المبحث الأول في أسباب العلة من خلال كتاب ابن رجب

127 paragraphs · vol. 1, p. 93

Page 2 of 4

  1. وعطاء الخراساني، بالرغم من أن البخاري جعل عامة أحاديثه مقلوبة ونعته بالضعف، إلا أن بقية العلماء احتجوا بحديثة الخالي من الوهم والخطأ، وروى عنه مسلم وأصحاب السنن الأربعة، (وقد وثقه ابن معين، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه ثقة صدوق، قلت يحتج به، قال: نعم. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه) . وتوثيق هذا العدد الغفير له يدفع رأي البخاري فيه، ومع هذا الدفع تبقى لعطاء أوهامه وعلله.

    vol. 1, p. 101
  2. ويشابه عطاء الخراساني في مرتبته وأوهامه شريك بن عبد الله النخعي، فيما يلي مثال على العلة في حديثه: قال الترمذي في علله الكبير: "حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، (نا) يزيد بن هارون عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه" .

    قال يزيد: لم يرو شريك عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث الواحد.

    قال أبو عيسى: وروى همام بن يحيى، عن شقيق، عن عاصم بن كليب شيئا من هذا مرسلا، لم يذكر فيه، عن وائل بن حجر، وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم.

  3. وشريك هذا الذي وهم في هذا الحديث كما وهم في غيره، قال عنه ابن معين: ثقة ثقة، وقال عنه العجلي: كوفي ثقة، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: وسألت أبي عن شريك وأبي الأحوص أيهما إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي " والغالب على حديثة الصحة والاستواء، والذي يقع في حديثه من النكرة إنما أتى به من سوء حفظه، والغالب في من يوثق شريكا أنه يذكر خفة ضبطه وكثرة أوهامه ولكنه مع كل هذا يبقى من أهل الصدق والستر ولا تزول عنه رتبة الاحتجاج بحديثه.

  4. ولقد وصف بعض الحفاظ الثقات بكثرة الوهم، ولا شك أنهم يقلون في أوهامهم عن مثل شريك وعطاء بن السائب، وهؤلاء مثل عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد الصنعانيين، قال ابن أبي حاتم في علله:

    سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق عن صلة، عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: الإنفاق من الاقتار ... الحديث ".

  5. فقالا: هذا خطأ: هذا خطأ. رواه الثوري وشعبة وإسرائيل وجماعة يقولون: عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار، قوله. لا يرفعه أحد منهم.

  6. والصحيح موقوف عن عمار. قلت لهما: الخطأ ممن؟ قال أبي: أرى من عبد الرزاق، أو معمر فإنهما جيعا كثيرو الخطأ".

  7. السبب الثالث - الاختلاط أو الآفة العقلية:
  8. وقد تكلم ابن رجب عن هذا السبب أثناء الكلام عن اختلاط المشاهير من الثقات. وقد جعل هذا نوعا من القسم الثاني من أقسام علم العلل، وبيان ذلك: أنه قسم علم العلل إلى قسمين:

    القسم الأول: في معرفة مراتب الثقات، قول من يقدم منهم عند الاختلاف.

  9. القسم الثاني: ذكر قوم من الثقات، لا يذكر أكثرهم غالبا في كتب الجرح، وقد ضعف حديثهم - أما في بعض الأوقات، وهم المختلطون.

    vol. 1, p. 103
  10. أو في بعض الأماكن.

  11. أو عن بعض الشيوخ.

  12. فيكون ابن رجب قد ذكر هذا السبب في صورة طائفة من مشاهير الثقات، ففصل حالة كل منهم، ذاكرا زمان الاختلاط ومكانه، ومن روى عنه في الاختلاط، ومن روى عنه قبله، وضابط اختلاطه، وخلال الكلام عنه يشير إلى أحاديث رويت عنه في الاختلاط.

  13. مفهوم الاختلاط:
  14. والاختلاط آفه عقلية تورث فسادا في الإدراك، وتصيب الإنسان في آخر عمره، أو تعرض له بسبب حادث ما، كفقد عزيز، أو ضياع مال، ومن تصيبه هذه الآفة لكبر سنة يقال فيه: اختلط بأخرة.

  15. ورغم أن كثيرا من الناس يختلطون إلا أن الاختلاط إذا أطلق انصرف إلى فئة قليلة منهم، وهي فئة المحدثين، وذلك لما في اختلاط المحدث من أثر على روايته، لا سيما وأنه الثقة العدل، المحتج به.

  16. الكشف عن الاختلاط

    والكشف عن الاختلاط يلقي على الناقد، رجل العلل، مهمة عسيرة وشاقة، إلى جانب أنها دقيقة وخطيرة، فهي لا تقتصر على متابعة المحدث في فترة دون فترة، أو مكان دون آخر أو عن شيخ دون سواه، بل تمتد مهمة رجل العلل حتى وفاة الرجل موضع النقد والعلة، ولمعرفة طريقة النقاد في الكشف عن الاختلاط، وتحديد زمنه يحسن بنا أن نستشهد بما ذكره البرذعي في مسائله لأبي زرعة الرازي، قال:

    vol. 1, p. 104قلت لأبي زرعة: قرة بن حبيب تغير. فقال: نعم، كنا أنكرناه بأخرة، غير أنه كان لا يحدث إلا من كتابه، ولا يحدث حتى يحضر ابنه، ثم تبسم، فقلت: لم تبسمت؟ قال: أتيته ذات يوم وأبو حاتم، فقرعنا عليه الباب، واستأذنا عليه، فدنا من الباب ليفتح لنا فإذا ابنته قد لحقت، وقالت: يا أبت، إن هؤلاء أصحاب الحديث، ولا آمن أن يغلطوك أو أن يدخلوا عليك ما ليس من حديثك، فلا تخرج إليهم، حتى يجيء أخي، تعني علي بن قرة، فقال لها: أنا أحفظ فلا أمكنهم ذاك، فقالت: لست أدعك تخرج إليهم فإني لا آمنهم عليك. فما زال قرة يجتهد، ويحتج عليها في الخروج، وهي تمنعه، وتحتج عليه في ترك الخروج إلى أن يجيء علي بن قرة، حتى غلبت عليه، ولم تدعه.

    قال أبو زرعة: فانصرفنا وقعدنا حتى وافى ابنه علي.

    قال أبو زرعة: "فجعلت اعجب من صرامتها، وصياتنها أباها" .

  17. هذه القصة تسلط ضوءا باهرا على قضية الاختلاط، سواء من جانب النقاد الذين يكشفون على الرواة كما يكشف الطبيب على مرضاه، أو من جانب أهل المختلط وذويه الذين لا يذرون صاحبهم دونما رقابة ومتابعة. وإنما هم خير عون للناقد على مهمته، إما بمنع المختلط من الرواية، أو صيانة كتبه وإلزامه التحديث منها، مع الرعاية والإشراف.

  18. وأحيانا كان الناقد يدخل على المختلط يخضعه لاختبار دقيق فيقلب عليه الأسانيد والمتون. ويلقنه ما ليس من روايته، فإن لم يتنبه الشيخ لما يراد به فإنه يتأكد اختلاطه ويحذر الناس من الرواية عنه:

    روى أبو محمد الرامهرمزي من طريق يحيى بن سعيد، قال:

    "قدمت الكوفة وبها ابن عجلان وبها من يطلب الحديث، مليح بن وكيع. وحفص بن غياث، وعبد الله بن إدريس، ويوسف بن خالد التيمي، قلنا: نأتي ابن عجلان نقلب على هذا الشيخ ننظر فهمه. قال: فقلبوا، فجعلوا ما كان

    vol. 1, p. 105عن سعيد عن أبيه، وما كان عن أبيه عن سعيد، ثم جئنا إليه، لكن ابن إدريس تورع وجلس بالباب، وقال: لا أستحل وجلست معه، ودخل حفص ويوسف بن خالد ومليح، فسألوه فمر فيها، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ، فقال: أعد العرض، فعرض عليه، فقال: ما سألتموني عن أبي، فقد حدثني به سعيد، وما سألتموني عن سعيد، فقد حدثني به أبي ".

  19. ولكن بصيرة الناقد ويقظة المجتمع ليس لهما تلك القدرة التي تحدد ساعات بدء الاختلاط، إذ الاختلاط حالة عقلية تبدأ خفية ثم يتعاظم أمرها بالتدريج، وبين الخفاء والظهور يكون المختلط قد روى أحاديث تناقلها الثقات عن الثقات وما دورا أنهم أخذوها عن الثقة، ولكن في اختلاطه.

  20. وهكذا تدخل العلة من هذا الطريق، الذي هو طريق الاختلاط، ولكن رجال هذا العلم بما لديهم من وسائل الدراية، يقفون بالمرصاد لتمييز الصحيح من السقيم.

  21. وفيما يلي مثال على حديث علته اختلاط راويه:
  22. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه زكريا بن أبي زائدة وزهير، فقال أحدهما: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يتعوذ من خمس: من البخل والجبن، وسوء العمر، وفتنة الصدر. روى هذا الحديث الثوري، فقال: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ، مرسل. والثوري أحفظهم. وقال أبي: أبو إسحاق كبر، وساء حفظه بأخرة، فسماع الثوري منه قديم، قال أبو زرعة: تأخر سماع زهير وزكريا من أبي إسحاق".

  23. أشهر الرواة الذين اختلطوا:
  24. وقد ذكر ابن رجب طائفة من مشاهير المختلطين، وفصل أحوالهم، وما يتعلق باختلاطهم، وهم: عطاء بن السائب الثقفي، وحصين بن عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن إياس الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وأبان بن صمعة، وسفيان بن عيينة، وأبو قلابة الرقاشي، ومحمد بن الفضل السدوسي.

  25. وتناول ابن رجب للمختلطين تناول فريد بين الكتب التي تعرضت لهم، وقد حرص ابن رجب على ما يلي:

    ١ - ذكر اسم المختلط ونسبه وكنيته وموطنه.

  26. ٢ - بيان أقسام الرواة عنه، وجعلهم على أقسام:

    - الذين رووا عنه قبل اختلاطه.

  27. - الذين رووا عنه بعد اختلاطه.

  28. - الذين رووا عنه قبل الاختلاط وبعده ولم يميزوا هذا من هذا.

  29. - الذين رووا عنه قبل اختلاطه وبعده وميزوا هذا من هذا.

  30. ٣ - ذكر ضابط التمييز بين السماع قبل الاختلاط وبعده.

  31. وقد فصل ابن رجب في هذا الأمر الثالث، وجمع أقوال العلماء التي تصلح ضابطا للتمييز بين الرواية عنه قبل الاختلاط وبعده. ونرى مثل هذا في كلامه على اختلاط عطاء بن السائب، فقال:

    وقد اختلفوا في ضابط من سمع منه قديما، ومن سمع منه بأخرة.

  32. - فمنهم من قال: من سمع منه بالكوفة فسماعه صحيح ومن سمع منه بالبصرة، فسماعه ضعيف.

  33. - ومنهم من قال: دخل عطاء البصرة مرتين، فمن سمع منه في المرة الأولى فسماعه صحيح ومنهم الحمادان والدستوائي، ومن سمع منه في المقدمة الثانية فسماعه ضعيف، منهم وهيب وإسماعيل بن علية.

  34. - ومنهم من قال: إن حدث عطاء عن رجل واحد فحديثه جيد، وإن حدث عن جماعة فحديثه ضعيف. وهو ضابط التمييز عند شعبة بالنسبة لروايات عطاء.

    vol. 1, p. 107
  35. - ومنهم من قال حديث شعبة وسفيان عنه صحيح لأنه قبل الاختلاط.

  36. كل هذا يدلنا على الجهد الذي بذله علماؤنا في تتبع هذا السبب من أسباب العلة، وبالرجوع إلى قسم التحقيق نطلع على مزيد في هذا، فجزى الله ابن رجب عنا خير الجزاء.

  37. السبب الرابع - خفة الضبط بالأسباب العارضة:
  38. ونقصد بالأسباب العارضة أمورا تعرض للمحدث، تؤثر في ضبطه، دون أن تؤثر في إدراكه، وبهذا نميز هذه الأمور العارضة عن الاختلاط، ولا أرى ضمها إلى الاختلاط كما فعل السخاوي في كتابه "فتح المغيث" . وهذه العوارض تعتري المحدث الذي يعتمد على كتابه في الرواية، فإذا ضاع الكتاب أو احترق، أو أضر الراوي، أو لم يصطحب كتابه معه إذا رحل، في كل هذه الحالات يختل ضبط الراوي، ويكون سبب خفة الضبط هذا العارض الذي اعترض المحدث.

  39. وقد تعرض ابن رجب - رحمه الله - لهذه الأسباب من العوارض في أكثر من مكان من كتابه الذي نحن بصدده، فأطال في ذكر من حدث في مكان لم تكن معه كتبه فخلط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط، وكان هذا هو الضرب الأول من النوع الثاني الذي هو من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، كما تعرض ابن رجب للمحدث الذي كان كل اعتماده على كتبه

    vol. 1, p. 108فأضر فخف ضبطه لذلك، ونجد هذا في آخر كلام ابن رجب عن المختلطين تحت عنوان: "من يلتحق بالمختلطين ممن أضر في آخر عمره" .

  40. وقبل الكلام عن هذه العوارض نرى ضرورة التنبيه إلى أن من لا يحفظ إذا روى من كتابه فروايته جائزة، إذا كان صادقا ضابطا للكتاب، وهذا معروف في شرط الحديث الصحيح، وهو أن يكون راويه ضابطا لما في صدره أو لما في كتابه وقد تعرض ابن رجب لهذا أثناء كلامه عن الرواية عن الضرير والأمي إذا لم يحفظا، وهما بمنزلة من ليس له كتاب في هذه الحالة. ونقل ابن رجب قول أحمد فيهما وخلاصته أنه لا يجوز أن يحدثا إلا بما سمعا.