذكر البخاري أمثلة لهذه الأحاديث المقلوبة التي يرويها عطاء الخراساني. روى عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأفطر في رمضان، وبعض أصحاب سعيد بن المسيب يقولون سألت سعيدا عن هذا الحديث، فقال: "كذب على عطاء لم أحدث هكذا" .

  40. وروى عطاء، عن أبي سلمة، عن عثمان وزيد بن ثابت في الإيلاء: إذا أمضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة. وروى حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن عثمان: أنه قال في المولي يوقف) .

    vol. 1, p. 101