باب الصمت
210 paragraphs · vol. 1, p. 245
Page 4 of 6
- vol. 1, p. 281
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الفراء يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن منازل يَقُول: سمعت حمدون القصار يَقُول التواضع أَن لا ترى لأحد إِلَى نفسك حاجة لا فِي الدين ولا فِي الدنيا.
-
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم مَا سررت فِي إسلامي إلا ثَلاث مرات مرة كنت فِي سفينة وفيها رجل مضحاك كَانَ يَقُول كُنَّا نأخذ العلج فِي بلاد الترك هكذا وَكَانَ يأخذ بشعر رأسي ويهزني فيسرني ذَلِكَ لأنه لَمْ يكن فِي تلك السفينة أحد أحقر فِي عينه منى
vol. 1, p. 282والأخرى كنت عليلا فِي مَسْجِد فدخل المؤذن وَقَالَ أخرج فلم أطلق فأخذ برجلي وجرني إِلَى خارج الْمَسْجِد، والثالثة كنت بالشام وعلي فرو فنظرت فِيهِ فلم أميز بَيْنَ شعره وبين القمل لكثرته فسرني ذَلِكَ وَفِي حكاية أُخْرَى عَنْهُ قَالَ مَا سررت بشيء كسروري أني كنت يوما جالسا فجاء إِنْسَان وبال عَلِي.
-
وقيل: تشاجر أَبُو ذر وبلال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فعير أَبُو ذر بلالا بالسواد , فشكاه إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يا أبا ذر إنه بقي فِي قلبك من كبر الجاهلية شَيْء فألقى أَبُو ذر نَفْسه وحلف أَن لا يرفع رأسه حَتَّى يطأ بلال خده بقدمه فلم يرفع حَتَّى فعل بلال ذَلِكَ.
-
ومر الْحَسَن بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بصبيان معهم كسر خبز فاستضافوه فنزل وأكل معهم ثُمَّ حملهم إِلَى منزله وأطعمهم وكساهم وَقَالَ اليد لَهُمْ، لأنهم لَمْ جدوا غَيْر مَا أطمعوني ونحن نجد أَكْثَر منه وقيل: قسم عُمَر بْن الْخَطَّاب رضى اللَّه عَنْهُ الحلل بَيْنَ الصَّحَابَة من غنيمة فبعث إِلَيْهِ معاذ حلة يمانية فباعها واشترى ستة أعبد وأعتقهم فبلغ عُمَر ذَلِكَ فكان يقسم الحلل بعده فبعث إليه حلة دُونَ تلك فعاتبه معاذ فَقَالَ لَهُ عُمَر: لا معاتبة لأنك بعت الأولى , فَقَالَ معاذ: وَمَا عليك ادفع إلي نصيبي وَقَدْ حلفت لأضربن بِهَا رأسك فَقَالَ عُمَر: هَذَا رأسي بَيْنَ يديك وَقَدْ يرفق الشيخ بالشيخ.
- vol. 1, p. 283
بَاب مخالفة النفس وذكر عيوبها قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {٤٠} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: ٤٠-٤١]
-
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا تَمْتَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ.
-
ثُمَّ اعْلَمْ أَن مخالفة النفس رأس العبادة وَقَدْ سئل المشايخ عَنِ الإِسْلام؟ فَقَالُوا: ذبح النفس بسيوف المخالفة.
-
واعلم أَن من نجمت طوارق نَفْسه أفلت شوارق أنسه، وَقَالَ ذو النون المصري: مفاتح العبادة الفكرة وعلامة الإصابة مخالفة النفس والهوى ومخالفتها ترك شهواتهما، وَقَالَ ابْن عَطَاء: النفس مجبولة عَلَى سوء الأدب والعبد مأمور بملازمة الأدب فالنفس تجري بطبعها فِي ميدان المخالفة والعبد يردها بجهده عَن سوء المطالبة فمن أطلق عنانها فَهُوَ شركيها معها فِي فسادها
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجيند يَقُول النفس الأمارة بالسوء هِيَ الداعية إِلَى المهالك المعينة للأعداء المتبعة للهوى المتهمة بأصناف الأسواء وَقَالَ أَبُو حفص من لَمْ يتهم نَفْسه عَلَى دوام الأوقات وَلَمْ يخالفها فِي جَمِيع الأحوال وَلَمْ
vol. 1, p. 284يجرها إِلَى مكروهها فِي سائر أيامه كَانَ مغرورا ومن نظر إِلَيْهَا باستحسان شَيْء منها فَقَدْ أهلكها وكيف يصح لعاقل الرضا عَن نَفْسه والكريم بْن الكريم بْن الكريم ابْن الكريم يُوسُف بْن يَعْقُوبَ بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الخليل يَقُول: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: ٥٣] .
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن مقسم ببغداد يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول: قَالَ الجنيد: أرقت ليلة فقمت إِلَى وردى فلم أجد مَا كنت أجده من الحلاوة فأردت أَن أنام فلم أقدر عَلَيْهِ فقعدت فلم أطق القعود ففتحت الباب وخرجت فَإِذَا رجل ملتف فِي عباءة مطروح عَلَى الطريق فلما أحس بي رفع رأسه وَقَالَ يا أبا القاسم إلي الساعة فَقُلْتُ يا سيدي من غَيْر موعد قَالَ: بلى قَدْ سألت محرك القلوب أَن يحرك إلي قلبك فَقُلْتُ فَقَدْ فعل فَمَا حاجتك فَقَالَ: مَتَى يصير داء النفس دواءها فَقُلْتُ إِذَا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها فأقبل عَلَى نَفْسه وَقَالَ اسمعي قَدْ أجبتك بِهَذَا الجواب سبع مرات فأبيت إلا أَن تسمعيه من الجنيد وَقَدْ سمعت , وانصرف عنى وَلَمْ أعرفه , وَلَمْ أقف عَلَيْهِ بَعْد.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الطمستاني: النعمة العظمي الخروج من النفس، لأن النفس أَعْظَم حجاب بينك وبين اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ سهل: مَا عَبْد اللَّهِ بشيء مثل مخالفة النفس والهوى.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ , يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي , يَقُول: سمعت بْن عَطَاء وَقَدْ سئل عَن أقرب شَيْء إِلَى مقت اللَّه تَعَالَى , فَقَالَ:
vol. 1, p. 285رؤية النفس وأحوالها وأشد من ذَلِكَ مطالعة الأغراض عَلَى أفعالها , وسمعته يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي , يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير , يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم الخواص , يَقُول: كنت فِي جبل اللكام فرأيت رومانا فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركت الرمان فرأيت رجلا مطروحا قَد اجتمع عَلَيْهِ الزنابير , فَقُلْتُ: السَّلام عليك , فَقَالَ: وعليك السَّلام يا إِبْرَاهِيم , فَقُلْتُ: كَيْفَ عرفتني؟ فَقَالَ: من عرف اللَّه تَعَالَى لا يخفى عَلَيْهِ شَيْء , فَقُلْتُ: أرى لَك حالا مَعَ اللَّه تَعَالَى فلو سألته أَن يحميك ويقيك الأذى من هَذَا الزنابير , فَقَالَ: وأنا أرى لَك حالا مَعَ اللَّه تَعَالَى فلو سألته أَن يقيك شهوة الرمان فَإِن لدغ الرمان يجد ألمه الإِنْسَان فِي الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه فِي الدنيا.
-
فتركته ومضيت.
-
وحكى عَن إِبْرَاهِيم بْن شبان , أَنَّهُ قَالَ: مَا بت تَحْتَ سقف ولا فِي موضع عَلَيْهِ غلق أربعين سنة وكنت أشتهي فِي أوقات أَن أتناول شُعْبَة عدس فلم يتفق فكنت وقتا بالشام فحمل إِلَى غضارة لي فِيهَا عدس فتناولت منه وخرجت فرأيت قوارير معلقة فِيهَا شَيْء شبه نموذجات , فظننته خلا , فَقَالَ لي بَعْض النَّاس: إيش تنظر هذه نموذجات الخمر , وَهَذَهِ الدنان خمر , فَقُلْتُ فِي نفسي: لزمني فرض فدخلت حانوت الخمار , وَلَمْ أزل أصب تلك الدنان , وَهُوَ يتوهم أنى أصبها بأمر السلطان فلما علم حملني إِلَى ابْن طولون , فأمر بضربي مائتي خشبة وطرحني فِي السجن فبقيت فِيهِ مدة حَتَّى دَخَلَ أَبُو عَبْد اللَّهِ المغربي أستاذي ذَلِكَ البلد فشفع لي , فلما وقع بصره عَلِي , قَالَ: إيش فعلت؟ فَقُلْتُ: شبعة عدس ومائتي خشبة فَقَالَ لي: نجوت مجانا.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي , يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي , يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير , يَقُول: سمعت الجنيد , يَقُول: سمعت السري , يَقُول
vol. 1, p. 286وإن نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة أَوْ أربعين سنة أَن أغمس جزرة فِي دبس فَمَا أطعتها وسمعته , يَقُول: سمعت جدى , يَقُول: آفة العبد رضاه من نَفْسه بِمَا هُوَ فِيهِ.
-
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي , يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن عَلِي القرمسيني , يَقُول: وجه عصام بْن يُوسُفَ البلخي شَيْئًا إِلَى حاتم الأصم فقبله منه , فقيل لَهُ: لَمْ قبله؟ فَقَالَ: وجدت فِي أخذه ذلي وعزه وَفِي رده عزي وذله فاخترت عزه عَلَى عزى , وذلي عَلَى ذله.
-
وقيل لبعضهم: إني أريد أَن أحج عَلَى التجريد , فَقَالَ لَهُ: جرد أولا قلبك عَنِ السهو , ونفسك عَنِ اللهو , ولسانك عَنِ اللغو ثُمَّ اسلك حيث شئت.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: من أَحْسَن فِي ليله كوفئ فِي نهاره , ومن أَحْسَن فِي نهاره كوفئ فِي ليله , ومن صدق فِي ترك شهوة كفي مؤنتها , والله أكرم من أَن يعذب قلبا ترك شهوة لأجله.
-
وأوحي اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد عَلَيْهِ السَّلام: يا دَاوُد , حذر وأنذر أَصْحَابك أكل الشهوات , فَإِن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة.
-
ورؤي رجل جالسا فِي الهواء فقيل لَهُ بم نلت هَذَا فَقَالَ: تركت الهوى فسخر لي الهواء وقيل: لو عرض للمؤمن ألف شهوة لأخرجها بالخوف ولو عرض للفاجر شهوة واحدة لأخرجته من الخوف , وقيل: لا تضع زمامك فِي يد الهوى فَإِنَّهُ يقودك إِلَى الظلمة ,
vol. 1, p. 287وَقَالَ يُوسُف بْن أسباط: لا يمحو الشهوات من القلب إلا خوف مزعج أَوْ شوق مقلق.
وَقَالَ الخواص: من ترك شهوة فلم يجد عوضها فِي قلبه فَهُوَ كاذب فِي تركها.
وَقَالَ جَعْفَر بْن نصير: دفع إلي الجنيد درهما وَقَالَ اشتر لي بِهِ التين الوزيري فاشتريته لَهُ فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها فِي فِيهِ ثُمَّ ألقاها وبكي وَقَالَ أحمله فَقُلْتُ لَهُ: فِي ذَلِكَ فَقَالَ: هتف فِي قلبي أما تستحي شهوة تركتها من أجلى ثُمَّ تعود إِلَيْهَا وأنشدوا:
نون الهوان من الهوى مسروقة ... وصريع هوى صريع هوان
واعلم أَن للنفس أخلاقا ذميمة فمن ذَلِكَ الحسد.
- vol. 1, p. 288
بَاب الحسد قَالَ اللَّه تَعَالَى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ {١} مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: ١-٢] , ثُمَّ قَالَ: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: ٥] فختم السورة الَّتِي جعلها عوذة بذكر الحسد.
-
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ , قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ مَخْلَدٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ , عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ , عَنْ مَعْبَدٍ , عَنْ أَبِي قِلابَةَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: ثَلاثٌ هُنَّ أَصْلُ كُلِّ خَطِيئَةٍ فَاتَّقُوهُنَّ وَاحْذَرُوهُنَّ , إِيَّاكُمْ وَالْكِبْرَ فَإِنَّ إِبْلِيسَ حَمَلَهُ الْكِبْرُ عَلَى أَنْ لا يَسْجُدَ لآدَمَ , وَإِيَّاكُمْ وَالْحِرْصَ فَإِنَّ آدَمَ حَمَلَهُ الْحِرْصُ عَلَى أَنْ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ , وَإِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ ابْنَيْ آدَمَ إِنَّمَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَسَدًا "
وَقَالَ بَعْضهم: الحاسد جاحد لأنه لا يرضى بقضاء الْوَاحِد , وقيل: الحسود لا يسود وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: ٣٣] قيل مَا بطن الحسد وَفِي بَعْض الكتب الحاسد عدو نعمتي وقيل: أثر الحسد يتبين فيك قبل أَن يتبين فِي عدوك , وَقَالَ الأصمعي: رأيت أعرابيا أتي عَلَيْهِ مائة وعشرون سنة , قُلْت لَهُ: مَا أطول عمرك؟ فَقَالَ: تركت الحسد فبقيت , وَقَالَ ابْن المبارك: الحمد لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يجعل فِي قلب أميري مَا جعل فِي قلب حاسدي
vol. 1, p. 289وَفِي بَعْض الآثار: إِن فِي السماء الخامسة ملكا يمر بِهِ عمل عَبْد وَلَهُ ضوء كضوء الشَّمْس , فَيَقُول: قف فأنا ملك الحسد أضرب بِهِ وجه صاحبه فَإِنَّهُ حاسد وَقَالَ مُعَاوِيَة كُل إِنْسَان أقدر عَلَى أَن أرضيه إلا الحاسد فَإِنَّهُ لا يرضيه إلا زوال النعمة ويقال الحاسد ظَالِم غشوم لا يبقى ولا يذر , وَقَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز: مَا رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد غم دائم ونفس متتابع وقيل: من علامات الحاسد أَن يتملق إِذَا شهدت ويغتاب إِذَا غاب ويشمت بالمصيبة إِذَا نزلت , وَقَالَ مُعَاوِيَة: ليست فِي خلال الشر خلة أعدل من الحسد تقتل الحاسد قبل المحسود وقيل: أوحى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد عليهما السَّلام أوصيك بسبعة أشياء: لا تغتابن صَالِح عبادي , ولا تحسدن أحدا من عبادي , فَقَالَ سُلَيْمَان: يا رب حسبي وقيل: رأى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام رجلا عِنْدَ العرش , فغبط , فَقَالَ: مَا صفته؟ فقيل: كَانَ لا يحسد النَّاس عَلَى مَا آتاهم اللَّه من فضله: وقيل: الحاسد إِذَا رأى نعمة بهت , وإذا رأى عشرة شمت , وقيل: إِذَا أردت أَن تسلم من الحاسد فلبس عَلَيْهِ أمرك وقيل: الحاسد مغتاط عَلَى من لا ذنب لَهُ بخيل بِمَا لا يملكه وقيل: إياك أَن تتعنى فِي مودة من يحسدك , فَإِنَّهُ لا يقبل إحسانك
vol. 1, p. 290وقيل: إِذَا أراد اللَّه تَعَالَى أَن يسلط عَلَى عَبْد عدوا لا يرحمه سلط عَلَيْهِ حاسدوه وأنشدوا:
وحسبك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه لَهُ راحمينا
- وأنشدوا:
-
كُل العداوة قَدْ ترجي إماتتها ... إلا عداوة من عداك من حسد
وَقَالَ ابْن المعتز:
قل للحسود إِذَا تنفس طعنة ... يا ظالما وكأنه مظلوم
- وأنشدوا:
-
وإذا أراد اللَّه نشر فضيلة ... طويت أتاح لَهَا لسان حسود
ومن الأخلاق المذمومة للنفس اعتياد الغيبة.
- vol. 1, p. 291
بَاب الغيبة قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: ١٢] الآية.
-
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ , قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى بْنِ بِنْتِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلا قَامَ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ جَالِسٌ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: مَا أَعْجَزَ فُلانًا.
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكَلْتُمْ أَخَاكُمْ وَاغْتَبْتُمُوهُ "
-
وأوحي اللَّه تَعَالَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام: من مَات تائبا من الغيبة فَهُوَ آخر من يدخل الْجَنَّة، ومن مَات مصرا عَلَيْهَا , فَهُوَ أول من يدخل النار وَقَالَ عوف: دخلت عَلَى ابْن سيرين فتناولت الْحَجَّاج فَقَالَ ابْن سيرين: إِن اللَّه تَعَالَى حكم عدل فكما يأخذ من الْحَجَّاج يأخذ للحجاج وإنك إِذَا لقيت اللَّه عَزَّ وَجَلَّ غدا كَانَ أصغر ذنب أصبته أشد عليك من أَعْظَم ذنب أصابه الْحَجَّاج.
-
وقيل: دعي إِبْرَاهِيم بْن أدهم إِلَى دعوة فحضر فذكروا رجلا لَمْ يأتهم فَقَالُوا إنه ثقيل فَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِنَّمَا فعل بي هَذَا نفسي حيث حضرت موضعا يغتاب فِيهِ النَّاس فخرج وَلَمْ يأكل ثلاثة أَيَّام.
-
وقيل: مثل الَّذِي يغتاب النَّاس كمثل من نصب منجنيقا يرمي بِهِ حسناته شرقا وغربا يغتاب واحدا خراسانيا وآخر حجازيا وآخر تركيا فيفرق حسناته ويقوم ولا شَيْء مَعَهُ،
vol. 1, p. 292وقيل: يؤتى العبد يَوْم الْقِيَامَة كتابه فلا يرى فِيهِ حسنة , فَيَقُول: أين صلاتي وصيامي وطاعاتي؟ فيقال: ذهب عملك كُلهُ باغتيابك لِلنَّاسِ، وقيل: من اغتيب بغيبة غفر اللَّه تَعَالَى لَهُ نصف ذنوبه، وَقَالَ سُفْيَان بْن الْحُسَيْن: كنت جالسا عِنْدَ إياس بْن مُعَاوِيَة فنلت من إِنْسَان فَقَالَ: هل غزوت العام الترك والروم؟ قُلْت: لا.
فَقَالَ: سلم منك الترك والروم , وَمَا سلم منك أخوك المسلم.
-
وقيل: يعطي الرجل كتابه فيرى فِيهِ حسنات لَمْ يعملها فيقال لَهُ: هَذَا بِمَا أغتابك النَّاس وأنت لَمْ تشعر، وسئل سُفْيَان الثَّوْرِي عَن قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِن اللَّه يبغض أهل الْبَيْت اللحميين , فَقَالَ: هُم الَّذِينَ يغتابون النَّاس يأكلون لحومهم، وذكرت الغيبة عِنْدَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ , فَقَالَ: لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والدي لأنهما أحق بحسناتي، وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثَلاث خصال إِن لَمْ تنفعه فلا تضره، وإن لَمْ تسره فلا تغمه، وإن لَمْ تمدحه فلا تذمه، وقيل للحسن البصري: إِن فلانا أغتابك فبعث إِلَيْهِ طبق حلواء، وَقَالَ بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك.
-
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْقَطْوَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ , عَنْ أَبَانٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهِ فَلا غَيْبَةَ لَهُ
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ السَّهْمِيّ , يَقُول: سمعت أبا طاهر مُحَمَّد بْن أسيد الدقي , يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير , يَقُول: قَالَ الجنيد: كنت جالسا فِي مَسْجِد الشونيزية انتظر جنازة أصلى عَلَيْهَا وأهل بغداد عَلَى
vol. 1, p. 293طبقاتهم جلوس ينتظرون الجنازة فرأيت فقيرا عَلَيْهِ أثر النسك يسأل النَّاس فَقُلْتُ فِي نفسي: لو عمل هَذَا عملا يصون بِهِ نَفْسه كَانَ أجمل بِهِ فلما انصرفت إِلَى منزلي , وَكَانَ لي شَيْء من الورد بالليل حَتَّى البكاء والصلاة وغير ذَلِكَ فثقل عَلِي جَمِيع أورادي فسهرت وأنا قاعد فغلبتني عيناي فرأيت ذَلِكَ الفقير جاءوا بِهِ عَلَى خوان ممدود وَقَالُوا لي كُل لحمه فَقَدْ أغتبته وكشف لي عَنِ الحال فَقُلْتُ: مَا أغتبته إِنَّمَا قُلْت فِي نفسي شَيْئًا فقيل لي: مَا أَنْتَ مِمَّن يرضى منك بمثله اذهب فاستحله فاصبحت وَلَمْ أزل أتردد حَتَّى رأيته فِي موضع يلتقط من الماء عِنْدَ تزايد الماء أوراقا من البقل مِمَّا تساقط من غسل البقل فسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ: يا أبا القاسم تعود فَقُلْتُ لا فَقَالَ: غفر اللَّه تَعَالَى لنا ولك.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا طاهر الإِسْفِرَايِنِيّ يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر البلخي يَقُول: كَانَ عندنا شاب من أهل بلخ وَكَانَ يجتهد ويتعبد إلا أَنَّهُ كَانَ أبدا يغتاب النَّاس يَقُول: فُلان كَذَا وفلان كَذَا فرأيته يوما عِنْدَ المخنثين الغسالين خرج من عندهم فَقُلْتُ: يا فُلان مَا حالك؟ فَقَالَ: تلك الوقيعة فِي النَّاس أوقعتني إِلَى هَذَا ابتليت بمخنث من هَؤُلاءِ وأنا هُوَ ذا أخدمهم من أجله وتلك الأحوال كلها قَدْ ذهبت فادع اللَّه أَن يرحمني.
- vol. 1, p. 294
بَاب القناعة قَالَ اللَّه تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: ٩٧] قَالَ كثير من أهل التفسير: الحياة الطيبة فِي الدنيا القناعة.
-
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحُلْوَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغِفَارِيُّ , عَنِ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لا يَفْنَي»
-
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ الْقَرَنِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا , عَنْ أَبِي رَجَاءٍ , عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ , عَنْ مَكْحُولٍ , عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ، وَأَحَبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ "
-
وقيل: الفقراء أموات إلا من أحياه اللَّه تَعَالَى بعز القناعة.
وَقَالَ بشر الحافي: القناعة ملك لا يسكن إلا فِي قلب مؤمن.
-
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الشعراني يَقُول: سمعت إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن حسان الأنماطي، يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري، يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان الداراني، يَقُول: القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزهد، هَذَا أول الرضا وَهَذَا أول الزهد، وقيل: القناعة السكون عِنْدَ عدم المألوفات وَقَالَ أَبُو بَكْر المراغي: العاقل من دبر أمر الدنيا بالقناعة والتسويف، وأمر الآخرة بالحرص والتعديل، وأمر الدين بالعلم والاجتهاد.
vol. 1, p. 295وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: القناعة ترك التشوف إِلَى المفقود والاستغناء بالموجود.
-
وقيل: فِي معني قَوْله تَعَالَى: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [الحج: ٥٨] يَعْنِي القناعة، وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: القناعة رضا النفس بِمَا قسم لَهَا من الرزق، ويقال القناعة الاكتفاء بالموجود وزوال الطمع فيما لَيْسَ بحاصل، وَقَالَ وهب: إِن العز والغنى خرجا يجولان يطلبان رفيقا فلقيا القناعة فاستقرا، وقيل: من كانت قناعته سمينة طابت لَهُ كُل مرقة، ومن رجع إِلَى اللَّه تَعَالَى عَلَى كُل حالة رزقه اللَّه القناعة، وقيل: مر أَبُو حازم بقصاب ومعه لحم سمين، فَقَالَ: خذا يا أبا حازم فَإِنَّهُ سمين، فَقَالَ: لَيْسَ معي درهم، قَالَ: أنا أنظرك فَقَالَ: نفسي أَحْسَن نظرة لي منك، وقيل: من أقنع النَّاس؟ فقيل أكثرهم لِلنَّاسِ معونة وأقلهم عَلَيْهِم مؤنة، وَفِي الزبور: القانع غنى وإن كَانَ جائعا، وقيل: وضع اللَّه تَعَالَى خمسة أشياء فِي خمسة مواضع: العز فِي الطاعة، والذل فِي المعصية، والهيبة فِي قيام الليل والحكمة فِي البطن الخالي، والغنى فِي القناعة.
-
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت نصر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت سُلَيْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان يَقُول: سمعت أبا القاسم بْن أَبِي نزار يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم المارستاني، يَقُول: انتقم من حرصك بالقناعة كَمَا تنتقم من عدوك بالقصاص، وَقَالَ ذو النون المصري: من قنع استراح من أهل زمانه واستطال عَلَى أقرانه،
vol. 1, p. 296وقيل: من قنع استراح من الشغل واستطال عَلَى الكل، وَقَالَ الكتاني: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالعز والمروءة.
-
وقيل: من تعبت عيناه مَا فِي أيدي النَّاس طال حزنه، وأنشدوا:
وأحسن بالفتى من يَوْم عار ... ينال بِهِ الغنى كرم وجوع
وقيل: رأى رجل حكيما يأكل مَا تساقط من البقل عَلَى رأس ماء فَقَالَ: لو خدمت السلطان لَمْ تحتج إِلَى أكل هَذَا فَقَالَ الحكيم: وأنت لو قنعت بِهَذَا لَمْ تحتج إِلَى خدمة السلطان، وقيل العقاب عزيز فِي مطاره لا يسموه إِلَيْهِ طرف صياد ولا طمعه فَإِذَا طمع فِي جيفة علقت عَلَى حبالة نزل من مطاره فتعلق فِي حباله، وقيل: لما نطق مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام بذكر الطمع فَقَالَ: {لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: ٧٧] قَالَ الحضر لَهُ: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: ٧٨] ، وقيل: لما قَالَ ذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام وقف بَيْنَ يدي مُوسَى والخضر عليهما السَّلام ظبي وكانا جائعين الجانب الَّذِي يلي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام غَيْر مشوي والجانب الَّذِي يلي الخضر مشوي، وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: ١٣] هُوَ القناعة فِي الدنيا: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: ١٤] هُوَ الحرص فِي الدنيا، وقيل: فِي قَوْله: {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: ١٣] أي فكها من ذل الطمع، وقيل: فِي قَوْله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب: ٣٣] يعنى البخل والطمع: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: ٣٣] يعنى بالسخاء والإيثار،
vol. 1, p. 297وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: ٣٥] أي مقاما فِي القناعة أنفرد بِهِ من أشكالي وأكون راضيا فِيهِ بقضائك، وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا} [النمل: ٢١] يَعْنِي لأسلبنه القناعة ولأبتلينه بالطمع يَعْنِي اسأل اللَّه تَعَالَى أَن يفعل بِهِ ذَلِكَ، وقيل لأبي يَزِيد: بم وصلت إِلَى مَا وصلت فَقَالَ: جمعت أسباب الدنيا فربطتها بحبل القناعة ووضعتها فِي منجنيق الصدق ورميت بِهَا فِي بحر اليأس فاسترحت.
-
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن فرحان بسامرة يَقُول: سمعت خالي عَبْد الْوَهَّاب يَقُول: كنت جالسا عِنْدَ الجنيد أَيَّام الموسم وحوله جَمَاعَة كثيرون من العجم والموالدين فجاء إِنْسَان بخمس مائة دِينَار ووضعها بَيْنَ يديه وَقَالَ تفرقها عَلَى هَؤُلاءِ الفقراء فَقَالَ: ألك غيرها؟ قَالَ: نعم , لي دنانير كثيرة فَقَالَ: أتريد غَيْر مَا تملك؟ فَقَالَ: نعم.
فَقَالَ الجنيد: خذها فإنك أحوج إِلَيْهَا منا وَلَمْ يقبلها.