باب المعرفة بالله
374 paragraphs · vol. 1, p. 477
Page 9 of 10
- vol. 1, p. 561
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: تعود شاه الكرماني السهر فغلبه النوم مرة فرأى الحق سبحانه فِي النوم فكان يتكلف النوم بَعْد ذَلِكَ فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ: رأيت سرور قلبي فِي منامي فأحببت التنعس والمناما وقيل: كَانَ رجل لَهُ تلميذان فاختلفا فيما بينهما.
فَقَالَ أحدهما: النوم خير، لأن الإِنْسَان لا يعصى فِي تلك الحالة.
وَقَالَ الآخر: اليقظة خير لأنه يعرف اللَّه تَعَالَى فِي تلك الحالة
vol. 1, p. 562فتحاكما إِلَى ذَلِكَ الشيخ.
فَقَالَ: أما أَنْتَ الَّذِي قُلْت بتفضيل النوم فالموت خير لَك من الحياة، وَأَمَّا أَنْتَ الَّذِي قُلْت بتفضيل اليقظة فالحياة خير لَك من الْمَوْت.
-
وقيل: اشترى رجل مملوكة فلما دَخَلَ الليل.
قَالَ: افرشي الفراش فَقَالَتْ: المملوكة يا مولاي ألك مولى؟ .
قَالَ: نعم فَقَالَتْ: ينام؟ قَالَ: لا , قَالَتْ: ألا تستحي أَن تنام ومولاك لَمْ ينم.
-
وقيل: قَالَتْ بنية لسعيد بْن جُبَيْر: لَمْ لا تنام.
فَقَالَ: إِن جهنم لا تدعني أَن أنام.
-
وقيل: قَالَتْ بت لمالك بْن دِينَار: لَمْ لا تنام؟ فَقَالَ: إِن أباك يخاف البيات.
-
وقيل: لما مَات الرَّبِيع بْن خيثم قَالَتْ بنية لأبيها من جيرانه: يا أبت الأسطوانة الَّتِي كانت فِي دار جارنا أين ذهبت؟ فَقَالَ: إنه كَانَ جارنا الصالح يقوم من أول الليل إِلَى آخره فتوهمت البنية أَنَّهُ كَانَ سارية لأنها كانت لا تصعد السطح إلا بالليل فتجده قائما.
وَقَالَ بَعْضهم: فِي النوم معان ليست فِي اليقظة منها: أَنَّهُ يرى المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحابة والسلف الماضين فِي النوم ولا يراهم فِي اليقظة وَكَذَلِكَ يرى الحق فِي النوم وَهَذَهِ مزية عظيمة وقيل: رأى أَبُو بَكْر الآجري الحق سبحانه فِي النوم.
فَقَالَ لَهُ: سل حاجتك.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغفر لجميع عصاة أمة مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: أنا أولى بِهَذَا منك سل حاجتك.
-
وَقَالَ الكتاني رأيت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المنام.
فَقَالَ لي: من تزين لِلنَّاسِ بشيء يعلم اللَّه تَعَالَى منه خلافه شأنه اللَّه.
وَقَالَ الكتاني: أَيْضًا رأيت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المنام فَقُلْتُ: ادع اللَّه أَن لا يميت قلبي.
فَقَالَ: قل كُل يَوْم أربعين مرة يا حي يا قيوم لا اللَّه إلا أَنْتَ فَإِن اللَّه يَحْيَي قلبك ورأى الْحَسَن بْن عَلِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عيسى بْن مريم عليهما السَّلام فِي المنام.
فَقَالَ: إني أريد أَن أتخذ خاتما فَمَا الَّذِي أكتب عَلَيْهِ.
فَقَالَ: اكتب عَلَيْهِ لا اللَّه إلا اللَّه الْمَلِك الحق المبين فَإِنَّهُ فِي آخر الإنجيل وَرَوَى عَن أَبِي يَزِيد أَنَّهُ: قَالَ رأيت ربي عَزَّ وَجَلَّ فِي المنام فَقُلْتُ: كَيْفَ الطريق إليك.
فَقَالَ: اترك نفسك وتعال
vol. 1, p. 563وقيل: رأى أَحْمَد بْن خضرويه ربه فِي المنام.
فَقَالَ: يا أَحْمَد كُل النَّاس يطلبون مني إلا أبا يَزِيد فَإِنَّهُ يطلبني.
وَقَالَ يَحْيَي بْن سَعِيد الْقَطَّان: رأيت ربي فِي المنام فَقُلْتُ: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي.
فَقَالَ تَعَالَى: يا يَحْيَي إني أحب أَن أسمع صوتك.
وَقَالَ بشر بْن الْحَارِث: رأيت أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي المنام فَقُلْتُ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عظني.
فَقَالَ: مَا أَحْسَن عطف الأغنياء عَلَى الفقراء طلبا لثواب اللَّه تَعَالَى وأحسن من ذَلِكَ نية الفقراء عَلَى الأغنياء ثقة بالله تَعَالَى فَقُلْتُ لَهُ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ زدني.
فَقَالَ: قَدْ كنت ميتا فصرت حيا وعن قريب نصير ميتا عز بدار الفناء بَيْت فابن بدار البقاء بيتا وقيل: رؤي سُفْيَان الثَّوْرِي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: رحمني فقيل مَا حال عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ.
فَقَالَ: هُوَ مِمَّن يلج عَلَى ربه كُل يَوْم مرتين.
-
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول رأى الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي أبا سهل الزجاجي فِي المنام وَكَانَ الزجاجي يَقُول بوعيد الأبد.
فَقَالَ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ الزجاجي: الأمر ههنا أسهل مِمَّا كَانَ نظنه.
-
ورؤي الْحَسَن بْن عَاصِم الشيباني فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: وإيش يَكُون من الكريم إلا الكرم ورؤي بَعْضهم فِي المنام فسئل عَن حاله.
-
فَقَالَ.
-
حاسبونا فدققوا ثُمَّ منوا فاعتقوا ورؤي حبيب العجمي فِي المنام فقيل لَهُ: مت يا حبيب العجمي.
فَقَالَ: هيهات ذهبت العجمة وبقيت النعمة وقيل: دَخَلَ الْحَسَن البصري مسجدا ليصلي فِيهِ المغرب فوجد إمامهم حبيبا العجمي فلم يصل خلفه لأنه خاف أَن يلحن لعجمه فِي لسانه فرأى فِي المنام تلك الليلة قائلا يَقُول لَهُ لِمَ لَمْ تصل خلفه لو صليت خلفه لغفر لَك مَا تقدم من ذنبك.
- vol. 1, p. 564
ورؤي مَالِك بْن أَنَس فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: غفر لي بكلمة كَانَ يقولها عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رؤية الجنازة: سبحان الحي الَّذِي لا يموت.
-
ورؤي الليلة الَّتِي مَات فِيهَا الْحَسَن البصري كأن أبواب السماء مفتحة وكأن مناديا ينادي ألا أَن الْحَسَن البصري قدم عَلَى اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَنْهُ راض سمعت أبا بَكْر بْن أشكيب يَقُول: رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي فِي المنام عَلَى حالة حسنة فَقُلْتُ: يا أستاذ بم وجدت هَذَا.
فَقَالَ: بحسن ظني بربي.
-
وقيل: رؤي الجاحظ فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: فلا تكتب بخطك غَيْر شَيْء يسرك فِي الْقِيَامَة أَن تراه وقيل: رأى الجنيد إبليس فِي منامه عريانا.
فَقَالَ لَهُ: ألا تستحي من النَّاس.
فَقَالَ: هَؤُلاءِ لا ناس إِنَّمَا النَّاس أقوام فِي مَسْجِد الشونيزية أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي.
قَالَ الجنيد: فلما انتبهت غدوت إِلَى الْمَسْجِد فرأيت جَمَاعَة وضعوا رءوسهم عَلَى ركبهم متفكرين فلما رأوني قَالُوا: لا يغرنك حَدِيث الخبيث ورؤي النصرأباذي بمكة بَعْد وفاته فِي النوم فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: عوتبت عتاب الأشراف ثُمَّ نوديت يا أبا القاسم أبعد الاتصال انفصال فَقُلْتُ لا يا ذا الجلال فَمَا وضعت فِي اللحد حَتَّى لحقت بالأحد ورؤي ذو النون الْمِصْرِي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك فَقَالَ: كنت أسأله ثَلاث حوائج فِي الدنيا فأعطاني البعض وأرجو أَن يعطيني الباقي كنت أسأله أَن يعطيني من العشرة الَّتِي عَلَى يد رضوان واحدا ويعطيني بنفسه وأن يعذبني عَنِ الْوَاحِد الَّذِي بيد مَالِك بعشرة ويتولى هُوَ وأن يرزقني أَن أذكره بلسان الأبدية.
-
وقيل: رؤى الشبلي فِي المنام بَعْد موته فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: لَمْ يطالبني بالبراهين عَلَى الدعاوي إلا عَلَى شَيْء واحد قُلْت: يوما لا خسارة أَعْظَم من خسران لاجنة ودخول النار.
فَقَالَ لي: وأي خسارة أَعْظَم من خسارة لقائي.
- vol. 1, p. 565
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: رأى الجريري الجنيد فِي المنام.
فَقَالَ: كَيْفَ حالك يا أبا القاسم؟ .
فَقَالَ: طاحت تلك الإشارات وبادت تلك العبارات وَمَا نفعنا إلا تسبيحات كُنَّا نقولها بالغدوات.
وَقَالَ النباجي: تشهيت يومان شَيْئًا فرأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول: أيجمل بالحر المريد أَن يتذلل للعبيد وَهُوَ يجد من مولاه مَا يريد.
وَقَالَ ابْن الجلاء: دخلت الْمَدِينَة وبي فاقة فتقدمت إِلَى القبر وقلت: أنا ضيفك فغفوت فرأيت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أعطاني رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت وبيدي النصف.
وَقَالَ بَعْضهم: رأيت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المنام يَقُول: زوروا ابْن عون فَإِنَّهُ يحب اللَّه ورسوله وقيل: رأى عتبة الغلام حوراء فِي المنام عَلَى صورة حسنة فَقَالَتْ لَهُ: يا عتبة أنا لَك عاشقة فانظر أَن لا تعمل من الأعمال شَيْئًا يحال بيني وبينك.
فَقَالَ عتبة: طلقت الدنيا ثلاثا لا رجعة لي عَلَيْهَا حَتَّى ألقاك.
-
سمعت منصورا المغربي يَقُول: رأيت شيخا فِي بلاد الشام كبير الشأن وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الانقباض فقيل لي: إِن أردت أَن ينبسط هَذَا الشيخ معك فسلم عَلَيْهِ وقل: رزقك اللَّه الحور العين فَإِنَّهُ يرضى منك بِهَذَا الدعاء فسألت عَن سببه فقيل: إنه رأى شَيْئًا من الحور فِي منامه فبقى فِي قلبه شيء من ذَلِكَ , فمضيت وسلمت عَلَيْهِ , وقلت: رزقك اللَّه الحور العين فانبسط الشيخ معي وقيل: رأى أيوب السختياني جنازة عاص فدخل دهليز لئلا يحتاج إِلَى الصلاة عَلَيْهَا فرأى بَعْضهم الميت فِي المنام.
فَقَالَ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: غفر لي.
وَقَالَ لي: قل لأيوب السختياني {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ} [الإسراء: ١٠٠] وقيل: رؤي الليلة الَّتِي مَات فِيهَا مَالِك بْن دِينَار كأن أبواب السماء قَدْ فتحت وقائلا يَقُول: ألا إِن مَالِك بْن دِينَار أصبح من سكان الْجَنَّة.
وَقَالَ بَعْضهم: رأيت الليلة الَّتِي مَات فِيهَا دَاوُد الطائي نورا وملائكة صعودا وملائكة نزولا فَقُلْتُ: أي ليلة هذه فَقَالُوا: ليلة مَات فِيهَا دَاوُد الطائي وَقَدْ زخرفت الْجَنَّة لقدوم روحه.
vol. 1, p. 566قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: رأيت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق فِي المنام فَقُلْتُ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: لَيْسَ للمغفرة هنا كبير خطر أقل من حضر ههنا خطرا فلأن أعطى كَذَا وكذا وقع لي فِي المنام أَن ذَلِكَ الإِنْسَان الَّذِي عناه قتل نفسا بغير حق.
-
وقيل: لما مَات كرز بنوبرة رأى فِي المنام كأن أهل القبور خرجوا من قبورهم وعليهم ثياب جدد بيض فقيل: مَا هَذَا؟ قيل: إِن أهل القبور كسوا ثيابا جدد لقدوم كرز عَلَيْهِم ورؤي يُوسُف بْن الْحُسَيْن فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: غفر لي فقيل بماذا.
فَقَالَ: لأني مَا خلطت جدا بهزل قط ورؤي عَبْد اللَّهِ الزراد فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: أوقفني وغفر لي كُل ذنب أقررت بِهِ فِي الدنيا إلا واحدا استحييت أَن أقربه فوقفني فِي العرق حَتَّى سقط لحم وجهي فقيل لَهُ: وَمَا ذاك.
فَقَالَ: نظرت يوما إِلَى شخص جميل فاستحيت أَن أذكره.
-
سمعت أبا سَعِيد الشحام يَقُول: رأيت الشيخ الإِمَام أبا الطيب سهلا الصعلوكي فِي المنام فَقُلْتُ أيها الشيخ.
فَقَالَ: دع الشيخ فَقُلْتُ: وتلك الأحوال الَّتِي شاهدتها.
فَقَالَ: لَمْ تغن عنا شَيْئًا فَقُلْتُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: غفر لي بمسائل كانت يسأل عَنْهَا العجز.
-
سمعت أبا بَكْر الرشيدي الفقيه يَقُول: رأيت محمدا الطوسي المعلم فِي المنام.
فَقَالَ: قل لأبي سَعِيد الصفار المؤدب: وكنا عَلَى أَن لا نحول عَنِ الهوى فَقَدْ وحياة الحب حلتم وَمَا حلنا تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا وأظهرتم الهجران مَا هكذا كُنَّا لعل الَّذِي يقضى الأمور بعلمه سيجمعنا بَعْد الممات كَمَا كُنَّا
vol. 1, p. 567قَالَ: فانتبهت وقلت ذَلِكَ لأبي سَعِيد الصفار.
فَقَالَ: كنت أزور قبره كُل يَوْم جمعة فلم أزره هذه الجمعة وحكى عَن بَعْضهم أَنَّهُ قَالَ: رأيت فِي المنام رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحوله جَمَاعَة من الفقراء فبينما هُوَ كَذَلِكَ إذ نزل من السماء ملكا وبيد أحدهما طست وبيد الآخر إبريق فوضع الطست بَيْنَ يدي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغسل يده ثُمَّ أمر حَتَّى غسلوا أيديهم ثُمَّ وضع الطست بَيْنَ يدي.
فَقَالَ أحدهما للآخر: لا تصب عَلَى يده فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أليس قَدْ رَوَى عَنْك أنك قُلْت: المرء مَعَ من أحب.
فَقَالَ: بلى فَقُلْتُ: وأنا أحبك وأحب هَؤُلاءِ الفقراء.
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صب عَلَى يده فَإِنَّهُ مِنْهُم وحكي عَن بَعْضهم أَنَّهُ كَانَ يَقُول أبدا: العافية العافية فقيل لَهُ: مَا معنى هَذَا الدعاء.
قَالَ: كنت حمالا فِي ابتداء أمري وكنت حملت يوما صدرا من الدقيق فوضعته لأستريح فكنت أقول يا رب لو أعطيتني كُل يَوْم رغيفين من غَيْر تعب لكنت أكتفي بهما فَإِذَا رجلان يختصمان فتقدمت أصلح بينهما فضرب أحدهما رأسي بشيء أراد أَن يضرب بِهِ خصمه فدمى وجهي فجاء صاحب الربع فأخذهما فلما رآني ملوثا بالدم أخذني وظن أنني مِمَّن تشاجر فأدخلني السجن وبقيت فِي السجن مدة أوتى كُل يَوْم برغيفين فرأيت ليلة فِي المنام قائلا يَقُول لي: إنك سألت الرغيفين كُل يَوْم من غير نصب وَلَمْ تسأل العافية فانتبهت وقلت: العافية العافية فرأيت بَاب السجن يقرع وقيل: أين عُمَر الحمال وخلوا سبيلي، وحكي عَنِ الكتاني أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عندنا رجل من أَصْحَابنا هاجت عينه فقيل لَهُ: ألا تعالجها.
فَقَالَ: عزمت أَن لا أعالجها حَتَّى تبرأ.
قَالَ: رأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول: لو كَانَ هَذَا العزم عَلَى أهل النار كلهم لأخرجناهم من النار.
-
وحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ.
قَالَ: رأيت فِي المنام كأني أتكلم عَلَى النَّاس فوقف عَلَى ملك.
فَقَالَ: أقرب مَا تقرب بِهِ المتقربون إِلَى اللَّه تَعَالَى ماذا فَقُلْتُ: عمل خفى بميزان وَفِي.
قَالَ: فولى الْمَلِك عنى وَهُوَ يَقُول: كَلام موفق والله.
vol. 1, p. 568وَقَالَ رجل للعلاء بْن زِيَاد: رأيت فِي النوم كأنك من أهل الْجَنَّة.
فَقَالَ: لعل الشَّيْطَان أراد أمرا فعصمت منه فأشخص إِلَى رجلا يعينه وقيل: رؤى عَطَاء السلمي فِي النوم فقيل لَهُ: لَقَدْ كنت طويل الحزن فَمَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: أما والله لَقَدْ أعقبني ذَلِكَ راحة طويلة وفرحا دائما فقيل لَهُ: ففي أي الدرجات أَنْتَ.
فَقَالَ: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء: ٦٩] الآية وقيل: رؤى الأوزاعي فِي المنام.
فَقَالَ: مَا رأيت هاهنا درجة أرفع من درجة الْعُلَمَاء ثُمَّ درجة المحزونين.
وَقَالَ النباجي: قيل لي فِي المنام: من وثق بالله فِي رزقه زَيْد فِي حسن خلقه وسمحت نَفْسه فِي نفقته وقلت وساوسه فِي صلاته وقيل: رؤيت زبيدة فِي المنام فقيل لَهَا: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَتْ: غفر لي فقيل بكثرة نفقتك فِي طريق مَكَّة فَقَالَتْ: لا أما إِن أجرها عاد إِلَى أربابها ولكن غفر لي بنيتي ورؤي سُفْيَان الثَّوْرِي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
قَالَ: وضعت أول قدمي عَلَى الصراط وَالثَّانِي فِي الْجَنَّة.
-
وَقَالَ أَحْمَد بْن أَبِي الحواري رأيت فِي النوم جارية مَا رأيت أَحْسَن منها يتلألأ وجهها نورا فَقُلْتُ مَا أنور وجهك فَقَالَتْ: تذكر الليلة الَّتِي بكيت فِيهَا فَقُلْتُ: نعم فَقَالَتْ: حملت إِلَى دمعتك فمسحت بِهَا وجهي فصار وجهي هكذا وقيل: رأي يَزِيد الرقاشي النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المنام فقرأ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: هذه القراءة فأين البكاء.
وَقَالَ الجنيد: رأيت فِي المنام كأن ملكين نزلا من السماء.
فَقَالَ أحدهما لي: مَا الصدق فَقُلْتُ: الوفاء بالعهد.
فَقَالَ الآخر: صدق ثُمَّ صعدا
vol. 1, p. 569ورؤي بشر الحافي فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: غفر لي.
-
وَقَالَ أما استحييت يا بشر منى كنت تخافني ذَلِكَ الخوف وقيل: رؤي أَبُو سُلَيْمَان الداراني فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: غفر لي وَمَا كَانَ شَيْء أضر عَلَى من إشارات الْقَوْم.
-
وَقَالَ عَلِي بْن الموفق كنت أفكر يوما فِي سبب عيالي والفقر الَّذِي بِهِمْ فرأيت فِي المنام رقعة فِيهَا مكتوب بسم اللَّه الرحمن الرحيم يا ابْن الموفق أتخشى الفقر وأنا ربك فلما كَانَ وقت الفلس أتاني رجل بكيس فِيهِ خمسة آلاف دِينَار.
وَقَالَ: خذها إليك يا ضعيف اليقين.
-
وَقَالَ الجنيد رأيت فِي المنام كأني واقف بَيْنَ يدي اللَّه تَعَالَى.
فَقَالَ لي: يا أبا القاسم من أين لَك هَذَا الْكَلام الَّذِي تقول فَقُلْتُ: لا أقول إلا حقا.
فَقَالَ: صدقت.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الكتاني: رأيت فِي المنام شابا لَمْ أر أَحْسَن منه فَقُلْتُ: من أَنْتَ.
فَقَالَ: التقوى قُلْت: فأين تسكن.
قَالَ: فِي كُل قلب حزين ثُمَّ التفت فَإِذَا امْرَأَة سوداء كأوحش مَا يَكُون فَقُلْتُ: من أَنْتَ فَقَالَتْ: الضحك فَقُلْتُ: وأين تسكنين فَقَالَتْ: فِي كُل قلب فرح مرح.
قَالَ: فانتبهت واعتقدت أَن لا أضحك إلا غلبة وحكى عَن أَبِي عَبْد اللَّهِ بْن خفيف أَنَّهُ قَالَ: رأيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المنام كَأَنَّهُ قَالَ لي: من عرف طريقا إِلَى اللَّه تَعَالَى سلكه ثُمَّ رجع عَنْهُ عذبه اللَّه تَعَالَى عذابا لَمْ يعذبه أحدا من العالمين.
-
ورؤي الشبلي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: ناقشني حَتَّى أيست فلما رأى يأسي تغمدني برحمته.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان المغربي: رأيت فِي النوم كأن قائلا يَقُول لي: يا أبا عُثْمَان اتق اللَّه فِي الفقر ولو فِي قدر سمسمة.
-
وقيل: كَانَ لأبي سَعِيد الخراز ابْن مَات قبله فرآه فِي المنام.
فَقَالَ لَهُ: بَنِي أوصني.
فَقَالَ: يا أبت لا تعامل اللَّه عَلَى الجبن.
فَقَالَ: يا بَنِي زدني.
فَقَالَ: لا تخالف اللَّه تَعَالَى فيما يطالبك بِهِ.
فَقَالَ: زدني.
فَقَالَ: لا تجعل بينك وبين اللَّه قميصا.
قَالَ: فَمَا لبس القميص ثلاثين سنة
vol. 1, p. 570وقيل: كَانَ بَعْضهم يَقُول فِي دعائه: اللَّهُمَّ الشيء الَّذِي لا يضرك وينفعنا لا تمنعه عنا فرأى فِي المنام كَأَنَّهُ قيل لَهُ: وأنت فالشيء الَّذِي يضرك ولا ينفعك فدعه.
-
وحكى عَن أَبِي الفضل الأصبهاني أَنَّهُ قَالَ: رأيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المنام فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , سل اللَّه أَن لا يسلبني الإيمان.
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذاك شَيْء قَدْ فرغ اللَّه تَعَالَى منه وحكى عَن أَبِي سَعِيد الخراز , قَالَ: رأيت إبليس فِي المنام فأخذت عصاي لأضربه فقيل لي: إنه لا يفزع منها إِنَّمَا يفزع هَذَا من نور يَكُون فِي القلب.
-
وَقَالَ بَعْضهم كنت أدعو لرابعة العدوية فرأيتها فِي النوم تقول هداياك تأتينا عَلَى أطباق من نور مخمرة بمناديل من نور ويروى عَن سماك بْن حرب أَنَّهُ قَالَ: كف بصري فرأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول لي: ائت الفرات فانغمس فِيهِ وافتح عينيك.
قَالَ: ففعلت فأبصرت وقيل: رؤي بشر الحافي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: لما رأيت ربي عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ لي: مرحبا يا بشر لَقَدْ توفيتك يَوْم توفيتك وَمَا عَلَى الأَرْض أحب إلي منك.
- vol. 1, p. 571
بَاب الوصية للمريدين قَالَ الأستاذ: لما أثبتنا طرفا من سير الْقَوْم وضممنا إِلَى ذَلِكَ أبوابا من المقامات أردنا أَن نختم هذه الرسالة بوصية للمريدين نرجو من اللَّه تَعَالَى حسن توفيقهم لاستعمالها وأن لا يحرمنا القيام بِهَا ولا يجعلها حجة عَلَيْنَا فأول قدم للمريد فِي هذه الطريقة ينبغي أَن يَكُون عَلَى الصدق ليصح لَهُ البناء عَلَى أصل صحيح فَإِن الشيوخ قَالُوا إِنَّمَا حرموا الوصول لتضييعهم الأصول كَذَلِكَ سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول فتجب البداءة وبتصحيح اعتقاد بينه وبين اللَّه تَعَالَى صاف عَنِ الظنون والشبه خال من الضلال والبدع صادر عَنِ البراهين والحجج ويقبح بالمريد أَن ينتسب إِلَى مذهب من مذاهب من لَيْسَ من هذه الطريقة وليس انتساب الصوفي إِلَى مذهب من مذاهب المختلفين سِوَى طريقة الصوفية إلا نتيجة جهلهم بمذاهب أهل هذه الطريقة فَإِن هَؤُلاءِ حججهم فِي مسائلهم أظهر من حجج كُل أحد وقواعد مذاهبهم أقوى من قواعد كُل مذهب والناس إِمَّا أَصْحَاب النقل والأثر وإما أرباب العقل والفكر وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عَن هذه الجملة فالذي لِلنَّاسِ غيب فَهُوَ لَهُمْ ظهور والذي للخلق من المعارف مقصود فلهم من الحق سبحانه موجود فَهُمْ من أهل الوصول والناس أهل الاستدلال وَهُمْ كَمَا قَالَ القائل: ليلي بوجهك مشرق وظلامه من النَّاس ساري فالناس فِي سدف الظلام ونحن فِي ضوء النهار
vol. 1, p. 572وَلَمْ يكن عصر من الأعصار فِي مدة الإِسْلام إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة مِمَّن لَهُ علوم التوحيد وإمامة الْقَوْم ألا وأئمة ذَلِكَ الوقت من الْعُلَمَاء استسلموا لِذَلِكَ الشيخ وتواضعوا لَهُ وتبركوا بِهِ ولولا مزية وخصوصية لَهُمْ وإلا كَانَ الأمر بالعكس هَذَا أَحْمَد بْن حنبل كَانَ عِنْدَ الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فجاء شيبان الراعي.
فَقَالَ أَحْمَد: أريد يا أبا عَبْد اللَّهِ أَن أنبه هَذَا عَلَى نقصان علمه ليشتغل بتحصيل بَعْض العلوم.
فَقَالَ: الشَّافِعِي لا تفعل فلم يقنع.
فَقَالَ لشيبان: مَا تقول فيمن نسى صلاة من خمس صلوات فِي اليوم والليلة ولا يدري أي صلاة نسبها مَا الواجب عَلَيْهِ يا شيبان.
فَقَالَ شيبان: يا أَحْمَد هَذَا قلب غفل عَنِ اللَّه تَعَالَى فالواجب أَن يؤدب حَتَّى لا يغفل عَن مولاه بَعْد فغشى عَلَى أَحْمَد فلما أفاق قَالَ لَهُ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ ألم أقل لَك لا تحرك هَذَا وشيبان الراعي كَانَ أميا مِنْهُم فَإِذَا كَانَ الأمي مِنْهُم هكذا فَمَا الظن بأئمتهم وَقَدْ حكى أَن فقيها من أكابر الْفُقَهَاء كانت حلقته بجنب حلقة الشبلي فِي جامع الْمَنْصُور وَكَانَ يقال لِذَلِكَ الفقيه: أَبُو عمران وَكَانَ تتعطل عَلَيْهِم حلقتهم لكلام الشبلي فسأل أَصْحَاب أَبِي عمران يوما الشبلي عَن مسألة فِي الحيض وقصدوا إخجاله فذكر مقالات النَّاس فِي تلك المسألة والخلاف فِيهَا فقام أَبُو عمران وقبل رأس الشبلي.
وَقَالَ: يا أبا بَكْر استفدت فِي هذه المسألة عشر مقالات لَمْ أسمعها وَكَانَ عندي من جملة مَا قُلْت ثلاثة أقاويل وقيل: أجتاز أَبُو الْعَبَّاس بْن سريج الفقيه بمجلس الجنيد رحمها اللَّه تَعَالَى فسمع كلامه فقيل لَهُ: مَا تقول فِي هَذَا الْكَلام.
فَقَالَ: لا أدري مَا يَقُول ولكني أرى لِهَذَا الْكَلام صولة ليست بصولة مبطل وقيل لعبد اللَّه بْن سَعِيد بْن كلاب: أَنْتَ تتكلم عَلَى كَلام كُل أحد وههنا رجل يقال لَهُ: الجنيد فانظر هل تعترض عَلَيْهِ أم لا فحضر حلقته
vol. 1, p. 573فسأله الجنيد عَنِ التوحيد فأجابه فتحير عَبْد اللَّهِ.
وَقَالَ: أعد عَلِي مَا قُلْت، فأعاد لا بتلك العبارة فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: هَذَا شَيْء آخر لَمْ أحفظه تعيده عَلِي مرة أُخْرَى فأعاد بعبارة أُخْرَى.
فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: لَيْسَ يمكنني حفظ مَا تقول أمله عَلَيْنَا.
فَقَالَ: إِن كنت أجزته فأنا أميله.
-
فقام عَبْد اللَّهِ وَقَالَ بفضله واعتراف بعلو شأنه فَإِذَا كَانَ أصول هذه الطائفة أصح الأصول ومشايخهم أكبر النَّاس وعلماؤهم أعلم النَّاس فالمريد الَّذِي لَهُ إيمان بِهِمْ إِن كَانَ من أهل السلوك والتدرج إِلَى مقاصدهم فَهُوَ يساهم فِيهَا خصوا بِهِ من مكاشفات الغيب فلا يحتاج إِلَى التطفل عَلَى من هُوَ خارج عَن هذه الطائفة وإن كَانَ يريد طريقة الاتباع وليس بمستقل بحاله ويريد أَن يعرج فِي أوطان التقليد إِلَى أَن يصل إِلَى التحقيق فليقلد سلفه وليجر عَلَى طريقة هذه الطبقة فإنهم أولى بِهِ من غيرهم ولقد سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: مَا ظنك بعلم علم الْعُلَمَاء فِيهِ تهمة وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَبِي عَلِي بْن مُحَمَّد المخرمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول لو علمت أَن لِلَّهِ علما تَحْتَ أديم السماء أشرف من هَذَا العلم الَّذِي نتكلم فِيهِ مَعَ أَصْحَابنا وإخواننا لسعيت إِلَيْهِ ولقصدته وإذا أحكم المريد بينه وبين اللَّه تَعَالَى عقده فيجب أَن يحصل من علم الشريعة إِمَّا بالتحقيق وإما بالسؤال عَنِ الأئمة مَا يؤدي بِهِ فرضه وإن اختلف عَلَيْهِ فتاوى الْفُقَهَاء يأخذ بالأحوط ويقصد أبدا لخروج من الخلاف فَإِن الرخص فِي الشريعة للمستضعفين وأَصْحَاب الحوائج والأشغال وَهَؤُلاءِ الطائفة لَيْسَ لَهُمْ شغل سِوَى القيام بحقه سبحانه ولهذا قيل: إِذَا انحط الفقير عَن درجة الحقيقة إِلَى رخصة الشريعة فَقَدْ فسخ عقده مَعَ اللَّه تَعَالَى ونقض عهده فيما بينه وبين اللَّه تَعَالَى ثُمَّ يجب عَلَى المريد أَن يتأدب بشيخ فَإِن لَمْ يكن لَهُ أستاذ لا يفلح أبدا.
- vol. 1, p. 574
هَذَا أَبُو يَزِيد يَقُول: من لَمْ يكن لَهُ أستاذ فإمامه الشَّيْطَان وسمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: الشجرة إِذَا نبتت بنفسها من غَيْر غارس فإنها تورق لكن لا تثمر كَذَلِكَ المريد إِذَا لَمْ يكن لَهُ أستاذ يأخذ منه طريقته نفسا فنفسا فَهُوَ عابد هواه لا يجد نفاذا ثُمَّ إِذَا أراد السلوك فبعد هذه الجملة يجب أَن يتوب إِلَى اللَّه سبحانه من كُل زلة فيدع جَمِيع الزلات سرها وجهرها وصغيرها وكبرها ويجتهد فِي إرضاء الخصوم أولا ومن لَمْ يرض خصومه لا يفلح لَهُ من هذه الطريقة بشيء وعلى هَذَا النحو جروا ثُمَّ بَعْد هَذَا يعمل فِي حذف العلائق والشواغل فَإِن بناء هَذَا الطريق عَلَى فراغ القلب وَكَانَ الشبلي يَقُول للحصري فِي ابتداء أمره إِن خطر ببالك من الجمعة إِلَى الجمعة الثَّانِيَة الَّتِي تأتيني فِيهَا غَيْر اللَّه تَعَالَى فحرام عليك أَن تحضرني وإذا أراد الخروج عَنِ العلائق فأولها الخروج عَنِ المال فَإِن ذَلِكَ الَّذِي يميل بِهِ عَنِ الحق وَلَمْ يوجد مريد دَخَلَ فِي هَذَا الأمر ومعه علاقة من الدنيا إلا جرته تلك العلاقة عَن قريب إِلَى مَا منه خرج فَإِذَا خرج عَنِ المال فالواجب عَلَيْهِ الخروج عَنِ الجاه فَإِن ملاحظة الجاه مقطعة عظيمة وَمَا لَمْ يستو عِنْدَ المريد قبول الخلق وردهم لا يجيء منه شَيْء بَل أضر الأشياء لَهُ ملاحظة النَّاس إياه بعين الإثبات والتبرك بِهِ لإفلاس النَّاس عَن هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ بَعْد لَمْ يصحح الإرادة فكيف يصح أَن يتبرك بِهِ فخرجهم من الجاه واجب عَلَيْهِم، لأن ذَلِكَ سم قاتل لَهُمْ فَإِذَا خرج عَن ماله وجاهه فيجب أَن يصحح عقيدته بينه وبين اللَّه تَعَالَى وأن لا يخالف شيخه فِي كُل مَا يشير عَلَيْهِ , لأن الخلاف للمريد فِي ابتداء أمره عظيم الضرر , لأن ابتداء حاله دليل عَلَى جَمِيع عمره ومن شرطه أَن لا يَكُون لَهُ بقلبه اعتراض عَلَى شيخه فَإِذَا خطر ببال المريد أَن لَهُ فِي الدنيا والآخرة قدرا أَوْ قيمة أَوْ عَلَى بسيط الأَرْض أحدا دونه لَمْ يصح لَهُ فِي الإرادة قدم لأنه يجب أَن يجتهد ليعرف ربه لا ليحصل لنفسه قدرا وفرق بَيْنَ من يريد اللَّه تَعَالَى
وبين من يريد جاه نَفْسه إِمَّا فِي عاجله وإما فِي آجله ثُمَّ
vol. 1, p. 575يجب عَلَيْهِ حفظ سره حَتَّى عَن زره إلا عَن شيخه , ولو كتم نفسا من أنفاسه عَن شيخه فَقَدْ خانه فِي حق صحبته , ولو وقع لَهُ مخالفة فيما أشار عَلَيْهِ شيخه فيجب أَن يقر بِذَلِكَ بَيْنَ يديه فِي الوقت ثُمَّ يستسلم لما يحكم بِهِ عَلَيْهِ شيخه عقوبة لَهُ عَلَى جنايته ومخالفته إِمَّا بسفر يكلفه أَوْ أمر مَا يراه ولا يصح للشيوخ التجاوز عَن زلات المريدين، لأن ذَلِكَ تضييع لحقوق اللَّه تَعَالَى وَمَا لَمْ يتجرد عَن كُل علاقة لا يَجُوز لشيخه أَن يلقنه شَيْئًا من الأذكار بَل يجب أَن يقدم التجربة لَهُ فَإِذَا شهد قلبه للمريد بصحة العزم فحينئذ يشترط عَلَيْهِ أَن يرضى بِمَا يستقبله فِي هذه الطريقة من فنون تصاريف الْقَضَاء فيأخذ عَلَيْهِ العهد بأن لا ينصرف عَن هذه الطريقة بِمَا يستقبله من الضر والذل والفقر والأسقام والآلام وأن لا يجنح بقلبه إِلَى السهولة ولا يترخص عِنْدَ هجوم الفاقات وحصول الضرورات ولا يؤثر الدعة ولا يستشعر الكسل فَإِن وقفة المريد شر من فترته والفرق بَيْنَ الفترة والوقفة أَن الفترة رجوع عَنِ الإرادة وخروج منها فَإِذَا جربه شيخه فيجب عَلَيْهِ أَن يلقنه ذكر من الأذكار عَلَى مَا يراه شيخه فيأمر أَن يذكر ذَلِكَ الاسم بلسانه ثُمَّ يأمره أَن يسوى قلبه مَعَ لسانه ثُمَّ يَقُول لَهُ اثبت عَلَى استدامة هَذَا الذكر كأنك مَعَ ربك أبدا بقلبك ولا يجري عَلَى لسانك غَيْر هَذَا الاسم مَا أمكنك ثُمَّ يأمره أَن يَكُون أبدا فِي الظاهر عَلَى الطهارة وأن لا يَكُون نومه إلا غلبة وأن يقلل من غذائه عَلَى التدريج شَيْئًا بَعْد شَيْء حَتَّى يقوي عَلَى ذَلِكَ ولا يأمره أَن يترك عادته بمرة فَإِن فِي الْخَبَر إِن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ثُمَّ يأمره بإيثاره الخلوة والعزلة ويجعل اجتهاده فِي هذه الحالة لا محالة فِي نفي الخواطر الدنية والهواجس الشاغلة للقلب.
-
واعلم أَن فِي هذه الحالة قلما يخلو المريد فِي أوان خلوته فِي ابتداء إرادته من الوساوس فِي الاعتقاد لا سيما إِذَا كَانَ فِي المريد كياسة قلب وكل مريد لا تستقبله هذه الحالة فِي ابتداء إرادته
vol. 1, p. 576وَهَذَا من الامتحانات الَّتِي تستقبل المريدين فالواجب عَلَى شيخه إِن رأى فِيهِ كياسة أَن يحيله عَلَى الحجج العقلية فَإِن بالعلم يتخلص لا محالة المتعرف مَا يعتريه من الوساوس وإن تفرس شيخه فِيهِ القوة والثبات فِي الطريقة أمره بالصبر واستدامة الذكر حَتَّى تسطع فِي قلبه أنوار القبول وتطلع فِي سره شموس الوصول وعن قريب يَكُون ذَلِكَ ولكن لا يَكُون هَذَا إلا لأفراد المريدين فأما الغالب فأن تكون معالجتهم بالرد إِلَى النظر وتأمل الآيات بشرط تحصيل علم الأصول عَلَى قدر الحاجة الداعية للمريد.
-
واعلم أَنَّهُ يَكُون للمريدين عَلَى الخصوص بلايا من هَذَا الباب وَذَلِكَ أنهم إِذَا خلوا فِي مواضع ذكرهم أَوْ كَانُوا فِي مجالس سماع أَوْ غَيْر ذَلِكَ يهجس فِي نفوسهم ويخطر ببالهم أشياء منكرة يتحققون أَن اللَّه سبحانه منزه عَن ذَلِكَ وليس تعتريهم شبهة فِي أَن ذَلِكَ باطل ولكن يدوم ذَلِكَ فيشتد تأذيهم بِهِ حَتَّى يبلغ ذَلِكَ حدا يَكُون أصعب شتم وأقبح قَوْل وأشنع خاطر بحيث لا يمكن المريد إجراء ذَلِكَ عَلَى اللسان وإبداؤه لأحد وَهَذَا أشد شَيْء يقع لَهُمْ، فالواجب عِنْدَ هَذَا ترك مبالاتهم بتلك الخواطر واستدامة الذكر والابتهال إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ باستدفاع ذَلِكَ وتلك الخواطر ليست من وساوس الشَّيْطَان وإنما هِيَ من هواجس النفس فَإِذَا قابلها العبد بترك المبالاة بِهَا ينقطع ذَلِكَ عَنْهُ ومن آداب المريد بَل من فرائض حاله أَن يلازم موضع إرادته وأن لا يسافر قبل أَن تقبله الطريق وقبل الوصول بالقلب إِلَى الرب فَإِن السفر للمريد فِي غَيْر وقته سم قاتل ولا يصل أحد مِنْهُم إِلَى مَا كَانَ يرجى لَهُ إِذَا سافر فِي غَيْر وقته وإذا أراد اللَّه بمريد خيرا ثبته فِي أول إرادته وإذا أراد اللَّه بمريد شرا رده إِلَى مَا خرج عَنْهُ من حرفته أَوْ حالته وإذا أراد اللَّه بمريد محنة شرده فِي مطارح غربته هَذَا إِذَا كَانَ المريد يصلح للوصول.
-
فأما إِذَا كَانَ شابا طريقته الخدمة فِي الظاهر بالنفس للفقراء وَهُمْ دونهم فِي هذه الطريقة رتبة فَهُوَ وأمثاله يكتفون بالترسم فِي الظاهر فينقطعون فِي الأسفار وغاية نصيبهم من هذه الطريقة حاجات يحصلونها وزيارات لمواضع يرتحل إِلَيْهَا
vol. 1, p. 577ولقاء شيوخ بظاهر سلام فيشاهدون الظواهر ويكتفون بِمَا فِي هَذَا الباب من السير فهؤلاء الواجب لَهُمْ دوام السفر حَتَّى لا تؤديهم الدعة إِلَى ارتكاب محظور فَإِن الشاب إِذَا وجد الراحة والدعة كَانَ فِي معرض الْفِتْنَة وإذا توسط المريد جمع الفقراء والأَصْحَاب فِي بدايته فَهُوَ مضر لَهُ جدا وإن امتحن واحد بِذَلِكَ فليكن سبيله احترام الشيوخ والخدمة للأَصْحَاب وترك الخلاف عَلَيْهِم والقيام بِمَا فِيهِ راحة فَقِير والجهد أَن لا يستوحش منه قلب شيخ ويجب أَن يَكُون فِي صحبته مَعَ الفقراء أبدا خصمهم عَلَى نَفْسه ولا يَكُون خصم نَفْسه عَلَيْهِم ويرى لكل واحد مِنْهُم عَلَيْهِ حقا واجبا، ولا يرى لنفسه واجبا عَلَى أحد، ويجب أَن لا يخالف المريد أحدا وإن علم أَن الحق مَعَهُ يسكت ويظهر الوفاق لكل أحد، وكل مريد يَكُون فِيهِ ضحك ولجاج ومماراة فَإِنَّهُ لا يجيء منه شَيْء، وإذا كَانَ المريد فِي جمع من الفقراء إِمَّا فِي سفر أَوْ حضر فينبغي أَن لا يخالفهم فِي الظاهر فِي أكل ولا صوم ولا سكون ولا حركة بَل يخالفهم بسره وقلبه فيحفظ قلبه مَعَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وإذا أشار عَلَيْهِ بالأكل مثلا يأكل لقمة أَوْ لقمتين ولا يعطى النفس شهوتها وليس من آداب المريدين كثرة الأوراد بالظاهر فَإِن الْقَوْم فِي مكابدة إخلاء خواطرهم ومعالجة أخلاقهم ونفي الغفلة عَن قلوبهم لا فِي تكثير أعمال البر الَّذِي لا بد لَهُمْ منه إقامة الفرائض والسنن الراتبة فأما الزيادات من الصلوات النافلة فاستدامة الذكر بالقلب أتم لَهُمْ ورأس مال المريد الاحتمال عَن كُل أحد بطيبة النفس وتلقى مَا يستقبله بالرضا والصبر عَلَى الضر والفقر وترك السؤال والمعارضة فِي القليل والكثير فيما هُوَ حظ لَهُ ومن لَمْ يصبر عَلَى ذَلِكَ فليدخل السوق فَإِن من اشتهى مَا يشتهيه النَّاس فالواجب أَن يحصل شهوته من حيث يحصلها النَّاس
من كد اليمين وعرق الجبين، وإذا التزم المريد استدامة الذكر وآثر الخلوة فَإِن وجد فِي خلوته مَا لا يجده قبله إِمَّا فِي النوم
vol. 1, p. 578وإما فِي اليقظة أَوْ بَيْنَ اليقظة والنوم من خطاب يسمع أَوْ معنى يشاهد مِمَّا يَكُون نقضا للعادة فينبغي أَن لا يشتغل بِذَلِكَ ألبته ولا يسكن إِلَيْهِ ولا ينبغي أَن ينتظر حصول أمثال ذَلِكَ فَإِن ذَلِكَ كُلهُ شواغل عَنِ الحق سبحانه ولا بد لَهُ فِي هذه الأحوال من وصف ذَلِكَ لشيخه حَتَّى يصير قلبه فارغا عَن ذَلِكَ ويجب عَلَى شيخه أَن يحفظ عَلَيْهِ سره فيكتم عَن غيره أمره ويصغر ذَلِكَ فِي عينه فَإِن ذَلِكَ كُلهُ اختبارات والمساكنة إِلَيْهَا مكر فليحذر المريد عَن ذَلِكَ وعن ملاحظتها وليجعل همته فَوْقَ ذَلِكَ، واعلم أَن أضر الأشياء بالمريد استئناسه بِمَا يلقي إِلَيْهِ فِي سره من تقريبات الحق سبحانه لَهُ ومنته عَلَيْهِ بأني خصصتك بِهَذَا وأفردتك عَن أشكالك فَإِنَّهُ لو قَالَ بترك هَذَا فعن قريب سيختطف عَن ذَلِكَ مِمَّا يبدو لَهُ من مكاشفات الحقيقة وشرح هذه الجملة بإثباته فِي الكتب معتذر ومن أحكام المريد إِذَا لَمْ يجد من يتأدب بِهِ فِي موضعه أَن يهاجر إِلَى من هُوَ منصوب فِي وقته لإرشاد المريدين ثُمَّ يقيم عَلَيْهِ ولا يبرح عَن سدته إِلَى وقت الإذن.
-
واعلم أَن تقديم معرفة رب الْبَيْت عَلَى زيارة الْبَيْت واجب فلولا معرفة رب الْبَيْت مَا وجبت زيارة الْبَيْت والشبان الَّذِينَ يخرجون إِلَى الحج من هَؤُلاءِ الْقَوْم من غَيْر إشارة الشيوخ فَهِيَ بدلالات نشاط النفوس فَهُمْ متوسمون بِهَذِهِ الطريقة وليس سفرهم عَلَى أصل والذي يدل عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لا يزداد سفرهم إلا وتزداد تفرقة قلوبهم فلو أنهم ارتحلوا من عِنْدَ أنفسهم بخطوة لكان أحظى لَهُمْ من ألف سفرة
vol. 1, p. 579ومن شرط المريد إِذَا أراد شيخا أَن يدخل عَلَيْهِ بالحرمة وينظر إِلَيْهِ بالحشمة فَإِن أهله الشيخ لشيء من الخدمة عد ذَلِكَ من جزيل النعمة.
-
فصل ولا ينبغي للمريد أَن يعتقد فِي المشايخ العصمة بَل الواجب أَن يذرهم وأحوالهم فيحسن بِهِم الظن ويراعي مَعَ اللَّه تَعَالَى حده فيما يتوجه عَلَيْهِ من الأمر والعلم كافيه فِي التفرقة بَيْنَ مَا هُوَ محمود وَمَا هُوَ معلول.
-
فصل وكل مريد بقى فِي قلبه لشيء من عروض الدنيا مقدار وخطر قاسم الإرادة لَهُ مجاز وإذا بقى فِي قلبه اختيار فيما يخرج عَنْهُ من معلومه فيريد أَن يخص بِهِ نوعا من أنواع البر أَوْ شخصا دُونَ شخص فَهُوَ متكلف فِي حاله وبالخطر أَن يعود سريعا إِلَى الدنيا، لأن قصد المريد فِي حذف العلائق الخروج منها لا السعي فِي أعمال البر وقبيح بالمريد أَن يخرج من معلومه من رأس ماله وقنيته ثُمَّ يَكُون أسير حرفة وينبغي أَن يستوي عنده وجود ذَلِكَ وعدمه حَتَّى لا ينافر لأجله فقيرا ولا يضايق بِهِ أحد ولو مجوسيا.
-
فصل وقبول قلوب المشايخ للمريد أصدق شاهد لسعادته ومن رده قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى غب ذَلِكَ ولو بَعْد حِينَ ومن خذل بترك حرمة الشيوخ فَقَدْ أظهر رقم شقاوته وَذَلِكَ لا يخطى.
- vol. 1, p. 580
فصل ومن أصعب الآفات فِي هذه الطريقة صحبة الأحداث ومن ابتلاه اللَّه تَعَالَى بشيء من ذَلِكَ فبإجماع الشيوخ ذَلِكَ عَبْد إهانة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وخذله بَل عَن نَفْسه شغله ولو بألف ألف كرامة أهله وهب أَنَّهُ بلغ رتبة الشهداء لما فِي الْخَبَر تلويح بِذَلِكَ أليس قَدْ شغل ذَلِكَ القلب بمخلوق وأصعب من ذَلِكَ تهوين ذَلِكَ عَلَى القلب حَتَّى يعود ذَلِكَ يسيرا وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: ١٥] وَهَذَا الواسطي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: إِذَا أراد اللَّه هوان عَبْد ألقاه إِلَى هَؤُلاءِ الأنتان والجيف سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد النجار يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الحصري يَقُول: سمعت فتحا الموصلي يَقُول: صحبت ثلاثين شيخا كَانُوا يعدون من الأبدال كلهم أوصوني عِنْدَ فراقي إياهم وَقَالُوا: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم ومن ارتقى فِي هَذَا الباب عَن حالة الفسق وأشار إِلَى أَن ذَلِكَ من بلاء الأرواح وأنه لا يضر وَمَا قالوه من وساوس القائلين بالشاهد وإيراد حكايات عَن بَعْض الشيوخ لما كَانَ الأولى بِهِمْ إسبال الستر عَلَى هناتهم وآفاتهم فذلك نظير الشرك وقرين الكفر فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم فَإِن اليسير منه فتح بَاب الخذلان وبدء حال الهجران ونعوذ بالله من قضاء السوء.
-
فصل ومن آفات المريد مَا يتداخل النفس من خفي الحسد للإخوان والتأثر بِمَا يفرد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أشكاله من هذه الطريقة وحرمانه إياه ذَلِكَ
vol. 1, p. 581وليعلم أَن الأمور قسم وإنما يتخلص العبد عَن هَذَا باكتفائه بوجود الحق وقدمه عَن مقتضى جوده ونعمه فَكُل من رأيت أيها المريد قدم الحق سبحانه رتبته فاحمل أَنْتَ غاشيته فَإِن الظرفاء من القاصدين عَلَى ذَلِكَ استمرت سنتهم.