الخاء بعدها الضاد
161 paragraphs · vol. 2, p. 246
Page 2 of 5
- vol. 2, p. 250
فبكى، وقال: وما عبادتكم عند عبادتنا؟ إن في السّماء لملائكة قياما لا يجلسون أبدا، وسجودا لا يرفعون أبدا، وركّعا لا يقومون أبدا. يقولون ربّنا ما عبدناك حقّ عبادتك» ، فبكى ذو القرنين ثم قال: يا رفائيل، إني أحب أن أعمّر حتى أبلغ عبادة ربي حقّ طاعته، قال:
وتحبّ ذلك؟ قال: نعم، قال: فإنّ للَّه عينا تسمّى عين الحياة، من شرب منها شربة لم يمت أبدا، حتّى يكون هو الّذي يسأل ربه الموت.
قال ذو القرنين: فهل تعلم موضعها؟ قال: لا، غير أنّا نتحدّث في السّماء أنّ للَّه ظلمة في الأرض لم يطأها إنس ولا جانّ، فنحن نظنّ أن تلك العين في تلك الظلمة.
-
فجمع ذو القرنين علماء الأرض، فسألهم عن عين الحياة، فقالوا: لا نعرفها، قال:
فهل وجدتم في علمكم أنّ للَّه ظلمة؟ فقال عالم منهم: لم تسأل عن هذا؟ فأخبره، فقال:
إني قرأت في وصية آدم ذكر هذه الظّلمة، وأنها عند قرن الشمس.
- vol. 2, p. 251
فتجهّز ذو القرنين، وسار اثنتي عشرة سنة، إلى أن بلغ طرف الظلمة، فإذا هي ليست بليل. وهي تفور مثل الدّخان، فجمع العساكر، وقال: إني أريد أن أسلكها، فمنعوه، فسأله العلماء الذين معه أن يكفّ عن ذلك لئلا يسخط اللَّه عليهم، فأبي، فانتخب من عسكره ستة آلاف رجل على ستة آلاف فرس أنثى بكر، وعقد للخضر على مقدمته في ألفي رجل، فسار الخضر بين يديه، وقد عرف ما يطلب، وكان ذو القرنين يكتمه ذلك، فبينما هو يسير إذا عارضه واد، فظنّ أن العين في ذلك الوادي، فلما أتى شفير الوادي استوقف أصحابه، وتوجّه فإذا هو على حافة عين من ماء، فنزع ثيابه، فإذا ماء أشدّ بياضا من اللبن، وأحلى من الشّهد، فشرب منه، وتوضّأ واغتسل، ثم خرج فلبس ثيابه، وتوجّه، ومرّ ذو القرنين فأخطأ الظّلمة، وذكر بقية الحديث.
-
ويروى عن سليمان الأشجّ صاحب كعب الأحبار، عن كعب الأحبار، أنّ الخضر كان وزير ذي القرنين، وأنه وقف معه على جبل الهند، فرأى ورقة فيها: بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، من آدم أبي البشر إلى ذرّيته: أوصيكم بتقوى اللَّه، وأحذّركم كيد عدوّي وعدوّكم إبليس، فإنّه أنزلني هنا» ، قال: فنزل ذو القرنين، فمسح جلوس آدم، فكان مائة وثلاثين ميلا.
-
ويروى عن الحسن البصريّ، قال: وكل إلياس بالفيافي، ووكل الخضر بالبحور، وقد أعطيا الخلد في الدّنيا إلى الصيحة الأولى، وأنهما يجتمعان في موسم كل عام.
قال الحارث بن أبي أسامة في «مسندة» : حدّثنا عبد الرحيم بن واقد، حدثني محمد بن بهرام، حدثنا أبان عن أنس، قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «إنّ الخضر في البحر:
واليسع في البرّ، يجتمعان كلّ ليلة عند الرّدم الّذي بناه ذو القرنين بين النّاس وبين يأجوج ومأجوج ويحجّان ويعتمران كلّ عام، ويشربان من زمزمكم شربة تكفيهما إلى قابل»
-
«١» . قلت: وعبد الرحيم وأبان متروكان.
-
وقال عبد اللَّه بن المغيرة، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن كعب، قال: الخضر على منبر من نور بين البحر الأعلى والبحر الأسفل. وقد أمرت دوابّ البحر أن تسمح له وتطيع، وتعرض عليه الأرواح غدوة وعشية، ذكره العقيلي.
وقال: عبد اللَّه بن المغيرة يحدّث بما لا أصل له.
vol. 2, p. 252وقال ابن يونس: إنه منكر الحديث.
-
وروى ابن شاهين بسند ضعيف إلى خصيف، قال: أربعة من الأنبياء أحياء: اثنان في السماء عيسى وإدريس، واثنان في الأرض: الخضر وإلياس، فأما الخضر فإنه في البحر، وأما صاحبه فإنه في البرّ، وسيأتي في الباب الأخير أشياء من هذا الجنس كثيرة.
وقال الثعلبيّ: يقال إن الخضر لا يموت إلا في آخر الزمان عند رفع القرآن.
وقال النّوويّ في «تهذيبه» : قال الأكثرون من العلماء: هو حيّ موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصّوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكايتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تذكر.
وقال أبو عمرو بن الصّلاح في فتاويه: هو حيّ عند جماهير العلماء الصّالحين والعامة منهم، قال: وإنما شدّ بإنكاره بعض المحدثين.
قلت: اعتنى بعض المتأخرين بجمع الحكايات المأثورة عن الصّالحين وغيرهم ممن بعد الثلاثمائة وبعد العشرين مع ما في أسانيد بعضها ممن يضعف، لكثرة أغلاظه أو اتهامه بالكذب، كأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي الحسن بن جهضم، ولا يقال يستفاد من هذه الأخبار التواتر المعنويّ، لأن التواتر لا يشترط ثقة رجاله ولا عدالتهم، وإنما العمدة على ورود الخبر بعدد يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، فإن اتفقت ألفاظه فذاك وإن اختلفت فمهما اجتمعت فيه فهو التواتر المعنوي.
-
وهذه الحكاية تجتمع في أنّ الخضر حيّ، لكن بطرق حكاية القطع بحياته قول بعضهم: إنّ لكل زمان خضرا، وإنه نقيب الأولياء، وكلمات مات نقيب أقيم نقيب بعده مكانه، ويسمى الخضر.
-
وهذا قول تداولته جماعة من الصّوفية من غير نكير بينهم، ولا يقطع مع هذا بأن الّذي ينقل عنه أنه الخضر هو صاحب موسى، بل هو خضر ذلك الزمان.
-
ويؤيده اختلافهم في صفته، فمنهم من يراه شيخا أو كهلا أو شابا، وهو محمول على تغاير المرئي وزمانه. واللَّه أعلم.
وقال السّهيليّ في كتاب «التعريف والأعلام» : اسم الخضر مختلف فيه، فذكر بعض ما تقدم، وذكر في قول من قال: إنه ابن عاميل بن سماطين بن أرما «١» بن حلفا «٢» بن
vol. 2, p. 253عيصو بن إسحاق، وأنّ أباه كان ملكا وأمّه كانت فارسية اسمها إلها، وأنها ولدته في مغارة، وأنه وجد هناك شاة ترضعه في كل يوم من غنم رجل من القرية، فأخذه الرجل وربّاه، فلما شبّ طلب الملك كاتبا يكتب له الصّحف التي أنزلت على إبراهيم، فجمع أهل المعرفة والنبالة، فكان فيمن أقدم عليه ابنه الخضر وهو لا يعرفه، فلما استحسن خطّه ومعرفته بحث عن جليّة أمره حتى عرف أنه ابنه فضمّه إلى نفسه وولاه أمر الناس.
-
ثم إنّ الخضر فرّ من الملك لأسباب يطول ذكرها إلى أن وجد عين الحياة فشرب منها فهو حيّ إلى أن يخرج الدجّال، فإنه الرّجل الّذي يقتله الدجال ثم يحييه، قال: وقيل إنه لم يدرك زمن النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم، وهذا لا يصح، قال: وقال البخاريّ وطائفة من أهل الحديث: مات الخضر قبل انقضاء مائة سنة من الهجرة. وقال: ونصر شيخنا أبو بكر بن العربيّ هذا
لقوله صلّى اللَّه عليه وسلّم: «على رأس مائة سنة لا يبقى على الأرض ممّن هو عليها أحد»
-
«١» يريد ممّن كان حيا حين هذه المقالة. قال: وأما اجتماعه مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وتعزيته لأهل البيت وهم مجتمعون لغسله عليه الصلاة والسلام فروي من طرق صحاح، منها: ما ذكره ابن عبد البر في التمهيد، وكان إمام أهل الحديث في وقته، فذكر الحديث في تعزية الصحابة بالنبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم يسمعون القول ولا يرون القائل، فقال لهم علي: هو الخضر، قال: وقد ذكر ابن أبي الدنيا من طريق مكحول، عن أنس، اجتماع إلياس النبي بالنبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم، وإذا جاز بقاء إلياس إلى العهد النبوي جاز بقاء الخضر انتهى ملخصا.
-
وتعقّبه أبو الخطّاب بن دحية بأن الطرق التي أشار إليها لم يصح منها شيء، ولا يثبت اجتماع الخضر مع أحد من الأنبياء إلّا مع موسى كما قصّه اللَّه من خبره.
قال: وجميع ما ورد في حياته لا يصح منه شيء باتفاق أهل النّقل، وإنما يذكر ذلك من يروي الخبر، ولا يذكر علّته، إما لكونه لا يعرفها، وإما لوضوحها عند أهل الحديث، قال: وأما ما جاء عن المشايخ فهو مما ينقم منه كيف يجوز لعاقل أن يلقى شخصا لا يعرفه، فيقول له: أنا فلان فيصدّقه؟
قال: وأما حديث التّعزية الّذي ذكره أبو عمر فهو موضوع.
-
رواه عبد اللَّه بن المحرر، عن يزيد بن الأصم، عن عليّ. وابن محرر متروك، وهو الّذي قال ابن المبارك في حقه كما أخرجه مسلم في مقدّمة صحيحه: فلما رأيته كانت بعرة أحبّ إليّ منه، ففضل رؤية النجاسة على رؤيته.
vol. 2, p. 254قلت: قد جاء ذكر التعزية المذكورة من غير رواية عبد اللَّه بن محرر، كما سأذكره بعد، وأما حديث مكحول عن أنس فموضوع، ثم نقل تكذيبه عن أحمد ويحيى وإسحاق وأبي زرعة، قال: وسياق المتن ظاهر النكارة، وأنه من الخرافات. انتهى كلامه ملخصا.
-
وسأذكر حديث أنس بطوله، وأنّ له طريقا غير التي أشار إليها السّهيلي. وتمسّك من قال بتعميره بقصة عين الحياة، واستندوا إلى ما وقع من ذكرها في صحيح البخاري وجامع الترمذي، لكن لم يثبت ذلك مرفوعا، فليحرر ذكر شيء من أخبار الخضر قبل بعثة النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم:
قد قص اللَّه تعالى في كتابه ما جرى لموسى عليه السلام، وأخرجه الشيخان من طرق، عن أبيّ بن كعب، وفي سياق القصّة زيادات في غير الصّحيح، قد أتيت عليها في فتح الباري.
-
وثبت في الصّحيحين أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «وددت أنّ موسى صبر حتى يقصّ علينا من أمرهما»
-
وهذا مما استدل به من زعم أنه لم يكن حالة هذه المقالة موجودا، إذ لو كان موجودا لأمكن أن يصحبه بعض أكابر الصحابة فيرى منه نحوا مما رأى موسى.
-
وقد أجاب عن هذا من ادّعى بقاءه بأن التمني إنما كان لما يقع بينه وبين موسى عليه السلام، وغير موسى لا يقوم مقامه.
-
ومن أخباره مع غير موسى ما
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» من وجهين. عن بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الالهاني، عن أبي أمامة الباهليّ- أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال لأصحابه: «ألا أحدّثكم عن الخضر؟» قالوا: بلى يا رسول اللَّه قال: «بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب، فقال: تصدّق عليّ بارك اللَّه فيك. قال الخضر: آمنت باللَّه، ما شاء اللَّه من أمر يكن، ما عندي من شيء أعطيكه فقال المسكين:
أسألك بوجه اللَّه لما تصدّقت عليّ، فإنّي نظرت السماحة في وجهك. ورجوت البركة عندك.
فقال الخضر: آمنت باللَّه، ما عندي شيء أعطيكه إلّا أن تأخذ بي فتبيعني. فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟ فقال: نعم. الحقّ أقول، لقد سألتني بأمر عظيم، أما إنّي لا أخيّبك بوجه ربّي، بعني، قال: فقدّمه إلى السّوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زمانا لا يستعمله في شيء، فقال له: إنّك إنما اشتريتني التماس خير عندي، فأوصني بعمل. قال: أكره أن أشقّ عليك، إنّك شيخ كبير ضعيف. قال: ليس يشقّ عليّ. قال: فقم فانقل هذه الحجارة، وكان لا ينقلها دون ستّة نفر في يوم، فخرج الرّجل لبعض حاجته، ثمّ انصرف، وقد نقل الحجارة في ساعة: فقال: أحسنت وأجملت، وأطقت ما لم أرك تطيقه قال: ثمّ عرض للرّجل سفر، فقال:
vol. 2, p. 255إنّي أحسبك أمينا، فاخلفني في أهلي خلافة حسنة. قال: نعم، وأوصني بعمل، قال: أنّي أكره أن أشقّ عليك. قال: ليس يشقّ عليّ. قال: فاضرب من اللّبن لبيتي حتّى أقدم عليك. قال:
ومرّ الرّجل لسفره، ثمّ رجع وقد شيّد بناءه فقال: أسألك بوجه اللَّه ما سبيلك وما أمرك؟ قال:
سألتني بوجه اللَّه، ووجه اللَّه أوقعني في العبوديّة. فقال الخضر: سأخبرك من أنا؟ أنا الخضر الّذي سمعت به، سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي شيء أعطيه فسألني بوجه اللَّه، فمكّنته من رقبتي فباعني، وأخبرك أنّه من سئل بوجه اللَّه فردّ سائله وهو يقدر وقف يوم القيامة وليس على وجهه جلد ولا لحم ولا عظم يتقعقع» .
فقال الرّجل: آمنت باللَّه، شققت عليك يا نبيّ اللَّه ولم أعلم قال: لا بأس، أحسنت وأبقيت. فقال الرّجل: بأبي وأمّي يا نبيّ اللَّه، احكم في أهلي ومالي بما شئت، أو اختر فأخلّي سبيلك قال: أحبّ أن تخلّي سبيلي، فأعبد ربّي. قال: فخلّى سبيله، فقال الخضر: الحمد للَّه الّذي أوثقني في العبوديّة ثمّ نجّاني منها» .
قلت: وسند هذا الحديث حسن لولا عنعنة بقية، ولو ثبت لكان نصّا أن الخضر نبي لحكاية النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم وقول الرجل: يا نبيّ اللَّه، وتقريره على ذلك.
-
[ذكر من ذهب إلى أن الخضر مات]
-
نقل أبو بكر النقاش في تفسيره عن علي بن موسى الرضا وعن محمد بن إسماعيل البخاريّ، أن الخضر مات وأن البخاري سئل عن حياة الخضر، فأنكر ذلك واستدلّ بالحديث: أن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد، وهذا أخرجه هو في الصّحيح عن ابن عمر، وهو عمدة من تمسّك بأنه مات، وأنكر أن يكون باقيا.
-
أبو حيّان في تفسيره: الجمهور على أنه مات. ونقل عن ابن أبي الفضل المرسيّ أنّ الخضر صاحب موسى مات، لأنه لو كان حيا لزمه المجيء إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم والإيمان به واتباعه.
-
وقد
روي عن النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعي»
-
وأشار إلى أن الخضر هو غير صاحب موسى.
-
وقال غيره لكل زمان خضر، وهي دعوى لا دليل عليها ونقل أبو الحسين بن المنادي في كتابه الّذي جمعه في ترجمة الخضر عن إبراهيم الحربي أنّ الخضر مات. وبذلك جزم ابن المنادي المذكور.
-
ونقل أيضا عن علي بن موسى الرضا، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه قال:
vol. 2, p. 256صلّى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلّم قال: «أرأيتكم ليلتكم هذه فإنّ على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض أحد» .
-
وأخرجه مسلم من حديث جابر، قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قبل موته بشهر: «تسألوني السّاعة، وإنّما علمها عند اللَّه أقسم ما على الأرض نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة»
-
«١» هذه رواية أبي الزبير عنه.
وفي رواية أبي نضرة عنه، قال قبل موته بقليل أو بشهر: «ما من نفس ... وزاد في آخره: «وهي يومئذ حيّة» .
-
وأخرجه التّرمذيّ من طريق أبي سفيان، عن جابر نحو رواية أبي الزبير.
-
وذكر ابن الجوزيّ في جزئه الّذي جمعه في ذلك، عن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، قال: سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات؟ فقال: نعم. قال: وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي، وكان يحتج بأنه لو كان حيّا لجاء إلى النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم.
قلت: ومنهم أبو الفضل بن ناصر، والقاضي أبو بكر بن العربيّ، وأبو بكر بن محمد بن الحسين النقاش، واستدل ابن الجوزيّ بأنه كان حيّا مع ما ثبت أنه كان في زمن موسى وقبل ذلك. لكان قدر جسده مناسبا لأجساد أولئك. ثم ساق بسند له إلى أبي عمران الجوني، قال: كان أنف دانيال ذراعا، ولما كشف عنه في زمن أبي موسى قام رجل إلى جنبه فكانت ركبة دانيال محاذية لرأسه، قال: والذين يدّعون رؤية الخضر ليس في سائر أخبارهم ما يدلّ على أنّ جسده نظير أجسادهم، ثم استدلّ بما
أخرجه أحمد من طريق مجاهد عن الشعبي عن جابر- أنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «والّذي نفسي بيده لو أنّ موسى كان حيّا ما وسعه إلا أن يتّبعني»
-
«٢» . قال: فإذا كان هذا في حقّ موسى فكيف لم يتبعه الخضر: إذ لو كان حيّا فيصلّي معه الجمعة والجماعة ويجاهد تحت رايته، كما ثبت أن عيسى يصلي خلف إمام هذه الأمة «٣» واستدلّ أيضا بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ...
-
[آل عمران: ٨١] الآية.
vol. 2, p. 257وقال ابن عبّاس: ما بعث اللَّه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق إن بعث محمد وهو حيّ ليؤمنن به ولينصرنه، فلو كان الخضر موجودا في عهد النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم لجاء إليه ونصره بيده ولسانه، وقاتل تحت رايته، وكان من أعظم الأسباب في إيمان معظم أهل الكتاب الّذي يعرفون قصته مع موسى.
وقال أبو الحسين بن المنادي: بحثت عن تعمير الخضر، وهل هو باق أم لا؟ فإذا أكثر المغفّلين مغترّون بأنه باق من أجل ما روى في ذلك، قال: والأحاديث المرفوعة في ذلك واهية، والسّند إلى أهل الكتاب ساقط لعدم ثقتهم، وخبر مسلمة بن مصقلة كالخرافة وخبر رياح كالريح، قل: وما عدا ذلك كلّه من الأخبار كلها واهية الصدور والأعجاز. حالها من أحد أمرين، إما أن تكون أدخلت على الثقات استغفالا، أو يكون بعضهم تعمّد ذلك، وقد قال اللَّه تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [الأنبياء: ٣٤] . قال: وأهل الحديث يقولون: إن حديث أنس منكر السند، سقيم المتن، وإن الخضر لم يراسل نبيّا ولم يلقه، قال: ولو كان الخضر حيّا لما وسعه التخلّف عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم والهجرة إليه. قال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أنّ إبراهيم الحربي سئل عن تعمير الخضر فأنكر ذلك، وقال: هو متقادم الموت، قال: وروجع غيره في تعميره، فقال: من أحال على غائب حيّ أو مفقود ميّت لم ينتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشّيطان. انتهى.
-
وقد ذكرت الأخبار التي أشار إليها، وأضفت إليها أشياء كثيرة من جنسها، وغالبها لا يخلو طريقه من علّة، واللَّه المستعان.
-
وفي تفسير الأصبهاني روى عن الحسن أنه كان يذهب إلى أن الخضر مات.
-
وروى عن البخاريّ أنه سئل عن الخضر وإلياس هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون ذلك، وقد قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في آخر عمره: «أرأيتكم ليلتكم هذه فإنّ على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممّن هو اليوم عليها أحد»
-
«١» . واحتج ابن الجوزيّ أيضا بما ثبت
في صحيح البخاريّ أنّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال يوم بدر:
vol. 2, p. 258«اللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»
-
«١» ولم يكن الخضر فيهم، ولو كان يومئذ حيّا لورد على هذا العموم، فإنه كان ممن يعبد اللَّه قطعا.
-
واستدل غيره
بقوله صلّى اللَّه عليه وسلّم: «لا نبيّ بعدي» ،
ونسب إلى ابن دحية القول في ذلك، وهو معترض بعيسى ابن مريم، فإنه نبيّ قطعا، وثبت أنه ينزل إلى الأرض. في آخر الزمان، ويحكم بشريعة النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم، فوجب حمل النفي على إنشاء النبوّة لأحد من الناس لا على نفي وجود نبي كان قد نبئ قبل ذلك.
-
ذكر الأخبار التي وردت أن الخضر كان في زمن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ثم بعده إلى الآن
روى ابن عديّ في «الكامل» ، من طريق عبد اللَّه بن نافع، عن كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان في المسجد، فسمع كلاماً من ورائه، فإذا هو بقائل يقول: اللَّهمّ أعنّي على ما ينجّيني ممّا خوّفتني؟ فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حين سمع ذلك: «ألّا تضمّ إليها أختها؟» فقال الرجل: اللَّهمّ ارزقني شوق الصالحين إلى ما شوّقتهم إليه، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم لأنس بن مالك: «اذهب إليه فقل له: يقول لك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم تستغفر لي» فجاءه أنس فبلّغه، فقال الرجل: يا أنس، أنت رسول رسول اللَّه إليّ، فارجع فاستثبته. فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم: «قل له نعم» . فقال له: اذهب فقل له: إن اللَّه فضّلك على الأنبياء مثل ما فضل به رمضان على الشّهور، وفضّل أمتك على الأمم مثل ما فضّل يوم الجمعة على سائر الأيام، فذهب ينظر إليه فإذا هو الخضر.