فصل في ذكر البديع من الكلام
1,034 paragraphs · vol. 1, p. 66
Page 4 of 26
- vol. 1, p. 82
وكان البحتري يسمي نحو هذه الأبيات عروق الذهب، وفي نحوه ما يدل على براعته في الصناعة، وحذقه في البلاغة.
-
ومع هذا كله فيه ما نشرحه من الخلل، مع الديباجة الحسنة، والرونق المليح.
-
وذلك أنه جعل الخيال كالبرق لإشراقه في مسراه، كما يقال: إنه يسري كنسيم الصبا، فيطيب ما مر به كذلك يضئ ما مر حوله، وينور ما مر به.
-
وهذا غلو في الصنعة، إلا أن ذكره " بطن وجرة " حشو، وفي ذكره خلل، لأن النور القليل يؤثر في بطون الأرض وما اطمأن منها، بخلاف ما يؤثر في غيرها، فلم يكن من سبيله أن يربط ذلك ببطن وجرة.
-
وتحديده المكان - على الحشو - أحمد من تحديد امرئ القيس من ذكر " سقط اللوى بين الدخول فحومل، فتوضح فالمقراة " لم يقنع
بذكر حد، حتى حده بأربعة حدود، كأنه يريد بيع المنزل فيخشى أن أخلَّ
vol. 1, p. 83بحد أن يكون بيعة فاسداً أو شرطه باطلاً! فهذا باب.
-
ثم إنما يذكر الخيال بخفاء الأثر، ودقة المطلب، ولطف المسلك.
-
وهذا الذى ذكره يضاد هذا الوجه، ويخالف ما وضع عليه أصل الباب.
-
ولا يجوز أن يقدر مقدر أن البحتري قطع الكلام الأول، وابتدأ بذكر برق لمع من ناحية حبيبه من جهة بطن وجرة، لان هذا القطع إن كان فعله، كان خارجاً به، عن النظم المحمود، ولم يكن مبدعاً، ثم كان لا تكون فيه فائدة، لأن كل برق شعل وتكرر وقع الاهتداء به في الظلام، وكان لا يكون بما نظمه مفيداً ولا متقدماً.
-
وهو على ما كان من مقصده، فهو ذو لفظ محمود، ومعنى مستجلب غير مقصود، ويعلم بمثله أنه طلب العبارات، وتعليق القول بالاشارات.
-
وهذا من الشعر الحسن الذى يحلو لفظه، وتقل فوائده ".
-
ومن شواهد تجنى الباقلانى على البحترى قوله في ص ٢٤٠: " وأما قوله: ما الحسنُ عندك يا سعاد بمُحْسِنٍ * * فيما أتاه ولا الجمال بِمُجْمِلِ عذل المشوق وإن من سيما الهوى * * في حيث يجهله لجاج العذل قوله في البيت الأول: " عندك " حشو، وليس بواقع ولا بديع، وفيه كلفة، والمعنى الذي قصده، أنت تعلم أنه متكرر على لسان الشعراء.
-
وفيه شئ آخر، لأنه يذكر أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده.
-
وتهييم قلبه، وضد هذا المعنى هو الذي يميل إليه أهل الهوى والحب.
-
وبيت كشاجم أسلم من هذا وأبعد من الخلل، وهو قوله: بحياة حُسنك أَحْسني، وبحقِّ من * * جَعَل الجمالَ عليك وقفاً أَجْمِلي " ولست أرى رأى الباقلانى في أن كلمة " عندك " قد وقعت حشوا متكلفا، ليست بواقعة ولا بديعة، وإنما هي في هذا المقام قد وقعت موقعها الطبيعي البديع
ولم يجتلبها التكلف حشوا لا يغنى غناءه في تأدية المعنى، وإنما هي أصيلة في أصل المعنى، ولا يؤدى معناها غيرها.
-
ولست أشك كذلك في أن بيت البحترى أمثل من بيت كشاجم.
-
ويخيل إلى أن الباقلانى قد ضل عنه معنى بيت البحترى، إذ فهم أنه " يذكر
vol. 1, p. 84أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده وتهييم قلبه ".
-
وإنى أفهم أن المعنى الذى أراغ إليه البحترى: أن حسنها لم يحسن إليه بما يود الحبيب من حبيبه أن يحسن إليه به، مما يمتع نفسه، ويروى ظمأ حبه، وأن جمالها لم يجمل بإصفاء المودة، وإنالة جنى الحب المشتهى.
-
وبذلك يتسق معنى البيت، مع المعنى الذى يميل إليه أهل الهوى.
-
والحب.
-
ولئن كان الباقلانى قد أخطأ في نقد بيت البحترى الاول، وضل عن معناه، فإنه أصاب في نقده للبيت الثاني، حيث يقول: " وأما البيت الثاني فإن قوله: " في حيث " حشا بقوله كلامه، ووقع ذلك مستنكراً وحشياً نافراً عن طبعه، جافياً في وضعه، فهو كرقعة من جلد في ديباج حسن! فهو يمحو حسنه، ويأتي على جماله.
-
ثم في المعنى شئ، لأن لجاج العذل لا يدل على هوى مجهول، ولو كان مجهولاً لم يهتدوا للعذل عليه.
-
فعلم أن المقصد استجلاب العبارات.
-
ثم لو سلم من هذا الخلل لم يكن في البيت معنى بديع، ولا شئ يفوت قول الشعراء في العذل، فإن ذلك جملهم الذلول، قولهم المكرر المقول " * * * ثم قال الباقلانى في ص ٣٧٤ " وأما الغرض الذي صنفنا فيه، في التفصيل والكشف عن إعجاز القرآن، فلم نجده على التقريب الذي قصدنا، وقد رجونا أن يكون ذلك مغنيا ووافيا.
-
وقد قصدنا فيما أمليناه الاختصار، ومهدنا الطريق ".
-
ثم عرض لنقد الجاحظ في ص ٣٧٧: بأن كلامه قريب، ومنهاجه معيب ونطاق قوله ضيق.
-
ومن أجل ذلك يستعين بكلام غيره، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه، من بيت سائر، ومثل نادر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة، فإذا أطال ولم يستعن بكلام غيره، كان كلامه ككلام غيره.
-
ثم زعم أن أبا الفضل بن العميد قد سلك مسلكه، ونازعه طريقته، فلم يقصر عنه.
-
ولعله قد بان تقدمه عليه، لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على حدود مذهبه، ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من نحو كلامه، كما ترى الجاحظ يفعل
vol. 1, p. 85في كتبه، متى ذكر من كلامه سطراً أتبعه من كلام الناس أوراقاً، وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتابا ".
-
وفى هذا الكلام حق كثير، وظلم مبين، وأين كلام ابن العميد من سحر الجاحظ؟ هيهات هيهات أن يقارنه أو يقاربه.
-
* * * ثم عقد فصلا في ص ٣٨٠ لبيان أن عجز سائر أهل الاعصار عن الاتيان بمثل القرآن ثابت، كعجز أهل العصر الاول.
-
ثم أعقبه بفصل في التحدي ووجه الحاجة إليه في باب القرآن ص ٣٨٢.
-
وتلاه بفصل في قدر المعجز من القرآن عند الاشاعرة والمعتزلة ص ٣٨٦.
-
" فذهب عامة الاشاعرة إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن: السورة، قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها.
قال الاشعري: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة، وإن كانت سورة الكوثر، فذلك معجز، ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر.
-
وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهي معجزة ".
-
وبعده فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة؟ ص ٣٩٣ وقد ذهب إلى
أن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك غير البليغ من العرب، فأما البليغ الذى أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة، فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه عن الاتيان بمثله، ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه.
-
وجعل الفصل الذى يليه ص ٣٩٤ فيما يتعلق به الاعجاز: أهو الحروف المنظومة؟ أم الكلام القائم بالذات؟ أم غير ذلك؟ وذهب إلى أن التحدي واقع إلى أن يأتوا بمثل الحروف المنظومة، التي هي عبارة عن كلام الله تعالى، في نظمها وتأليفها، وهي حكاية لكلامه، ودلالات عليه، وأما رات له، على أن يكونوا مستأنفين لذلك، لا حاكمين لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم.
-
ثم ذكر فصلا في وصف وجوه من البلاغة، بدأه بقوله: " ذكر بعض أهل الأدب والكلام: أن البلاغة على عشرة أقسام..".
-
وهذا البعض الذى لم يشأ
vol. 1, p. 86أن يصرح باسمه، هو معاصره أبو الحسن: على بن عيسى الرماني المعتزلي وقد نقل الباقلانى هذا الفصل الطويل بأمثلته من كتابه: " النكت في إعجاز القرآن " ، وعلق عليه تعليقات شتى.
-
وقد ذيلت كل مثال نقله بما قاله الرماني فيه، لتتم فائدة القارئ، وليستبين الفرق بين الرجلين.
-
ثم عقد الباقلانى فصلا في حقيقة المعجز ص ٤٣٦، فبين معنى إعجازه على أصول الاشاعرة بأنه لا يقدر العباد عليه، وإنما ينفرد الله بالقدرة عليه، ولما لم يقدر عليه أحد شبه بما يعجز عنه العاجز، وإنما لا يقدر العباد على مثله، لأنه لو صحّ أن يقدروا عليه بطلت دلالة المعجز، وقد أجرى الله العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم وأن لا يقدروا عليه.