الخاء بعدها الضاد
161 paragraphs · vol. 2, p. 246
Page 1 of 5
- vol. 2, p. 246
[٢٢٧٥- الخضر صاحب موسى عليه السلام: ]
-
اختلف في نسبه وفي كونه نبيا، وفي طول عمره وبقاء حياته، وعلى تقدير بقائه إلى زمن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وحياته بعده. فهو داخل في تعريف الصّحابي على أحد الأقوال، ولم أر من ذكره فيهم من القدماء، مع ذهاب الأكثر إلى الأخذ بما ورد من أخباره في تعميره وبقائه، وقد جمعت من أخباره ما انتهى إليّ علمه مع بيان ما يصحّ من ذلك وما لا يصح:
[باب نسبه]
-
قيل: هو ابن آدم لصلبه، وهذا قول رواه الدارقطنيّ في الأفراد، من طريق روّاد بن الجراح، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس، وروّاد ضعيف، ومقاتل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
-
القول الثاني: أنه ابن قابيل بن آدم، وذكره أبو حاتم السّجستاني في كتاب «المعمّرين» ، قال: حدثنا مشيختنا منهم أبو عبيدة فذكروه وقالوا: هو أطول الناس عمرا، وهذا معضل.
-
وحكى صاحب هذه المقالة أن اسمه خضرون وهو الخضر، [وقيل اسمه عامر، وذكره أبو الخطاب بن دحية، عن ابن حبيب البغداديّ] «١» .
-
القول الثالث: جاء عن وهب بن منبه أنه بليا بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن عامر بن أرفخشد «٢» بن نوح، وبهذا قال ابن قتيبة.
-
وحكاه النووي، وزاد: وقيل كلمان بدل ملكان.
-
القول الرّابع: جاء عن إسماعيل ابن أبي أويس أنه المعمر بن مالك بن عبد اللَّه بن نصر بن الأزد.
-
القول الخامس: هو ابن عمائيل بن النوار بن العيص بن إسحاق، حكاه ابن قتيبة أيضا. وكذا سمى أباه عمائيل مقاتل.
-
القول السّادس: إنه من سبط هارون أخي موسى روى عن الكلبيّ عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ابن عباس، وهو بعيد.
- vol. 2, p. 247
وأعجب منه قول ابن إسحاق أنه أرميا بن خلفيا، وقد رد ذلك أبو جعفر بن جرير.
-
القول السابع: أنه ابن بنت فرعون، حكاه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة. وقيل ابن فرعون لصلبه، حكاه النقاش.
-
القول الثامن: أنه اليسع، حكى عن مقاتل أيضا، وهو بعيد أيضا.
-
القول التاسع: أنه من ولد فارس، جاء ذلك عن ابن شوذب، أخرجه الطّبري بسند جيّد من رواية ضمرة بن ربيعة. عن ابن شوذب.
-
القول العاشر: أنه من ولد بعض من كان [آمن بإبراهيم] «١» ، وهاجر معه من أرض بابل، حكاه ابن جرير الطبري في تاريخه.
-
وقيل كان أبوه فارسيا وأمّه روميّة.
-
وقيل كان أبوه روميا وأمه فارسيّة.
-
وثبت في الصّحيحين أنّ سبب تسميته الخضر أنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتزّ تحته خضراء، هذا لفظ أحمد من رواية ابن المبارك، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة. والفروة الأرض اليابسة.
وقال أحمد: حدّثنا عبد الرّزّاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة- رفعه- «إنّما سمّي الخضر خضرا لأنّه جلس على فروة فاهتزّت تحته خضراء» .
-
والفروة: الحشيش الأبيض.
قال عبد اللَّه بن أحمد: أظنه تفسير عبد الرزاق. وفي الباب عن ابن عباس، من طريق قتادة، عن عبد اللَّه بن الحارث، ومن طريق منصور عن مجاهد، قال النوويّ: كنيته أبو العباس. وهذا متفق عليه.
-
[باب ما ورد في كونه نبيا]
قال اللَّه تعالى في خبره مع موسى حكاية عنه: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:
٨٢] ، وهذا ظاهره أنه فعله بأمر اللَّه، والأصل عدم الواسطة.
-
ويحتمل أن يكون بواسطة نبيّ آخر لم يذكر، وهو بعيد، ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام، لأن ذلك لا يكون من غير النبيّ وحيا يعمل به من قتل النفس وتعريض الأنفس للغرق.
- vol. 2, p. 248
فإن قلنا إنه نبيّ فلا إنكار في ذلك وأيضا فكيف يكون غير النبيّ أعلم من النبي؟ وقد
أخبر النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح أن اللَّه قال لموسى: «بلى، عبدنا خضر» .
-
وأيضا فكيف يكون النبي تابعا لغير نبيّ؟
-
وقد قال الثّعلبيّ: هو نبي في سائر الأقوال، وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقد يحلّ من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبيا، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبيّ إلى أن الوليّ أفضل من النبي، كما قال قائلهم:
مقام النّبوّة في برزخ ... فويق الرّسول ودون الوليّ
[المتقارب] ثم اختلف من قال إنه كان نبيا، هل كان مرسلا؟ فجاء عن ابن عباس ووهب بن منبه أنه كان نبيا غير مرسل.
-
وجاء عن إسماعيل بن أبي زياد، ومحمد بن إسحاق، وبعض أهل الكتاب أنه أرسل إلى قومه فاستجابوا له.
-
ونصر هذا القول أبو الحسن الرّماني، ثم ابن الجوزيّ.
وقال الثّعلبيّ: هو نبيّ على جميع الأقوال معمّر محجوب عن الأبصار.
وقال أبو حيّان في تفسيره: والجمهور على أنه نبيّ، وكان علمه معرفة بواطن أوحيت إليه، وعلم موسى الحكم بالظاهر، وذهب إلى أنه كان وليا جماعة من الصوفيّة، وقال به أبو علي بن أبي موسى من الحنابلة، وأبو بكر بن الأنباري في كتابه الزّاهر، بعد أن حكى عن العلماء قولين هل كان نبيا أو وليا.
وقال أبو القاسم القشيريّ في رسالته: لم يكن الخضر نبيّا وإنما كان وليّا.
-
وحكى الماورديّ قولا ثالثا: إنه مالك من الملائكة يتصوّر في صورة الآدميين.
وقال أبو الخطّاب بن دحية: لا ندري هل هو ملك أو نبي أو عبد صالح.
-
وجاء من طريق أبي صالح كاتب اللّيث، عن يحيى بن أيوب، عن خالد بن يزيد أن كعب الأحبار، قال: إن الخضر بن عاميل ركب في نفر من أصحابه حتى بلغ بحر الهند، وهو بحر الصين «١» ، فقال: يا أصحابي، دلّوني، فدلّوه في البحر أياما وليالي، ثم صعد،
vol. 2, p. 249فقالوا له: يا خضر، ما رأيت، فلقد أكرمك اللَّه، وحفظ لك نفسك في لجّة هذا البحر؟
فقال: استقبلني ملك من الملائكة فقال لي: أيها الآدمي الخطّاء، إلى أين؟ ومن أين؟ فقلت أردت أن انظر عمق هذا البحر، فقال لي: كيف وقد هوى رجل من زمان داود النبيّ عليه السّلام ولم يبلغ ثلث قعره حتى السّاعة، وذلك منذ ثلاثمائة سنة؟
-
أخرجه أبو نعيم في ترجمة كعب من الحلية.
وقال أبو جعفر بن جرير في تاريخه: كان الخضر ممن كان في أيام أفريدون الملك في قول عامّة أهل الكتاب الأول، وقيل: إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الّذي كان أيام إبراهيم الخليل، وإنه بلغ مع ذي القرنين الّذي ذكر أنّ الخضر كان في مقدمته نهر الحياة، فشرب من مائه، وهو لا يعلم ولا يعلم ذو القرنين ومن معه فخلد، وهو عندهم حيّ إلى الآن، قال ابن جرير: وذكر ابن إسحاق أن اللَّه استخلف على بني إسرائيل رجلا منهم، وبعث الخضر معه نبيا، قال ابن جرير: بين هذا الوقت وبين أفريدون أزيد من ألف عام.
قال: وقول من قال إنه كان في أيام أفريدون أشبه، إلا أن يحمل على أنه لم يبعث نبيّا إلا في زمان ذلك الملك.
قلت: بل يحتمل أن يكون
- قوله: «وبعث معه الخضر نبيّا» :
-
أي أيّده به، إلا أن يكون ذلك الوقت وقت إنشاء نبوته، فلا يمتنع أن يكون نبيا قبل ذلك، ثم أرسل مع ذلك الملك.
-
وإنما قلت ذلك لأن غالب أخباره مع موسى هي الدالة على تصحيح قول من قال إنه كان نبيا.
-
وقصته مع ذي القرنين ذكرها جماعة منهم خيثمة بن سليمان، من طريق جعفر الصّادق، عن أبيه أن ذا القرنين كان له صديق من الملائكة، فطلب منه أن يدله على شيء يطول به عمره، فدلّه على عين الحياة، وهي داخل الظلمات، فسار إليها والخضر على مقدمته، فظفر بها الخضر دونه.
-
ومما يستدلّ به على نبوّته ما أخرجه عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس، قال: قال موسى لما لقي الخضر: «السّلام عليك يا خضر» . فقال: «وعليك السّلام يا موسى» ، قال:
«وما يدريك أنّي موسى» ؟ قال: «أدراني بك الّذي أدراك بي» .
وقال وهب بن منبّه في المبتدإ: قال اللَّه تعالى للخضر: لقد أحببتك قبل أن أخلقك، ولقد قدّستك حين خلقتك، ولقد أحببتك بعد ما خلقتك.
-
وكان نبيّا مبعوثا إلى بني إسرائيل بتجديد عهد موسى، فلما عظمت الأحداث في بني
vol. 2, p. 250إسرائيل، وسلّط عليهم بخت نصّر ساح الخضر في الأرض مع الوحش، وأخّر اللَّه عمره إلى ما شاء، فهو الّذي يراه الناس.
-
[باب ما ورد في تعميره والسبب في ذلك]
-
روى الدّارقطنيّ بالإسناد الماضي، عن ابن عباس، قال: «نسيء للخضر في أجله حتّى يكذّب الدّجال» .
-
وذكر ابن إسحاق في المبتدإ قال: حدثنا أصحابنا أن آدم لما حضره الموت جمع بنيه وقال: إن اللَّه تعالى منزّل على أهل الأرض عذابا فليكن جسدي معكم في المغارة حتى تدفنون بأرض الشام. فلما وقع الطّوفان قال نوح لبنيه: إن آدم دعا اللَّه أن يطيل عمر الّذي يدفنه إلى يوم القيامة، فلم يزل جسد آدم حتّى كان الخضر هو الّذي تولّى دفنه، وأنجز اللَّه له ما وعده، فهو يحيا إلى ما شاء اللَّه أن يحيا.
-
وقال أبو مخنف لوط بن يحيى في أول كتاب المعمّرين له: أجمع أهل العلم بالأحاديث والجمع لها أنّ الخضر أطول آدمي عمرا وأنه خضرون بن قابيل بن آدم.
-
وروى ابن عساكر في ترجمة ذي القرنين من طريق خيثمة بن سليمان: حدثنا أبو عبيدة ابن أخي هنّاد، حدّثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبي جعفر، عن أبيه- أنه سئل عن ذي القرنين، فقال: كان عبدا من عباد اللَّه صالحا، وكان من اللَّه بمنزل ضخم، وكان قد ملك ما بين المشرق والمغرب، وكان له خليل من الملائكة يقال له رفائيل، وكان يزوره، فبينما هما يتحدثان إذ قال له: حدثني كيف عبادتكم في السّماء؟